الفرن الأسطوانيّ

0

الفرن الأسطوانيّ

جهاد الغصين*

المقدّمة

استعملت النار منذ أقدم العصور في مجالات كثيرة ومتنوّعة، ولعلّ أبرزها هو استعمالها في التدفئة والإضاءة داخل الكهوف والمغارات التي كان يشغلها الإنسان قبل أن يكون له مسكن أو بيت يأويه، كذلك تعدّ النار من وسائل الدّفاع ولاسيّما ضد الحيوانات المفترسة التي كانت تهدّد حياة الإنسان، بالإضافة الى استعمالها في عمليّة طهو الطعام وإنضاجه، كذلك دخلت النار في تصنيع بعض المواد التي تحتاج الى عمليّات التسخين والإذابة أو الصهر مع تطوّر الحياة في فترات لاحقة، ويُعتقد أنّ بداية ظهور المواقد والكور والأفران عبارة عن مواضع بسيطة تُحفر في الأرض، وفي الأغلب يكون حجمها صغيراً نسبيّاً، توضع فيها المواد القابلة للإشتعال إذ عُرفت هذه الحفرة بـ (Firepit) أو (Fireplace)، وربّما كانت مُحاطة بالحجارة للسيطرة على النار والإستفادة من حرارتها قدر الإمكان وتوجيهها وعدم تبدّدها.

تطوّرت استعمالات النار وأغراضها في ميادين شتّى عبر العصور، فقد استُعملت النار في الحياة اليوميّة في عمل الخبز وطهي الطعام وصناعة الفخّار وصناعة الطابوق (الآجر) وشيّ الرقم الطينيّة وفي صناعة التزجيج والزجاج وفي صهر المعادن. وردت في اللغة العربيّة عدّة مسميّات لحجر النار أو مواضيع إشعالها وإيقادها والاستفادة منها للشواء، الحرق، الخبز والصهر، ومنها كلمة تنّور وفرن وموقد وأتون وغيرها من المسميّات الثانويّة الإصطلاحات كالمجمرة والمنقل، الخ… وأغلبها تعني المواضع المستعملة لإشعال النيران فيها لاستعمالات عدّة ومختلفة وهو نوع من الكوانين.[1]

أهميّة البحث

تُعدّ الأفران عنصراً أساسيّاً في النشاطات المنزليّة والدينيّة والصناعيّة والمعماريّة وحتى الثقافيّة. إنّ الأواني الفخاريّة مهما كان نوعها فهي بحاجة في أغلب الأحيان لشيّها من أجل زيادة صلابتها، ومن هذا المنطلق يجب أن نسعى الى دراسات أوسع وأكثر تخصّصاً لهذا الموضوع كما أنّ الجانب الحياتي وتفاصيل كثيرة بحاجة الى الدراسة والتحليل الاستقرائي والميداني لتأصيل الجذور الأولى للافران في الوقت الحاضر وبأساليب علميّة متطوّرة.

ممّا يؤسف له أنّ أغلب الأفران أُقيمت من مادّة الطين ولاسيّما في عصور ما قبل التاريخ وقسم منها من الآجر أو اللبن وبعد ذلك وكلّها مواد قابلة للتلف والإندثار، فلم يبقَ الكثير من بقايا الأفران إلا ما ندر ولاسيّما التفاصيل المهمّة فيها على الرغم من اتّساع العمل بها، إلا أنّ الأقسام العلويّة منها والخاصّة بشيّ الفخار والآجر والرقم الطينيّة فقد اندثرت بالكامل ولم يبقَ إلا الأقسام السفليّة منها أو بعض من هيكلها البسيط الذي لا يغني في دراسة شاملة ودقيقة، أو بعض المواد العضويّة المتفحّمة التي يمكن إرسالها للمختبرات المتخصّصة وتخضع للتحليل والاستنتاج بالمقارنة مع ما يتوفّر من إشارات تاريخيّة في بعض المصادر.[2]

تعريف عن الفرن الدائري ذو الطابقين

كُشف عن فرن مهمّ وهو من نوع الطابقين (two stage or two storey) في منطقة الصيفي – بيروت، موقع SFI 415 في مربع FII تحت رقم K:9 – CXT: 2435 في الجهة الجنوبيّة الغربيّة لمربع FII. غير كامل الجزء الأعلى منه، حالته وسط، ووُجد مقابلاً له فرن آخر K:8 في غربي الموقع وغربي مربع GI، بعد دراسة دقيقة قد تبيّن أنّه وُجد في منطقة صناعة بامتياز لأنّه قد عثر على عدد كبير من أنواع الأفران المختلفة الأحجام وعُثر على عدد كبير من الأواني الفخاريّة المرميّة الى جانب الفرن بسبب التشوّهات في الشيّ. لذلك قد تمّ دراسة هذه القطع لتبيان تأريخ الفرن. تأكّد لنا أنّه يعود الى أواخر القرن الأول ميلادي أيّ الفترة الرومانيّة، ممّا يدلّ الى أنّ هذه القطع الفخاريّة التي وُجدت هي صناعة محليّة. (شكل – 1)

(شكل – 1) فرن ذو طابقين. رسم محمود علاّم

وصف فرن الفخار الأسطواني

يتشكّل هذا الفرن من جسم أسطواني مصنوع من الطوب المشويّ جيداً ومطلي بالطين من الداخل. وأمّا طريقة بناءه من الداخل يُقسم الى قسمين: السفلي يُعرف بالموقد أو بيت النار الذي يتّصل مع القسم العلوي عبر أرضيّة مثقبة أو تُعرف باسم (Burnt clay plate on top) لكي تسمح بمرور حرارة الفرن الى القسم العلوي ذي السقف المكشوف، والذي يتمّ من خلاله رَصف ووضع الآنية مع مراعاة ترك المساحة لمرور الحرارة. ومن ثم يُغطّى سقف الفرن بواسطة القطع الفخاريّة تأخذ شكل قبّة، وبعد ذلك يتمّ طليها بالطين، كذلك يترك مكان مخصّص كفوهة لخروج الدخان. لكن ما تبقّى من هذا الفرن محفوظاً الجزء الأعلى منه أيّ غرفة الموقد أو بيت النار ويتوسّطها عامود ويُعرف باسم (Pianta rotondu a pilastro centrale) أعلى نقطة ارتفاع 16،98 متراً، أدنى نقطة ارتفاع 15،48 متراً، أمّا قطره 216 سم. (شكل – 2)


(شكل – 2أ)

(شكل – 2ب)

وصف العامود

يقع العامود في وسط الفرن المعروف باسم (Pilastro Centrale) وهو يتوسّط أرضيّة غرفة الموقد، أسطواني الشكل، أمّا قطره في الأعلى 60 سم وفي الأسفل 55 سم، مصنوع من الطين المشوي جيّداً (Brick)، يبعد مسافة 85 سم تقريباً عن الإطار الدائري للفرن المحيط بأرضيّة غرفة الاشتعال (camera di combustione)، أنّ هذا العامود الوسطي (Pilastro centrale) فهو يرتفع نحو الجزء الأعلى من الفرن حاملاً حرارة الوقود. إنّ المواد التي تستعمل للوقود هي تلتف من حوله ثمّ تتوزّع لشيّ الفخار المرصوف في الجزء الأعلى منه (Laboratorio – camera di cotture).

إنّ العامود قد تمّ تصميمه بتوسيع قطره في الأسفل أكثر من الأعلى، لغاية منه تسهيل عمليّة صعود الحرارة الى الطابق العلوي. أمّا تقنيّة بناء العامود من الداخل بكتل من الآجر المشوي المرصوفة فوق بعضها، تحتوي صناعة الكتل على بحص صغير وكلس ورمل وفحم وهو بدوره يحتفظ بتخزين الحرارة لوقت أطول. أمّا شكله الخارجي فهو دائري ومطلي بطبقة من الأرجيل بسماكة 3،5 سم وفي أعلى العامود توضع عليه صفائح (Burnt clay plate on top) ويوجد مسافة بين الواحدة والآخر لكي تساعد في تمرير الحرارة الى الطابق الأعلى لشيّ الفخار الموضوع عليهما. (شكل – 3)

(شكل – 3) منظر جوّيّ يظهر فيه العمود

غرفة الاشتعال أو بيت النار Camera di combustion:

هي دائريّة الشكل بقطر داخلي 216 سم، والقطر الخارجي 290 سم. وهي مدعّمة كما يبدو بثلاث طبقات، والطبقة الرابعة من الداخل هي طبقة من الطلاء الكلسي بسماكة 2،5 سم ومدعّم بثلاث طبقات متتالية من الطين المشوي جيّداً Argile على عدّة مراحل معروفة باسم La Suola). ولكن يحيط بغرفة الاشتعال من الخارج مجموعة من الحجارة الكلسيّة وغير مقصوبة وهي تشكّل دعم للغرفة.

 

وصف الإطار الدائري للفرن:

يتألّف الإطار من أربع طبقات متتالية، بُنيت على مراحل متتالية لتدعيم الفرن:

  • الطبقة الخارجيّة سماكتها 20 سم هي طبقة من الأرجيل مشوي جيداً حمراويّة اللون تحتوي على كسر صغيرة من الفحم وحصى صغيرة وبحص ورمل.
  • طبقة من الأرجيل المشوي جيداً صفراويّة اللون وبداخلها حصى صغيرة ورمل وكلس، سماكتها 3 سم.

3-طبقة من الأرجيل المشوي بنيّة اللون تتضمّن كسر صغيرة من الفحم والرمل سماكتها 9 سم.

4-طيقة طلاء من داخل الفرن ملساء تحتوي على كسر من الفحم وكلس ورمل وحصى صغيرة (Pebbles) سماكتها 2،5سم.

جدران أو أساسات الدعم

وهي عبارة عن أساسين يحيطان بأرضيّة غرفة الاشتعال في الجهتين الجنوبيّة والغربيّة، وهما يلتقيان بشكل زاوية قائمة.

الأساس الأول من الجهة الحنوبيّة بطول 1،8 متر وعرض 0،50 متر مسجّل تحت رقم CXT: 2462، يتألّف من حجارة كلسيّة مقصوبة جيداً. (شكل –4)

(شكل – 4أ) رسم مقطعيّ للفرن رسم محمود علاّم

(شكل – 4ب)
رسم مقطعيّ للفرنين Kiln8 – Kiln9

الأساس الثاني من الجهة الغربيّة مقسوم الى قسمين يحيطان النفق لضخ الوقود عبرها الى داخل غرفة الوقود وتُعرف باسم (Bocca della fornace) وتأخذ شكل نفق ولكنّها مهدّمة.

أمّا الأساس من الجهة الجنوبيّة أيّ الى يمين النفق يأخذ )رقم 2441( ويتألّف من حجارة مقصوبة كلسيّة. (شكل –5)

(شكل – 5) صورة عموديّة تُظهر الفرن وورشة العمل

أمّا الأساس من الجهة الشماليّة أيّ الى يسار النفق يأخذ )رقم 2442( ويتألّف من حجارة كلسيّة مقصوبة جيداً وبشكل زاوية قائمة مع جدار )رقم 2324(. إنّ أساسات الدعم هذه فهي مماثلة لأساسات دعم الأفران وهي عادةً منتشرة آنذاك في مناطق عدّة من فلسطين وسوريا وفي منطقة الصرفند في لبنان.[3]

مراحل عمليّة الشيّ الطيني

تتألّف عمليّة شيّ الطين من أربع مراحل هي:

  • إيصال حرارة الفرن حتى (200) درجة مئويّة لطرد الرطوبة من داخل الطين، إذ تكون حبيبات الطين قد تماسكت تماماً، ويجب أن تنفّذ هذه المرحلة ببطء قدر المستطاع، خصوصاً عندما لا يحتوي الطين على كميّة كبيرة من سحوق الفخار، لأنّ ارتفاع درجات الحرارة بسرعة كبيرة قد يؤدي الى تلف جدران الفخّار أو تصدّعها.[4]
  • عند الوصول الى حرارة (350 – 700) درجة مئويّة سيتحرّر الماء كيماويّاً من جزيئات الطين، لذا أن تكون عمليّة رفع درجات الحرارة بشكل بطيء، خصوصاً أنّ أكبر كميّة من الماء تكون قد تحرّرت في حدود درجة حرارة (500) درجة مئويّة، ولا يجب أن تتمّ عمليّة زيادة درجات الحرارة إلا بعد تحوّل الصوان الى كوارتز.
  • في درجة حرارة (573) درجة مئويّة يتحوّل الكوارتز من حالة (A) الى حالة (B)، وهذه عمليّة معكوسة مصحوبة بتمدّد أو تقلّص بمقدار (2%) وهذا التحوّل في حجم الكوارتز يمكن أن يخلف شدّ جزئيّات الطين، وبالتالي تلف الفخّار، لذا يجب تسخين أو تبريد الفرن بشكل تدريجي.
  • في درجة حرارة (900) درجة مئويّة، تحتوي كتل الطين على كميّة من الشوائب العضويّة وغير العضويّة فضلاً عن مواد أخرى على شكل أكاسيد كيماويّة، وفي هذه الدرجة فإنّ المواد العضويّة تحترق وتتأكسد المواد غير العضويّة، كما يتحرّر الكربون في هذه المرحلة، وتتطلّب هذه العمليّة كميّات كبيرة من الهواء الحامل للأوكسجين إذ أنّ فقدان الأوكسجين يعني انخفاض في درجات الحرارة الأمر الذي يؤدي الى تغيير في لون الأوعية المشويّة، وتشوّهات في سطحها نتيجة الحرارة العالية. ويبدو أنّ الوصول الى السيطرة على عمليّات الحرق والسيطرة على درجات الحرارة في داخل الفرن تطلّب الكثير من الوقت والجهد.[5] تتطلّب عمليّة حرق الفخار درجات حرارة بين (500 – 700) درجة مئويّة، كذلك يعتمد هذا على نوع الطين المستعمل في صناعة الفخار، سواء أكان من طين عادي أو طين ناعم، في كلتا الحالتين يتحوّل هذا الطين بفضل درجات الحرارة الى مادّة صلبة.[6]

الخاتمة

يُعدّ الاهتداء الى معرفة النار من أهم الإنجازات الحضاريّة التي عرفها الإنسان عبر العصور، ولا يُعرف على وجه الدقّة الفترة التي ظهرت فيها أو الفترة التي تمكّن الإنسان من استعمالها وتطويعها، لكن بعض الأدلّة تشير الى استعمال النار في فترات قديمة جداً واستعملت في مجالات مختلفة مثل التدفئة والإضاءة والدفاع عن النفس والطهي وبعد ذلك في حرف وصناعات عديدة، ولعلّها كانت الخطوة الأولى لظهور وتطوّر التنانير والأفران، فأصبحت مصاحبة للإنسان أينما حلّ، وبمرور الزمن ومن خلال تراكم الخبرات في السيطرة على النار والتعامل معها، استُعملت في صناعات مختلفة منها، الصناعات الفخاريّة. ولا زالت هذه النار تشكّل محور تطوّر الإنسان حتى وقتنا الحاضر.

ومن أهم الإنجازات التي حصل عليها الإنسان هي الأفران التي استطاع بواسطتها صناعة الأواني الفخاريّة على أنواعها والتي تساعد في الاستعمال المنزلي، هذه اللقى أينما وُجدت تساعد بدورها في تأريخ السويّات الأثريّة والمنشآت لأيّ فترة تعود.

فطبيعة وكثافة البقايا الآثاريّة في الصرفند تشير بوضوح بأنّ مركز الصرفند كان أكبر من أنّه مصنع صغير لصناعة محدودة (شكل رقم 6).

فعدد وحجم الأفران وتوزّعها واستمراريّتها على مدى فترة طويلة، هي مظاهر لمجمّع كبير متخصّص بصناعة الفخّار مع كامل أدواته وتخصّصاته، حتى أنّه يمكننا مقارنة هذا المجمّع لصناعة الفخّار مع مجمّعات وُجدت في لبنان وأمكنة أخرى من الشرق الأدنى القديم كموقع (Meggido)، وتلّ النصبة (Tell en-Nasbeh) و(Hebron) وأريحا (Jericho) في فلسطين. وموقع (Deir el-Gharbi) في مصر. وفي لبنان، بيت شباب (Beit Shebab) وفي الغازيّة، وخلدة، ومجمّع الصرفند يشبه مجمّع صناعة الفخّار في خلدة الذي بقي يعمل حتى فترة متأخّرة، والصيفي 415، والمعدّة لهذا النوع من التجارة البحريّة وبالتالي نقل منتوجاتهم الى سائر الموانىء التجاريّة في حوض المتوسّط، خاصّة الى العالم اليوناني والعالم البوني Punie، وخاصّة الى ميناء Motya في صقلية، حيث اشتدّت المنافسة بين التجّار اليونانيّين والتجّار الفينيقيّين وأدّت الى صدامات متعدّدة واستمرّت الصدامات حتى الفترة الرومانيّة.

من خلال حفريّات الصرفند إستنتجنا بأنّ صناعة الفخّار ابتدأت منذ فترة مبكرة في الألف الثانية ق.م. واستمرّت الى الفترة الهلنستيّة، وهذا يعتمد الى حدٍّ ما على الدليل الأثري الذي ينسجم الى حدٍّ كبير مع دليل النقوش. فالصرفند كانت في فترة الألف الثانية ق.م. حتى بداية الألف الأوّل ق.م.، (مدينة – دولة) مستقلّة. وكانت من المدن الكنعانيّة المزدهرة ذات علاقات تجاريّة مع مصر مثلها مثل جبيل، وصيدا، وخير دليل على ذلك تقرير (ون-آمون) مبعوث فرعون مصر الى ملك جبيل خلال القرن الحادي عشر ق.م.، وقد وصف (ون-آمون) أهميّة ميناء صيدا في هذه الفترة حيث كانت ترسو خمسون سفينة، بينما كان في ميناء جبيل عشرون سفينة فقط. ممّا يشير الى أنّ صيدا كانت تترأس المدن الفينيقيّة في القرنين الثاني عشر والحادي عشر ق.م. تليها جبيل ومن ثمّ صور. واستمرّت الصرفند كمدينة مستقلّة وعلى علاقات تجاريّة مزدهرة مع مصر، وكريت، بدليل وجود فخّاريّات مسينيّة في الصرفند، وفي صيدا. كما وُجد الكثير من الهدايا المصريّة في المعبد الذي وُجد في الصرفند. وليس مستغرباً بأن ينطلق البحّارة من ميناء الصرفند الى غرب المتوسّط حاملين جرار الصرفند المحمّلة بالمنتوجات المختلفة.[7]

لكن مع ظهور شعوب البحر، وضعف السلطة في مصر، سارت البلاد من سيّء الى أسوأ واستمرّت الصرفند حتى القرن الحادي عشر على علاقة جيّدة مع صيدا، ولكن مع بداية عصر الحديد والقرن الحادي عشر ثمّ العاشر ق.م.، فقدت الصرفند بعض استقلالها وخضعت أوّلاً الى صيدا، وخلال عصر الحديد انتقلت السيطرة الى صور، بعد أن أعلنت صيدا العصيان ضد الآشوريّين في القرن السابع ق.م. وأصبحت الصرفند خاضعة لنفوذ صور، وورد في النقوش ذكر الكثير من المدن بأنّها خاضعة لنفوذ صور ومن ضمنها الصرفند.[8]

لقد جرى تحليل فخّاريّات الصرفند في هذه الفترة من خلال تتبّع هذا التحوّل في المجال الحيوي للصرفند من علاقتها اقتصاديّاً مع صيدا خلال الألف الثانية ق.م. الى علاقتها مع صور خلال الألف الأوّل ق.م. وخاصّة الفترة الفارسيّة ابتدأ من القرن السابع ق.م. فتحوّل المجال الحيوي الاقتصادي للصرفند الى جنوب فينيقيا والى فلسطين. فالعمارة أصبحت ذات طابع فينيقي، كما أنّ اللغة الفينيقيّة أصبحت أكثر تداولاً بصورة عامّة بدليل وجود نقوش فينيقيّة، واستمرّ المعبد مخصّصاً للآلهة الفينيقيّة وخاصّة المعبودة تانيت–عشترت، حيث وُجد نقش فينيقي مقدّم للآلهة تانيت–عشترت، (Pritchard,1978, P.104-105).

وازدهرت صناعة الفخّار في الصرفند لتلبّي حاجات السوق في جنوب فينيقيا (شكل رقم 7)، فجرى تحليل نماذج من جرار الصرفند، المعروفة بصغر عنقها، وانحراف وميل كتفها، وقاعدتها المستدقة، وهي تطوّر للجرّة الكنعانيّة مع كتف أفقي مائل. واستعملت Elisabeth Bettles تحليل الفخّار باستعمال نوعين من التحاليل وهما: Macroscopie description, Petrographic description، ومن خلال ملاحظة مقطع هذه الفخّاريّات وملاحظة الطبقات المختلفة، وطريقة شيّ الفخّار ونسبة حرق الخزف، والمكوّنات المختلفة للعجينة. فالدليل يشير الى أنّ هذه العجينة للفخّاريّات تعود الى مواقع في جنوب فينيقيا وشمال فلسطين. إنّ هذا التطوّر وتوسّع الطلب على فخّاريّات الصرفند، ضاعف عدد الأفران في الفترة الفارسيّة، وهذا ما يبرّر استعمال الدولاب السريع لتلبية حاجات السوق الجديدة وبسرعة وبكميّات كبيرة (شكل رقم 8). وقد ذكر (Diodorus Sieulus) في القرن الرابع ق.م. بأنّ أبناء الصرفند قد ضاعفوا ثرواتهم عدّة مرّات ونافسوا تجّار صور، ونتج عن هذه الثروات، نشوء أنماط جديدة من صناعات مختلفة وخاصّة صناعة الفخّار بأنواعها المختلفة وأصبح توزيعها بإشراف المدن – الدول في شمال فلسطين تحت سلطة الدولة الفارسيّة.[9] (راجع الصور والرسومات).

أتمنى في نهاية هذا البحث أن تكثر الأبحاث لاحقاً لتعطينا فكرة أوسع وأوضح عن الأفران ومدى أهميّتها في الحياة اليوميّة وخاصّة في الصناعة ومقارنتها مع الدراسات في الدول المجاورة.

بعد دراسة دقيقة اتّضح لنا وجود هذا الفرن في منطقة صناعيّة أعطى بدوره نتائج واضحة لوجود صناعة محليّة وذات تقنيّة عالية بفضل وجود القطع الفخّاريّة المتعدّدة الأشكال والدلالات والإطلاع عليها ودراستها.[10]

المراجع العربيّة

  • جون ديكرسون، “صناعة الخزف”، ترجمة هشام الهنداوي، سلسلة المائة كتاب، الطبقة الأولى، دار الشؤون الثقافيّة العامّة، بغداد، 1989، ص. 134 – 135.
  • تقي الدباغ، “الفخار في عصور ما قبل التاريخ”، بحث ضمن موسوعة حضارة العراق، الجزء الثالث، دار الحريّة للنشر والطباعة، بغداد، 1985، ص. 13.
  • زهير صاحب، فخاريات بلاد الرافدين (عصور ما قبل التاريخ)، سلسلة آثار، ط1، بغداد، 2010، ص. 316 – 317.
  • عبد الرحيم حنون عطية، 1994، “المواقد والأفران في العراق القديم ما بين التقنيّة والاستعمال”، مجلة كليّة التربية العدد الثامن والعشرون، ص. 165، جامعة ميسان/كليّة التربية.
  • عبد الرحيم حنون عطيّة وأثير أحمد حسين، 2017، “فن التزجيج في تجميل الواجهات الجداريّة في العراق القديم”، عدد 58، ص. 78-80، مجلّة دراسات في التأريخ والآثار.

المراجع الأجنبيّة

  • Anderson, William, P.,”The kilns and workshops of Sarepta (Saraphand), Lebanon”, Berytus, Vol. 35, 1987, P.: 41- 66
  • Bettles, Elisabeth, “Carinated – Shoulder Amphorae from Sarepta, Lebanon”, AHL, No. 17, Spring 2003, P. 60 – 79.
  • Khalifeh, Issam, A., Sarepta II: The Late Bronze and Iron Age Periods of Area, (Area II-X). The University Museum of the University of Pennsylvania Excavations at Sarafand, Lebanon, Publications de l’université libanaise, Beirut, 1988.
  • Pritchard, James, B., Recovering Sarepta, A. Phoenician city, Princeton university press, Princeton, 1978.

 

 

 

 

 

الصور والرسومات

شكل رقم 6 [11]

الصورة العليا: منظر فوقيّ (G) المدخل وغرفة النار

الصورة السفلى: يُعتقد أنّ الحفرة كانت مركز قاعدة العمود الدولاب

شكل رقم 7 [12]

فرنان يعودان إلى عصر الحديد (الحِقبة الفينيقيّة)

 

شكل رقم 8 [13]

رسم يُبيّن دولاب الفاخوريّ مع التفاصيل كاملة

شكل رقم 9 [14]

فرن (6) يُظهر بيت النار ومنطقة العمل لصنع الفخّاريّات

 

شكل رقم 10 [15]

منظر جوّيّ لحفريّة الصرفند كاملةً منطقة II بواسطة البالون

 

 

شكل رقم 11 [16]

الصورة اليمنى: صورة لفرن (6) والمنطقة المحيطة به

الصورة اليسرى: رسم ومقطع للفرن (6)

شكل رقم 12 [17]

رسم يُظهر الفرن (6) مع تفاصيله ويعود إلى العصر البرونزيّ المتأخّر وغرفة العمل التابعة للفرن مع فرنين مجاورين من مدّة مبكّرة تعود إلى العصر الحديديّ

 

شكل رقم 13 [18]

خريطة تبيّن موقع الصرفند جنوب لبنان، ومنطقة الحفريّات. منطقة -1 ومنطقة II الصورة الجوّيّة شكل 10 هي تعود الحفريّة (X – II)

* طالب دكتوراه، الجامعة اللبنانيّة، قسم الآثار.

[1] عبد الرحيم حنون عطيّة، 1994، “المواقد والأفران في العراق القديم ما بين التقنيّة والاستعمال”، عدد 28، ص. 165، جامعة ميسان، مجلّة كليّة التربية.

[2] عبد الرحيم حنون عطيّة وأثير أحمد حسين، 2017، “فن التزجيج في تجميل الواجهات الجداريّة في العراق القديم”، عدد 58، ص. 78، مجلّة دراسات في التأريخ والآثار.

[3] Pritchard, James, B., Recovering Sarepta, A. Phoenician city

يُعالج المؤلف صناعة الفحّار في موقع صربتا (الصرفند) حيث تمّ التعرّف الى 22 فرن فخّار يعود تاريخها من عصر البرونز المتأخّر الى أواخر عصر الحديد أيّ من حوالي 1300 ق.م. – 600 ق.م. ص. 111 – 123.

كما أنّ عصام ع. خليفة الذي ساهم في حفريّة الصرفند، ونشر نتائج حفريّته في Sarepta II، وخاصّة فيما يتعلّق بالفرن (G). حيث أنّ قسماً كبيراً من الفرن ما زال سالماً ومحتفظ في وضع جيّد. فغرفة شيّ الفخّار بقيت كاملة مع سقف ومنافذ للنار تساعد على التحكّم بالنار. وفوقها غرفة لترتيب القطع الفخّاريّة المعدّة للشيّ. وهكذا لدينا فكرة واضحة عن صناعة الفخّار في الصرفند في فترة مبكرة تعود الى حوالي 1300 سنة ق.م. فاكتشاف الفرن (G) والغرفة المجاورة حيث كان يُحضّر الطين والأواني المختلفة. أصبح عندنا فكرة أوضح عن مختلف أوجه صناعة الفخّار في الصرفند. راجع الصور المرفقة عن فرن (G) وهو من نوع (two story kiln). وللمزيد عن معلومات مفصّلة عن أهم الأفران التي وُجدت في كامل حفريّة الصرفند خلال فترة تمتدّ من أواخر عصر البرونز المتأخّر وخلال كامل عصر الحديد. يمكن مراجعة:

(Anderson, William P. “The kilns and workshops of Sarepta”, P.: 44-66) وهو من الأساتذة الذين ساهموا في حفريّات الصرفند ونشر Sarepta I، وقد عالج في هذه المقالة الأفران التي اكتشفت ما بين 1970- 1974 في الصرفند ، مع شروحات موسّعة عن مراحل صناعة الخزف وشيّ القطع الفخّاريّة وطرق التحكّم بالطاقة الحراريّة لكلّ نوع من أنواع الخزف. ص. 41 – 66 مع الصور المرافقة للبحث.

[4]  جون ديكرسون، 1989، “صناعة الخزف”، ص. 134.

[5]  تقي الدبّاغ، 1985، “الفخّار في عصور ما قبل التاريخ”، ص. 13.

[6]  زهير صاحب، 2010، “فخّار بلاد الرافدين”، ص. 316.

[7]  خليفة، عصام علي.، “رحلة (ون-آمون) الى جبيل في منتصف القرن الحادي عشر ق.م.” لبنان في كتابات الرحالة، مجموعة باحثين، إعداد عبد الله الملاح، منشورات الجامعة اللبنانيّة، بيروت، (2008)، ص.: 18 – 22.

[8] Bettles, Elisabeth, “Carinated – Shoulder Amphorae from Sarepta, Lebanon”, AHL, No. 17, Spring 2003, P. 60-79.

[9] للمزيد من التفاصيل يمكن العودة الى:

-Anderson, William, P.,”The kilns sand workshops of Sarepta”, P.: 41-66 & Bettles, Elisabeth, “Carinated-Shoulder

Amphorae from Sarepta”, P.: 67-77.

[10] للمزيد من التفاصيل يمكن العودة الى خليفة، عصام علي

– Sarepta II, P. 27-35 & Pritchard James B. “Recovering Sarepta, P. 97-110.

– Anderson, William, P., “The kilns of Sarepta” P. 41-66.

 

 

[11] Khalifeh, Issam, A., Sarepta II: The Late Bronze and Iron Age Periods of Area, X. The University Museum of the University of Pennsylvania Excavations at Sarafand , Lebanon, Publications de l’université libanaise, Beirut, 1988. P. 414.

[12] Anderson, William, P.,” The kilns and workshops of Sarepta (Saraphand), Lebanon”, Berytus, Vol. 35, 1987, P.: 62.

[13] Anderson, William, P.,”The kilns and workshops of Sarepta (Saraphand), Lebanon”, Berytus, Vol. 35, 1987, P.: 60

[14] Khalifeh, Issam, A., Sarepta II: The Late Bronze and Iron Age Periods of Area, X. The University Museum of the University of Pennsylvania Excavations at Sarafand , Lebanon, Publications de l’université libanaise, Beirut, 1988. P. 413.

[15] Khalifeh, Issam, A., Sarepta II: The Late Bronze and Iron Age Periods of Area, X. The University Museum of the University of Pennsylvania Excavations at Sarafand , Lebanon, Publications de l’université libanaise, Beirut, 1988. P. 411.

[16] Pritchard, James, B., Recovering Sarepta, A. Phoenician city, Princeton university press, Princeton, 1978, P. 118

[17] Anderson, William, P.,”The kilns and workshops of Sarepta (Saraphand), Lebanon”, Berytus, Vol. 35, 1987, P.: 56.

[18] Anderson, William, P.,”The kilns and workshops of Sarepta (Saraphand), Lebanon”, Berytus, Vol. 35, 1987, P.: 52.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.