دلال عبّاس تُوْدِعُ النَّصَّ روحَها ثُمَّ تنقلهما إلى لغتها

0

دلال عبّاس تُوْدِعُ النَّصَّ روحَها ثُمَّ تنقلهما إلى لغتها

د. نعيمة محمّد شكر

مقدِّمة

ترسَّخت مجموعة من العلاقات المتشابكة بين الشعبين العربيّ والإيرانيّ على مرّ العصور، فأثمرت تلاقحًا اجتماعيًّا وفكريًّا، ونفسيًّا، وحضاريًّا ارتكز على مجموعة كبيرة، ومؤثِّرة من العوامل التي لا تزال تتنامى وتتعمَّق إلى وقتنا الراهن. ولعلَّ السِّمة الرئيسة التي تُميِّز عصرنا الحاليّ عن غيره من العصور السّابقة هي سِمة الانفتاح، والتّلاقي بين الشّعوب والحضارات، وعلى وجه الخصوص بعد ثورة الاتّصالات المتسارعة التي ربطت بين أجزاء العالم وشعوبه بشكلٍ مذهل، لأنَّ التّراث العالميّ ليس ملكًا لأمّةٍ من دون غيرها من الأمم.

إنّ العلاقة بين الشّعوب في تطوّرٍ مستمرّ، وللأدب أهمّيّة كبرى في رفد الحضارة الإنسانيَّة وإغنائها، لذلك بات من الضّروريّ اطّلاع القرّاء العرب، والإيرانيّين على وجهٍ كبير الأهمّيّة من وجوه الانفتاح، وسِمة بارزة من سِمات جسور التّلاقي الفكريّ، والتّلاقح الثّقافيّ بين الشّعبين، ألا وهو دور الأدباء، والمترجمين في نقل كمّ كبير من النِّتاج الأدبيّ الفارسيّ إلى اللّغة العربيّة بغية إطلاع العرب على خيرة ما أنتج في العصر الحاليّ، من النّتاج الأدبيّ، والدّراسات المتخصِّصة. ومن الأدباء الكبار الذين أبدعوا في إخراج جواهر الأدب الفارسيّ إلى العالم العربيّ، وساهموا في إطلاعنا على آداب الأمم الأخرى، ولا سيَّما الأدب الفارسيّ، وفتحوا الباب أمامنا لاستجلاء جوانب التّلاقح الأدبيّ، والاطّلاع على تجاربٍ مبدعيه، الذين أبلوا بلاءً حسنًا في رفد عصر الانفتاح بالتعاون المثمر، والترجمات القيِّمة، الأديبة الأستاذة الدكتورة دلال عبّاس التي كان لها الدور المًهِمّ في التقريب بين الثّقافات المتباينة، لامتلاكها قدرة كبيرة على قراءة خفايا النّصوص، والإحاطة بالغايات البعيدة التي يرمي إليها المُبدع، وبدلالة النّصّ الفارسيّ، ومدى انسجامه مع دلال النّصّ العربيّ، ورؤية الأديب الفارسيّ إلى العالم، ومدى محافظتها على هذه الأمور في ترجماتها الأدبيَّة الجمَّة؛ وإيمانًا منها في أنّ الأدب القوميّ يتكامل مع الآداب الأخرى، في توجيه الوعي الإنسانيّ، والنّهوض به “بوصفه صلات فنّيّة تربط ما بين الشُّعوب والدّول بروابط إنسانيَّة تختلف باختلاف الصُّور والكتاب”([1]).

حقّقت دلال عبّاس نجاحًا كبيرًا منذ أن ترجمت كتاب التديُّن والنِّفاق بلسان القطّ والفأر للشيخ البهائيّ، لتغوص بعدها أكثر فأكثر في جواهر النَّثر، والشِّعر، والفلسفة، والرِّواية، والتَّاريخ، والاجتماع، والإشراف على أطاريح في الأدب المقارن، ولتُسهم إسهامًا فعّالاً في تعزيز التّعاون الثّقافي بين الأمّتين العربيّة والإيرانيّة، ولتتربَّع على عرش الأدباء والمترجمين المشهورين، وذلك بشهادة كبار الأدباء، والفقهاء، والأساتذة، والعلماء. وفي هذا المقام، تستحضرني رسالة أرسلها رئيس مجلس النوّاب الإيرانيّ السّابق الدكتور عادل حدّاد مدير عامّ مؤسّسة دائرة المعارف الإسلاميَّة إلى الأستاذة دلال عبّاس يثمّن فيها جهودها الكبيرة في ترجمة دائرة معارف العالم الإسلاميّ، ويحثّها على الاستمرار، بعد أن توقّفت عن التّرجمة لظروفٍ خاصّة يقول فيها:

“تفتخر دائرة معارف العالم الإسلاميّ، وتعتزّ بتعاونك الحثيث معها منذ الأيّام الأولى في ترجمة دائرة معارف العالم، وتنقيح هذا الأثر الكبير باللغة العربيّة. لقد ساهمت دقّتك في العمل برفع مستواه لدى أهل العلم، وبين المراكز الجامعيّة، والبحثيّة في البلدان العربيّة، لذلك لا يسعني هنا إلاَّ أن أثمِّن، وأقدِّر جهودك الجبّارة خلال هذه السّنوات الطِّوال، وكلِّي أمل أن تستمرِّي معنا في تنفيذ هذا المشروع العظيم الذي يُعدّ خدمة لمنهل الثّقافة، والحضارة الإسلاميّتين”.

مع فائق الاحترام

غلامعليّ حدّاد عادل

مدير مؤسّسة دائرة المعارف الإسلاميَّة

3/ 9/ 1393

لقد ساهمت الأستاذة دلال عبّاس في إذكاء الحيويّة بين الآداب من خلال عمليّات النَّقل، والترجمة من الفارسيَّة بالعربيّة. لذا أسأل الله العون والقدرة على إطلاع القرَّاء على غيضٍ من فيض عطاءاتها وإرثها الحضاريّ الثّمين الذي وضعته في خدمة الإنسان، وذلك لنقل ما هو ضروريّ لتقدّم الشّعوب وتطوّرها، بوصف الترجمة عاملاً من عوامل التّلاقي، والتّفاعل بين الشّعوب، وآثارها واضحة، وجليّة في تواصل الحضارات “ذلك أنّها تقيم جسرًا بين الأمم أساسه الالتقاء الذي من شأنه تدعيم صِلات القربى، والودّ بين البشر؛ لأنّها تنقل تراث الإنسانيَّة في العلوم، والمعارف، والآداب، وتدخل على اللّغة المنقول إليها إيقًاعًا جديدًا يُضفي عليها حيويّةً لم تعرفها من قبل”([2]).

لقد كانت ترجمة دلال عبّاس بثقافتها العالية صلة وصل بين لبنان وإيران، وعامل تقريب لوجهات النّظر، والأنموذج الحيّ على أنّنا شعبٌ واحد ذو لسانين.

أهمّيّة التّرجمة وحركتها

إنَّ ترجمة الآداب هي انفتاح على الثَّقافات، وتَمَثُّلٌ لها. وهي “نشاط ثقافيّ إنسانيّ لا غنى عنه”([3])؛ لأنّ انتقال المعارف الإنسانيّة من لغةٍ إلى لغة، شرطٌ ضروريّ لتحقيق التّلاقي بين الشّعوب، وإطلاعهم على ما في هذا الأدب من جماليّة، أو أفكار، أو مضامين، أو رؤى تستحقّ الوقوف أمامها، وإعادة إنتاجها، لما لها من أهمّيّة في رفدِ التّراث الحضاريّ للإنسانيَّة، وإغنائه، وتطويره، ولعلَّ العامل الأوّل الذي يُظهر عمق العلاقات الثّقافيّة، والفكريّة، والاجتماعيّة بين الشّعبين العربيّ، والإيرانيّ منذ القدم، ومنذ اعتناق الإيرانيّين الدّين الإسلاميّ الجديد، وتعلّمهم اللغة العربيّة، وترجمتهم الكتب الفارسيّة بالعربيّة كما فعل ابن المقفّع الذي ترجم كتاب “كليلة ودِمنة”، وكتاب “الأدب الكبير” و”الأدب الصّغير”([4]).

وكان نتيجة هذا التّلاقي أنْ تأثَّر العرب بالحضارة الفارسيّة القديمة، ونهلوا من ينابيعها ما راق لهم، كما تأثّر الشَّعب الإيرانيّ بالنَّهضة الفكريَّة، والأدبيَّة التي ازدهرت في العصر العبّاس، وشاركوا مشاركة فعَّالة في تطويرها من خلال حركة التَّرجمة الواسعة، التي أعطت هذه النَّهضة ثمارها، نظرًا لمقوِّماتها العلميَّة التي تستحقّ هذا النَّقل وتسوِّغه.

انطلاقًا من هذا المجال، فإنّ للتّرجمة تأثيراتها العميقة في رفع المستوى الثّقافيّ بشكلٍ عامّ. ولا نغالي عندما نقول: “إنّ التّرجمة مسألة مصيريّة لكلّ ثقافة، وبالتّالي لكلّ مجتمع”([5]).

لذا سنحاول في هذه الدراسة إلقاء الضّوء على بعض ما ترجمته الأستاذة الدكتورة دلال عبّاس بالعربيّة.

2- قواعد الاختيار (الجودة – الموضوع)

أدركت دلال عبّاس حجم الدّور الذي تؤدِّيه ترجماتها في نقل النِّتاج الأدبيّ الفارسيّ إلى اللغة العربيّة، فاعتنت باختيار موضوعاتها بما يتوافق مع رؤيتها للواقع العربيّ. وكان للمرأة نصيبٌ وافر، وحيِّز كبير من كتابات الأديبة وترجماتها، وذلك من منطلق إيمانها بدور المرأة الفعَّال في تقدُّم الأمَّة وازدهارها، كما نجحت بمهارةٍ عالية في نقل الرّؤى النّسويَّة الإيرانيّة. وتناولت بترجماتها الدّقيقة ولغتها البليغة، وذهنها الثَّاقب واقع المرأة الاجتماعيّ، والفكريّ، والسّياسيّ، وجوهر المضامين الحداثيّة في أشعار، وكتابات كبار الأدباء الإيرانيّين أمثال الشّاعر پروين اعتصاميّ، التي حاربت بأدبها الفقر، وناهضت كلّ أشكال العنصريّة، والظّواهر الاجتماعيَّة الظّالمة. وعُرفت بذودها عن حقوق المظلومين، وتبنَّت قضيَّة مساواة المرأة بالرجل، وإضاءة المترجمة على هذه المناحي في مقالاتها في مجلّة الدّراسات الأدبيّة في الثّقافتين العربيّة والفارسيّة وتفاعلهما خير دليل على إدراكها لأهمّيّة دور المرأة في العصر الحديث([6]).

3- أشهر الكتب المترجمة

أثبتت دلال عبّاس تمرّسها بترجمة الآداب المنقولة عن الفارسيَّة، وأجادت في اختيار عناوين موضوعاتها منها:

3-1- كتاب التديُّن والنِّفاق بلسان القطّ والفأر للشّيخ البهائيّ([7])، وهو يعتمد الأسلوب القصصيّ الوعظيّ بلسان القطّ والفأر

فالقطّ هو “طالب علم” لم يصل إلى مرحلة الاجتهاد، ومع ذلك يبيح لنفسه أن يقف واعظًا في أمور الدّين والتديُّن. والفأر هو متصوّف دعي قليل العلم والمعرفة. وفي سياق النّصّ القصصيّ ينتقد البهائيّ رجال الدّين الذين وقفوا عند ظاهر النّصّ، وأعرضوا عمَّا هو جوهر الإسلام، أو على حدّ قوله: “علمهم قليل، وقلوبهم خالية من العرفان، وادّعاؤهم أكثر من علمهم، يستغلّون منصبهم ومعرفتهم من أجل مآربهم الخاصّة”.

أظهرت دلال عبّاس نجاحًا كبيرًا في ترجمة هذا العمل الأدبيّ، وأبدعت في نقل هذا التراث القصصيّ التّربويّ التّعليميّ، متلمّسة جماليّات النّصّ، متقمّصة مشاعر الكاتب وأحاسيسه، ناقلة المعنى على وجهه الصَّحيح مضيّقة حبكتها الفنّيّة إلى سياق الحدث.

إنّ ترجمة هذا الكتاب بالعربيّة تضع القارئ العربيّ أمام بيِّنة ممَّا يجري في مجتمعات طلاَّب العلم، فهي إذًا ذات منحى تعليميّ، بطريقةٍ غير مباشرة.

3-2- كتاب القبض والبسط النظريّان في الشّريعة، للفيلسوف الإيرانيّ الدكتور عبد الكريم سروش

يبحث هذا الكتاب في استجابة الشّريعة للمتغيِّرات الزمنيَّة، ولتراكم المعارف البشريَّة عن طريق آليَّة القبض والبسط، التي يقصد الكاتب من ورائها تكامل المعرفة الدينيّة مع المعرفة البشريَّة في فهم الشّريعة المنقبضة في بعض الأحيان، والمنبسطة في البعض الآخر.

وقد أحسنت المترجمة اختيار هذا الكتاب بعد أن أثار جدلاً واسعًا، ونقاشًا حادًّا في الأوساط الدينيَّة والفكريَّة الإيرانيّة بين مؤيِّدين ومعارضين، لذلك جاءت ترجمة هذا الكتاب مُهِمَّة جدًّا. وقد سعت دلال عبّاس بمعرفتها الواسعة في علم الإبستمولوجيا([8]) إلى إبراز خاصيّة التّحوّل والتّغيير، التي تميّز المعرفة البشريّة، ومن ضمنها المعرفة الدينيّة لأنّ “أسئلة كلّ عصر هي وليدة علوم ذلك العصر، ولا يمكن أن تطرأ على بال أحد، قبل نضج العصر علميًّا. وبما أنّ العلوم تتجدّد، فإنّ الأسئلة، وثانيًا الأجوبة تتجدّد. ومن هذا المنطلق تبقى المعرفة الدينيّة في تجدّد مستمر”([9]).

وفي هذا يبرز دور المترجمة في إعادة تشفير النّصّ، وإنتاج نصّ جديد، وعمل أدبيّ حديث يتلاءم وعصرنا الحديث.

3-3- كتاب جدليّة الحريّة والعبوديّة دراسة قرآنيّة في الدّلالات والأبعاد

يحاول هذا الكتاب تسليط الضّوء على موضوع التخلّص من العبوديّة لشخصٍ أو جماعة، والتحرّر من عبوديّة الشّهوات. وأنّ الإسلام جاء لينظِّم الحياة بأشكالها كافّة، وصورها المتعدّدة، بما يكفل للنّاس الحرّيّة الكاملة المنضبطة التي تنظِّم عيشهم. وقد أدركت دلال عبّاس أهمّيّة هذا الكتاب في حياتنا الاجتماعيّة من خلال إحاطتها بالجوانب الدّقيقة والحسّاسة للقيم الانفعاليّة، والسّلوكيّة المُهِمَّة في حياة الفرد. لذا نقلت الأفكار بأمانةٍ عالية وموضوعيّة، وقدرة على استنباط الأدلّة من مدارك القرآن الذي أرسى دعائم الحرّيّة في بني الإنسان، ودعا إلى تحرير العقل من السّلطان، “وركَّز على محاسبة عوامل المحيط المخرَّبة والمفسدة للحرِّيات من معتدين، ومستعمرين، ومحتلّين، ومستبدّين، وغشّاشين، ولصوص، وطواغيت، ومستكبرين، وخونة”([10]).

3-4- الإسلام والمسلمون في فرنسا

دراسة اجتماعيّة تبحث في أوضاع المسلمين في فرنسا، منذ الهجرات الأولى حتّى أوائل التّسعينيّات، وتطرح قضيّة الوجود الإسلاميّ في فرنسا، إلى جانب إشكاليّة تكيُّف الإسلام مع القيم الغربيَّة([11]).

وقد اتّحدت عناصر عديدة لنجاح ترجمة هذا الكتاب؛ منها ما يتعلّق بقدرات المترجمة المعبّرة عن جوهر النّصّ الفارسيّ، ومنها ما يتعلَّق باهتمامها بالواقع الاجتماعيّ الإسلاميّ والعربيّ بشكلٍ عامّ. وقد تجلَّى ذلك في إظهارها للمبادئ التي ارتكزت عليها العلمانيّة الفرنسيّة في تلك الحِقبة والتي تعاملت مع المظاهر الدينيَّة بقسوة.

3-5- رواية الأرض المحروقة

شكّلت الرواية الإيرانيّة محطّ اهتمام دلال عبّاس، لجهة اطّلاعها على الإبداعات الإيرانيّة، والإفادة من تجارب كتّابها، وآرائهم في الحياة والوجود، فعمدت إلى تقديم النّصيحة إلى من يتقنون اللغة الفارسيّة بترجمة هذا النّوع من الرّوايات، ومنها على سبيل المثال رواية الأرض المحروقة للكاتب المشهور أحمد محمود، التي حرصت على مراجعتها بدقّة بغية التأكّد من عدم تحريف النّصّ الأصليّ، والحفاظ قدر المستطاع على المضمون الذي تنهض به الرِّواية في توعية القارئ العربيّ إلى مخاطر الحروب ووحشيّتها ومرارتها؛ إذ إنّ الرواية تصوِّر اللحظات والأيّام الأولى للحرب التي شنّها النّظام العراقيّ على إيران، وبالتحديد على منطقة الأهواز التي يصوّر الكاتب موتها وانبعاثها لحظة بلحظة، وموت الأصحاب، والجيران الواحد تلو الآخر، فقد الأحبَّة، تدمير المنازل، غلاء المعيشة، نقص الموادّ الغذائيّة، واندفاع الشّباب المتحمّس للشهادة… واستغلال الثّروات ونهبها. وكان الشيء الغالب على مجريات الرِّواية هو الحرب، القذائف، الرّصاص، الصّواريخ، الدّمار، الموت المجّاني…([12]).

كما كان للتّرجمة دورٌ بارزٌ في مراجعة ترجمة أطروحة دكتوراه لحسين آجورلو وتحقيقها، التي تُسلِّط الضَّوء على القضيَّة الفلسطينيَّة في فكر السيِّد موسى الصَّدر([13]) التي شغلت أذهان الباحثين، وأصبحت في القرن الأخير رمزًا للقمع الإيديولوجيّ، والاستعماريّ الصهيونيّ، ودافعًا كبيرًا لانتصار المقاومة على العدوّ الصّهيونيّ.

3-6- دائرة معارف العالم الإسلاميّ المجلَّد الأوّل

تشتمل دائرة المعارف الإسلاميَّة على كلّ ما يتعلَّق بالشَّريعة الإسلاميَّة، وتتناول السِّيرة النبويَّة الشَّريفة، وتراجم الأئمَّة، والمفسِّرين وآراءهم، كما تتناول سيرة المفكِّرين، والشّعراء، والفنَّانين، إضافةً إلى تاريخ الإسلام السِّياسيّ، والأحداث التي عاشها الخلفاء، والسّلاطين، والأمراء، والقادة وغيرهم. كما أفردت حيِّزًا مُهِمًّا لجغرافيّة البلدة الإسلاميَّة مع وصف الآثار التّاريخيّة والدينيّة، وطالت التّقاليد، والعادات الاجتماعيّة التعدّدة في العالم الإسلاميّ بأسره.

وقد تناولت دلال عبّاس بالترجمة، والتحقيق، والمراجعة مئات المقالات الطبّيّة، والفلسفيَّة، والتّاريخيّة التي تزخر بالتّراث الأدبيّ، والإسلاميّ في هذه الموسوعة، إيمانًا منها بأهمّيّة مواكبة الثّورة العلميَّة، والأساليب البحثيَّة الفاعلة والحضارة الإسلاميَّة الرَّاسخة، وإدراكًا منها لأهمّيّة اللغة العربيّة عالميًّا، وضرورة الحفاظ على تاريخ الشّعوب الإسلاميَّة، من هذا المنطلق تمكّنت دلال عبّاس من خوض غمار تقنيّات ترجمة الموسوعات، ومن إتقان أساليب المعاجم، وطرق الاستفادة منها، وذلك من خلال عملها الدّؤوب، وموضوعيّتها، وأمانتها، ووقوفها على ما يحمله النّصّ من ألفاظ، وأفكار، ومعلومات ترفد هذا الكنز الثَّمين بأهمّ نتاجات الثَّقافة، والحضارة الإسلاميّتين. وكما ذكرنا سابقًا، فإنّ جودة هذه الترجمات كانت مصدرًا لشهادة كبار العلماء البارزين في هذا المجال([14]).

3-7- ولاية الفقيه الديمقراطيَّة

يتولَّى هذا الكتاب الإجابة عن أحد أوجه تحدّيات النِّظام السّياسيّ في إيران، و”هي موضوع “ولاية الفقيه” التي تعدّ من أعلى المناصب في الجمهوريَّة الإسلاميَّة الإيرانيّة، حيث يُنتخب وليّ الفقيه من مجلس الخبراء”([15]) الذي ينتخبه الشّعب مباشرةً، وعليه أن يتمتَّع بمواصفاتٍ محدّدة تخوِّله القيادة؛ كالكفاءة العلميَّة، والعدالة، والتّقوى، والبصيرة…

وبما أنّ هذا الكتاب يُجري مقارنةً ما بين صلاحيَّات وليّ الفقيه في إيران، وصلاحيَّات قادة الدّول الغربيَّة، فقد أوكلت مَهَمَّة ترجمته إلى أستاذة الأدب المقارن في قسم الدّراسات العليا في الجامعة اللبنانيّة الدكتورة دلال عبّاس، التي خلصت إلى الاستنتاج أنَّ النِّظام في إيران شعبيّ وشرعيّ”([16])، وهو حكم قانونيّ يتساوى فيه الجميع أمام القانون، ما يُخفِّض تمركز السّلطة في إيران مقارنةً بنظائرها في بريطانيا، وفرنسا، والولايات المتّحدة الأميركيَّة.

استعانت المترجمة بكلّ ما لديها من إمكانيّات لإدراك عمق العلاقة بين عالم المصطلحات السّياسيّة، وعالم المعاني الفقهيّة. وبناءً على ذلك يُمكن القول إنَّ التّرجمة النّاجحة الدّقيقة تقترب من المعنى عن طريق المقارنة وتحديد أوجه الاختلاف والائتلاف لتكشف عن جوانب الصِّراع الذي لا يخلو منه أيّ دستور.

الخاتمة

حظيت ترجمات دلال عبّاس الأدبيّة، والسِّياسيَّة، والتَّاريخيَّة، والاجتماعيَّة باهتمام المثقَّفين، فأقبلوا على تذوّقها، ونقدها، والبحث في مدى توافق هذه التّرجمات مع المُناخ الثَّقافيّ، وأوَّل ما يلفت النَّظر في هذه التّرجمات هو عدم تتبُّع النّصّ الحرفيّ في أثناء التّرجمة، وذلك في محاولةٍ لالتقاط الأفكار التي يتضمّنها، وكذلك فإنّ المترجمة لم تخرج عن روح النّصّ الفارسيّ، من خلال الحفاظ على التّراكيب المستخدمة قدر المستطاع، وكذلك على المضمون الذي حاول الكتاب التَّعبير عنه. وقد أحاطت بأغلب ما تناوله الكتاب من أفكار وتراكيب، إلى درجةٍ أنَّ القارئ العربيّ لا يكاد يشعر أنّه أمام نصٍّ مترجم، وإنّما يشعر أنّه أمام نصٍّ عربيّ صِيغَ وفاق ما تتطلَّبه اللغة العربيّة. ومن جهةٍ ثانية، فإنَّ المفردة التي تأتلف مع غيرها في سياق النّصّ محدّدة، فإنّها تكتسب قيمةً جديدةً في التّرجمة “فالعنصر خارج البنية غيره داخلها، فهو يكتسب قيمته داخل البنية، وفي علاقاته ببقيَّة العناصر، بموقعه في شبكة العلاقات التي تنتظم العناصر، التي تنهض لها البنية فتنتج نسقها”([17]).

نستطيع القول إنّ المترجمة الكبيرة دلال عبّاس قد وُفِّقت في إطلاع القرَّاء العرب، على ما أنتجته قرائح الأدباء والكتَّاب في الأمم الأخرى، وتزويدهم بثقافاتٍ، وأفكار، ومعارف جديدة. واستطاعت أن تضع يدها على الخفايا الكثيرة التي يكتنزها النّصّ الفارسيّ، وأن تمثِّل نظرتها إلى العالم من حولها بما قدَّمت من تراكيب، وبما أجْرَت من تصرّف من دون أن تمسّ بالجوهر، إذا كانت قد أجرت بعض التّعديلات على النّصّ العربيّ، فإنّها قد جعلته يتوافق وذوق القارئ العربيّ، ومع الثّقافة العربيّة، دون أن تشوِّه جماليَّته، وتُفقده المناخ الذي يشيعه.

أخيرًا غاصت دلال عبّاس في معنى النّصّ ومراميه البعيدة، وأحاطت بطبقات اللّغة المترجمة، وجعلت المنقول حيًّا، وليس مجرّد صورة لا حياة فيها، وساهمت مساهمةً كبيرةً في إغناء الفِكر والدِّراسات النَّقديَّة.

المصادر والمراجع

  1. أحمد السيّد الحسينيّ، الترجمة بين العربيّة والفارسيّة وأثرها في الأدب الإسلاميّ، دمشق، منشورات اتّحاد الكتـّاب العرب، 1999.
  2. أحمد محمود، رواية الأرض المحروقة، ترجمة نعيمة شكر، مراجعة دلال عبّاس وتحقيقها، دار المعارف الحكميّة، ط1، 2017.
  3. الشيخ البهائيّ، التديُّن والنفاق بلسان القط والفأر، ترجمة دلال عبّاس وتحقيقها، دار رياض الريّس للكتب والنشر، بيروت، 1996.
  4. جلال الدين الفارسيّ، جدليّة الحرّيّة والعبوديّة، ترجمة دلال عبّاس وتحقيقها، مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلاميّ، بيروت، 2009.
  5. سروش، عبد الكريم، القبض والبسط النظريّان في الشريعة، ترجمة دلال عبّاس وتحقيقها، دار الجديد، بيروت، 2002.
  6. عبده عبّود، هجرة النّصوص، دمشق، منشورات اتّحاد الكتـّاب العرب، لا طبعة، 1995.
  7. غلامعليّ حداد عادل، سيِّد مصطفى خير سليم، دائرة المعارف الإسلاميّة، الجزء الأوّل، ترجمة ومراجعة وتحقيق دلال عبّاس، دار معارف العالم الإسلاميّ، ط1، 2015.
  8. محمّد غنيميّ هلال، الأدب المقارن، بيروت، دار العودة، ط 3، 1999.
  9. محمّد شكيب الأنصاريّ، أهداف الترجمة بين العربيّة والفارسيّة ودواعيها، مجلّة العلوم الإنسانيَّة للجمهوريَّة الإسلاميَّة الإيرانيّة، السنة الخامسة، شتاء وربيع 1378 – 1379، العدد 7.
  10. محمّد خيراقلي بور، الإسلام والمسلمون في فرنسا، ترجمة وتحقيق دلال عبّاس، دار الغدير، بيروت، 2004.
  11. مسعود سعد اللهي، ولاية الفقيه والديمقراطيّة، ترجمة وتحقيق دلال عبّاس، الدار العربيّة للعلوم، بيروت، 2004.
  12. يمنى عيد، في معرفة النصّ، بيروت، دار الآفاق الجديدة، ط1، 1983.

الهوامش

  1. محمد غنيمي هلال، الأدب المقارن، بيروت، دار العودة، ط 3، 1999، ص9.
  2. أحمد السيّد الحسيني، الترجمة بين العربيّة والفارسيّة وأثرها في الأدب الإسلاميّ، دمشق، منشورات اتحاد الكتـّاب العرب، 1999، ص 35-36.
  3. عبده عبّود، هجرة النّصوص، دمشق، منشورات اتحاد الكتـّاب العرب، لا طبعة، 1995، ص 15.
  4. محمد شكيب الأنصاري، أهداف الترجمة بين العربيّة والفارسيّة ودواعيها، مجلة العلوم الإنسانيَّة للجمهوريَّة الإسلاميَّة الإيرانيّة، السنة الخامسة، شتاء وربيع 1378- 1379، العدد 7، ص 19.
  5. عبده عبود، هجرة النـّصوص، ص 16.
  6. الدراسات الأدبيّة في الثقافتين العربيّة والفارسيّة وتفاعلهما، ربيع 2006 وشتاء 2009، العدد 53-65، ص 189.
  7. التديُّن والنفاق بلسان القط والفأر للشيخ البهائيّ (ترجمة وتحقيق) دلال عبّاس، دار رياض الريّس للكتب والنشر، بيروت، 1996.
  8. الأبستمولوجيا: إدراك القفزات المعرفيّة في علوم الإنسان والمجتمع.
  9. سروش، عبد الكريم، القبض والبسط النظريّان في الشريعة، ترجمة وتحقيق دلال عبّاس، دار الجديد، بيروت، 2002.
  10. جدليّة الحرّيّة والعبوديّة، جلال الدين الفارسيّ، ترجمة دلال عبّاس وتحقيقها، مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلاميّ، بيروت، 2009.
  11. محمّد خيراقلي بور، الإسلام والمسلمون في فرنسا، ترجمة دلال عبّاس وتحقيقها، دار الغدير، بيروت، 2004.
  12. أحمد محمود، رواية الأرض المحروقة، ترجمة نعيمة شكر، مراجعة وتحقيق دلال عبّاس، دار المعارف الحكميّة، ط1، 2017، ص 13.
  13. حسين آجورلو، السيّد موسى الصّدر والقضيّة الفلسطينيّة، ترجمة نعيمة شكر، مراجعة دلال عبّاس وتحقيقها، (قيد النشر)، 2019.
  14. غلامعليّ حداد عادل، سيِّد مصطفى خير سليم، دائرة المعارف الإسلاميّة، الجزء الأوّل، ترجمة ومراجعة وتحقيق دلال عبّاس، دار معارف العالم الإسلاميّ، ط1، 2015، ص 14.
  15. مسعود سعد اللهي، ولاية الفقيه والديمقراطيّة، ترجمة دلال عبّاس وتحقيقها، الدار العربيّة للعلوم، بيروت، 2004، ص 21.
  16. ولاية الفقيه الديمقراطيَّة، م. س، ص 178.
  17. يمنى عيد، في معرفة النصّ، بيروت، دار الآفاق الجديدة، ط1، 1983، ص 32.

** أستاذة الأدب المقارن، الجامعة اللبنانيّة، كلّيّة الآداب والعلوم الإنسانيّة، الفرع الرابع.

[1] – محمّد غنيميّ هلال، الأدب المقارن، بيروت، دار العودة، ط 3، 1999، ص 9.

[2] – أحمد السيّد الحسينيّ، الترجمة بين العربيّة والفارسيّة، وأثرها في الأدب الإسلاميّ، دمشق، منشورات اتّحاد الكتـّاب العرب، 1999، ص 35 – 36.

[3] – عبده عبّود، هجرة النّصوص، دمشق، منشورات اتّحاد الكتـّاب العرب، لا طبعة، 1995، ص 15.

[4] – محمّد شكيب الأنصاريّ، أهداف الترجمة بين العربيّة والفارسيّة ودواعيها، مجلّة العلوم الإنسانيَّة للجمهوريَّة الإسلاميَّة الإيرانيّة، السنة الخامسة، شتاء وربيع 1378 – 1379، العدد 7، ص 19.

[5] – عبده عبود، هجرة النـّصوص، ص 16.

[6] – الدراسات الأدبيّة في الثقافتين العربيّة والفارسيّة وتفاعلهما، ربيع 2006 وشتاء 2009، العدد 53 – 65، ص 189.

[7] – التديُّن والنفاق بلسان القط والفأر للشيخ البهائيّ (ترجمة وتحقيق) دلال عبّاس، دار رياض الريّس للكتب والنشر، بيروت، 1996.

[8] – الأبستمولوجيا: إدراك القفزات المعرفيّة في علوم الإنسان والمجتمع.

[9] – سروش، عبد الكريم، القبض والبسط النظريّان في الشريعة، ترجمة دلال عبّاس وتحقيقها، دار الجديد، بيروت، 2002.

[10] – جدليّة الحريّة والعبوديّة، جلال الدين الفارسيّ، ترجمة دلال عبّاس وتحقيقها، مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلاميّ، بيروت، 2009.

[11] – محمّد خيراقلي بور، الإسلام والمسلمون في فرنسا، ترجمة دلال عبّاس وتحقيقها، دار الغدير، بيروت، 2004.

[12] – أحمد محمود، رواية الأرض المحروقة، ترجمة نعيمة شكر، مراجعة دلال عبّاس وتحقيقها، دار المعارف الحكميّة، ط1، 2017، ص 13.

[13] – حسين آجورلو، السيّد موسى الصّدر والقضيّة الفلسطينيّة، ترجمة نعيمة شكر، مراجعة دلال عبّاس وتحقيقها، (قيد النشر)، 2019.

[14] – غلامعليّ حداد عادل، سيِّد مصطفى خير سليم، دائرة المعارف الإسلاميّة، الجزء الأوّل، ترجمة ومراجعة وتحقيق دلال عبّاس، دار معارف العالم الإسلاميّ، ط1، 2015، ص 14.

[15] – مسعود سعد اللهي، ولاية الفقيه والديمقراطيّة، ترجمة دلال عبّاس وتحقيق ، الدار العربيّة للعلوم، بيروت، 2004، ص 21.

[16] – ولاية الفقيه الديمقراطيَّة، م. س، ص 178.

[17] – يمنى عيد، في معرفة النصّ، بيروت، دار الآفاق الجديدة، ط1، 1983، ص 32.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.