foxy chick pleasures twat and gets licked and plowed in pov.sex kamerki
sampling a tough cock. fsiblog
free porn

صورة القدوة في القِصّة القرآنيّة “سورة يوسف أنموذجًا”

0

صورة القدوة في القِصّة القرآنيّة “سورة يوسف أنموذجًا”

فاطمة محمد الحاج حسن*

مقدّمة

القِصّة القرآنيّة جزء من القرآن الكريم، الذي يتمتّع بربّانيّة المصدر، ودينيّة الغرض والهدف، وإعجاز المعنى، والأسلوب، واللفظ. وللقِصّة في مجال التّربية وظيفة خاصّة لا يحقّقهـا لون آخر من ألـوان الأداء اللغويّ؛ لأنّها من الأساليب الفعّالة التي تعمل على تشويـق المتلقّي، ورفع درجة الانتبـاه، والتركيـز لديه. وتجدر الإشارة إلى أنّ أدباء العصر الجاهليّ كانوا قد وصلوا باللغة العربيّة إلى أعلى مستوى يمكن أن تصل إليه جهود البشر، فتنزَّل القرآن يعلِّم هذه القمم حقيقة البلاغة والبيان، ويتحدّاهم في الإتيان بمثله. ومن هنا ينطلق البحث على أساس أنّ القِصّة القرآنيّة مجال من مجالات ذلك التحدّي المستمرّ… فكيف أظهرت القِصّة القرآنيّة صورة القدوة الحسنة من دون المساس ببعدها الأدبيّ المميّز؟ وأيّ البعدين كان أكثر تعاليًا على الآخر: الأدبيّ الممتع أم التربويّ المقنع؟

يبدو أنّ الفواصل بين مكوّنات القِصّة لا يمكن إلّا أن تكون فواصل مصطَنعة، وأنّ المتعة والتّربية تشكّلان مكوّنيْنِ متلازميْنِ في القِصّة بصورة ضمنيّة؛ وهكذا يغدو التّعالق بينهما تعالق جدل متراوح بين الهيمنة والانسجام. ويعني ذلك، أنّ الحدود الجامدة تنهار في القِصّة الجيّدة بين ما هو من قبيل الأدبيّة، وما هو من قبيل التّربية. أمّا اختزال الخصائص الأدبيّة والغايات التربويّة في عناصر تطبيقيّة ومنفصلة – في الظاهر – فمن شأنه أن يسهّل مَهَمّة النّاقد الأدبيّ، ويجنّبه الكلام الفضفاض، والأحكام الخارجيّة الانطباعيّة، ووجهات النّظر المفتقِرة إلى الممارسة العمليّة. ولمقاربة جانب من هذا الجدل المفترَض قيامه بين ما هو تربويّ، وما هو أدبيّ في القِصّة القرآنيّة، وقع الاختيار على سورة يوسف، التي توافرت فيها عناصر أدبيّة وتربويّة خصبة حفّزت العديد من الباحثين لاستجلاء مكامن الإعجاز المتنوّعة فيها، وهذا ما يشكّل أرضيّة مناسبة يُزاوج عليها هذا البحث بـين النظريّة والإجراء ويُفيد ممّا سبق. مع الإشارة إلى أنّه ليس تفسيرًا للقرآن، بل هو محاولة قراءة من منظور أدبيّ تربويّ.

ويكتسب هذا الموضوع أهمّيّته من استقائه مادّة دراسته من القرآن الكريم، هذا النصّ المُعجز الذي غدت به اللغة العربيّة لغة الفكر الحضاريّ. وذلك بما اشتمل عليه من أفكار، ومفاهيم ارتقت بالإنسانيّة إلى أعلى مقام. كما يكتسب أهمّيّته من اختيار سورة فريدة، تنكشف فيها أساليب فنّيّة ولغويّة وأدبيّة متعدّدة، وتتجلّى فيها أيضًا موضوعات، وقيم تربويّة عامّة تتماشى مع الفطرة البشريّة المشترَكة بين الناس. وهي سيرة متكاملة، تحفل قصصها بمشاهد تعكس انفعالات الغيرة، والحزن، والغضب، والخوف، والسرور، وتتمحور حول شخصيّة رئيسة جمعت بين جمال الظاهر وقداسة الباطن؛ فلم تيأس ولم تستسلم للابتلاءات المتنوّعة، بل تابعت كفاحها في مسيرة نجاح باهر، تمثّل في تحقيقها أهدافًا سامية تركت بصمات مميّزة في تاريخ البشريّة. وبهذا، يمكن تقديمها إلى المتلقّي، وخصوصًا إلى الأطفال والشّباب، بصورة القدوة الحسنة التي يحتاجها الفرد لمحاولة تقليدها، والاستفادة من تجربتها في الحياة، بهدف تطوير النفس، والقدرات، وتحديد الرغبات، والاتّجاهات منذ بداية الطريق. ولعلّ أهمّ ما في هذا الموضوع، أنّه قد يشكّل مَعينًا ثرًّا لمن يبحث عن قواعد الكتابة، ومعايير جَودة القِصّة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* طالبة دكتوراه في اللغة العربيّة وآدابها في الجامعة اللبنانيّة.

وسنعالج مشكليّة محوريّة تطالعنا بها “سورة يوسف” من خلال مقدّمة تؤكّد أفضليّة القِصّة القرآنيّة: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [يوسف، 3]. ثمّ تختتم بالغاية من استخدام أسلوب القِصّة ﴿لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَـكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُون﴾ [يوسف، 111]. وما بين الافتتاحيّة المشوّقة، وبين مسك الختام، يأسرنا جمال اللفظ والمعنى، وحسن تركيبهما في صورة فنّيّة إبداعيّة تجعل الأحداث ماثلة أمام نظر القارئ، فتبدو سورة يوسف وكأنّها “تعرض المنهج النّموذجيّ في الأداء الفنّيّ للقِصّة القرآنيّة”([1]).

وتتحدّد إشكاليّة البحث في الإجابة عن الأسئلة الآتية:

ما طبيعة التعالق بين الأدبيّ والتربويّ في القِصّة القرآنيّة؟ أهي علاقة هيمنة أم انسجام؟ ولماذا عُدّت القِصّة القرآنيّة أحسن القَصص؟ وما القيم التربويّة الواردة في سورة يوسف؟ وكيف قدّمت صورة البطل القدوة؟

فتنشأ فرضيّتان أساسيّتان:                                                                                                                                                                                                             

– إنّ توازنًا واضحًا يقوم في القِصّة القرآنيّة بين ما هو تربويّ وما هو أدبيّ. ولعلّ هذا التوازن هو الذي جعل من القِصّة القرآنيّة أحسن القَصص.

– قدّمت القِصّة القرآنيّة صورة شخصيّة ناجحة، تتحلّى بقيم إنسانيّة عامّة، ولكن قد يصعب على الفرد أن يتأسّى بها في حياته المعيشة.

ومن هنا، نعالج الموضوع من خلال خمسة مباحث، قدّمنا فيها إضاءة على سورة يوسف، وتطرّقنا فيها إلى مميّزات القِصّة القرآنيّة، مركّزين على المنظور الروائيّ وبناء الشخصيّات، والقيم الأخلاقيّة الواردة في القِصّة.

المنهج المتّبع

يسعى هذا البحث إلى قراءة موضوعيّة تعاين الجوانب الأدبيّة والتربويّة في القِصّة القرآنيّة، في محاولة لاستكشاف سرّ الإبداع الكامن فيها عبر تحليل الظواهر. مع الالتفات إلى أنّ مصدريّة الخطاب القرآنيّ تحيل إلى الخالق المطلق. أمّا المتلقّي المفترض، فهو كلّ إنسان يُتقن اللغة العربيّة منذ تنزّل القرآن الكريم في القرن السابع الميلاديّ.

وبما أنّ الإبداع الأدبيّ من أكثر الظّواهر الإنسانيّة إثارة لتعدّد التّفسير والتأويل في كيفيّة بنائها، ودلالاتها، ووظائفها، فإنّ عمليّة النقد ينبغي أن تنهض على ركيزتين: رؤية النّاقد، والمنهج الذي سيتّبعه في هذا المجال. وبناءً على ذلك، تمّ اختيار المنهج السرديّ السيميولوجيّ منطلَقًا لقراءة سورة يوسف، بالمؤازرة مع المنهج الأسلوبيّ الذي يُعدّ من المناهج العلميّة الّتي تتناول خصوصيّة هذا النصّ أو ذاك. وتُعدّ السيميائيّة السرديّة جزءًا من سيميائيّة النصوص، وإن كانت تفيض عن النصّ بمعناه الاصطلاحيّ؛ فالسرديّة narratologie علم يحلّل مؤلّفات القِصّة وأوّاليّتها([2])، وهي المنهج البنيويّ المتخصّص بدراسة النّتاج السرديّ عبر تحديد المكوّنات الأساسيّة الخاصّة به. فيما يسعى المنهج السيميائيّ إلى تحديد العلامات الدالّة وتأويلها، فتنكشف القيم التربويّة التي تعكس رؤية المرسِل إلى العالم. ولهذا، تأتي “السرديّة السيميائيّة” بوصفها منهجًا مناسبًا لهذا البحث، طامحة في منطلقاتها إلى الإحاطة بالرمزيّ، وكشف الدالّ المضمَر تحت طبقات المدلول. وهي لا تكتفي بالوصف، بل تسأل عن وظائف المؤشّرات اللّافتة المرتسمة على السّطح، في العلاقات الّتي تعقدها في ما بينها لتنظّم المعنى المتوخّى.

وهذا ما يسعى البحث إلى الكشف عنه، عبر قراءة القِصّة القرآنيّة، وما قدّمته من دلالات محتمَلة تحرّك مشاعر المتلقّي و”تحفّزه إلى الولوج في متخيّل… وبالتّالي تحفّزه إلى أن يبحر داخل ذاته”([3]). مع الإشارة إلى أنّ خصوصيّة المرجع القرآنيّ، تضع أمام الباحث مصادر متنوّعة من كتب التفسير والتأويل، التي تتوافر فيها أسباب نزول الآيات والأحاديث النبويّة التي تسهم في شرح المعاني والدلالات.

المبحث الأوّل – إضاءة على سورة يوسف

سورة يوسف هي سورة مكّيّة، عدد آياتها 111 آية، وقد نزلت كاملة في عام الحزن الذي توفّيت فيه خديجة زوج النبيّ محمّد (ص)، وتوفّي عمّه أبو طالب([4])، وقد عملت هذه السورة على تسلية قلب النبيّ وبثّ الأمل في نفوس المسلمين المستضعَفين في تلك المرحلة من بداية الدعوة في مكّة، من خلال عرض سيرة نبيّ سابق يشكّل أنموذجًا داعمًا يعين المؤمنين على الصبر، ويبعث فيهم روح العزيمة، والتفاؤل بمستقبل واعد.

تُستهلّ السورة برؤيا غريبة يراها يوسف الطفل، ويفهم منها والده النبيّ يعقوب علوّ شأن ابنه في المستقبل، لكنّ إخوة يوسف غير الأشقّاء لم يتقبّلوا ولع أبيهم بالصغير المدلّل، حتّى وصل الأمر بهم إلى رميه في بئر نائية، ليُباع عبدًا لعزيز مصر الذي حُرم من إنجاب الأطفال، وحاول التعويض بالتبنّي. وبعد ذلك، تُغرَم زوج العزيز بيوسف شابًّا شديد الجاذبيّة، لكنّه يتمنّع عن إقامة علاقة معها، فيؤدّي به ذلك إلى السجن. وبعد سنوات، يرى الملك حلمًا يعجز عن تفسيره المنجّمون، فيلجأ إلى يوسف الذي يسطع نجمه في العلم، والحكمة، ويسلّمه إدارة شؤون الزراعة، والمال في البلاد. وفي نهاية القِصّة نرى عفو يوسف عن إخوته، وعن امرأة العزيز، وهو في قمّة السلطة، وتتحقّق رؤياه التي وردت في مقدّمة السورة في حركة سرديّة دائريّة.

وبهذا، تصوّر السورة “حدثًا متكاملًا به بداية ووسط ونهاية، تقوم بين أجزائه الثلاثة علاقة عضويّة”. كما تتوافر فيها سائر مقوّمات القِصّة الناجحة، من الشخصيّات المتعدّدة، والأحداث المتساوقة بشكل طبيعيّ، والحوار الموضوعيّ، والتدفّق والسلاسة، والتمثّل بالمعنى، والغنى بالإيحاء والدلالة. وهي تحتوي على عناصر وخصائص فنّيّة، نصّ النقاد على ضرورة احتواء القِصّة عليها، مثل: الهيكل السرديّ المتّصل، والأسلوب الوصفيّ الجيّد، وعدم الاستطراد في تصوير الحوادث استطرادًا يخرج بها عن الجوّ العامّ للقِصّة، والتشويق الذي يدفع القارئ إلى متابعة قراءة حوادثها بلهفة حتّى النهاية.

ومن أبرز الأمثلة على ما سبق، هذا الاستهلال اللافت: ﴿الـر تِلْكَ آيَاتُ الكِتَابِ المُبِينِ (1) إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (2) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ القَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا القُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الغَافِلِينَ (3)﴾ [يوسف،1 – 3]. فهذه الآيات تؤكّد على قضايا ثلاث: فرادة السمة البيانيّة للقرآن، وتمثّل معانيه في شكل لساني مفهوم، ومقنع للعقل، ثمّ الإعلان عن القِصّة بصيغة مثيرة ومشوّقة، فهي أحسن القصص كما أنّها قِصّة جديدة بشكلها الفنّيّ هذا.([5]) ولا ننسى تصدير السورة بأحرف مقطّعة تثير الغرابة، والعديد من التساؤلات حول كنهها ومغزاها، والتي لم تحصل بعد على أجوبة حاسمة. ومع تقدّم السرد، تتصاعد وتيرة التشويق عبر استثارة مشاعر المتلقّي في مواطن عديدة، نذكر منها:

  • تحريك غريزة حبّ الاستطلاع بذكر حلم غريب، يرى فيه يوسف أنّ الشمس والقمر يسجدان له.
  • الشعور بالشفقة والخوف على هذا الطفل المميّز الذي يتآمر إخوته على قتله.

واللافت في هذه القِصّة الحافلة بالانفعالات البشريّة، أنّها تقدّم صورة يوسف أنموذجًا مثاليًّا للاقتداء به؛ لكنّها مع ذلك، تؤكّد ضرورة التفكّر على مدى السورة، عبر تكرار مشتقّات التعقّل. وقد تضمّنت في طيّاتها مشاهد الألم والأمل، ومرارة الفراق، وحلاوة اللقاء، كما عرضت قِصّة اليأس، واليقين، والظلم، والقهر، والابتلاء، والصبر، ثمّ النجاح، والنصر. واقترنت فيها القدرة على الانتقام بالعفو والصفح، والرّجاء بالدعاء، والتمكين بعد الابتلاء، وظهرت من خلالها العاقبة الحسنى للمتّقين الصابرين. وهي قِصّة نجاح وتفوّق، انتقلت فيها الشخصيّة الرئيسة/ يوسف من قاع البئر إلى قمّة العرش.

وقد شكّلت السورة عند نزولها، أعظم تسلية، وتثبيت للمؤمنين المحاصرين آنذاك في شعب أبي طالب على مدى ثلاث سنوات. وكأنّهم يقرأون فيها تلميحًا إلى إخراجهم من بيوتهم، ومجتمعهم المكّيّ إلى وطن آخر يحقّقون فيه أحلامهم، كما أُخرج يوسف من بلاد كنعان ليواجه الابتلاءات العظام، ثمّ تكون له الرفعة، والنصر، والتمكين في مصر: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ ]يوسف، 21[.

المبحث الثاني – مميّزات القِصّة القرآنيّة

القِصّة في اللغة: القِصّة من قصصت، يقال قصصت الشيء إذا تتبّعت أثره شيئًا بعد شيء([6]).

أمّا مفهوم القِصّة الفنّيّة اصطلاحًا، فهو “عرض لفكرة مرّت بخاطر الكاتب، أو تسجيل لصورة تأثّرت بها مخيّلته، أو بسط لعاطفة اختلجت في صدره فأراد أن يعبّر عنها بالكلام ليصل بها إلى أذهان القرّاء محاولًا أن يكون أثرها في نفوسهم مثل أثرها في نفسه”([7]). ومن الواضح، أنّ هذا التّعريف لا ينطبق على القِصّة القرآنيّة، بسبب خصوصيّة مرجعيّتها. فالقرآن الكريم كتاب سماويّ يدعو الناس إلى الالتزام بالدين الإلهيّ، والقِصّة إحدى وسائله لإبلاغ هذه الدعوة وتثبيتها، وإنّ كان التزامها بالغرض الدينيّ لا يمنع بروز الخصائص الفنّيّة في عرضها([8] ).

ومن هنا، جاء أُسلوب القِصّة في القرآن مُتميّزًا من الأُسلوب المعروف للقِصّة في التراث الأدبيّ والإنسانيّ. حيث يكتفي القرآن الكريم بذِكر الأحداث بشكل مُقتطفات وبصورة إجماليّة تُهمل التفاصيل أحيانًا، وقد تأتي بشكل مُتقطّع غير موصول، لكنّه يضع يده على بيت القصيد من القِصّة. وفي الأغلب، يتخلّل القِصّة استطرادات لمفاهيم، وحقائق، وموضوعات عقائديّة، أو أخلاقيّة، أو كونيّة، أو شرعيّة، وغير ذلك من الخصوصيّات التي قد تُثير ملاحظة كبيرة حول أُسلوب القِصّة القرآنيّة، وبذلك تَخرج عن كونها عملًا فنّيًّا بحتًا. وهذا يعود إلى أنّ القرآن كتاب هداية، وإنّما استَخدم الفنّ لغايته في أمر الدعوة؛ ومن ثَمّ فإنّه يقتصر على موضع الحاجة من التَقنيّات الفنّيّة في سبيل تحقيق هدفه الخاصّ.

وبما أنّ أُسلوب القرآن هو أُسلوب خِطاب، فمن البديهيّ أن لا يلتزم بسرد القضايا بانتظام، وانسجام، والإتيان بالتفاصيل والجزئيّات، كما هو شأن الكتاب القصصيّ؛ فلا يُراعي في ما يقصّ مِن قِصَص ترتيبَها الزمنيّ، ولا تواصل الأحداث، بل ينتقل من حَدث إلى آخر، ثُمّ يأخذ بالتَجوال حسب اقتضاء الكلام. ونراه غير متحرّج من المَزج، والالتقاط وضمّ بعض الموضوعات، والمفاهيم إلى بعض؛ وفق رؤيته الخاصّة. فهو يَمزج الحقائق الكونيّة بالمعارف العقائديّة، والأحكام الشرعيّة بالموعظة، والإرشاد، والمشاعر بالعقل. كما أنّه قد يُكرِّر المُوضوعات، والمفاهيم بصِيغٍ متنوّعة، وفي سياقات مُتعدّدة، حسب ما يناسب اتّجاه الهدف من ذِكر القِصّة، وفي كلِّ مرّة قد يزيد أو يُنقِص، وقد يُوجز أو يُطنب([9]).

ومن هنا، تظهر فرادة سورة يوسف من غيرها من سور القرآن الكريم، في تمحورها حول سيرة شخصيّة محدّدة، ومتابعة تطوّر أحوالها وتنقّلها بين الأمكنة، بترتيب غير معهود في بقية السور القرآنيّة.

المبحث الثالث – المنظور الروائيّ

المنظور الروائيّ – كما يرى البعض – مصطلح مستمدّ من الفنون التشكيليّة، سيّما الرسم؛ إذ يتوقّف شكل أيّ جسم تقع عليه العين، والصورة التي تتلقّاه بها على الوضع الذي ينظر منه الروائيّ إليه([10]). ويتعلّق السؤال المنهجيّ الأساسيّ في دراسة هذا المبحث، بثنائيّة الراوي/ المتكلّم: ما علاقة من يرى بمن يتكلّم؟([11]). أمّا الرؤية، فتعني الطريقة التي يدرك بها الراوي العالم، ويقدّم بها القصّ وصيغته. وظاهر القِصّة يكشف عن طرفين يقدّمان المحكي فيها، وهما: الراوي الذي يقدّم خطاب الحوادث، والشخصيّات التي تقدّم خطاب التبادل أو الأقوال، أمّا جوهرها فيقوم على أنّ الراوي وحده هو الذي يقدّم الحوادث والشخصيّات وأقوالها، وهو الذي يتكلّم فيها، من منظوره، أو من وجهة نظر الشخصيّة. ومنها جميعًا، تُستخلص رؤية المؤلّف القيمية إلى العالم. ومن المعلوم أنّ الراوي شخصيّة تخييليّة تتولّى عمليّة القصّ، ولا يُشترط فيه أن يكون اسمًا متعيّنًا، فقد يتقنّع بضمير ما، أو يُرمز لـه بحرف، ويُطلق عليه في بعض الأحيان “الأنا الثانية للكاتب”([12])، وقد يكون شخصيّة من شخصيّات القِصّة. المهمّ هو التمييز بين المؤلّف والراوي، فالمؤلّف هو خالق العالم التخييليّ، وهو الذي يختار الراوي، ولا يظهر ظهورًا مباشرًا في النصّ؛ أمّا الراوي فهو أسلوب صياغة، أو أسلوب تقديم المادّة القصصيّة، وقناع من الأقنعة العديدة التي يتخفّى المؤلّف خلفها في تقديم عمله السرديّ.

ومع الراوي تقوم المسافة الفنّيّة اللازمة لاستقلاليّة العمل عن مؤلّفه، ولاستقلاليّة شخصيّاته([13])، وتلك المسافة تعادل قدرة الراوي على إبداع شخصيّات حيّة قادرة على النطق بصوتها لا بصوته. وقد يُبقي الراوي على مسافة ما بينه وبين ما يروي، وقد يتدخّل فتحدّد هُويَته الفنّيّة نسبة تدخّله. وقد يكون متواريًا، أو يستحيل إلى شخصيّة مركزيّة في القِصّة. كما قد يبتعد كثيرًا أو قليلًا من شخصيّات الحكاية التي يحكيها، وقد يختلف عنها أخلاقيًّا، وفكريًّا، وزمنيًّا، أو يتماهى معها. ولكن يبقى هدفه الأوّل، أنّه يريدنا أن نصدّق الطريقة التي يسرد بها هذه الوقائع، سواء اعتمد على زمن واحد، أو على تداخل الأزمان، وسواء رُويت الأحداث على لسان إحدى شخصيّات الرواية، أو رواها لنا مباشرة.

ويمكن تحديد وظائف الراوي في ثلاث(:([14]

– الوظيفة الوصفيّة، ويقوم فيها الراوي بتقديم مشاهد وصفيّة للأحداث، والطبيعة، والأماكن، والأشخاص، من دون أن يُعلن حضوره، وكأنّه يقدّم للمتلقّي مشهدًا حقيقيًّا لا وجود للراوي فيه.
– الوظيفة التأصيليّة، وفيها يقوم الراوي بتأصيل رواياته في الثقافة والتاريخ، ويجعل منها أحداثًا للصراع القوميّ، ويربطها بالتراث.

– الوظيفة التوثيقيّة، وفيها يقوم بتوثيق بعض رواياته، رابطًا إيّاها بمصادر تاريخيّة، زيادة في إيهام الراوي أنّه يروي تاريخًا موثّقًا.

هذا وقد ميّز (تودوروف) بين ثلاثة أنواع من الرواة:(([15]

– راوٍ يعلم أكثر من الشخصيّة الحكائيّة (الرؤية من خلف = Vision de derriere).
– راوٍ يعلم بقدر ما تعلم الشخصيّة (الرؤية مع = Vision avec).
– راوٍ يعلم أقلّ ممّا تعلمه الشخصيّة (الرؤية من الخارج = Vision de dehors). ومع هذا الراوي تظهر المسرحة في الرواية.

فما ماهيّة الراوي في سورة يوسف؟ وما الخلفيّة التي تتحكّم بعلاقاته مع الشخصيّات؟ وكيف ساهم في إبراز صورة الشخصيّة القدوة؟

في مستهلّ السورة يظهر راوٍ متكلّم بصيغة الجمع: إنّا، نحن… وهو راو عليم مطّلع على دقائق الأمور، ويركّز على محورين أساسيّين: محور الخير الذي تمثّل الشخصيّة الرئيسة نقطة ارتكازه، ومحور الشرّ الذي تمثّل في إخوة يوسف وامرأة العزيز. ونراه عارفًا بنوايا الشخصيّات، وبطريقة تفكيرها، وكأنّه يلقي بنظره إلى العالم الداخليّ، سابرًا أغوار الماضي مستشرفًا أحداث المستقبل، من دون أن يمنعه عن ذلك حاجز من مكان، أو بعد عن زمن. وهو ذو هيمنة مطلقة تكاد تساوي بين الراوي والمؤلّف: ﴿كَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ ]يوسف، 21[. وفي هذا، تأكيد إضافي على واقعيّة القِصّة ومصداقيّتها، فهذا الراوي غالب قهّار يملك مقادير الأمور، ولا يحتاج إلى تزييف الحقائق. ونراه لا يتوانى عن رفع صوته وإبداء رأيه أثناء السرد، فهو شديد الحضور وإن كان غير مرئيّ: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ ]يوسف، 24[. وهذا التدخّل المباشر، يعني أنّ الراوي هو الشخصيّة المركزيّة في الرواية، وأنّ رؤيته إلى العالم تشكّل جزءًا من نسيج القِصّة. وهو يعرض معتقدات يوسف مغفلًا الإيديولوجيّات الأخرى، فيشي ذلك أنّ فكره هو الوحيد الذي يستحقّ القراءة؛ أمّا أعداء يوسف فهم بين حاسد، وصاحبة نزوة، وطالبي مال وسلطان، وهم ليسوا من أهل المنطق والبراهين.

ولا يتحرّج الرّاوي من الحديث عن موضوع الرغبة الجنسيّة: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ ]يوسف، 23[. وهنا، يستوقفنا مشهد امرأة مُترفة تسيطر عليها الغريزة الجنسيّة فتتحرّش بغلام مملوك، كان كابن لها. لكنّ التعابير المستخدمة في الوصف والسرد والحوار – على صغر الآية – شرحت الموقف بوضوح تامّ من دون استثارة غرائز المتلقّي. وهذه اللغة الراقية، تجعلنا نتساءل عن مبرّرات الحشو الإباحيّ الفاضح الذي تغصّ به الروايات في عصرنا الراهن، تحت مسمّى محاكاة الواقع، أو جذب القرّاء؛ فتعرض مشاهد جنسيّة مقحَمة إقحامًا من دون تسويغ. في حين يمكن لموضوع الجنس أن يخدم أهدافًا إنسانيّة، ويعرّي زيف المجتمع، إذا وُضع في سياقه الطبيعيّ. وهنا سؤال آخر يطرح نفسه: إذا كان الكتاب المقدّس يتحدّث عن هذه الغريزة الإنسانيّة الطبيعيّة، فمن الذي صنّفها من التابوهات في العالم العربيّ؟

وفي الإطار الزمنيّ، يحرص الراوي على التعاقب، والتسلسل الزمنيّ للأحداث، فهو يحكي سيرة يوسف بدءًا من طفولته، ومعاناته من حسد إخوته، مرورًا بمرحلة المراهقة، والشباب، ومحنته مع امرأة العزيز التي كانت أمّه بالتبنّي. ثمّ مكوثه في السجن لسنوات عدّة. ليحقّق في النهاية أهدافًا سامية جلبت الخير، والسعادة، والرزق لأشخاص كثر، كانوا مهدّدين بالموت جوعًا. وهذا البطل القدوة لم يكتفِ بتأمين الطعام لهؤلاء الناس، بل عمل على رفع مستواهم الفكريّ، والمعنويّ فحرّرهم من العبوديّة ومن سلطة الكهنة المنافقين، ومفسّري الأحلام الدجّالين، وفتح عيونهم على عبادة الله الواحد بدل عبادة الأصنام والحكّام. ولا بدّ من الإشارة إلى علاقة الراوي بشخصيّة يوسف، فهو يحيطه برعاية خاصّة، ويتحدّث معه بشكل مباشر، ويواسيه في المحن، ويسدّد خطاه، ويحميه من كيد الأعداء: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُواْ أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾ ]يوسف، 102[. فالراوي هنا تربطه بيوسف علاقة فيها الكثير من الوشائج الدفينة إلى حدّ يدفعه إلى كسر البنية الروائيّة بوصفه ساردًا، ليتدخّل بصفته مشاركًا في التخطيط والحماية، عالمًا بحاله إلى أقصى مراحل المعرفة الوجدانيّة بالآخر المروي عنه. بل هو أعلم من يوسف بنفسه، وهو الذي يرشده إلى أسلوب الدعوة: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ]يوسف، 108[.

المبحث الرابع – الشخصيّات

تُعرّف الشخصيّة Personnage)) أنّها “كائن موهوب بصفات بشريّة، وملتزم بأحداث بشريّة”([16]). كما تُعدّ الشخصيّة عنصرًا مُهمًّا من عناصر بناء الرواية لأنّها تصوّر الواقع من خلال حركتها مع غيرها. وهي العنصر الأساس الذي يضطلع بمَهَمَّة الأفعال السرديّة، وتدفّقها نحو نهايتها المحدّدة. وهي الموضوع المركزيّ لفنّيّة الرواية؛ لأنّ جوهر العمل الروائيّ يقوم على خلق الشخصيّات في ذلك العالم المتخيَّل. ويختلف مفهوم الشخصيّة الروائيّة باختلاف الاتّجاه الروائيّ الذي يتناول الحديث عنها. فقد ميّز البنيويّون بين مصطلح “الشخص” والمقصود به الإنسان الفرد كما هو في الواقع، وبين مصطلح “الشخصيّة” والمراد به وجودها داخل المجتمع الروائيّ([17]).

وتتعدّد معايير التمييز بين الشخصيّات الرئيسة، والأساسيّة، والثانويّة، بحكم تعدّد الأشكال الروائيّة وتغيّر معايير الفرد سواء عبر التاريخ، أو اختلافها من ثقافة إلى أخرى، ومن مجتمع إلى آخر([18]). فالشخصيّة الرئيسة ونظرًا إلى الاهتمام الذي تحظى به من طرف الراوي، يتوقّف عليها فهم التجربة المطروحة في الرواية، وعليها نعتمد حين نحاول فهم مضمون العمل الروائيّ([19]). إنّها الشخصيّة التي تمثّل العمود الأساس الذي يقوم عليه البناء الروائيّ، وهي التي تحمل البناء الروائيّ على كتفيها لكي يعلو ويرتفع، وذلك عبر ما تقوله وتفعله، أو ما يقوله عنها الآخرون ويفعلونه. وليس من الضروريّ أن تكون هذه الشخصيّة بطلًا مطلقًا في الرواية، ولكن من الضروريّ أن يكون البناء الروائيّ معتمدًا على قوّة حضورها، وسعة علاقاتها القوليّة والفعليّة مع باقي الشخصيّات الأخرى([20]).

ومن المعلوم أنّ العمل القصصيّ يقوم على محورين أساسيّين: الشخصيّة والحدث، وقد يغلب أحدهما على الآخر. ونلحظ في القِصّة التاريخيّة، على سبيل المثال، غلبة الشخصيّة على الحدث، عندما تكون الشخصيّة محور الحركة في القِصّة. أما القِصّة القرآنيّة، فنجد فيها مزجًا تامًّا بين الشخصيّة والحدث، ينعكس على توزيع المشاهد القصصيّة “توزيعًا محكمًا متوازنًا بين الشخصيّة، والحدث حرصًا من القرآن الكريم على الوحدة القصصيّة في كلّ صورها وأوضاعها”([21]). وهذا ما نراه في السورة التي حملت اسم بطلها يوسف/ الشخصيّة الرئيسة المحوريّة التي بنيت عليها أحداث تحاكي الواقع الإنسانيّ المحيط بكلّ ما فيه، محاكاة تقوم على المطابقة التامّة بين ثنائيّة السرد/ الحكاية. وبهذا، تتمثّل صورة القدوة في شخصيّة مستمدّة من التاريخ البشريّ، عاشت في إطار زمكانيّ معروف، وتركت أثرًا مشهودًا (يبدو أنّ عصر يوسف، كان في زمن الأسرة الثانية عشر الفرعونيّة (1991 – 1786) ق.م وتحديدًا في حكم الملك أمنمحات الأوّل مؤسّس الأسرة الثانية عشر الذي أشرك معه في الحكم ابنه سنوسرت الأوّل لمدّة 21 عامًا.(almesryoon.com, 20/2/2007). ونقصد بها شخصيّة يوسف المحوريّة التي تتفاعل مع الأحداث، وتنسجم مع المواقف بهمّة، وصبر، وثبات، وعزم، وتمثّل نقطة الارتكاز في محور الخير. وهي شخصيّة نامية غير سطحيّة، تبدو أبعادها الثلاثة بكلّ وضوح: الشكل الخارجيّ، والصفات الأخلاقيّة، والقدرات الفكريّة والعلميّة. وقد حدّدت نسوة المدينة بعدها الشكليّ الخارجيّ، ورسمت معالمها، وقسماتها الحلوة حين دخل عليهن فهتفن مبهورات: ﴿وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [ يوسف، 31]. أمّا بعدها الداخليّ المتمثّل في اتّجاهها الأخلاقيّ، وسماتها الباطنيّة، فقد أشارت إليه القِصّة إشارات تدلّ القارئ على مكوّناتها وخباياها. ومن أبرزها، سمات العفّة، والصدق، والإحسان، والعفو، والسماحة. بالإضافة إلى قدراته العلميّة في الضبط، والحفظ، والدقّة، والخبرة في مجال التنظيم الاقتصاديّ والاجتماعيّ: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ ]يوسف، 55[.

ولا بدّ من الإشارة إلى لطف التعبير، ورهافة الشعور الظاهرتين في أدب يوسف الكلاميّ؛ إذ ينسب عمل إخوته إلى نزعات الشيطان، متجنّبًا الإشارة إلى نفوسهم التي استجابت بكلّ طواعية لهذه النزعات([22]). وهذه المهارات العالية التي حازها هذا الإنسان المميّز، يمكن إدراجها تحت عنوان الذكاء العاطفيّ، الذي جاء في تعريفه، أنّه: “القدرة على التعامل مع المعلومات العاطفيّة من خلال استقبال هذه العواطف، واستيعابها، وفهمها، وإدارتها، لذلك فإنّ من صفات الإنسان الذكيّ عاطفيًّا أنه يمتلك الكثير من المفردات العاطفيّة، ويعرف استعمالها الدقيق في التعامل مع عواطفه، وعواطف الآخرين”([23]). مع الإشارة إلى أنّ يوسف كان من جنس البشر لا الملائكة، وعنده من الغرائز البشريّة ما عند سائر الناس، غير أنّه صار أنموذج الكمال البشريّ.

ويبدو أنّ يوسف اكتسب هذه الصفات الجيّدة، نتيجة جهد أخلاقيّ ورياضة روحيّة وسلوك عمليّ، فاستحقّ على إثر ذلك كلّه عناية إلهيّة خاصّة، أوصلته إلى سدّة الحكم الدنيويّ: ﴿كَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاء نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاء وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ]يوسف، 56[. وإلى جانب الشخصيّة الرئيسة، نجدنا أمام عدد كبير من الشخصيّات، منها ما ينتمي إلى عالم الغيب، ومنها ما ينتمي إلى عالم الشهادة، هذا بالإضافة إلى الحضور الإلهيّ الذي يتجلّى في حوار الله عز وجلّ مع بعض عباده([24]):﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾ ]يوسف، 15[. وهذا التنوّع في الشخصيّات، وامتدادها بين عالميْ الغيب والشهادة، يجعل القِصّة القرآنيّة مجلى هذا الكون بما فيه من مخلوقات خفيّة، وظاهرة تستغرق آفاق الوجود كلّه. ومن اللافت، أن تُغفل السورة أسماء معظم الشخصيّات، لتركّز على أدوارهم فقط، فتذكرهم بمواصفاتهم، وتكشف نواياهم، وتسرد أفعالهم، وقد أسهم موضوع القِصّة وجوّها الاجتماعيّ، والتربويّ في خلق شخصيّات أساسيّة بثقافات متباينة، ومنها:

– امرأة العزيز، امرأة مترَفة ذات مكانة مرموقة، لعلّها كانت تعاني من حرمان جنسيّ، أو فراغ عاطفيّ. وهي تمثّل محور الشرّ في مرحلة معيّنة.

– والد يوسف، الذي بكى على فراق ولده المحبَّب حتّى ابيضّت عيناه من الحزن. وهو يشير إلى البيئة التي نشأ فيها يوسف، وما تحويه من معتقدات، وقيم. وهو والد حكيم نصوح، لم يألُ جهدًا في إرشاد أولاده المعاندين، إلى ما فيه صلاح دينهم ودنياهم: ﴿وَقَالَ يَا بَنِيَّ لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنكُم مِّنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ ]يوسف، 67[.

– إخوة يوسف الحاسدون الذين ألقوه في البئر، لكنّهم في خاتمة القِصّة عادوا إلى رشدهم، وتعاونوا مع أخيهم يوسف.

– عزيز مصر الذي اشترى يوسف وتبنّاه. وكان يحبّ يوسف ويعرف فضائله، لكنّه اضطرّ إلى سجنه خوفًا من التعرّض لفضيحة اجتماعيّة.

وهذه الشخصيّات الأساسيّة حظيت بدور بارز، لكنّه يندرج بعد الدور الرئيس؛ إذ تنحصر بها مَهَمّات محدّدة.

وتظهر شخصيّات ثانويّة تنهض بأدوار محدّدة جدًّا مقارنة بأدوار الشخصيّات السابقة، وتكون مكمّلة لها، من دون أن يؤثّر غيابها في سير العمليّة السرديّة. وهذه الشخصيّات أقلّ تعقيدًا من الشخصيّات الرئيسة والأساسيّة، وتُرسم على نحو سطحيّ إنّما ليس بشكله السلبيّ، بل الإيجابيّ الذي يحظى باهتمام السارد في الدرجة الثالثة، وغالبًا ما تقدّم جانبًا واحدًا من جوانب التجربة الإنسانيّة([25]). وتتمثّل الشخصيّات الثانويّة في:

– التجّار الذين أخرجوا يوسف من البئر وباعوه بثمن بخس.

– ملك مصر الذي استنجد بيوسف لتفسير حلمه الاستشرافيّ.

– المنجّمون الذين فشلوا في تفسير رؤيا الملك.
– نساء المدينة اللاتي قطّعن أيديهن من جمال يوسف.

– واحد من أقارب امرأة العزيز، لكنّه شهد ببراءة يوسف.

– رجلان دخلا السجن .وكانا سبب إظهار مكانة يوسف المعرفيّة.

وإغفال ذكر الأسماء، يشي بعدم أهمّيّة التسمية، فالقِصّة لا تبغي التشهير بشخصيّة معيّنة، ولا تهدف إلى تعرية زمن خاصّ، أو مكان محدّد، وإنّما تعرض أنموذجًا مثاليًّا خلّدته صفاته الأخلاقيّة العالية المرتبطة بإيديولوجيّة دينيّة، وسلوكه المهنيّ المشرّف الذي أوصله إلى قمّة النجاح. وهي قِصّة طويلة مليئة بالحوادث على مدى 120 عامًا هي عمر النبيّ يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل، المولود في بادية الشام في العراق سنة 2063 قبل الهجرة، والمُتوفَّى في مصر سنة 1943 قبل الهجرة، والمدفون في فلسطين([26]).

لكنّ السرد القرآنيّ لا يحدّد زمن الأحداث في مسار التاريخ، بل نرى فيه صورة أخرى للزمن، وهو الزمن الداخليّ للمدّة التي استغرقها وقوع الحدث، وذلك لارتباطه بالغاية من القِصّة، وكشفه عن موطن العبرة فيها. ومثل هذا، ما حصل ليوسف بعد تأويله رؤيا صاحبيه في السجن، وطلبه ممّن ظنّ أنّه ناج أن يذكره عند ربّه، لكنّ صاحبه نسي أمره سنين يطويها السياق حذفًا: ﴿فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِين﴾ [يوسف، 42]. ويعني هذا، أنّ الزمن الداخليّ يظهر حيث يكون له دور في إلقاء الضوء على الأحداث، ويختفي حيث لا يكون له ذلك.

المبحث الخامس – القيم الأخلاقيّة

عرّف معجم علم النفس القيمة: أنّها الأمور التي يعدّها “الفرد جيّدة وذات أهمّيّة، ومظاهر الحياة التي ينسب إليها الإنسان وزنًا معنويًّا، وهي بهذا المعنى دلالة على الشخصيّة”، أمّا المعجم الفلسفيّ فقد عرّف القيمة من الوجهة الأخلاقيّة أنّها: “ما يدلّ عليه لفظ الخير، بحيث تكون قيمة كلّ فعل تابعة لما يتضمّنه من خيريّة، فكلّما كانت المطابقة بين الفعل، والصّورة الغائيّة للخير أكمل، كلّما كانت قيمة الفعل أكبر”([27]).

واستنادًا إلى ما تقدّم، نجد أنّ القيمة تنطوي على عناصر ضابطة لسلوك الأفراد في المجتمع الذي تسود فيه، لأنّ القيمة تحمل في طبيعتها مدلولين: مدلولًا فرديًّا؛ لكونها تشكّل عنصرًا مهمًّا من عناصر تكوين الشخصيّة الفرديّة، ومدلولًا اجتماعيًّا لكونها واحدة من منظومة قيم المجتمع الذي يعيش فيه الفرد بحكم الانتماء والتكوين.

وإذا كانت لكلّ مجتمع قيم ثابتة تعبّر عن أصالته، وتستمرّ مع وجوده، فهناك قيم متحوّلة تخضع للتغيّر، والتطوير بحسب التحوّلات الاجتماعيّة والسياسيّة. لذلك أصبح موضوع القيم يستأثر باهتمام القادة، والمسؤولين، ورجال الفكر، والأدب، والتربية، نظرًا إلى العلاقة المتفاعلة بين القيم، والحضارة، والمجتمع من جهة، وبين المثل، والقيم، والسلوك من جهة أخرى. فما القيم التي تتطرّق إليها سورة يوسف؟

تعكس سورة يوسف قيمًا أخلاقيّة عالية زرعها الوالد في نفس يوسف منذ طفولته. وهذه القيم كانت رفيقة درب الشابّ الطموح أمام تحدّيات حسّيّة ومعنويّة يسقط أمامها كثيرون، لكنّ ثمار التربية أينعت في يوسف وأوصلته في النهاية إلى قمّة النجاح بجدارة. بعدما أظهر قدرته على التعامل مع متقلّبات الزمن بتوازن مبهر، من دون إفراط ولا تفريط. وكان من أبرز الدروس والعبر المستفادة من القِصّة:

  • التواصل الفعّال بين الأبّ وأفراد الأسرة:وهذا ما نلمسه في العلاقة القويّة التي تربط يوسف الطفل مع أبيه، فتدفعه إلى البوح له بمنامه، ثقةً منه بحسن استماع الوالد.
  • كتمان الأسرار: طلب الوالد من يوسف أن لا يخبر إخوته بالمنام الذي ينبئ عن مستقبله الزاهر حتّى لا يكيدوا له.
  • العدل في التعامل مع الأولاد: على الرغم من حكمة يعقوب إلّا أنّ ولعه الشديد بيوسف لم يكن ليخفى عن إخوته، وذلك ما سبّب البغضاء، والشحناء التي أوغرت صدورهم على الصغير.
  • الصبر والثبات على الحقّ: فقد صبر يوسف صبرًا عظيمًا حينما ألقاه إخوته في الجبّ، كما صبر على كيد امرأة العزيز، وما حاكته ضدّه من المؤامرات التي انتهت بوضعه في السجن، حيث لبث فيه بضع سنين، لكنّه لم يتخلَّ عن مبادئه الفكريّة والأخلاقيّة. وعندما جاءه هؤلاء الذين سبّبوا له الأذى، أبدى تسامحًا فريدًا أزال الحقد من قلوبهم، وجعلهم من مريديه المخلصين. وهذه من مميّزات القائد العظيم.
  • الالتزام العقائديّ: عندما قبع يوسف في السجن، لم تُثنه الظروف الصعبة عن مسؤوليّته الأساسيّة، بل كان يستغلّ كلّ فرصة للدعوة إلى عبادة الإله الواحد: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [يوسف، 39].

الخاتمة

يمكن أنْ نُحدّد مميّزات القِصّة القرآنيّة التي تمظهر صورة البطل القدوة، وتدعو المتلقّي إلى الاستفادة من تجربته العمليّة، والسير على خطاه، انطلاقًا من الآية الأخيرة في سورة يوسف: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ]يوسف، 111[.
إذ يُمكن أن نفهم من هذه الآية اتّصاف القِصّة القرآنيّة بالواقعيّة الموضوعيّة، وبالتربية الأخلاقيّة:

  • الواقعية الموضوعيّة: ونعني بها، ذِكر الأحداث والقضايا والصور التي لها علاقة بواقع الحياة الإنسانيّة ومتطلّباتها المعيشة. ذلك لأنّ غاية القرآن الكريم، هي إعادة النظر في التاريخ الإنسانيّ والقضايا الواقعية التي جرّبتها البشريّة في تاريخها، لأخذ العبرة والاقتداء العمليّ بسيرة الصالحين.

ــ التربية الأخلاقيّة: ونقصد بها، القيم الإنسانيّة التي تمثّل عنصر التكامل في حركة الإنسان الفرديّة والجمعيّة. وقد حظيت هذه القيم باهتمام نظريّ، وعمليّ من رسول الإسلام(صلى اله عليه وسلم) الذي ورد عنه: “إنّما بُعثتُ لأُتَمّمَ مكارمَ الأخلاقِ”([28]).

ولإظهار صورة البطل القدوة، كشفت القِصّة القرآنيّة عن مواقع قوّته، ومواطن ضعفه، وعرضت أبعاد الشخصيّة بوضوح: الشكل الخارجيّ، والصفات الأخلاقيّة، والقدرات الفكريّة والعلميّة.

وعلى هذا الأساس، تناولت سورة يوسف موضوعات محرجة، أبرزت فيها أمراضًا نفسيّة تطال الإنسان، ولا تستثني المؤمن، ولا العالم، ولا صاحب المال والجاه. فقد أصاب داء الحسد أبناء يعقوب عندما استشرفوا من منامه أنّه وريث منصب أبيهم النبيّ، وسيطرت عليهم مشاعر غيرة بغيضة أوصلتهم إلى درجة الإجماع على التخلّص من أخيهم الطفل البريء، على الرغم من أنّهم كانوا رجالًا أشدّاء، وذوو مكانة مرموقة بين قبائل البدو آنذاك. ولعلّ في هذا التعريض، تفكيكًا للفكر التقليديّ الجامد الذي يقدّس الشخصيّات لمجرّد النسب، أو المكانة الاجتماعيّة. فتلك الشخصيّات لها ما لها، وعليها ما عليها، وما تركته لنا من تراث يحتوي الغثّ والثمين. وليس من الحكمة أن نقدّس التقاليد لمجرّد انتمائها إلى الزمن الماضي، كما أنّه ليس من الإنصاف أن نضرب بها عرض الحائط. فالحاضر السليم هو الذي يأخذ العبرة من ماضيه، ليتّجه نحو مستقبل أفضل.

وكذلك، عرضت القِصّة مشهدًا يُظهر سطوة الغريزة الجنسيّة على السلوك البشريّ، لكنّ أسلوب المعالجة تعالى على الابتذال الذي سقط فيه بعض الروائيّين الباحثين عن الشهرة عبر إلهاء المتلقّي بمشاهد إباحيّة مثيرة يسقطها الكاتب إسقاط حشو ممجوج، في نصوص خالية من أيّ فرادة أدبيّة، أو خصوصيّة فنّيّة. وأعتقد أنّ موجة الأدب الروائيّ الجنسيّ الذي شهدته الساحة الأدبيّة العربيّة في السنوات الأخيرة لم يكن ليُلتفت إليه نقديًّا لولا خروجه من تحت عباءة مجتمع مكبوت، يلهث فيه متصنّعو الإبداع خلف تقليد أعمى لا يتناسب مع ظروف بيئتهم، ولا يحمل هموم الأفراد فيها.

أمّا القِصّة القرآنيّة فهي تعرض موضوعات إنسانيّة عامّة يحتاجها الناس في كلّ زمان ومكان لأنّها تتماهى مع فطرتهم البشريّة وحاجاتهم الحياتيّة. ونراها تبيّن صورة الإنسان المثال الذي يشدّه جسده الطينيّ نحو التفلّت من الضوابط، بينما تتسامى به الروح نحو المعاني الكبرى، ليبقى الفرد متذبذبًا دومًا بين الجسم والروح. وهنا نستحضر بيتًا رائعًا في وصف الطبيعة الإنسانيّة:

وأيّ خير بلا شرّ يلقّحه            طهر الملائك من رجس الشياطين (من قصيدة دجلة الخير، للجواهريّ)

وفي هذه المسيرة التكامليّة، نجد أنّ محور الخير المتمثّل في يوسف، لا بدّ من أن ينتصر في النهاية، بسعي من الإنسان، وعناية من الخالق الرؤوف، وأنّ التطوير السياسيّ، والاقتصاديّ لا يتعارض مع القيم الأخلاقيّة الفرديّة لدى الحاكم.

وهكذا، تضعنا سورة يوسف أمام قِصّة ملتزمة ظاهرها إبداع أدبيّ، وباطنها علم أخلاقيّ موضوعيّ، يصوّر الواقع من زواياه المتعدّدة، ويشرّح النفس البشريّة واصفًا نوازعها الطبيعيّة من خلال تجارب إنسانيّة عايشها بشر حقيقيّون، فيشخّص الداء، ويقدّم الدواء، وهو يشجّع المتلقّي على التفكّر في عواقب الأمور، والإفادة من سيرة هذا البطل الناجح. ويبدو أنّ جودة هذه القِصّة ترجع إلى ارتباطها بهدف الدعوة الأساسيّ الذي يبغي تحقيق سعادة الفرد في مجتمع زاهر، بالإضافة إلى مواصفاتها اللغويّة والفنّيّة التي تبثّ الأمل في نفس المتلقّي، وتحفّزه على الصبر، والثبات، والسعي الدؤوب. أمّا صورة البطل القدوة، فقد جاءت واضحة المعالم، يسهل على القارئ أن يتماهى معها، ويتأسّى بها في حياته المعيشة.

وهنا، نتساءل: ما أهمّيّة الأدب والفنّ عمومًا إن لم يكن وسيلة انعتاق من واقع ظلّ يدهسنا طيلة قرون؟!… لماذا يعيش الأديب العربيّ عقدة محاكاة الكتابة الغربيّة؟ ألا ينبغي أن يكون الكاتب ابن بيئته فيعالج قضاياها الملحّة, وهو المثقّف المرهف الحريص على انتشال الفرد والجماعة من ظلمات الجهل؟

وفي الختام أرجو أنّ تشكّل هذه الدراسة الموجزة حافزًا للإفادة من معين القرآن الذي لا ينضب، على ضوء العلوم الإنسانيّة المتعدّدة، بما يلبّي حاجات الفرد وطموحاته في مجتمع آمن تسوده الألفة والرفاهيّة، وثقافة التقدّم المستمرّ نحو الأفضل.

الهوامش

[1]قطب، سيّد، في ظلال القرآن، القاهرة، دار الشروق، ط 32، 2003، ج4، ص663.

[2] – أيّوب، نبيّل، النّقد النّصّيّ (2)، وتحليل الخطاب، بيروت، مكتبة لبنان ناشرون، ط. 1، 2011، ص 31.

[3]D. Escarpit, M.Vagne’ -Lebas, La litterature de l’enfance et de jeunesse, p. 104.

[4] – عشويّ، مصطفى مولود، سورة يوسف: قراءة نفسيّة، مجلّة جامعة الملك سعود، الرياض، 2003، مج 15، عدد 2.

[5] – عبيد، محمّد رشدي، قِصّة سيدنا يوسف في القرآن الكريم، الرياض، مكتبة العبيكان، ط. 1، 2003، ص26.

[6] – ابن منظور، لسان العرب، بيروت، دار إحياء التراث العربيّ، ط. 1، 1999، ج7، ص 74.

[7] – بكري، شيخ أمين، التعبير الفنّيّ في القرآن، القاهرة، دار الشروق، ط. 3، 1979، ص215.

[8] – جرار، مأمون، خصائص القِصّة الإسلاميّة، جدّة، دار المنارة، ط. 1، 1988، ص59.

[9] www.islam4u.com,14/9/2019

[10] زيتون، لينا، العالم الروائيّ عند عوض شعبان ودلالاته، أطروحة اختصاص في اللغة العربيّة وآدابها من الجامعة اللبنانيّة، ص 21.

[11] يقطين، سعيد، تحليل الخطاب الروائيّ، بيروت، المركز الثقافي العربيّ، ط. 3، 1997، ص 299.

[12] – لحمداني، حميد، بنية النصّ السرديّ، الدار البيضاء، المركز الثقافيّ العربيّ، ط. 1، 1991،  ص 47.

[13] العيد، يمنى، تَقنيّات السرد الروائيّ، بيروت، دار الفارابيّ، ط. 1، 0199، ص 90.

[14] – عزام، محمّد، الراوي والمنظور في السرد الروائيّ، /4 /2016 21, www.diwanalarab.com

[15] – لحمدانيّ، حميد، بنية النصّ السرديّ، ص 47.

[16] – بريس، جيرالد، المصطلح السرديّ، معجم مصطلحات, تر. عابد خزندار، القاهرة، المجلس الأعلى للثقافة، 2003, ص 42.

[17] – سويرتي، محمّد، النقد البنيويّ والنصّ الروائيّ، الدار البيضاء، أفريقيا الشرق، ط. 1، 1991، ص 70.

[18] –  بو عزّة، محمّد، تحليل النصّ السرديّ تَقنيّات ومفاهيم، الرباط، الدار العربيّة للعلوم ناشرون، ط. 1، 2010، ص 56.

[19] – هينكل، روجر، قراءة الرواية، تر. صلاح رزق، القاهرة، دار غريب، ط. 1، 2005، ص 57.

[20] – النابلسيّ، شاكر، مدار الصحراء/ دراسة في أدب عبد الرحمن منيف، بيروت، ﺍﻟﻤﺅسّﺴﺔ ﺍﻟﻌﺭﺒيّﺔ ﻟﻠﺩﺭﺍﺴﺎﺕ ﻭﺍﻟﻨﺸﺭ، ط. 1، 1991، ص 145.

[21]عبد الكريم الخطيب، القصص القرآنيّ في منطوقه ومفهومه، مطبعة السنة المحمّديّة، ط. 1، 1968، ص 42 – 43.

[22] – عبيد، محمّد رشدي، قِصّة سيّدنا يوسف، العبيكان، رابطة الأدب الإسلاميّ، ط. 1، 2006، ص32.

[23] – مبيّض، مأمون، الذكاء العاطفيّ والصحّة العاطفيّة، الرياض، المكتب الإسلاميّ، ط. 1، 2003، ص 31.

[24] –  – جرار، مأمون، خصائص القِصّة القرآنيّة، ص57.

[25] – بو عزّة، محمّد، تحليل النصّ السرديّ تَقنيّات ومفاهيم، ص 57.

[26] – الخزرجيّ، نضير، رحلة ابن يعقوب من البئر الى العرش، (, 20/11/2013 archive.almanar.com.lb)

[27]www.uqu.edu.sa 17/9/2019.

[28] الهنديّ، المتّقي، كنز العمال، ج3، ص16، رقم 5217.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

free porn https://evvivaporno.com/ website