تقديم كتاب (القرآن والشِّعر) للأستاذة الدّكتورة دلال عبَّاس

0

تقديم كتاب (القرآن والشِّعر) للأستاذة الدّكتورة دلال عبَّاس

د. قاسم محمَّد بزُّون*

بطاقة الكتاب([1]) [ماهيَّته] بقلم صاحبته

“كنت أُدرِّسُ مادَّة )أدب صدر الإسلام وحضارته( في الجامعة اللّبنانيَّة منذ العام 1990 حتّى العام 2012، حينها وضعتُ توصيفًا جديدًا للمادَّة، جعلتُ فيه دراسة القرآن نصًّا أدبيًّا جزءًا من المادَّة [ندرس كلَّ سنةٍ سورةً جديدةً دراسةً أدبيَّةً]. كانت عادتي في التَّدريس في المرحلتين الثَّانويَّة، والجامعيَّة أن أنطلق من النّصوص الّتي أشارك التَّلامذة والطَّلّاب في تفكيك عناصرها من خلال الأسئلة التي أطرحها عليهم، لا من خلال محاضراتٍ معدَّةٍ سلفًا، تعطِّل تفكير الطُّلَّاب [المميَّزين منهم على الأقلّ]، وكنت أحيانًا أكتب ما أقول بعد الدَرس وليس قبله…

في العام 1995 قرَّرتُ نشرَ خلاصاتِ قسمٍ من هذه الدُّروس في كتابٍ يستفيد منه الباحثون، فيكون الدَّرسُ الواحد منطلقًا لبحثٍ موسَّعٍ، أو منطلقًا لإعداد رسالةِ دراساتٍ عليا؛ لذلك لم يأت هذا الكتاب وفاق مُخَطَّطٍ مُعَدٍّ سلفًا. وهذا سبب وضع ثلاث نقاطٍ في نهاية كلِّ موضوعٍ.

أنا نفسي شاركتُ في أكثر من مؤتمرٍ في الجامعات العربيَّة بأبحاثٍ استعرت مادَّتها الأساسيَّة من كتابي هذا، وبعضها نُشِرَ على موقعي الإلكترونيّ([2])، منها على سبيل الْمِثال:

–  (القرآن واللّغة العربيَّة)  –  (الدِّين وإيديولوجيا الحُكم)  –  (رؤية الإمام عليّ (ع) إلى نظام الحكم في الإسلام)   –

(صورة النَّبيّ (ص) في أشعار معاصِريه)”…

عنوان الكتاب: (القرآن والشِّعر)

يوحي العنوان (القرآن والشِّعر) إيحاءً قريبًا بمعالجة علاقة القرآن بالشِّعر وموقفه منه، وإيحاءً بعيدًا بعلاقة الأدب والشِّعر بالقرآن وموقف الشُّعراء منه، وبالعلاقة بين القرآن واللغة العربيَّة عمومًا، وفيه إشارةٌ غيرُ مباشرةٍ إلى لغة القرآن الشِّعريَّة. ملخَّص الكتاب [خلاصة موضوعات الكتاب]

قبل الحديث عن تفاصيل النّصّ القرآنيّ لغةً، وإعجازًا، ومصطلحاتٍ، ودورًا، وموقفًا من الشِّعر مَهَّدَتِ المؤلِّفَةُ بذكر أهمّ نتائج أبحاثها؛ فبدأت الكلام على أثر النّصّ القرآنيّ منذ تأسيس أوَّلِ مسجدٍ في المدينة [تشكيل نواة مجتمعٍ إسلاميٍّ مدنيٍّ] (ص5)([3])، حيث قَلَبَ هذا النَّصُّ الجديدُ اللّافِتُ مفاهيمَ الثَّقافة العربيَّة؛ فهو أوَّل نصٍّ مكتوبٍ باللُّغةِ العربيَّة كما نقول، بانتقاله إلى التَّدوين مُوَحِّدًا بذلك اللّهجاتِ في لهجةٍ واحدةٍ (ص7)([4])، وأشارت بدايةً إلى أنّ المنهجيَّة واجبة الاتّباع من أجل فهم القرآن: تحليل معطياته اللغويَّة من خلال واقعه المحيط به، ومن داخله (فهم القرآن بالقرآن ذاته)، وإلى أَثَرهِ في لغة العرب، وفنون آدابهم، وأغراض أشعارهم، ذاكرةً مسوِّغات تَقَدُّمِ النثّرِ والنّصّ القرآنيّ، وتراجع الشِّعر عمومًا (7  –  8).

قسَّمتِ الباحثةُ كتابها إلى خمسة فصول؛ سنعرض أهمَّ مضامينها بإيجازٍ لِيُكَوِّن لدى المهتمُّ فِكرةً كافيةً عمَّا حوته.

الفصل الأوَّل: عصر صدر الإسلام (9  –  35)

بدأت د. دلال بدايةً منهجيَّةً ناجحةً، فمَهَّدَتِ بتعريفٍ كافٍ لجلّ المفاهيم والمصطلحات المتَّصلة بالنّصّ القرآنيّ؛ عرَّفَتْ بالعصر تسميةً ومرحلةً زمنيَّةً، ووُلاةً، وذكرت ضرورة فَصْلِ عصرِ صدر الإسلام عن العصرِ الأمويّ (9  –  10)، ثمَّ مهَّدت لمواضيع الفصل بمقدِّماتٍ عامَّةٍ (11  –  13)، وذكرت دور الهجرة والأسواق والحجَّ في تقريب لهجات القبائل العربيَّة (12)، ووصَّفت حركة الفتوح إيجابيًّا (13)، حيث حَسِبَتْها “حركة انطلاقٍ خارج الجزيرة”، مَزَجَتْ بين القبائل، وفَصَّلت في ذكر أَثَرِ الإسلام والقرآن في حياة العرب الاجتماعيَّة، والدِّينيَّة، والعقليَّة، والسِّياسيَّة (15  –  24)، موردةً شواهدَ قرآنيَّةً كافيةً عن كلّ عنوانٍ من عناوين حياتهم، مركِّزةً على أثر النَّصّ القرآنيّ في اللّغة العربيَّة (25  –  27)، ثمَّ ذَكَرَتِ المصاديقَ الأساسيَّةَ، مثل توحيد اللغة في لهجة قريش، وسيادتها، وانتشارها، وتأسيس مرحلة التَّدوين [فصَّلتها (205  –  206)]، واتِّساع أغراض اللّغة، ودلالات ألفاظها، وتهذيبها ونشوء ألفاظٍ جديدةٍ، وانتشار التَّعريب واللّحن (25 – 35) مع إشارتها إلى الأسباب بإيجازٍ في معظم هذه العناوين، تاركةً المجال للباحِثين لتوسيع هذه النِّقاط.

الفصل الثَّاني: النَّصّ القرآنيّ (37 – 91)

عالج هذا الفصلُ مفهومَ النَّصّ القرآنيّ وتداخلَ أنواعٍ كتابيَّةٍ فيه كالسَّرد والحوار والقصص، ومعرفيَّةٍ من فلسفةٍ، وأخلاقٍ، وسياسةٍ، وتشريع (37)، ومفهوم الوحي، وطرائقه، ونظرة العرب إليه (37 – 39)، وتبيان مفهومي الرّسالة والبلاغ مع شواهد قرآنيَّة (41 – 44)، وقد وضَّحت المفاهيم والمصطلحات القرآنيَّة وتلك ذات الصِّلة بالقرآن مفهومًا واصطلاحًا، مثل أسماء النّصّ القرآنيّ (45 – 47)، تنجيم القرآن (49 – 51) ([5])، ومعاني جمع القرآن ومراحله (53)، وتفسير النّصّ القرآنيّ ومَنْ تولَّاه (57)، وحدَّدَتْ شروطَ المفسِّرِ وكفاياتِهِ وأهمَّ أنواع التَّفسير وتطوّرَ مسارِهِ زمنيًّا ثمَّ عرَّجت على مصطلحاتٍ ومفاهيمَ قرآنيّةٍ مهمَّةٍ لعلم التَّفسير، كالمكّيّ، والمدنيّ تعريفًا، وخصائص، وميزاتٍ، وفوارق (58 – 59)، ثمّ قدَّمت تطبيقًا لتمييز النَّوعين وتداخلهما (60 – 61) وأسباب النّزول وارتباطه بالواقع وجدليَّته (61)، ووضَّحَتِ قضايا الغموض والوضوح [المحكم والمتشابه] ومفتاح حلِّها بـ(تفسير النّصّ بالنّصّ) بردّ المتشابه إلى المحكم (73 – 81)، وفي ثنايا المباحث بيَّنت دور الغموض الإيجابيّ في إنتاج دلالة النّصّ (73 – 74)، وختمتِ الفصلَ بذكر آليّات العموم والخصوص (81 – 84)، والمناسبة بين الآيات والسّور (84 – 85)، وبين السُّور (85 – 89)، وبين الآيات (89 – 91).

الفصل الثَّالِث: إعجاز القرآن (93 – 194) (102 صفحة)

تناول هذا الفصل قضايا متّصلة بإعجاز القرآن؛ مثلَ شكل التَّعبير القرآنيّ في التَّفاعل معه (93)، وجوانب مخالفة النّصّ القرآنيّ للشّعر (94)، وعلاقتهما ببعض تحليلًا وتحريمًا (94 – 95)، وعالج بشكلٍ رئيسٍ موضوع القِصَّة في القرآن (81 صفحة) [سنعود إليه مفصَّلًا].

الفصل الرابع: القرآن والنَّثر في عصر صدر الإسلام (195 – 257) [43 صفحة]

كَشَفَ الفصلُ عن غدوّ النَّثر مقياسًا للتَّطوّر الأدبيّ وأسباب ذلك (195 – 201)، ومعايير صحَّة الحديث وأثره في اللّغة، والأدب، والثَّقافة (202 – 203)، ودور القرآن، والرَّسائلِ، والعهودِ النَّبويَّة في ازدهار الكتابة والتَّدوين (205 – 206)، وعلاقة النَّثْر العربيّ لغةً، وأدبًا، وثقافةً، وخطابةً بالقرآن، والحديث النَّبويّ، وخُطَبِ الرّسول (ص) (207 – 209) والخلفاء (211 – 213)، وتأثّره بها، نُمُوًّا ومواضيعَ، ولا سِيَّما الكتابة (205 – 207)، والخطابة (207 – 252) [جوهر الفصل]، وقد عَرَضَتْ خمسة نماذجَ للدَّرس والتَّحليل (215 – 251)؛ خطبة حجَّة الوداع (215 – 220)، وفَصَّلَتْ لأهمِّيَّة ما فيها من جذورٍ ثقافيَّةٍ، وتربويَّةٍ، وسلوكيَّةٍ…(221)، وخُطبًا للخلفاء الرَّاشدين ووصايا (221 – 222)، وقدَّمت أنموذجًا مقارنًا بين خطبةٍ للخليفة أبي بكرٍ وأخرى لمعاوية بن أبي سفيان (222 – 228)، أَظْهَرَتْ من خلالهما مواطن الافتراق والتَّناقض، ودلالات الأفعال ووظائفها، ودور الحاكم ووظيفته، أعقبتهما بأنموذجين أحدهما لعمر بن الخطَّاب (228 – 231)، والآخر لعليّ بن أبي طالب (ع). وقد أوردت كتاب عليٍّ (ع) إلى مالك الأشتر بكامله على الرَّغم من طوله (231 – 251) نظرًا لأهمِّيَّتِه البالغة؛ فهو نصٌ جديرٌ بالاهتمام بسبب ما فيه من أبعادٍ راقيةٍ ومتقدِّمةٍ في الحكم، والإدارة، والسِّياسة، والفكرين الإسلاميّ والإنسانيّ، وقد تناوَلَتْهُ دَرسًا وتحليلًا (253 – 257). ولا يخلو تركيزها على عهد الإمام علي (ع) إلى مالك الأشتر من دلالةٍ عاطفيَّةٍ على مدى تعلّق صاحبة الكتاب به، فضلًا عن إرادتها تركيز الإشارة على الكتاب نظرًا إلى إهماله على ما فيه من كنوزٍ.

الفصل الخامس: القرآن والشِّعر بين الشِّعر والنَّثر ومخالفة ومؤالفة (259 – 313) (55 صفحة):

بدأته بالحديثِ عن مصادر تغيير الحياتينِ الأدبيَّةِ، والاجتماعيَّة العربيَّتينِ وأسبابها (259 – 260)، ثمَّ عن تقدّم النَّثر وتراجع الشِّعر (259؛ 261؛ 265)، وارتباط الأمرين بموقف الإسلام، والقرآن، والحديث من الشِّعْرِ سَلْبًا، وإيجابًا، وفاقًا لنوعِهِ وأسلوبِهِ (265 – 269)، وبروز هدفيَّة الأدب (261) وانعكاس ذلك على أغراض الشِّعر ومعانيه بين مرحلتي الجاهليَّة والإسلام (261 – 262)، وبانشغال المسلمين بالفتوح (270 – 271)، وأثر الأخيرة في أغراض الشِّعر دون قيمته الفنِّيَّة؛ فبرزت أشعار البطولة والمواجد [الشَّوق والحنين] (272 – 274)، كما أشارت إلى موقف الشُّعراء السَّلبيّ [عمومًا] من الإسلام بداية الدَّعوة (262 – 263)، وإلى الأثر الفنِّيّ للنّصّ القرآنيّ وتعويضه عن الشِّعر (268 – 269). بعد ذلك قدَّمت نماذج من أشعار الإسلاميِّين وحلَّلتها؛ أنموذج الحطيئة الهجائيّ (275 – 280)، وإطلالة على أشعار كعب بن مالك الأنصاريّ بأغراضها المتنوِّعة (281 – 286)، وتأثُّره بالصُّور، والمعاني، والألفاظ القرآنيَّة (289 – 290)، مع تلميحٍ إلى النَّقائض (287)، وإلى الخيال، والصُّورة، والأوزان، والقوافي عنده (291)، وذلك يفتح الآفاق أمام اتِّجاهات تفكيرٍ وأبحاثٍ جديدةٍ أمام الباحِثين.

بعد ذلك درست الدَّور الإعلاميّ للشِّعر في عصر صدر الإسلام (293 – 304)، من خلال أنموذج إسلاميّ لحسّان بن ثابت، أشارت فيه إلى تجاور الأبعاد القَبَليّة، والدّينيّة، والجماعيَّة فيه (297 – 299)، وبيَّنت بنيةَ النّصّ ودلالاته (301 – 304)، وختمت المقرَّرَ بمبحثٍ عن الخمرة والغزل في هذا العصر، وأثر الإسلام فيهما، تَوَسُّعًا في ما قد ذَكَرَتْهُ عن تراجع أغراضٍ شعريَّةٍ سابقًا (305)، وصنَّفت طبقات الشّعراء، وردَّات أفعالهم، ودرجات تأثّرهم بالإسلام، وقدَّمت أنموذجينٍ دالَّينِ على درجة التَّأثّر (306 – 307) وبعض عناصر الكناية والرّمز، ثمَّ أنهت كتابها بالكشفِ عن ميزات القِصَّة في أشعار حُمَيد بن ثورٍ ودلالاتها على بدايات تطوّر الشّعر الغزليّ (311 – 313).

ميزات أسلوب الأستاذة دلال عبَّاس في كتابها

تَبَدَّى أسلوبُ المؤلِّفة في هذا الكتاب الجامعيّ متميِّزًا بخصائصَ واضحةٍ ومثمرةٍ بالنِّسبة إلى طُلَّابٍ جامعيِّين جددٍ، لم يخوضوا غمار الأبحاث والمقارنات بعد؛ أهمّ معالم أسلوبها:

أ‌.   منهجٌ وقواعد

تبنَّت المؤلِّفة منهجًا واضحًا وسليمًا لتحليل المعطيات اللغويَّة القرآنيّة من خلال محيطه الذي نزل فيه [المجتمع العربيّ الحجازيّ]، إذ إنَّه لم يكن شعرًا ولا نثرًا، بل كان نظمًا خاصًّا فريدًا (7؛ 96 – 97)، إعجازُهُ في طريقةِ نظمِهِ وتأليفِهِ (95)، واستندت إلى تماسكِ النّصّ القرآنيّ بفهمه وتأويله من داخلِهِ وليس من خارجه (تفسير النّصّ بالنّصّ)؛ إذ يساعد بعضُهُ في فَهْمِ البعض الآخر، كَفَهْمِ غامِضِهِ من خلال واضِحِهِ [المحكم والمتشابه] (7؛ 73 – 81؛ 193)، وطبَّقت ذلك في أكثر من موردٍ، مثل قِصَّة يوسف (ع) (187 – 193)، ثمَّ ذكرت [استباقًا] أهمّ نتائج أبحاثها [محاضرات] اللاحقة عن ظهور أثر الإسلام البَيِّنِ بقرآنه وأحاديث نبيِّه (ص) في أدب عصره شعرًا، ونثرًا، وأغراضًا، ومواطن اهتمامٍ، نحوُ تطوّرُ النّثر وتجدُّدُهُ، وتراجعُ الشِّعر دورًا، ومادَّةً، وأغراضًا [ستبيِّنُ أسباب النّتيجة ص195 – 203]، وثباتُهُ نظمًا وأفكارًا إلَّا في إطارٍ محدودٍ فرضته المفاهيم الإسلاميَّة الجديدة كالجهاد والشَّهادة (ص7 – 8).

ب‌.  التَّكثيف والتَّلميح

استندت د. دلال إلى التَّكثيف، والاختصار غير المخلّ، والتَّلميح في عرضها المواضيعَ؛ فألمحت لمحًا خفيفًا إلى مسائل، كإشارتها إلى موقف الفقهاء من تحسين كتابة الرَّسم القرآنيّ (ص 56). وهذا أسلوبٌ مستثيرٌ للفضول بمتابعة الموضوع من مصادر أخرى…

ت‌.  التَّوثيق [ذكر مصادر ومراجع كافية]

على الرَّغم من كون النّصوص محاضراتٍ جامعيَّةً تُمْلَى على الطَّلبةِ، فإنَّ الأستاذة عبَّاس وَثَّقَت توثيقًا كافيًا مانحًا محاضراتها درجةَ وثاقةٍ أعلى، بدأ منذ الصَّفحات الأولى للمقرَّر (ص9)([6])، فأحالت كلَّ صفحةٍ، أو صفحتينِ إلى مرجعٍ، أو مصدرٍ أو أكثر، وهذا أسلوبٌ يسهِّل عمل الطَّلبةِ من جهةٍ، ويثير في نفوسهم فضول البحثِ والاستزادة؛ مثال: بحثت تقديمَ القرآن عناصرَ بلاغيَّةً مغايرةً لمألوف العرب (105)، وختمت بالإشارة إلى مراجع كافية (106) [مرجعين]…

ث‌.     التَّعريف بالمصطلحات المستخدمة

وهو شرطٌ منهجيٌّ لازمٌ واجب الاستخدام، لكنَّ كثيرًا من الباحثين يتركون بعض مصطلحاتهم من دون تعريف. إنَّ مقرَّر د. دلال المتعلّق بالقرآن، ومفاهيمه وعلومه، ومصطلحاتها الكثيرة يستوجب تعريفها، ليسهل فهم المادَّة ويزيد تعلّق الطَّالب بها؛ عرَّفت عصر صدر الإسلام (9)، والقرآن (37)، ومفهوم الوحي (37 – 40)، وتنجيم القرآن (49)، ومصطلحاتٍ منطقيَّةً مثل المنطوق (77)، والمفهوم (78)… ووضَّحت بأمثلةٍ.

ج‌.    التَّمثيل الكافي والتَّطبيق العمليّ

على الرَّغم من كثافة المصطلحات، والمفاهيم، والتَّعريفات الواردة في الكتاب لم تُحَوِّلْهُ د. عبَّاس إلى كتابٍ نظريٍّ تنظيريٍّ، بل دعَّمت خلاصاتها، وأحكامها دائمًا بأمثلةٍ توضيحيَّةٍ، ونماذجَ تطبيقيَّةٍ كافيةٍ([7])؛ فقد كانت تُعَرِّفُ المفاهيمَ، والمصطلحاتِ، والأفكارَ القرآنيَّةَ، وتوضِّحُها، ثمَّ تُقَدِّمُ المثالَ العمليّ؛ وضَّحت مصطلحي الآيات المكِّيَّة والمدنيَّة، وأتبعته بتطبيقٍ مساعِدٍ (58 – 61)؛ بيَّنَتْ ضرورةَ العلم الكافي بأسباب نُزول الآيات وارتباطه بالواقع لاستخراج القوانين والدَّلالات وصولًا إلى مقاصد الشَّريعة، لئلّا يقع الإنسان في الاستنباط الخطأ، ومثَّلت بمثالين من سيرة الخليفة عمر (61 – 64)؛ المناسبة بين الآيات والسّور (84 – 85)، وبين السُّور (85 – 89)، وبين الآيات (89 – 91) [10 نماذج تطبيقيَّة، أحدها موسَّعٌ]، توضيح مفهومي التَّرهيب والتَّرغيب باستخدام مصطلحي الإنذار والتَّبشير بأسلوبٍ واضحٍ فصيحٍ وكلماتٍ قليلةٍ أدَّت المعنى بوضوحٍ مع تقديم مثالٍ مفصَّلٍ من سورةٍ، ومثالين مُجملينِ من سورتين أخريين (162). وفي قضيَّة القِصَّة القرآنيَّة([8]) قدَّمت نماذجَ تفصيليَّةً بيَّنت فيها عناصر قَصصيَّةً ومسرحيَّةً كثيرةً، نحو قِصَّة أهل الكهف (173 – 178)، وقِصَّة ذي القرنينِ (179 – 185)، ودرستِ الرَّمزَ والتَّأويل في النّصّ القرآنيّ؛ سورة يوسف (ع) أنموذجًا (187 – 193)… حلَّلَتِ النِّظامَ الإيقاعيّ (98 – 102) [عشرين مثلًا]، وبيَّنَتْ تَعَدُّدَ شخصيَّةِ ذي القرنينِ (182 – 185)، وعرَّجَتْ على التَّصويرِ الفَنِّيّ في القرآن بشواهد كافية (102 – 103)، لتوضيح الفكرة في كلِّ مرَّةٍ، وعند كلّ منعطفٍ جديد.

عرَّفت حديث الرّسول (ص) الصَّحيح بأنَّه أدبٌ فصيحٌ بليغٌ متينٌ جميلٌ (200 – 201)، ومثَّلَتْ بأمثلةٍ كافيةٍ، ولغةٍ واضحةٍ، وكلماتٍ قليلةٍ، بَيَّنَتْ أُسلوبَهُ السَّهلَ الممتنعَ، ومعانِيَهُ السَّامية، وأنواعَهُ، وغاياتِهِ (201 – 202).

إنَّ كثرة الأمثلة، والتَّطبيقات العمليَّة، والدَّلالات المستخرجة تفيد الطُّلَّابَ، والباحثينَ في دراساتهم نصوصًا أدبيَّةً، وتاريخيَّةً أُخرى، وفي توسعة مجالهم المعرفيّ، إِنْ أَرادوا التَّوسُّع. وهذا أسلوبٌ يلائم مستوى طلَّاب الجامعة وحاجاتهم، إذ إنَّه لا يتركهم محتارين وخائفين، لا سيَّما أنَّ معظمهم لم يطِّلع على المفاهيم القرآنيَّة.

ح‌.    فتح الآفاق

كان تكثيفها وغوصها في تفاصيل بعض الموضوعات منطلقًا لمباحث موسَّعةٍ في المواضيع المثارة، وحثًّا للطَّلبة والباحثين على القيام بأبحاثٍ أخرى.

خ‌.  أمانة الاقتباس واحترام الأَعْلام

ظهرت د. دلال عادِلَةً مُنْصِفَةً لا تبخس العلماء أشياءهم، بل تقتبس منهم، وتشير إلى ذلك، وتتبنَّى رأيهم إن كان يوافق رأيها، وتعطيهم فضل الرِّيادة والسَّبق؛ تقتبس المحاضِرةُ اقتباسًا طويلًا وكاملًا، إذا كان جامعًا واضحًا ودقيقًا في إيصال مفهومٍ أو فكرةٍ، ولا تلجأ إلى التَّحايل على النّصّ، وسرقة بعضه، والاكتفاء بالإشارة إلى بعضه الآخر، كما يفعل كثيرون. على مستوًى آخر تُرَكِّزُ على فهم بعض الرّوّاد في قضيَّةٍ مُهِمَّةٍ، كتركيزها على الجرجانيّ أنموذجًا لفهم النّصّ القرآنيّ نظمًا خاصًّا فريدًا (95 – 97). ولا ضيرَ في ذلك ولا عيبَ، بل أمانةٌ، وثقةٌ، واحترامٌ لجهود الآخرين، وتوسّعٌ في العلم، وتواضعٌ. نحو: اقتباسها أحد عشرَ سطرًا متتاليًا (ص85)، وثلاثة أسطرٍ من (الأغاني) مع مدحه: “إنَّ معالم حياة أبي مِحجن… تجمعها هذه الجمل المركَّزة…”؛ فليس من داعٍ إلى التَّلاعب في النَّصّ، أو التَّحايُلِ عليه. وهذا ما عنيناه بأمانة الاقتباس.

د‌.    اللّطافة والشَّجاعة في مخالفة المألوف: جديدٌ ونادر

امتازت د. دلال بالمواقف الشّجاعة، والجرأة الأدبيَّة المستندة إلى أساسٍ عِلْمِيٍّ في نقدها؛ فقد خالَفَتْ في أمورٍ مشهورةٍ، وعارضَتْ مسائلَ تسالمَ النَّاسُ على صِحَّتها، وإن صدرت من علماء كبارٍ وجهابذةِ الأدب، والتَّفسيرِ، والعلومِ الإسلاميَّة ذوي القداسة الدِّينيَّة، لا سيَّما في مجتمعنا الشَّرقيّ. أمثلة: عارضت مقولة “العرب مجموعاتٌ متناحرةٌ امتازت بالعصبيَّةِ القَبَليَّةِ” الشَّائعة، فرأت أنَّ المجتمع حركةٌ متحرِّكةٌ، وأنّ العصبيَّةَ القَبَليَّة لم تكن حادَّةً كما هو المشهور (ص11 – 12)، وكانت لطيفةً في إشارتها إلى مواضيعَ خِلافِيَّةٍ، كجمع القرآن؛ فقد تبنَّت الرَّأي القائل بأنَّ القرآن كان يدوَّنُ ويُحْفَظُ ثمَّ شكَّلَ (مصحف عثمان) الشَّكلَ النِّهائِيَّ للتَّدوين (ص 49؛ 53). في موردٍ نَقْدِيٍّ آخرَ ذَكَرَتْ أَهَمَّ أسباب تغلغل التَّفسير المحرَّف، أو الخطأ إلى عقول المسلمين، وكُتُبِهِم بأُسلوبٍ منطقيٍّ يقبله القارئ حتَّى ولو لم يكن مسلمًا (171)، وأوردت تفاسير العلماء للشَّجرة المحرَّمة (169 – 170)، ولكنَّها رَفَضَتْها بقولٍ موجزٍ ومعقول: “إنّ أحدًا منهم لم يعتمد على أسسٍ متينةٍ من السُّنَّة، والرّوايات لدعم أقواله” (170)، وبيَّنَتْ أسبابَ رفضِها مفهومَ الجنَّةِ الأولى بأنَّها سماويَّةٌ، وتبنَّت رأيًا آخر دعَّمَتْهُ بشواهدَ موثَّقةٍ من مفسِّرين ومفكِّرين كبار (170 – 171). عرَّفَتِ الحديثَ النّبويّ الصّحيح، وذَكَرَتْ شروطَ مقبوليَّتهِ مُوْجَزَةً (198 – 199)، وهي مسألةٌ شديدةُ الحساسيّة، تناولتها بشجاعةٍ وصراحةٍ، فناقَشَتْ صِحَّةَ أحاديث صحاح الفريقينِ كُلِّها، وجاهَرَتْ برأيها من دون خوفٍ: “كُتُبُ الصّحاحِ كُلُّها لا تخلو من آفة وضع الأحاديث” (199)، وهو رأيٌّ متقدِّمٌ يُعرِّضُ صاحبه إلى ردودٍ عنيفةٍ جارحةٍ قد تصل إلى حدّ التَّكفير. لكنَّها كانت قد مهَّدت لهذا الحكم بتبيانِ مُكَوِّناتِهِ وأَسبابِهِ. وهذا منهجٌ تعتمده د. عبَّاس في جُلِّ كتاباتها ونقدها، وهذا ديدن الباحث العقلانيّ المستنير، وهو أسلوبٌ ملائمٌ للتَّعليم الجامعيّ في مراحله الأولى، ومخالفٌ لما درج عليه بعض الأساتذة من انحيازٍ حادٍّ إلى موقفٍ وفَرْضِهِ على الطَّلبةِ حاسمًا لا نقاشَ فيهِ ومن دون أدلَّةٍ.

ذ‌.    عدم التَّعصّب المذهبيّ

مَثَّلَ أسلوبُها انفتاحًا واعيًا على إيجابيَّات التَّطبيق الواعي للنّصوص الإسلاميَّة والاجتهاد الواقعيّ الملائم لأهداف الرِّسالة؛ فقد قدَّمَتْ مثالينِ من سيرة الخليفة عمر بن الخطَّاب (63 – 64)، ودرست بعضَ رسائله (228 – 231)، وخطبةً للخليفة أبي بكرٍ (222 – 228)…

ر‌.     الاكتفاء بالإيجابيّ

هناك أمورٌ تراثيَّةٌ وتاريخيَّةٌ ثبت وُجودُ منافِعِها ومضارِّها، أوِ اخْتُلِفَ فيها كثيرًا، فاكتفت د. عبَّاس بالإشارة إلى الإيجابيّ منها، تحفيزًا للطَّلبة على القراءة الإيجابيَّة من جهةٍ، وإبعادًا لهم عن التَّلهّي في نقاشاتٍ وخلافاتٍ في مرحلةِ بناء ذواتهم ثقافيًّا ولغويًّا. مثال: ذكرها إيجابيَّات حركة الفتوح من دون الإشارة إلى سلبيَّاتها (ص13). على صعيد الحكم الإسلاميّ أحسنت د. دلال الاختيار، إذ إنَّها قَدَّمَتْ نصوصًا جديرةً بالاهتمام لما تمثِّله من رمزيَّةٍ ودلالةٍ على نمط تفكير الحاكِمَيْنِ: المسلم الصَّالح والعادِل، والحاكم المتسلِّط غير العادِل، وتوقَّفت مَليًّا عند نصّ الإمام عليّ (ع) إلى مالك الأشتر نظرًا إلى غناه بالمواقفِ الفكريَّةِ، والمبادئ الإداريَّة والسِّياسيَّة، والقواعدِ الاجتماعيَّةِ والسّلوكيَّةِ ما يجعله أُنموذجًا ونبراسًا تهتدي الأمَّةُ به.

ز‌.     الإسهابُ غير المُقَلّ وغير المُمِلّ

وهو أسلوبٌ سهلٌ يوفِّر وقت الطَّالب، امتازت به د. دلال في كتابها عندما تَوَسَّعَتْ بَعْضَ الشَّيءِ في المواضيع فائقة الأهمِّيَّةِ عندَ الحاجة، من دون إطنابٍ، غير مكتفيةٍ بعنوانٍ عامٍّ واحدٍ، بل كانت تضع العناوين والإشارات المُهِمَّة، نحو انتشار التَّعريب (28 – 31) حيث أشارت إلى أهمّ الظّروف والمظاهر الّتي أَحْدَثَتْهُ، ونحو مراحل تطوّر الرَّسم القرآنيّ وطباعته على الورقِ (1530 – 1923م) (ص 55 – 56)، وفصَّلت بعض المواضيع، وأسندتها بشواهد كافيةٍ، نحو قضيَّة انقسام المجتمع إلى مؤمنين وكافرين وعِلَل ذلك (148 – 151)، ونحو غاية القصص القرآنيّ بمثالٍ تفصيليٍّ من قِصةّ آدم (ع) (ص163 – 167)؛ وفي موضوع حكمة التَّدرّج في تشريع الأحكام قدَّمت نماذج أَظْهَرَت من خلالها دور المنهج النّصّيِّ في تغيير الواقِع، والإقناع (65 – 69) [تحريم الخمرة (65 – 66)، النّاسخ والمنسوخ (69)] بأسلوبٍ سهلٍ مقنعٍ.

س‌. إجمالٌ ثمَّ تفصيل

وَضَعَتِ الخلاصةَ أحيانًا، ثمَّ فصَّلَتْها؛ نحوُ: تحسَّنَ الرَّسمُ القرآنيّ تدريجيًّا “حتَّى بلغ ذروة الجمالِ في نهاية القرن الثَّالث الهجريّ” (54) [إجمال]، ثمَّ ذكرت أهمّ المحطَّات، والتَّفاصيل الموضِّخة لذلك في سبعة أسطرٍ (54 – 55)، ونحو دور لغة القرآن الأساسيّ في التَّفاعل معه [تعميم]، أتبعته بمثالينِ دلِيلًا [تفصيل] (93)، ونحو تفصيل قضيَّة خروج آدم (ع) من الجنَّة من خلال سبعة أمثلة من سبع سورٍ مسوِّغةً عدم ذكر القِصَّة الكاملة، وجَمَعَتْها في نظرةٍ شاملةٍ (166)، مشيرةً إلى الحقائق والرُّموز في تفاصيل القِصَّة (167 – 168). مثالٌ آخر: سَبَّبَ ظهور الإسلام تراجع الشِّعر، وتقدُّم النَّثر الفنّيّ [حكم ونتيجة] (195)، ثُمَّ ذكرت العللَ والأسبابَ (195 – 203).

ش‌.   إعادة التّذكير والتَّركيز

أعادت التَّذكير بمواضيعَ خلافيَّةٍ، أو مفاهيمَ محوريَةٍ بارزة الأهمِّيَّة، كانت قد ذكرتها مختصرةً سابقًا، في أكثر من موضعٍ مناسبٍ، لتركيزها في الأذهان؛ أمثلة: مفهوم النّصّ القرآنيّ كونه نظمًا جديدًا فريدًا (7؛ 37؛ 95 – 97)؛ أثر الفتوح في اللّغة؛ إذ فَصَّلَتْ ما أوجزتْهُ آنفًا (13؛ 22)، فذكرت آثارًا إيجابيَّةً كالتَّوسُّعِ والسَّيطرةِ، وسلبيَّةً كانتشار اللّحن (33 – 34)، وتفاصيل أخرى مهمَّةً (270 – 274)؛ علاقة النَّاسخ [الزّمانيَّة] بترتيب النّزول من دون ترتيب التِّلاوة [المكانيَّة] (69 – 70)، وتوضيحه (71)…

ص‌.  التَّسلسل الانسيابيّ

اعتمدت د. دلال هذا الأسلوب وسيلةً خاصَّةً، لتوضيح الأفكار والمعانيّ؛ فقد بيَّنت العناوين بأسلوبٍ سهلٍ ومُقْتَضَبٍ، يشقّ دروبًا واضحةً لمسارات البحث، والتَّنقيب لمن أراد الاستزادة؛ أمثلة:

ص22: قادت الفتوح إلى الاختلاط، وقاد الاختلاط إلى اللّحن، واللّحن بدوره كان وراء نشأة علم النَّحو” [الاختلاط<  –  –  اللّحن<  –  –   نشوء علم النَّحو].

ص33: “كان للحركة الإسلاميَّة كتابٌ، وكان لهذا الكتاب لغةٌ، وكانت هذه اللّغة على ألسنة النَّاس”.

ص13: “… التَّأليف بينهم تأليفًا، تقوم فيه العقيدة مقام الدّمّ، والمساواة مقام التَّفاخر، والتّقوى مكان النَّسب، ووحدة الكلمة والاتّفاق مكان التَّشتّت والافتراق”…

ض‌.  القِصَّة في القرآن [جلّ الفصل الثَّالث]

ركَّزت د. دلال على موضوع القَصص القرآنيّ وآثاره (107 – 187) [81 صفحة]، وبيَّنت دوره وسيلة دعوةٍ وهدايةٍ، وأغراضَه من إثباتٍ للوحي، والرّسالة، وعلاقته بدور الأنبياء التَّربويّ الاجتماعيّ، والنَّفسيّ في هداية الأفراد، والمجتمعات، وتثبيت عقائدهم (111؛ 147 – 148؛ 153 – 154)، وفصلت بين غايات القصص العامَّة والخاصَّة (173)، وعدَّدت أساليبه وماهيَّته وعناصره: (الحادثة [الإنذار]، والشَّخصيَّة، والحوار) [قِصَّة صالح (ع) (ص111]، وأنواعه (تاريخيَّة، أو واقعيَّة، أو تمثيليَّة رمزيَّة)، ومثَّلت لكلّ نوعٍ، وسورته، وآياته (107 – 111)، وحلَّلت القِصَّة الواحدة الواردة بأشكالٍ متعدّدةٍ، وتطوّر عرضها وفاقًا لتطوُّر الدَّعوة وحاجاتها وانسجامًا وغاية العرض (109 – 112) نحو قِصَّة موسى (ع)، وقِصَّة آدم (ع) (163 – 167)، كما شَرَحَتِ التَّوازن بين الشَّخصيَّات والحوادث (113 – 114)، وتسويغ تكرار القِصَّة تبعًا للظّروف والمتغيِّرات، وأشارت إلى عموم الشَّخصيَّة (114 – 115) وأنواعها إذ تشمل أحياء غير الإنسان: الملائكة، الجنّ، الطُّيور، وإلى إنصاف المرأة في تحديد دورها الطَّبيعيّ (116؛ 117؛ 119)، وتفسير عدم ذكر أسماء الرِّجال والنِّساء في كثيرٍ من الأمثال القرآنيَّة (ص117)، وأدوار الرّجل المتنوّعة (119 – 121)، وأشارت إلى تمايز القَصص القرآنيّ عن البشريّ في مسألة التِّركيز على الأوصاف المادِّيَّة الظَّاهِريَّة (120 – 121)، والملائكة، والجنّ، وإبليس، وسماتهم الشَّخصِيَّة (121 – 123)، مع التَّركيز على تبيان عنصر الحادثة في القِصَّة القرآنيَّة وأنواعه (124 – 127)، من خلال كمٍّ كافٍ من الأمثلة والحبكة (127 – 129)، وأدوار الحركة، والزَّمان، والمكان (130 – 136)، والحوار، ودوره، وأساليبه، وملاءمته للشَّخصيَّة، وتفصيلها من خلال نماذج عديدة في قِصَّة بني إسرائيل، والبقرة، أو قِصَّة يوسف (ع)، وحوار موسى (ع) مع الفتاتين، والحوار مع موسى (ع) (132 – 141)، ومسألة حفظ هُويَّة المتحاورين؛ فالهدهد شخصيَّةٌ واقعيَّةٌ بخلاف شخصيَّاتِ ألف ليلة وليلة، أو كليلة ودمنة… وقضايا المعجزة والقدر (154 – 156)، وبيَّنت بنيويَّة الصِّراع بين الحقّ والباطل (157)، ومساحاته الدَّاخليَّة [النَّفس]، والخارجيَّة [الآخرين] (158 – 160)، وفسَّرت تسرّب الأسطورة إلى ثنايا قِصَّة الخلق البشريّ الحقيقيَّة (167 – 169)، وحَكَتْ عن ميزةٍ أسلوبيَّةٍ قرآنيَّةٍ، هي عدم الاهتمام بالتَّفاصيل، والأسماء، وممهِّدات الحدث (139)، وتناولت قضايا فكريَّةً، وعقائديَّةً، ووصايا أخلاقيَّةً مُتَّصلةً بمفاهيم القِصَّة القرآنيَّة، وأهدافها، وأساليبها، من نهيٍ صريحٍ، وأمرٍ مباشرٍ، وتعجُّبٍ، واستفهامٍ إنكاريٍّ (146 – 147).

تغلغلت د. دلال في مقرَّرها الجامعيّ – وإن لم يكن ذلك من وظيفته – فأشارت إلى العناصر المسرحيَّة في قِصَّة أهل الكهف أنموذجًا (173 – 178)، من مشاهدَ وروابطِ الحبكة بينها، وفي قِصَّة ذي القرنينِ (179 – 185)، وقِصَّة يوسف (ع) (187 – 193) حيث بيَّنت ما فيها من رؤًى، ورموزٍ ودلالاتها، وأحداثٍ، وحيلٍ، وشخصيَّاتٍ، وأدوار الأزمنة، والأمكنة، والأحداث، وعلاقتها بالنُّظم الاقتصاديَّة… وفي ذلك دليلٌ على سعة اطِّلاعها،، وآفاق نظراتها في الاتِّجاهات المتعدِّدة للعناصر المرئيَّة، وغير المرئيَّة في النّصّ الأدبيّ من جهةٍ، وإثراءٌ معرفيٌّ، وفتحُ آفاقٍ جديدةٍ أمام الطُّلَّاب الجامعيِّين البراعم، والباحثينَ من جهةٍ أخرى.

لم تكتف د. دلال بعرضٍ [سرديٍّ جافٍّ] لتنوّع تفاسيرِ القَصص القرآنيّ واختلافها، بل سوَّغته بارتباطه بمنطقة الرَّمز صعبةِ التَّأويل، وبترابط المعرفة اليقينيَّة بالحقيقة التَّاريخيَّة (180).

ط‌.      خاتمة:

عرضنا كتاب د. دلال (القرآن والشِّعر) أسلوبًا ومضمونًا، وربطنا بينه وبين صاحبته باحثةً مستبصرةً ذات أسلوبٍ رشيقٍ عقلانيٍّ استدلاليٍّ بعيدٍ من التَّعصُّب، والاستبداد الفكريّ، قائمٍ على الأسلوب السَّهل، والدَّقيق المدعَّمِ بالأدلَّة، والشَّواهد الكافية المقنعة ﴿ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (37)([9]).

** د. قاسم محمَّد بزُّون، دكتوراه في اللّغة العربيَّة وآدابها، الجامعة اللّبنانيَّة.

[1] الكتاب (القرآن والشِّعر)، الطَّبعة الأولى في العام 1990، والثَّانِية في العام 2005، والثَّالثة (التي نقدّمها) في العام 2009، دار المواسم، بيروت، وقد ذُكِرَ على الغلاف أنَّها الطَّبعة الأولى خطأ.

[2] لاطِّلاعٍ أكثر تفصيلًا يمكن زيارة موقع د. دلال الإلكترونيّ:  https://dalalabbas.com.

[3] ربَّما لهذا السَّبب لم تتكلَّم على أثره في المرحلة السَّابقة، مرحلة الدَّعوة السِّرِّيَّة والخوف.

[4] سنشير إلى أرقام الصَّفحات بين قوسين من دون ذكر حرف ص دائمًا.

[5] أي [تنزيله متفرّقًا]؛ وضَّحت مفهومه، وسبب نزوله متفرّقًا على دفعاتٍ خلال آمادٍ طويلةٍ (23 سنة).

[6] في الإحالة كانت تطلب أحيانًا العودةَ إلى كتابٍ بعينِهِ، قد فُصِّلَ فيه الموضوعُ من قَبْلُ.

[7] هذه النَّماذج هي الّتي كانت تُحَلِّلُها في الصَّفِّ، وتُشْرِكُ الطُّلَّابَ في تفكيك النُّصوصِ، قبل الكلام على المفاهيم النَّظَرِيَّة.

[8] أوردنا للقِصَّة القرآنيَّة عنوانًا مستقلًّا (القِصَّة في القرآن) نظرًا إلى مركزيَّته، وبيَّنا فيه تفاصيل.

[9] سورة ق، الآية 37.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.