الإبداع والاضطراب النفسيّ وانعكاسه على المنتج الفنّيّ في أعمال فان غوغ

0

الإبداع والاضطراب النفسيّ وانعكاسه على المنتج الفنّيّ في أعمال فان غوغ

الباحثة ريتا طانوس كيروز[1]

ـ مشاكل نفسيّة عند فان غوغ أم عبقريّة مغمورة؟

لقد امتازت حياة فان غوغ بالاضطراب النفسيّ، فكان يظهر كمادّة دسمة للتّحليل في كلّ بحث كان موضوعه العبقريّة والجّنون. وإذ يعترف الباحثون الّذين تناولوا حياته النفسيّة، بصعوبة إيجاد رابط بين عبقريّته الّتي تجلّت في أعماله الفنّيّة وبين حالته النفسيّة المضطربة الّتي أدّت إلى انتحاره، إلاّ أنّهم يتوافقون على أنّ هذه العبقريّة استمدّت بعض أهمّ جوانبها من الاضطراب الّذي كان فان غوغ يعاني منه. ولعل أول أوجه هذه الصعوبة تكمن في درجة التعقيد التي ينطوي عليها الإبداع، ما دفع “ماكينون” للاعتراف “بأن الإبداع لا يمكن وصفه بتعريف محدّد٬ لأنّه يبدو كظاهرة متكاملة، ولكنّها ذات وجوه متعددة”.(1) إلا أن معظم الباحثين يذهبون إلى عدّه ضربًا من ضروب الذكاء، إذ يتطلب الإبداع في أبسط أشكاله نوعًا من تجاوز المألوف. فإذا كان الذكاء يعرف بأنه القدرة على حل المشكلات، فإن الإبداع يتجاوز هذه القدرة إلى قدرة أخرى في استبصار طرق ومناهج جديدة لإيجاد الحلول على نحو غير معروف من قبل. وإذا كان مستوى الذكاء عند فان غوغ لم يرتق إلى مستوى حلّ المشكلات الّتي عانى منها إلا أنّه حتمًا استطاع استبصار أساليب جديدة في فنّه. ولقد تضمّن أسلوبه هذا قدرًا كبيرًا من الدّفع، والحماس لتحقيق أهدافه، وإيمانًا عميقًا بأسلوبه وإصراره على التّعبير عن ذاته وشغفه هذا، وإن على حساب علاقته مع عائلته وخصوصًا والديه الّلذين خسرهما بسبب خِياره احتراف التّصوير. ولم يقتصر الإبداع عند فان غوغ على أسلوبه في الرّسم، بل تعدّاه أيضًا إلى مجالات أخرى٬ منها أسلوبه الشيّق في الكتابة، بالإضافة إلى قدرته على تعلّم أكثر من لغة وإتقانها في وقت قصير. وتميّز برهافة حسّه، وقدرته على الإدراك العميق لكلّ ما يدور من حوله.

ـ كيف كانت نشأة فان غوغ؟

لقد نشأ فان غوغ في عائلة هولندية ميسورة، عائلة كانت تحتّم على أفرادها بشكل غير مباشر اختيار المهنة المستقبلية، وكأنّها وراثة، أو تقليد عائلي. من هنا كان من المفترض لفان غوغ أن يختار مهنة أعمامه وشقيقه الأصغر ثيو وهي الاتّجار باللّوحات الفنّيّة، أو مهنة أبيه وجدّه وهي ممارسة التبشير بالدّين ورعاية افراد المجتمع الروحيّة. لقد حاول فان غوغ العمل كتاجر لوحات في بداياته، ثمّ عمل كمبشر بالدّين فيما بعد، ولكنّه لم يفلح في كلتا الحالتين مع أنّه استفاد من عمله ببيع اللّوحات إذ تسنّى له الاضطلاع على الكثير من المدارس الفنّيّة، وبالتّالي على أشهر فنّاني عصره. كان في حالة ضياع لا يعرف أيّ مهنة عليه أن يختار، وحين اكتشف أنّ هوسه وحياته هما في امتهان الرسم كان في حالة من الذّهول فعمل بكل قوّته وأنتج في سنين قليلة، حوالي عشر سنوات، ما لم ينتجه فنّانون آخرون في حياة مديدة. لطالما توجّه إلى خِيارات لا يريدها مرغمًا، وكان هذا من اسوأ مراحل حياته، بالإضافة إلى الأحكام المُسبقة لعائلته وعدم تشجيعهم له، وخجله من امتهان الرسم بعد الملاحظات غير المشجّعة التي سمعها من بعض أساتذة الرّسم. إنّ تواجد فان غوغ بين الأعمال الفنّيّة بشكل مستمر، ساهم في تنمية ذوقه الفنّيّ وأعطاه الزّخم الكافي لإعلان قراره احتراف الرّسم خاصّة، وأن خِياره هذا كان مخالفًا لمشيئة أهله بين خِياره لامتهان الرّسم الّذي وجد فيه راحة لذاته، وبين ما اختارته له عائلته، بدأ شعور فان غوغ بالقلق والخوف، اللّذين را فقاه طيلة مسيرته الفنّيّة حتّى وفاته. وبين الخوف ممّا يعرفه والقلق ممّا يجهله، أنتج أعماله الفنّيّة، بأسلوب مدرك قوي، انفعالي ساحر.

ـ لقد وصفه الكثيرين بالعبقريّ المبدع ووصفه البعض بالمجنون. وما بين العبقريّة والجنون تأرجحت حياته. أين هو فان غوغ من كلّ هذا؟

 ليس ثمّة ملف متكامل عن حالة فان غوغ النفسيّة، وكل ما كُتب في هذا الموضوع هو أقرب إلى التكهّنات المستقاة من الأقاويل والأحاديث التي كونّت هالة ضبابيّة عن حياته، فالمجتمعات التي عايشها في بداياته كانت مجتمعات شبه أمّيّة، خصوصًا المجتمعات الفقيرة، التي لا ترى الأشياء إلا من خلال الموروثات الاجتماعية، التي ترفض غالبا كلّ ما هو جديد، أو غريب، وغير مألوف. في هذه المجتمعات قد يبدو الذكاء الحاد اضطرابًا، والإبداع جنونًا، خصوصًا وأنّ فان غوغ لم يكن يولي أهمية كبيرة لنظرة الآخرين له، على الأقل من حيث أسلوب عيشه وتصرّفاته الاجتماعيّة. بالإضافة إلى أنّ عمره القصير لم يترك مجالاً واسعًا لإعادة الاعتبار له، أو لإعادة فهمه من قِبل المجتمع بشكل صحيح. منذ الأزل اعتاد كثير من المفكرين القول بوجود رابط بين الإبداع والاعتلال النفسيّ، وقد نتج عن ذلك ظهور مصطلح “العبقريّ المجنون” الذي كثر استخدامه لبعض الوقت. إنّ حياة الكثير من الموهوبين والمبدعين، من أمثال فان غوغ خير دليل على ذلك. والاعتقاد القائل بأن هناك علاقة بين الإبداع، والاعتلال النفسيّ فكرة موغلة في القدم، ولكن في القرون الحديثة، جرى تطوير ذلك المعتقد وتوسّع بواسطة العديد من المتخصّصين في الطبّ النفسيّ وعلم النّفس، فعلى سبيل المثال، اقترح الطّبيب سيزار لومبروزو(2)، في أواخر القرن التاسع عشر، الفكرة القائلة: “إنّ العبقريّة والجنون مترابطان بشدّة إذ إنهما وجهان مزدوجان لاضطراب عصبي تحلّلي، وكلّما ارتقى الشخص في سلّم الإبداع زاد المعدل المتوقّع لحدوث الأعراض الاضطرابية وزادت شدتها، ومعدل حدوث هذه الأعراض، ومدى شدتها يتعدّدان بتعدّد مجالات الإبداع، إذ وُجد أن معدل حدوث الأعراض الاضطرابية، أعلى، في سبيل المثال، بين المبدعين في مجال الفنون منه بين المبدعين في مجال العلوم…”(3). ولكن هذا التوجه لم يُترك دون أن يتم تحدّيه، إذ نجد بالمقابل أن علماء النّفس، كانوا ولا زالوا يميلون إلى ربط الإبداع بصحّة نفسيّة سليمة ومعافاة. مع ذلك فإن وجهة النظر السائدة الآن هي أنّ هناك علاقة موجبة تربط بين الاعتلال النفسيّ والإبداع. ولكن، ما هي الأدلة العلمية المساندة لهذه العلاقة المفترضة؟ وما الذي تكشفه تلك الأدلّة من أسس تلك العلاقة ومداها؟

إنّ البحوث في مجال الطب النفسيّ وجدت أعراضًا اضطرابيّة بمعدّلات حدوث أعلى، وأكثر شدّة بين المبدعين المتميّزين، خصوصًا أولئك المنشغلين بالإبداع الفنّيّ. وفي أواخر القرن التّاسع عشر، الفترة الّتي عاش فيها فان غوغ، انتقلت الّلوحة التشكيليّة من الكلاسيكيّة إلى نظرة معاكسة تمامًا تشبه داخل الفنّان، وتحرّك مشاعر المُشاهد بصورة معاكسة. مع هذا التّحول في مسار الفنون بدأت النّظرة إلى الإبداع تأخذ منحى آخر يؤكّد على نظرية التّلازم بين الإبداع، والاضطراب النفسيّ بشكل أو بآخر، ولو تيسّر لفان غوغ أن يدخل عتبة القرن العشرين لكان ربّما حظي بالكثير من التّقدير، أو عُدّ فنّه على قائمة الفنون التي تُبرز التّرابط الوثيق بين الإبداع، والاضطراب النفسيّ.

تشير الدّراسات العلميّة إلى أنّه، بالإضافة إلى الأعراض الاضطرابية كان الاكتئاب، والكحولية والانتحار من أكثر المؤشّرات شيوعًا، فضلًا عن ظهور أدلّة تشير، مرة أخرى، إلى أنّ الإبداع والاضطراب يمكن أن يتواجدا على نحو متداخل في الأجيال المتعاقبة للأسرة نفسها. وهنا تجدر الإشارة إلى أنّ عائلة فان غوغ كانت تضمّ أكثر من حالة عانت من المشاكل النفسيّة، أبرزهم شقيقه ثيو، وشقيقته الّتي أمضت مدّة غير قصيرة في أحد المصحّات. وممّا لا شكّ فيه أنّ أعراض الاكتئاب كانت ظاهرة بشكل واضح في حياة فان غوغ. في أحدى الرسائل إلى شقيقه ثيو يقول: “تناولت طعام الإفطار المكوّن من قطعة خبز وكأس من البيرة. لقد أوصى ديكنز (طبيبه النفسيّ) بذلك للذين هم على وشك الانتحار، لإبعادهم عن هذه الفكرة. حتى لو لم يكن المرء في مثل تلك الحالة النفسيّة فمن الجيّد أن يجرّبه بين الحين والآخر…”(4) في هذه الرسالة يذكر فنسنت الانتحار للمرّة الأولى. وإذا اطّلعنا على حياته، في بداياته، نرى أكثر من مسبّب لاكتئابه، أوّل هذه الأسباب علاقته السيّئة مع والديه، خصوصًا بعد خِياره احتراف الرّسم. في هذا الصّدد يقول فان غوغ: “لقد أصبحتُ بالنّسبة إلى عائلتي شخصًا غير معقول ولا يُحتمل”(5) بعد شجار جرى مع والده، الّذي طلب منه البقاء لدراسة اللاهوت، وهو قرّر نهائيًّا احتراف الرسم والتّصوير.

لقد ترك لنا فان غوغ أعمالاً تحكي قصّة حياته بشكل واضح، بحيث أرّخ من خلال هذه الأعمال سيرة حياته القصيرة بشكل واضح، ومن أبرز هذه الأعمال التي تلخّص سيرة حياة بأكملها، وتبرز إبداعاته مقترنة باضطرابه النفسيّ هي لوحة الأذن المضمّدة، فكيف يبدو فان غوغ من خلال هذا العمل؟

لقد أرّخ فان غوغ هذه الحادثة بشكل لم يترك لدى المجتمع أدنى شك بحصولها، من ناحية أخرى، في تصويره لهذه الحادثة أكبر دليل على أنّه لم يأسف لما حدث، بل على العكس يبدو كمن يتفاخر بها، مع أنّه يشير في إحدى رسائله إلى أنّه “لم يدرك ما حدث إلاّ في الصّباح البّاكر”.(6) إشارة إلى أنّه ترك عملين اثنين يصوّران هذه الواقعة. يبدو كمن يريد أن يقول للبشرية من بعده، هذا أنا، ولست نادمًا على ذلك. هذه الأنا، تتجلّى من ناحيتين:

النّاحية الأولى، تظهر فان غوغ الانسان، الذي يعاني من الاضطراب ممّا يجعله غير قادر أحيانا على التّحكّم بأفعاله. وفي هذا الصّدد يقول : “… إنّني رجل إنفعالي قادر على القيام بأفعال غير عاقلة ومن دون أن أندم عليها تماما…”(7). والنّاحية الثانية تظهر فان غوغ المبدع الذي استطاع أن يفرض أسلوبه المميّز الذي يجمع تناقضات كثيرة تتراوح بين البساطة والتّعقيد، بين السّهل والممتنع. لم نر من قبل أيّ عمل فنّيّ يعالج الرّسم الذّاتي بهذه الطّريقة، إن من ناحية الألوان القويّة الّتي تشبه ألوان المدرسة الوحشيّة، وضربات الفرشاة التي تظهر عصبيّة الفنّان، إذ تحمل فرشاته كميّة كبيرة من اللّون تكاد توحي بالثّقل الّذي يحتويه القماش، عاكسة بذلك قدرًا كبيرًا من الانفعالات الّتي تدور في ذهن الفنّان، كلّ هذه الأمور منفّذة بكمية قليلة من الخطوط، والمساحات اللّونية، ما يبرز عدم اكتراث لافت للشّكل الخارجي ولتعابير الوجه، فالهدف الأوّل هو إظهار الدّاخل النفسيّ أكثر من إظهار معالم الشّخصيّة بحدّ ذاتها. لكنّ هذه الخطوط القليلة استطاعت أن تبرز شخصيّة قويّة، جسورة، تنظر إلى المشاهد بعيون واثقة. فان غوغ لم ينكر ما حدث، ولا عدّه حادثًا يدعو إلى الخجل، وإلاّ لما صوّر نفسه في هذه المرحلة، بل لقد عبّر في هذا العمل عن شعوره وانفعالاته، إبّان حدوث الواقعة، بكل البساطة، والدّقة اللازمتين لإبراز أكبر قدر من الأحاسيس، والمشاعر الّتي تخدم الموضوع، بعيدًا عن أي ابتزال وتكلّف. إذ “ليس الرّسم إلاّ وسيلة للتعبير عن الشّعور، والانفعالات الدّاخليّة”.(8)

يبدو أن ارتفاع مستويات الإبداع، تحدّ من تأثيرات الأعراض الاضطرابيّة، فيُظهر المبدعون، بصورة خاصّة، “مستويات عالية في قوة الأنا والاكتفاء الذاتي”(9) ليكونوا قادرين على ممارسة تحكم ذهني عالٍ في أعراضهم ما يمكّنهم من استثمار الأفكار الغريبة بدلًا من أن تقوم تلك الأفكار باستغلالهم، والتحكّم بهم. وهذه القدرة على استثمار الأفكار غير العادية كانت متوافرة بشدّة عند فان غوغ، فعبّر عنها من خلال أعماله مبرزًا بذلك قدرًا كبيرًا من الذكاء. وعلى الرغم من عدم وجود علاقة تبادلية بين مستويات الذكاء العليا والإبداع فإن “مستوى معيّن من الذكاء لا غنى عنه للنشاط الإبداعي المتميز”(10)، إذًا ليس ضروريًّا أن يمتلك فان غوغ درجات ذكاء عالية جدًّا ولكنّه امتلك حتمًا قدرات ذهنية عالية مكّنته من اختيار الأفكار الأصليّة، وصقلها، وتطويرها، وتحويلها إلى إنجازات إبداعية، أكثر من الفنّان الذي يعمل وفق مناهج تميل إلى تبنّي أساليب تعبير ذاتية وتلقائية. ومن أهم الإنجازات الإبداعيّة عند فان غوغ هو أسلوبه المتميّز في الرسم الذي طوّره ليصبح واقعة تاريخية، حتّى إنّه بين عامي 1989 و1990 شكّلت أعماله، أغلبية الأعمال المعروضة، في المعاجم الفنّيّة.(11)

ـ داء الصرع

في كتابه “العبقريّة وداء الصرع” حلل الطبيب البروفسور هنري غاستو(12) حالة ثلاثة مبدعين مصابين بداء الصّرع هم فان غوغ، ودوستويفسكي(13)، وفلوبير. “الصّرع هو الدّاء الذي لا نعرفه جيدًا لأن فان غوغ قلّما يتحدّث عن نوباته في مراسلاته، هذا من جهة ومن جهة ثانية، إن عبقريّة فان غوغ، … لم يُعترف بها في حياته، وما من أحد من معاصريه جهد ليترك لنا عنه ذكريات محدّدة”.(14) ولكن في بعض رسائله التي ذكر فيها هذه العوارض التي كان يعاني منها، والأحداث الصّاخبة في حياته الّتي كان يجهل حدوثها، إلا في اليوم التّالي لحدوثها، إذ يُخبره عنها في الغالب الأشخاص الّذين واكبوه حينها، يقول في إحدى رسائله بعد مشاهدته للرّسم الذي يصوّره فيه غوغان أثناء قيامه برسم إحدى أعماله، دوّار الشّمس، “هذا أنا وقد أصبت بالجنون”(15). كان هذا التّعبير ناتجًا عن إحساس فان غوغ بالاستغراب، والقلق النّاتج عن عدم قدرته على إيجاد مبرّر لما يصيبه من أعراض. لقد ذكر فان غوغ في كتاباته أكثر من حادثة، منها حين رمى كأسًا من الأبنست في وجه غوغان، ثم استسلم إلى النّوم، والنّوبة الثّانية كانت الحادثة الشّهيرة التي قطع فيها شحمة أذنه، وفي حادثة أخرى لاحقًا، ضرب أحد الحرّاس في المشفى الّذي كان يتعالج فيه. هذه الأعراض تؤكّد على نظريّة الصّرع بحسب آراء علماء النّفس.

 ـ ذكاء استثنائي

وعن حالته المرضيّة العامّة يقول هنري غاستو: “من وجهة النظر الثّقافية، كان فان غوغ يحظى بذكاء استثنائي، ما من أحد استطاع أن يشك فيه، أضف إلى ذلك صواب حججه، ودقة أحكامه، ورهافة تحليلاته، الّتي عبر عنها في مراسلاته. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإننا نعجب بالسّهولة التي تعلّم بها أربع لغات واستعملها، حتى إنّه توصّل إلى أن يكتب باللغة الفرنسية حِكمًا وأمثالًا جديرة بكبار الأخلاقيين الفرنسيين، وكان يعثر على الكلمات بسهولة حين يريد أن يعبر عن مشاعره في أثناء تعرضه لحالات خبليّة خفيفة”(16). ومن أبرز الأمور التي تشير إلى ذكائه الحاد، هي في إدراكه لوضعه النفسيّ بشكل كامل، يقول فان غوغ، “أنا أجد في أعمالي انعكاسًا للأمور التي تصعقني”(17) وفي أسلوبه الشيّق في الكتابة، الّذي يدعو إلى الاستغراب والدّهشة، فنحن، إزاء كتاباته، نشعر وكأنّنا نقرأ في كتاب أحد الأدباء الكبار. كان عنده شغف كبير لكتابة الرسائل، وكان يصل عددها أحيانًا إلى خمس رسائل في اليوم الواحد، “لقد وصل عدد الرسائل التي تلقاها ثيو من فانسنت إلى 668 في العام 1890 أي تاريخ وفاة فان غوغ، وقد أحصاها ابن ثيو ونشرها لأوّل مرة في العام 1914 من أصل 821 كان ثيو تلقّاها، ولكنها لم تنشر لعدم توفّرها آنذاك”(18).

ـ الاكتئاب وتأثيره على العمل الفنّيّ

يظهر الاكتئاب ب أعراض متداخلة تؤثر فى القدرة على العمل، والنوم، والشهيّة، والاستمتاع بمباهج الحياة مع انكسار النّفس، وهبوط الروح المعنويّة، وتتميّز هذه الأعراض بأنّها “تزداد قى فترة الصباح وتقل تدريجيًّا في النّهار، وهذه النوبات الشديدة من الاكتئاب من الممكن أن تحدث مرّة، أو مرّتين، أو مرّات عدّة فى حياة المريض”(19). لقد كان فان غوغ شابًا متواضعًا منزويًا، رافقه الاكتئاب منذ صغره، وكانت ظروف ولادته غريبة نوعًا ما، لقد ولد فان غوغ بعد وفاة شقيقه البكر بسنة واحدة في نفس اليوم 30 مارس وسمي بالاسم نفسه، من هنا رافقه طوال حياته إحساسه بأنّه “اغتصب محبّة أهله بالقوّة”(20)، وكان هذا الإحساس من أهم المسبّبات لكآبته. وفيما بعد ومع انزلاقه إلى المجتمع أصبح ضحيّة لمعتقداته الثابتة التي تدعو صاحبها إلى التمسّك بالقيم الروحيّة خصوصًا وأنّه تربّى في منزل متديّن، إذ كان والده رجل دين. ولكن مع كلّ هذه الكآبة استطاع أن يجد تعبيرًا في الرسم، عن الجوع الروحي الذي كان يعرفه، وكيف يترك مجموعة من الأعمال الفنّيّة، قد يتطلّب إنتاجها سنين طويلة، ولكنه أنتجها في خلال عشر سنوات قصار، تضمّنت أولى محاولاته في تعليم نفسه كيف يرسم. وفي تعليق لأخيه ثيو، الذي عانى المشاق، وكان يفهم فان غوغ فهمًا كاملًا، ويشاركه في بطولة قصة حياته، يقول ثيو: “من المؤسف أنّه كان عدوًّا لنفسه، لأنه جعل الحياة صعبة ليس للغير فقط، ولكن لنفسه أيضًا”(21) وإذا نظرنا إلى حياة فان غوغ، نرى أنّها تمتلك جاذبيّة كبيرة، لقد استطاع أن يستخلص من حياته التعيسة، لوحاته المجبولة بالانفعالات.

ـ كيف نظر المجتمع إلى فان غوغ؟

لقد جفاه مجتمعه بَدءًا بعائلته المصغّرة أي أباه وأمّه حين أرادوا له أن يمتهن مهنة أسلافه، وأمام فشله في دراسته اللاهوتيّة تقول والدته: “أقول لنفسيّ دائمًا، أينما كان، ومهما فعل، فنسنت قادر على إفشال كلّ شيء بسبب تطرّفه وأفكاره الغريبة”(22)، وفي السّياق نفسه يقول والده: “أرى أنّه يختار دائمًا الطّريق الأصعب”(23) كان أسلوب عيشه، وسبل تفكيره غير مقبولة، ولا مفهومة من قبل أمّه وأبوه. كما جفته النّساء اللواتي احبّهنّ، بدءا بإبنة عمّه كورنيليا أدريانا فوس ستريكير تسمّى “كي”. الّتي أصبحت (1846 – 1918) أرملة مؤخرًا وكانت تربي ابنها الصغير لوحدها. وقد وقع فان غوغ في حبها وتحطّمت مشاعره حينما رفضته، فتركت تلك الحادثة أثرًا كبيرًا على حياته. وعندما قرّر فينسنت مواجهتها في بيت أبويها، رفض والدها السّماح له برؤية ابنته، فقرر فينسنت وضع يده على قمع مصباح زيتي ليحرق نفسه متعمدًا قائلاً: “اجعلوني أراها قدر ما أستطيع وضع يدي في هذا اللّهب”(24). كان هدف فينسنت أن يضع يده على اللّهب حتّى يُسمح له برؤية كي، ولكنّ والدها قام بسرعة بإطفاء المصباح، فغادر فينسنت البيت مذلولاً. ومرحلة عاطفيّة أخرى اتّسمت بالخيبة أيضًا، نتجت عن علاقته بكلاسينا ماريا هورنيك الملقّبة ب “سين” الّتي كانت حاملًا بطفلها الثّاني، وانتقلت إلى العيش معه بعد مدّة قصيرة لسنة ونصف السّنة، نمت مواهب الفنان بشكل كبير بمساعدة “سين” وأطفالها. وفي لوحة “سين جالسة على السلة مع فتاة”(25)، صوّر فينسنت الحياة العائلية الهادئة بمهارة، ولكن مع بعض الإحساس باليأس، وهي المشاعر التي عُرف بها في الأشهر التّسعة عشر التي عاش فيها مع “سين” الّتي كانت خيبة أخرى من خيباته العاطفيّة. وفي النّهاية جفاه المجتمع الّذي كان يعدّه مجنونًا، فكان النّاس ينفرون منه لسبب ولغير سبب. في 19 مارس 1889 كتب لأخيه يقول: “عدد غير قليل من النّاس وضعوا عريضة يطالبون فيها برحيلي وإقفال المنزل الذي أقطنه”(26)، كلّ هذا النّفور والأحكام السلبيّة على شخصه كانا يسبّبان له الحزن والأسى فيقول “يشعرني هذا وكأنّي قد تلقّيت خنجرًا في صدري، أيُّ ذنب اقترفت، في كلّ الأحوال لم أتسبب بسوء لأيّ إنسان، وإن اقترفت إساءة فهي لنفسيّ لا للآخرين”(27). لقد أساء إليه مجتمعه إلى أبعد الحدود، إن بالفعل، أو بالقول، وكان غالبًا ما تصل إلى مسامع فان غوغ عبارات الاستهزاء والسخرية، وهو كإنسان مرهف الإحساس كان يتأثّر إلى أبعد الحدود ولا يعرف سببًا وجيهًا لهذه التصرفات.

لقد كان في طريقة كلامه، من ناحية أخرى، ما يجعل الناس إمّا يكثرون من حبّه، أو يكرهونه بشدّة. “كان دائمًا محاطًا بأناس يفهمونه، ولكنه كان محاطًا كذلك بأعداء كثيرين. فكان لزامًا عليه إما أن يكون صديقًا، وإما أن يكون عدوًا”(28) حتّى أقرب أصدقائه، كان من الصعب أن يظلوا متفاهمين معه مدّة طويلة، إذ كان لا يتجاوب مع أحد في شعوره وأبرز دليل على هذا هي علاقته مع الفنّان غوغان الّتي انتهت بكارثة مع الحادثة الشهيرة، حين قطع فان غوغ أذنه، وهذه الحادثة تبقى حتّى الآن مثار جدل، فالبعض يعتقد أنّها حدثت إثر تشابك بالأيدي، بين فان غوغ وغوغان أدّت إلى قطع أذن فان غوغ الّذي كان يشهر خنجرًا بوجه غوغان”(29)، ولقد تحدّث غوغان في أكثر من رسالة عن العلاقة المتدهورة بينه وبين فان غوغ وفي أحدها يقول: “في الأيّام الأخيرة الّتي قضيتها مع فان غوغ، أصبح عصبيُّ المزاج وعدوانيٌ إلى درجة كبيرة، ومزاجيٌ يتحوّل فجأةً إلى رجلٍ في غاية الهدوء”(30).

لقد كان فنسنت يخطئ بين الأفكار والحقيقة. كان مغمض العينين عن الحياة نفسها كما هي. كانت حوافزه الفيّاضة تدفق إلى الانطلاق، والأعمال الغريبة في حياته نتيجة لمحاولاته في تحويل هذا الانطلاق إلى تجربة واقعيّة. يقول “لأنني أريد أن أكون مخلصًا، النّاس يظنوني مجنونًا في عملي، وعندما أجتهد لأخفف من آلام الفقراء أُطرد تحت شعار أنّني أثير المتاعب وألطّخ الكنيسة بالعار!! لست أدري ما أنا فاعل؟”(31) بهذه العبارة لخّص فان غوغ المعاناة الطّويلة التي عاشها محاولاً تبرير ذاته ومشيرًا إلى الفجوة الكبيرة التي نشأت بينه وبين مجتمعه. لقد أظهر فان غوغ الكثير من التعاطف مع مجتمعه خصوصًا تجاه الفقراء “فكان يوليهم العطف، وكأنّه واحدًا منهم”(32). لقد عبّر من خلال رسمه لهؤلاء الفقراء عن تعاطفه المطلق مع الإنسانية برمّتها مجسّدًا أفكاره من خلال تصوير البيئة التي عاشوا فيها في لوحة أكلة البطاطا. لقد قدّر فان غوغ مجتمعه وأحبّ النّاس بكل جوارحه، ولكنّه في المقابل لم يحظ بأيّ عرفان من قبل هذا المجتمع، فكان هذا النّكران من أهم الأسباب التي وضعته في شبه عزلة. بدون شكّ، إنّ صورة المجنون التي وُصم بها فان غوغ كانت الصّورة الأبعد عن الواقع، لأنّ فان غوغ وفي أصعب مراحل حياته، لم يكن إلاّ متميّزًا بشدة الذّكاء، لا بل بالذّكاء المفرط الذي ربّما لم يكن آنذاك واضحًا إلاّ بالنّسبة إلى قلّة من المثقّفين والعلماء، في حين أنّ المجتمع الذي عاش فيه، كان وباختياره هو، مجتمعًا من الفقراء المعوزين غير المثقّفين الذّين صوّروه بصورة المجنون، لا بل كانوا يخافون منه، ويطالبون بإبعاده عنهم. لقد اقتنع الناس أنّه مجنون، وقد كانت همساتهم، ووشوشاتهم، وأقاويلهم، تصل إليه ليدرك أنّ النّاس لا يقدّرون سلوك الفنّان، ولا يتغاضون عن بعض التصرّفات التي تصدر عنه وهو يرسم، أو يشرح طريقته في الرسم للآخرين، كانت حماسته عالية في دفاعه عن فنّه وموهبته، وكان توتّره شديدًا إلى الحد الذي راح يشكو إلى أخيه ثيو بأنه وهو في وحدته، “يسمع أصواتًا من حوله، وأنه راح يحاكي نفسه، وكأنها تناسخت إلى شخصيات عديدة”(33).

ممّا لا شكّ فيه أنّ فان غوغ كان يعاني من الاضطراب في كلّ مراحل حياته، وبغض النّظر عن الأسباب الّتي أخذت حياته بهذا الاتّجاه، لقد أجمع كلّ الباحثين الّذين درسوا حياته النفسيّة، على أنّه كان يتمتّع بذكاء حادّ بحيث جعل من أسلوبه في الرّسم أسلوبًا في غاية التميّز، فبات مدرسة في الفنون التشكيليّة للأجيال التي جاءت من بعده. لقد كان فان غوغ سابقًا لعصره، وهذا كان أساسيًّا في تدعيم فكرة الفنّان المضطرب وترسيخها. في أواخر مراحل حياته كان مجتمعه قد بدأ بفهمه، وكان أسلوبه في الرّسم بدا أكثر استساغة من قبل، ولكن كان الأوان قد فات، لأنّ فان غوغ وصل إلى مرحلة لم يعد قادرًا على التّحمّل فأنهى حياته، وهو لم ينل حقّه من الانتشار بعد. لقد عبّر فان غوغ من خلال فنّه عن حبّه الكبير للإنسان، للطّبيعة، للكون، فكان يولي الاهتمام في أعماله للأشياء الصّغيرة، بأدقّ تفاصيلها، كما يوليه للأشياء الكبيرة بكل عظمتها. وكل هذا نابع من مبادئه الدينية التي تدعو إلى محبّة الجّميع. لقد حكم عليه مجتمعه بدل أن يحاول أن يتفهمه كما يجب، لم يدرك هذا المجتمع أن لكل إنسان خصائصه، وليس بالضّرورة أن يشبه هذا الإنسان غيره من النّاس، كي يكون مقبولاً وبعيدًا عن الانتقادات والأقاويل “وإن حكمنا عليكم بخيبتكم، كنّا كمن يلوم الفصول لتعاقبها وعدم ثباتها”(34) ولو تيسّر لفان غوغ، في حياته، أن يكون مقبولاً من المجتمع كما هو وليس كما أرادوه أن يكون، لكان حتمًا استطاع أن يكمل حياته بمعاناتها ولكن بشكل آخر، وربّما لكان أنتج المزيد من الأعمال وبأسلوب مختلف. لا نستطيع أن نعرف إن كان أسلوب فان غوغ تميّز لأنّه عانى من الاضطراب، أم أنّه عانى من الاضطراب بسبب أسلوب عيشه. ولكنّنا نجزم بأن انفعاله الشديد هو الّذي أضفى نكهة مميّزة على أعماله.

ـ كيف عكست أعمال فان غوغ وضعه النفسيّ؟

لقد اختبر فان غوغ أكثر من أسلوب في الرسم، وخلص في النهاية لخلق أسلوب خاص به, كان يعتقد أنّ الرسم يجب أن يعبّر في النهاية عن الشّغف إلى أقصى الحدود، وهذا الشغف ليس سوى نقل للواقع. “استكشف فان غوغ الانطباعية فتأثّر بها وأثّر عليها, ثمّ بدا كمحرّك رئيس للمدرسة الوحشيّة بألوانه القويّة التي تغني الفكرة من خلال الصّخب اللّوني, وألهم الرمزيّة من خلال إرادته الملحّة للتّعبير عن شغفه بأسلوبه الخاص في ترجمة أفكاره”(35) (بتصرّف). لقد أعطى الأولويّة في أعماله للقوّة التعبيريّة. أراد أن يعبّر بواسطة اللّون عن الفكرة وليس عن الانطباع الذي يتركه اللّون فينا. أراد أن ينقل عبر عمله الفنّيّ، الصّورة أو الفكرة الموجودة داخل الفنّان أكثر من إبراز الموضوع المصوّر بحدّ ذاته. فكانت أعماله تمتلك قوّة خلّاقة، عصبيّة، عنف معبّر. لقد كان واقعًا بين تيّارين من التّفكير، الأوّل يتعلّق بالصّعوبات الماديّة المحيطة به، والثاني خاص بدراسة اللّون، إذ أراد أن يعبّر عن القوّة التعبيريّة من خلال التّزاوج، والتّعارض، والتّنافر، والتّكامل بين الألوان. وأيضًا من خلال الاهتزازات الغامضة للنّغمات المتقاربة، وكان يطمح أيضًا للتّعبير عن الفكرة من خلال إشعاع النّغمة اللّونية في مقابل الخلفيّة المعتمة، أو الدّاكنة، ولقد عبّر عن الأمل بنجمة، وعن توق الرّوح وطموحها بشعاع شروق الشّمس كما في لوحته ليلة ساحرة على الرون.

ـ فان غوغ الانفعالي المثقّف

أراد فان غوغ أن تكون أعماله صورة واضحة لأفكاره وانفعالاته وتأمّلاته، فكانت أعماله تعكس عبقريّته الفنّيّة كما تعكس خيباته، وسوء طالعه، واضطرابه النفسيّ، وكان يتصرّف على سجيّته ليبدو حقيقة كما هو، ولم يستطع أيّ نقد، أو مجابهة من قبل المجتمع أن تحيد به عن هذه العفويّة، والإصرار في التّعبير الصّادق والصّريح، هو هكذا فليقبله المجتمع، أو يرفضه كما هو. لقد جسّدت أعماله، تأملاته، وانفعالاته بأرفع مستوياتها، ولكنّها أيضًا صوّرت خيباته، بين الأمل والخيبة تكمن روعة الحياة لأنّها تحتوي على عصارة النّفس الإنسانيّة من أقصاها إلى أدناها، بَدءًا بولادتها وصولاً إلى حتفها. لقد عبّر عن خيباتهٍ بأسلوب انفعالي ذكي ممزوج بمشاعره الإنسانيّة الّتي كانت تسيطر على كيانه فيعيش المأساة قبل أن يرسمها، ويصفها بأدقّ عناصرها غير غافل عن أيّ تفصيل، بحيث يبدو المشهد وكأنّه لوحة من لوحاته التي سيرسمها لاحقًا. كلّ ذلك كان بمواكبة واطّلاع واسع على المدارس الفنّيّة، ودراسة لتقنيّات الألوان، والمساحات، والخطوط، فكان في كلّ عمل من أعماله، يجمع بين الثّقافة التي تغنيها، والانفعال الّذي يضع فيها الرّوح. لقد انغمس فان غوغ في الرسم، لينجز في بداياته لوحات عدّة لم تلاق رواجًا بسبب اهتمامها بالكائنات الموحشة، والشخوص الفقيرة من جهة وبسبب اعتمادها على الألوان القاتمة من جهة ثانية. وكان فان غوغ يدرك أنّ طبيعته الانفعاليّة تطغى على تصرّفاته، وبالتّالي تظهر في أعماله، وهو لم يكن قادرًا على ترويض طبعه هذا، إلّا أنّه كان يرى في هذا الانفعال مصدر قوّة، لا بل ميزة، فكان يقول: “… إنني رجل انفعالي، قادر على القيام بأفعال غير مسؤولة ومن دون أن أندم تمامًا عليها…”(36) لقد كان هدف فان غوغ الرئيس هو الخروج من هذا الانفعال، بشيء يفيد أسلوبه الفنّيّ، بحيث يصبح الانفعال مصدرًا للقوّة في أعماله.

لعلّ أبرز الأمور الملموسة الّتي تظهر قوّة الانفعال عند فان غوغ هي ضربة الفرشاة التي تميّز بها أسلوبه، ضربات لولبيّة متقطّعة، تحمل كثافة من اللّون تكفي لتغطية القماش الخشن الّذي كان يستعمله (الجنفاص) من الضربة الأولى، فغالبًا ما كان فان غوغ ينهي رسم اللّوحة في اليوم نفسه، ليصل إلى غايته المرجوّة من دون أن يُضطر إلى العودة إلى وضع اللّمسات الأخيرة، أو لإعادة النظر في بعض المساحات الخالية، بل كان يكتفي بالضّربة العفويّة الأولى ليصل إلى مبتغاه. لقد حاول الكثير من نقّاد الفنّ التّحدّث عن ضربة الفرشاة عند فان غوغ، فكانوا حينًا يربطونها ببعض المشروبات الّتي كان فان غوغ يتعاطاها من الابنست وغيرها وحينًا يردّونها إلى الهوس الاضطرابي الّذي قيل إنّ فان غوغ كان يعاني منه، وأحيانًا يشيرون إلى أنّها ناتجة عن عبقريّة فذّة امتاز بها الفنّان. في كلّ الأحوال إنّ ضربة الفرشاة هذه كانت ميزة في أعماله، يُضاف إليها عقل راجح، وأسلوب ذكيّ في معالجة المواضيع المصوّرة.

لا شك بأنّ المشاهد الطّبيعية ترتبط بالواقع لتستمدّ منه الفكرة الرئيسة، ولكنّها لا تعبّر عن هذا الواقع إلاّ بعد أن تمرّ بذات الفنّان، وبمفاهيمه الخاصّة، وما يعتريها من تأثيرات نفسيّة، عاطفيّة وانفعاليّة. “يرتكز العمل الفنّيّ التشكيلي الحديث على القدرة على التّعبير بعيدًا عن الأسلوب المتداول، فتفرّد الفنّان يبرز من خلال تميّزه”(37). والتميّز هو في التّفرّد بالأسلوب وعدم التشبّه بالآخرين، والفنّان المتميّز هو الّذي لا يشبه إلّا نفسه، وأكثر هو الّذي يتوصّل للتّعبير بعفويّة، وتلقائيّة عن ذاته، بعيدًا عن التّكلّف، فيكون هدفه الأوّل، والأخير هو إشباع رغبته الخاصّة، وليس رغبة الآخرين، ومع هذه العفويّة الصّادقة يستطيع أن يشبه كلّ النّاس، وهنا يصل الفنّ إلى غايته المرجوّة. لقد كان فان غوغ صادقًا بمشاعره إلى أقصى درجة، ولم يصوّر المشهد الطّبيعي إلاّ كما كان يحسّه، ومن خلال انفعالاته الخاصة.

لعلّ من أبرز الأعمال التي تظهر الانفعاليّة، والذكاء عند فان غوغ هي لوحة، ليلة مليئة بالنّجوم. وتعدّ هذه اللّوحة من أشهر أعماله، ومع مرور الأيام أصبحت موضوعًا لقصائد الشعر، والروايات، والمقطوعات الموسيقية رسمها، في ظروف كان سلوكه خلالها يتّسم بغرابة الأطوار بسبب شدّة النوبات التي كانت تجتاحه، لقد رسمها من الذّاكرة، وليس في الطبيعة الخارجيّة كما هو الحال مع لوحاته الأخرى. وهذا يفسّر، ربّما، سبب التأثير الانفعالي القويّ لهذه اللوحة الذي يفوق تأثير كافة أعماله الأخرى في المدّة نفسها. ويتساءل النّاظر عما إذا كان الأسلوب الهائج الذي يظهر في اللّوحة يعكس عقلية معذّبة، أو إذا ما كانت تخفي سرًّا ما، هو الذي دفع الفنان إلى تصوير السّماء الليليّة بتلك الصّورة الثّائرة والمضطّربة. مما لا شك فيه أن هذا الجدل هو أحد الأسباب التي حدت بالنقّاد إلى عدّه هذه اللوحة بالذّات أشهر أعمال فان غوغ على الإطلاق وأكثرها قابليّة للتفسيرات والمعاني. لقد توقّف بعض النقاد عند الأحد عشر نجمًا الظاهرة في اللوحة، وتحدّثوا عن إمكانية أن يكون الفنان تأثر بقصّة يوسف في العهد القديم، رغم حقيقة أن فان غوغ لم تكن له ميول دينية قوية في العام 1889 التاريخ الذي رسم فيه اللوحة. لكن أيًّا كانت التفسيرات، أو المعاني الحقيقيّة للّوحة، فقد أصبحت إحدى أشهر وأهم الأعمال الفنّيّة التي أُنجزت في القرن التاسع عشر.

ـ كيف جسّد هذا الانفعال في لوحاته التي تمثّل شخصه؟ (رسم ذاتي)

في السّنوات الأخيرة من حياته، أصبح فان غوغ يهتمّ برسم بورتريهات لنفسه. لقد تأثّر في تلك الخطوة برمبراندت الذي رسم أكثر من مائة بورتريه لنفسه حاول من خلالها تصوير المراحل المهمّة في حياته(38) هناك أكثرمن ثلاثين بورتريه صوّر فيها فان غوغ نفسه في أوضاع وأمزجة شتّى. وقد رسم معظم هذه البورتريهات خلال عامين فقط. وهي تكشف عن شخص كان في حالة صراع دائم مع الحياة، وربّما كان يبحث من خلال تلك الرسومات عن إجابات لأسئلة كانت تؤرّقه وتثقل فكره. يقول في إحدى الرسائل إلى ثيو: “من أنا في نظر الكثيرين؟ نكرة، رجل متطرّف ومقرف… فليكن، وإن كان هذا صحيحًا، أريد لأعمالي أن تكون صورة لمشاعر وأحاسيس هذا النّكرة(39). لقد ضمّن البورتريهات الكثير من الانفعالات، من الحيرة إلى الصّدمة ومن الشعور بالطمأنينة إلى الإحساس بالارتباك. في البورتريهات التي أنجزها أثناء إقامته في سان ريمي عام 1889، يبدو الفنان هادئًا ومسترخيًا ظاهريًّا، لكن ملامحه ونظراته توحي بقلق داخلي. يغلب عليها اللّون الأزرق، والخلفيّة المتموّجة، وقد استخدم فيها خطوطًا حلزونية ملتفّة لإضفاء الحركة، وكانت طريقته في استخدام الفرشاة تعبّر عن قدر كبير من العصبيّة والتوتّر. الأهم في بورتريهات فان غوغ لشخصه، هي قوّتها التعبيريّة الظّاهرة على الملامح والعينان بشكل خاص. وفان غوغ، شأنه شأن رمبراندت وغيره من فنّاني البورتريه الكبار، لم يكن يهتم كثيرًا بتمثيل مظهره الخارجي، بل بإظهار انفعالاته الدّاخلية.

الأعمال كلّها الّتي صوّر فيها الفنّان شخصه كان يتعمّد النّظر إلى المشاهد بشكل مباشر، فكانت دائمًا ما تبدو هذه النّظرة الثّاقبة التي تدخل إلى عمق النّفس الإنسانيّة، متيحة للفنّان أن يتشارك أفكاره، وانفعالاته مع الآخرين. في واحد من أواخر الأعمال الّتي رسمها، أشهر عدّة قبل موته، رأى فيها العلماء “محطّة مُهِمّة في عالمه النفسيّ المضطرب…”(40). يُظهر العمل قدرة غريبة على السّيطرة على الموضوع لإظهار الانفعالات اللازمة من خلال حسن اختيار الحركة الملائمة. وتذكّرنا الحركة في الخلفيّة بتلك الّتي استعان بها في عمله ليلة مليئة بالنّجوم، من خلال تكرار الحركات الدائريّة للفرشاة. إذا كان الحضور الانفعالي يبدو بهذا الجلاء في الخلفيّة، فكيف به في الشّخصيّة بحدّ ذاتها، هو ينظر إلى المشاهد نظرة ثاقبة بعينين مثبّتتين على الرائي، جبين مقطّب، والرّأس، والجّذع حاضرين لمواجهة العالم بأسره ليقول “أنا موجود” وواثق من نفسيّ وممّا أفعله في هذه الحياة. يتنقّل النّظر في هذا العمل مرورًا بالخلفيّة عبر هذه الخطوط، ليجول فوق ملامح الوجه، وإذا بهذه الخطوط تعيدك إلى الخلفيّة وهكذا دواليك.

– الواقعيّة في أعمال فان غوغ

لقد نفّذ فان غوغ سلسلة من مشاهد الحقول التي تصوّر الربيع في أبهى حلّته. هي سلسلة من الأعمال الفرحة. في رسالة لأخيه ثيو يقول: “لديّ حتّى الآن عشر لوحات لمشاهد الحقول عدا بعض الدراسات الصّغيرة”(41) في أغلب هذه الأعمال وضع فان غوغ شجرة رئيسة مزهرة وسط حقل مزهر. وتخلّلت هذه الّلوحات أساليب ولمسات لونيّة عدة متنوّعة، من التنقيطيّة، وبعض الانطباعيّة وإيحاءات للمدرسة اليابانيّة. كلّ هذه الأعمال نفّذها فان غوغ من خلال المشاهدة المباشرة للطّبيعة. لقد أنتج فان غوغ سلسلة من الأعمال التي تعالج نفس الموضوع، وكان يهدف من وراء ذلك إلى إغناء تجربته. رسم بشغف الزّهور على اختلاف أنواعها، المروج المزهرة، حقول القمح وغيرها، كثير من المشاهد الطّبيعيّة كانت عبارة عن شجرة مزهرة في حقل. لقد وجد فان غوغ في المشاهد الطّبيعيّة أفضل صورة للواقع الملموس الذي يشعرنا بالسّعادة بعيدًا عن تأثيرات العامل الإنساني، حيث الاتّزان، والقوّة اللذين كان يفتقدهما في حياته الخاصّة كما في مجتمعه. “المشهد الطّبيعي يجمع القوّة والنّعومة في نفس الوقت”(42). المشاهد الطبيعيّة مأخوذة عن الطبيعة الحيّة إذ كان فان غوغ يرسم في الخارج محافظًا على الطّابع الواقعي للعمل بالمفهوم الجمالي المادّيّ، ولكن هذه الواقعيّة كانت واقعية نسبيّة، إذ يقوم الفنّان بتحوير الواقع المادّيّ المحسوس ليجعل منه صورة للواقع النفسيّ للفنّان، فيظهر تناقضًا كبيرًا بين التّفاعلات اللّونية، والإيقاعات المتداخلة للمشهد وبين الوحدة القائمة، والثبات في هيكليّة العمل ككل. هو يرسم حتمًا مشهدًا طبيعيًّا محدّد المعالم، ولكنّ هذا المشهد يشبه أيضًا الفنّان من الدّاخل، وبالتّالي يشبه الطّبيعة الإنسانية بشكلها المُطلق. إنّه يمزج أخضر الطّبيعة بأزرق السّماء، فتخطلت الحركات اللّولبيّة للأغصان مع حركة السّماء الملأى بالغيوم، وإزاء هذا التّداخل المفعم بالحيويّة بتنا غير قادرين على تحديد معالم الموضوع المصوّر بشكل دقيق، ولكنّنا مع هذا نرى المشهد مكتمل العناصر من النّاحية التشكيليّة الواقعيّة.

لقد كانت الأوقات الّتي عاشها في المصحّة النفسيّة في آرل هي الأكثر غزارة في إنتاجه الفنّيّ. خلال فترة مكوثه في المستشفى، كان الأطبّاء يسمحون له بالذهاب إلى الحقول المجاورة ليمارس هوايته في الرّسم كلّما خفّت نوبات الصّرع التي كانت تنتابه من حين إلى آخر. ومن بين أشهر لوحاته التي أنجزها آنذاك لوحة، حقل القمح وأشجار السّرو. في اللّوحة نرى حقلاً للقمح يقوم في وسطه وعلى أطرافه عدد من أشجار السّرو. وبالإضافة إلى الأشجار، تبدو بعض التلال، والجبال، والأعشاب تحت سماء غائمة. ولعلّ أهم ما يميّز هذه اللوحة عمق منظورها، وسماكة نسيجها، وإيقاع الأشكال فيها، بالإضافة إلى صفاء ألوانها التي تصوّر حيوية الربيع وبهائه. كان فان غوغ يراقب الأشجار من نافذة غرفته في المشفى، وفي إحدى رسائله لأخيه ثيو يقول: “لطالما أثارت هذه الأشجار تفكيري. وأجد من الصعوبة بمكان أن أتجنّب رسم هذا الحزن وهذه العزلة النهائيّة. إن هذه اللوحة ستخبرك عما عجزت أنا عن التعبير عنه بالكلمات، وهو ما عدّه مصدر الإلهام، والسعادة في حياة الرّيف(43) إزاء هذه اللّوحة لا بدّ وأن تتخيّل أن كلّ شيء فيها يتحرّك. إذ بفعل ضربات الفرشاة الملتفّة كالدوّامة، تبدو الأشجار مضطربة، والعشب كما لو أنه يتطاير مع الريح، ما يبعث شعورًا غامضًا بالتوتّر والخطر المُحدق. ارتبطت أشجار السرو منذ القدم بالموت وأحيانًا بالخلود. “وفي بعض الحضارات الشرقيّة القديمة كانت ترمز إلى الكمال، والجلال، والحكمة، وعند المسيحيين أُطلق على هذه الشّجرة لقب “الشّجرة الحزينة” لأنّها كانت تستعمل لتزيين حدائق القبور”(44). وكان فان غوغ هو أيضًا مفتونًا بالنّظر إلى أشجار السرو متأمّلاً أشكالها، وألوانها، وطريقة تموضعها في الطّبيعة المفتوحة. وأثناء وجوده في المشفى كان منكبًّا على التأمّل في حال الأدباء، والشعراء، والفنّانين الذين نجحوا في فهم، واستكناه المشاعر، والحالات الإنسانية العميقة، وجسّدوا ذلك في أعمالهم. أراد أن يعكس في لوحاته جانبًا من تلك المشاعر، وأن يكون لأعماله نفس التأثير الانفعالي والعاطفي. وفي سنواته الأخيرة أصبح ميّالاً إلى رسم مشاهد نهاريّة، وبات من النادر رؤية مناظر الفجر والغسق التي كانت تميّز لوحاته الأولى.

 في العام 1993 بيعت هذه اللوحة بمبلغ 57 مليون دولار أمريكي. وقد أعارها المليونير الأمريكي الذي اشتراها إلى متحف الميتروبوليتان حيث ظلّت فيه إلى اليوم. بعد حوالي سنة من رسمه هذه اللوحة، أي في السابع والعشرين من تمّوز 1890، أقدم فان غوغ على الانتحار بإطلاق رصاصة على صدره في أحد هذه الحقول التي ألهمته رسم أعظم لوحاته وأكثرها شعبيّةً، وذلك خلال فترة السنتين اللتين قضاهما في آرل.

وبعد وفاته سرعان ما بدأت لوحاته تجتذب اهتمام النقّاد الذين اكتشفوا أصالة موهبته ورؤيته الفنّيّة وعمقها، ليحتلّ فيما بعد مكانته كأحد أشهر الرسّامين في تاريخ الفنّ الحديث.

ـ كيف تبدو الواقعيّة من خلال الطّبيعة الصّامتة

لقد رسم فان غوغ أعمالاً كثيرة للطّبيعة الصّامتة الّتي تحيط به فكان في كلّ أعماله حضور قوي وغياب لافت، حضور للهالة الإنسانيّة الواقعيّة من حيث علاقتها بالموضوع المصوّر، وغياب للتّفاصيل غير الضروريّة الّتي تُفقد العمل الفنّيّ رونقه وسحره. نحن إزاء رسوماته نبصر الأشياء دون أن نراها. من هنا كانت الواقعيّة في أعماله تحاكي العقل الواعي وليست فقط لإرضاء الذّوق الجمالي. إذا نظرنا إلى أعماله الّتي تصوّر غرفة نومه الخاصّة الّتي رسمها مرّات عدّة، نرى هذه الرّوح الّتي سكنت الغرفة في وقت من الأوقات، نرى وجه الإنسان الّذي أرادنا فان غوغ أن نراه، الّذي عبّر من خلاله عن الإحساس المطلق بالرّاحة إزاء مشاهدته لغرفة نومه الخاصّة. لقد رسمها من النّاحية المعاكسة للمشهد الّذي يراه وهو في السّرير، أراد أن يتشارك مع الآخرين أكثر زوايا حياته الخاصّة، فهو وإن لم يكن يجيد التّحاور بشكل مباشر إلاّ أنّه استعاض عنه بحوار غير مباشر عبر أعماله الفنّيّة. لقد صوّر الغرفة بأدق تفاصيلها بَدءًا بالسّرير والغطاء، الكرسي الخشبي بقاعدته من الخيزران، الطاولة وما عليها من أوانٍ، اللّوحات المعلّقة على الحائط، كلّها أوانٍ من الواقع المعيش. أما اللّون فهو مزيج بين الألوان القويّة، منها الأزرق، والبنّي، والبرتقالي، والأخضر، والأصفر، والتّدرّجات الّتي تنعكس من خلال التداخل للأشكال والأحجام المتفاوتة. أمّا الخطوط فهي في المقدّمة تتجه نحو الدّاخل لتنقل معها المشاهد إلى عمق اللّوحة، وهناك يجول النّظر يمينًا ويسارًا مع الخطوط العموديّة والعرضيّة للأثاث المتنوّع. إنّه عمل واقعيّ بامتياز، ولكن بواقعيّة فان غوغ الّتي تبرز الدّاخل الإنساني أكثر ممّا تصوّر طبيعة الأشياء. إنّ البساطة في التّصوير لتّفاصيل الغرفة، يضفي قوّة فريدة على العمل، فمن غير المتوقّع أن تتمثّل القوّة المطلقة من خلال البساطة المفرطة.

كل عمل من أعماله هو عبارة عن ملخّص عن حياة بأكملها. عندما رسم الحذاء، إنّما رسم حياة الفقر والفاقة، حياة الطبقة الكادحة برمّتها. فمن كان بوسعه أن يتصوّر أن يكون الحذاء المهترئ، موضوع لعمل مستقل، قائم بذاته، مع فان غوغ نستطيع أن نتوقّع كلّ شيء، أصغر الأشياء وأحقرها، بوسعها أن تكون موضوعًا لعمل فنّيّ، يُعرض في أهمّ المتاحف العالميّة، وبغضّ النّظر عن تفاصيل العمل، لقد شكّلت الفكرة بحدّ ذاتها، ثورة في عالم الفنون التّشكيليّة، آنذاك. لكل عمل من أعماله قصّة حياة كاملة بأدقّ تفاصيلها، وفي التفاصيل الصّغيرة تكمن الحياة. كلّ شيء في لوحاته أكان شجرة، أو كنيسة، أو شمسًا، أو حذاء، أو كتابًا مقدّسًا، أو وجهًا إنسانيًّا، يبدو كصورة واقعيّة غير ملموسة للرّوح البشرية، وهنا يبدأ السّحر، إذ تتّخذ معه الرّوح صورة واقعيّة لواقع غير ملموس، ونشعر باختلال في توازننا أمام لوحاته لأنّنا، إزاء أعماله، ليس لنا أيّ نقطة ارتكاز، أو نقطة استدلال، أو إطار مصنوع سلفًا لكي نتمكن من أن نتّكئ عليه فنطمئن. لقد بدأ فان غوغ حياته الفنّيّة وسط عالم البؤساء حيث نضجت مشاعره وموهبته كفنّان، فمن الطبيعي إذًا أن يتوجّه إلى مسار الواقعيّة المحمّلة بالمحتوى الاجتماعيّ، من هنا كانت أحاسيسه شديدة الدّقة فيما يخصّ هذا المجتمع فكان يقول: “يد العامل أجمل بكثير من تمثال أبولو”(45)، وكل جهده انصبّ على إيجاد الطريقة الأكثر تأثيرًا لرسم تلك اليد مع المحافظة على الطّابع الواقعي، فكان من الطبيعي أن يتّخذ له أساتذة من أولئك الرسّامين الذين منحوا أنفسهم لتصوير العمّال والحرفيّين، مثل ميّيه، كوربيه، دومييه، ديلاكروا، وكان يرى في أعمالهم سبيلاً للوصول إلى هدفه. فعند دومييه وجد الطريقة المنفتحة والبسيطة في العثور على الموضوع المحدّد. كذلك الفنان ميّيه كان يثير اهتمامه، لقدرته على شحن الطاقة التعبيرية، فيقول الكثير بأسلوب قليل أي ما قلّ ودلّ.

– أعمال فان غوغ ما بين الرّمز واللّون

كتب فان غوغ لأخيه رسالة يتحدّث فيها عن لوحة كان يرسم فيها، ساحة مقهى في الليل فقال: “ها هي لوحة أصور فيها اللّيل بدون لون أسود، لا أستعمل إلا اللون الأزرق الجميل، والبنفسجي، وما حول الموضوع، ساحة الشّارع”(46). أنجز الفنان هذه اللوحة في أيلول من العام 1888 أثناء إقامته في آرل بفرنسا. وفيها يصوّر فان غوغ انطباعاته عن أحد المقاهي المنتشرة هناك. نرى في اللوحة الطّبيعة الديناميكية لحركة السماء الليليّة، وتوزيع الإضاءة المبهر، خصوصًا في خلفية المشهد. وهناك أيضًا هذا التماهي الفريد بين اللون والضوء، حيث تنعكس التموّجات اللّونيّة المشعّة على الأشخاص، والأشياء لتخلع عليها وجودًا إضافيًّا يكشف عن بُعدها الروحي.

لوحة ساحة مقهى في الليل كانت اللّوحة الأولى التي يرسم فيها فان غوغ خلفيّة من النجوم. وبعد سنة من إتمامها، رسم الفنان لوحته الأشهر ليلة مليئة بالنجوم. تعلّم فان غوغ في باريس أساليب تكثيف الألوان، وجعلها تبدو أكثر إيقاعًا وأشدّ سطوعًا، من خلال تعرّفه على لوحات الفنّانين الانطباعيّين آنذاك. وفي السّنوات الأخيرة من حياته، رسم الفنّان أشهر لوحاته على الإطلاق. ومنظر الليل في هذه اللوحة المعبّرة يذكّرنا بالرحلة اللانهائية التي مشاها فان غوغ نفسه باتّجاه الضوء الذي كان ينشده داخل كونه الخاص.

لقد امتزج فان غوغ مع فنّه بحيث لم نعد نستطيع أن نفصل بين الإنسان والفنّان، عاش الفنّ بكل جوارحه، أراد لعمله أن يكون قويًّا وثابتًا، جادًّا وإنسانيًّا. لقد اعتمد في أسلوبه على التنوّع للنّغمات اللّونية بدرجاتها المتعدّدة، فبات اللّون معبّرًا بحدّ ذاته. لقد كان يستلهم من طبيعة العنف في داخله تلك الألوان الحمراء، والصفراء، والزرقاء المتأثرة بانعكاسات الأنوار التي استأثرت بفنّه. كان لكل لون من ألوانه رمزيّة معيّنة توّزعّت في أعماله فكانت تارة تطغى وطورًا تتستّر تحت ستار من الأعمال الواقعيّة البسيطة في الظّاهر، العميقة بدلالاتها الفنّيّة، الرّمزيّة بتصويرها للرّوح الإنسانيّة.

ـ كيف تبدو الرمزيّة من خلال المشهد الطّبيعي

أعمال فان غوغ تحمل الواقع من حيث هو الموضوع المتناول في اللّوحة المرسومة بأسلوب انفعاليّ يتنقّل داخل العمل ليحمّله الكثير من الدلالات التّشكيليّة الرّمزيّة. كان يرى في النّجوم رمزا للحياة الخالدة فكان يقول “فلنمتط الموت لنذهب إلى النّجوم…”(47). وكان يعاني العياء والتّعب، وكان جسده المُتعب هو المسبّب الأوّل لهذا العياء، من هنا كان يرى في الموت راحة وفي التّخلص من هذا الجّسد المثقل، كمن يرمي ثقلا كبيرا عن كاهليه. إنّ بوابة الخلود بالنّسبة إلى فان غوغ هي الموت، وهو لم يكن يخاف الموت، بل ذهب إليه طائعًا، “ولم يكن يريد أن ينهي حياته إلّا بقدر ما أراد أن يستمدّ حياة أخرى خالدة”(48). وكما رمز للخلود بصورة النّجوم، لقد صوّر الألم من خلال المشهد الطّبيعي أيضًا، فكانت المعاناة مجسّدة في لوحة حقل الزّيتون بامتياز أخّاذ. في تحليله للّوحة، يقول روجيه غارودي(49) “يبعث فينا فان غوغ الرعب والمأساة من دون أن يصوّر الممثّلين، وذلك بقوة إيحاء لغته التشكيليّة لوحدها”(50). ففي حقل الزيتون هذا، لا نرى صورة وجه للشّخص المتألّم، ولكنه كان فيها، موجود جسديًّا في التواء الأشجار فوق قدرة البشر، وفي تشنّجات السماء، وفي جهد شجرة الزّيتون المؤلم. إنّه ألم يتقمّصه وجود إنساني حقيقي. يقول فان غوغ “ليس هاجسي البحث عن الأحزان، لكنّي أقول من خلال عملي ما لا أجيد قوله من خلال الحوار المباشر”(51) في المشهد المصوّر يبدو الحضور الإنساني المتجسّد من خلال الآلام، القوّة والقدرة على المواجهة، الأشجار وكأنّها تتلوّى من الألم تحتضنها من الأمام الأعشاب الّتي لا تقل معاناتها، وفي الخلف جبال تكاد تتآخى مع الأشجار لتحضن غيمتان في السّماء تبدوان كأم وطفلها. ليس ثمّة رموز قد ترينا البشريّة منذ ولادتها متمثّلة بالأم وطفلها، حتّى موتها ملتحفة بآلامها. إنّها الرّمزيّة البعيدة كلّ البعد عن تلك الّتي تعتمد رموزًا باتت عناوين متداولة في المدرسة الرّمزيّة المعتادة.

 ـ كيف شخّص فان غوغ الرّمزيّة من خلال رسمه للوجوه؟

نفّذ فان غوغ العديد من رسومات لأشخاص من مجتمعه من فقراء، مثلاً رسم كلّ أفراد عائلة رولن، ومن المثقّفين مثال الدكتور غاشيه وسواه. يقول: “لا أعرف تحديدًا أفضل لكلمة الفن، ألا وهو الإنسان مضافًا إلى الطبيعة، الواقع، الحقيقة، مصحوبًا بمغزى، بمفهوم وشخصية.”(52). هذا ما يعمل الفنّان على استخراجه إلى حيّز النّور، مانحًا إيّاه القدرة التعبيريّة، والرمزيّة اللازمة. لقد كان فان غوغ ينفّذ لوحاته ببصيرة وبصر واعيين، وعن دراسة، ودراية بالألوان، وباللّمسة اللونيّة مستعينًا بأسلوب شيّق جعل أعماله شموليّة برمزيّتها. في رسالة لأخيه تيو يقول: “أريد أن أرى في الوجوه والأشخاص اللّمحة الوجوديّة الّتي تشبه الحقيقة من النّاحية الرمزيّة، وتسمو بها إلى ما هو أنقى وأرفع، ومعها تصبح هذه الوجوه خالدة…”(53). لقد خلّد فان غوغ وجهه فبات رمزًا للفنّان المتألّم المتعب الّذي جفاه المجتمع، لقد خلّد صورة الدكتور غاشيه فأصبحت رمزًا للإنسان المتأمّل الّذي يدور في خلده أسئلة كثيرة، وهموم كبيرة، أصبح رمزًا للإنسانية بكل ما يعتريها من هموم. لقد خلّد كلّ الوجوه الّتي رسمها، إنّ وجوه أولئك المتعبين الّذين يكدّون طوال حياتهم باتت رمزًا للإنسانية برمّتها، ومن لم يعييه التّعب أعياه الهمّ. وبورتريه الدكتور غاشيه هو واحد من أشهر أعمال الفنّان، لأسباب عدّة، أولًا لأنّ فان غوغ رسمه في الأشهر الأخيرة من حياته، ثانيًّا لأنّ موضوع اللّوحة ظل لزمن طويل مثار جدل كبير، أما السبب الثالث، والأهم فلأن لوحة الدكتور غاشيه كانت في وقت سابق، اللّوحة الأغلى مبيعًا في تاريخ الفن، وذلك عندما بيعت لثري ياباني بحوالي 83 مليون دولار بعد ثلاث دقائق فقط من طرحها في مزاد فنّيّ في العام 1990. فان غوغ رسم لوحتين لطبيبه الخاص الدكتور غاشيه، أشهرهما هذه اللوحة التي يتّفق كثير من النقاد على عدّها تجسيدًا لبراعة فنّيّة لا نظير لها. لكن إلى أيّ حد كان هذا الطبيب بارعًا هو الآخر؟ في إحدى رسائله إلى أخيه ثيو يشير فان غوغ إلى الدكتور غاشيه قائلاً: “إنّه مريض مثلي، بل ربما يكون اكثر مرضًا”(54). إن ما يميّز أعمال فنسنت فان غوغ، هو فرط قوّتها في التّعبير عن الفكرة، إن من خلال اللّون، أو الخط وضربة الفرشاة. إنها تشفّ عن إيجابيته المطلقة تجاه الجّوهر الأساسي للأشياء، وعن تبسيطه المتهوّر غالبًا للأشكال، وعن رغبته الجريئة في النظر إلى قرص الشّمس وجهًا لوجه، وعن العاطفة المتَّقدة في رسومه وألوانه، وفي ذلك كله تكمن بجلاء شخصيّة قويّة، جسورة تبلغ في بعض الأحيان مبلغ الوحشيّة، وترق أحيانًا فتغدو في منتهى اللّطف. إنّ القوّة الّتي تمتّعت بها أعماله، النابعة من داخله، هي تقسو حينًا لتجعل من فان غوغ المحرّك الرئيس للمدرسة الوحشيّة، وتلين حينًا آخر لتظهر ما في داخل هذا الفنّان من التّعبيريّة الشّفّافة التي ميّزت أعماله.

ـ الأعمال الّتي نفّذها فان غوغ في أواخر أيّامه

إنّ بوابة الخلود بالنّسبة إلى فان غوغ هي الموت، فهو لم يخف الموت، بل ذهب إليه بإرادته، ولم يكن هدفه إنهاء حياته، بل أراد أن ينال الخلود من وراء التماسه الموت. في الأشهر الأخيرة من حياته نفّذ فان غوغ أكثر من ثمانين لوحة، كانت حصيلة شغفه، وملخّص لكل تجاربه الفنّيّة. بدأت هذه المرحلة بظهور بعض التّفاؤل النسبي، عاكسة عزمه على العلاج خاصّة في المرحلة الّتي تعرّف فيها على الدكتور غاشيه، وفي رسالة لأخيه ثيو يقول “أشعر براحة كبيرة وثقة بالدكتور غاشيه الّذي طمأنني إلى أنّ كلّ شيء سيتحسّن في النّهاية.”(55). في هذه المرحلة تبدو”أعماله كمن يرغب بإعادة النّظر لكل مراحل حياته السّابقة من خلال أعمال هادئة نسبيًّا، حاول من خلالها السّيطرة على أحاسيسه”(56)، ولكن بعد هذا بفترة وجيزة، انقلب وضعه إلى حالة تشاؤمية ترافقت مع “المشاكل العائلية، منها أوضاع شقيقه ثيو المتدهورة إن على الصّعيد الصّحي، أو المادّي (إشارة إلى انّ ثيو مات بعد فترة وجيزة من موت فان غوغ)”(57). وبدا هذا التشاؤم، الذي تُرجم بألوانه وضربات فرشاته العنيفة المتوتّرة، في لوحة حقل القمح المليء بالغربان. في هذه الّلوحة تبدو الطّيور السوداء وكأنّها هواجسه القاتلة الّتي تدفعه للانتحار. ومن المتعارف عليه أنّ الغراب هو في أغلب المجتمعات يعدّ نذير شؤم، إنّه طائر الموت من دون منازع. لقد نفّذ فان غوغ المشهد بواسطة أقل كميّة من التّفاصيل، وبأكثر كميّة من الانفعالات. التّفاصيل القليلة تشير بقلّتها إلى الاستسلام، استسلام الذّاهب إلى الموت، وكثافة التّعبير للدّلالة على ما يعتريه من صراع داخلي للمصير الّذي ينتظره. في هذا العمل تناقض مذهل بين الوضع النفسيّ للفنّان الّذي كان يمرّ بآخر مراحل حياته، ويدنو من حتفه، وبين القدرة الخارقة على التّحكم بعمله بأسلوب تكتيكي مُحكم قلّ نظيره. يبدو فان غوغ في هذا العمل، وحشيﱞ بألوانه، انفعاليﱞ بأسلوبه، تعبيريﱞ بأحاسيسه، انطباعيﱞ بتعاطيه مع الطّبيعة.

وللزّهور نكهة خاصّة عند فان غوغ، لقد عالج أنواع متعدّدة، منها اللّيلك، والورود، والزنبق، والسوسن بالإضافة إلى سلسلة من اللّوحات لدوّار الشّمس. ومن بين آخر أعماله زهريّة اللّيلك، وهذا النّوع من الزّهور يرمز إلى الأخبار الجيّدة، فهل رأى فان غوغ في اتّخاذه قرار الانتحار خبرًا جيّدًا، أم أنّه في أواخر مراحل حياته كان يرى بصيصًا من الأمل، هذا ما لن نعرفه أبدًا.

لقد أراد فان غوغ أن يوصل أفكاره بأسلوب شغوف، أراد أن يعبّر عن الحياة من خلال معاناته الخاصّة، وكان يدرك تمامًا أنّ تعبيره هذا لن يجد آذانًا صاغية، وأنّه لن يكون مجديًا إن لم يتشاركه مع الآخرين، وهذه المشاركة تتجسّد من خلال العمل الفنّيّ التّشكيلي. لقد عانى فان غوغ من الوحدة، لكنّه استطاع أن يكسر جدار وحدته، واتّخذ له سبيلاً للتّحاور بواسطة أعماله الفنّيّة، فكان وإن ابتعد عنه مجتمعه، أو أنّه هو اختار الابتعاد، إلاّ أنّه أصرّ على مشاركته الحديث مع الآخرين من خلال الّلوحة. لم ييأس من وحدته في البداية وإلاّ لما أنتج تلك الأعمال الخالدة، لا بل أصرّ على مواجهة المجتمع بغزارة إنتاجه، على الرغم من كلّ الاعتراضات، والنّقد السلبي لأعماله، واستطاع في النّهاية من خلال الموت أن يؤمّن سبيلاً للتّحاور مع البشريّة جمعاء. هذه الأعمال وهبته الحياة حتّى بعد مماته. وحوادث حياته أعانت على تكوين شخصيته، فكانت أفكاره مبتكرة، لأن شعوره كان خارقًا للعادة. وتعبيره عن هذه الأفكار في فنّه كان لا بدّ من أن يكون شائقًا. كلّ ما كان رقيقًا رفيعًا في حياته، كان ينقله إلى لوحاته، ليملأها بالحياة بألوانه الصّارخة، وخشونة أسلوبه. لقد عانى فان غوغ من الاضطراب النفسيّ خلال مراحل حياته المتعدّدة، لكنّه استطاع أن يجعل من هذه المعاناة أرضًا خصبة أنتجت هذا العدد الكبير من الأعمال الفنّيّة. حياة فان غوغ هي صورة عن حياة الفنّان في كلّ زمان ومكان. الفارق بينه وبين فنّاني عصره، أنّهم كانوا ربّما يراعون الوسط الاجتماعي الّذي كانوا ينتمون إليه بداعي الانتشار، والشّهرة، وتسويق أعمالهم. أمّا فان غوغ فلقد استثار غضب أهله بدايةً ومجتمعه، وأقرب المقرّبين إليه، بعدم مراعاته للأصول الاجتماعية المتعارف عليها. لقد عانى من الاضطراب النفسيّ حتمًا، ولكنّه في المقابل امتاز بذكاء لافت، لقد أفاده اضطرابه النفسيّ في استنباط أسلوبه المضطرب في الرّسم، ولكن ذكاءه روّض هذا الاضطراب لينتج أعمالاً ذات تركيبة فريدة من نوعها. ربّما شاب سلوك فان غوغ بعض الجّنون، لكنّه ليس أكثر جنونًا من جنون المبدعين، ولا هو أكثر اضطرابًا من اضطراب الإنسان الطّبيعي أمام عظمة الكون والخلق، ولا هو أكثر انفعالًا من إنسان يحمل مشاعر غاية في الحساسيّة. لم يؤثّر اضطرابه النفسيّ سلبًاعلى أعماله، بل على العكس لقد أدى به إلى إيجاد متّسعٍ من الوقت لفنّه، إنّ ابتعاده عن المجتمع، وعن أسباب اللّهو أدّيا به للتّفرّغ الكامل لفنّه. لقد أثّر اضطرابه النفسيّ سلبًا على حياته الاجتماعيّة، لكنّه في المقابل أفاد مشروعه الفنّيّ. لقد كان فان غوغ في أغلب مراحل حياته، متوحّدًا شأنه شأن الكثيرين من الكتّاب، والفلاسفة، والفنّانين، وكانت هذه المراحل هي الأكثر خصوبةً في إنتاجه، والفترات الّتي أمضاها في المصحّات النفسيّة، كانت الفترات التي أنتج فيها أهم أعماله على الإطلاق. لقد اتّسمت طباع فان غوغ بالغرابة، ولكن هل هي أكثر غرابة من طباع آندي، وارهول، أو سلفادور دالي، أو غيرهم من الفنّانين المعاصرين الّذين لا يأبهون لرأي المجتمع، لا بل، لم يعد المجتمع يحاسب على أسلوب عيشهم، فهو يتقبّل الغرابة على أنّها ميزة، ويحترم أسلوب الفنّان في نهجه الفنّيّ. ربّما لو تيسّر لفان غوغ أن يعيش في عصرنا هذا، لكان أقل اضطرابًا من الكثيرين، ولكان تخلّص من مرضه ببعض الأدوية المهدئة الّتي يتناولها الكثيرين منّا، دون أن يُضطر إلى اللّجوء إلى المصحّات النفسيّة طلبًا للعلاج، لكنّها مصادفة للتّاريخ والجغرافيا شاءت أن يحيى فان غوغ في تلك النّاحية من العالم وفي ذلك الوقت تحديدًا.

المراجع

  1. FERRY Luc, Le Sens du beau,Livre de poche, Paris, 1990
  2. GRISPINO Enrica VINCENT VAN GOGH Traduction MARTINE LAMY Paris, GRUND ,2004
  3. SCHAPIRO Meyer,Vincent Van Gogh,The Harry N.Abram New York, ING Publishers
  4. WILKINS David G. The Collins Big Book of Art:From Cave To Pop Art, Harper Newyorck, Collins Publishers 2005
  5. ZEIDLER Brigit,Claude Monet, Sa Vie et son oeuvre, Hong Kong, Kônemann, 1999
  6. جبران خليل جبران، المجموعة الكاملة المعرّبة، تعريب الأرشمندريت أنطونيوس بشير، دار صادر للطّباعة والنّشر، بيروت، دار بيروت للطّباعة والنّشر، 1964.
  • رودريك ماكينون: عالم كيمياء حيوية وطبيب اميركي وأستاذ في علم الإحياء العصبي والفيزياء. Roderick Mackinon رودريك ماكينون، مقالات علمية، مجلّة طبيبك، عدد صادر في نيسان 1998.
  • طبيب ايطالي شهير وعالم جريمة Cesar Lombroso)) سيزار لومبورز.
  • سيزار لومبروزو،مقالات علمية، مجلة المختار من ريدرز دايجست، عدد صادر في شهر نيسان 1989.
  • سيزار لومبروزو (مقالة بعنوان حياة فان غوغ المضطربة ) مجلة طبيبك عدد صادر في شهر نيسان، 1989.
  • هنري غاستو طبيب فرنسي ولد عام 1915 كان له العديد من الأبحاث حول الامراض النفسيّة ومرض الصّرع. Henri Gastaut
  • هنري غاستو, العبقريّة وداء الصرع, مجلة طبيبك عدد صادر في شهر نيسان، 1989.
  • Dostoievski دوستويفسكي كاتب من أصل روسي عانى من الاكتئاب والصّرع.
  • فلوبير كاتب فرنسي (1821-1880) من أشهر أعماله مدام بوفاري.Gustave Flaubert
  • روجيه غارودي Roger Garaudy) ) فيلسوف وكاتب فرنسي.
  • 2001 Alcoholics Anonymous World Services, Inc, Alcoholics Anonymous Big Book 4th Edition Softcover

* الباحثة ريتا طانوس كيروز، فنّانة تشكيليّة، حائزة على: دبلوم تربية فنّيّة (دار المعلمين والمعلمات)، دبلوم فنون تشكيليّة، ماستر عملي فنون تشكيليّة، ماستر بحثي في الفن وعلوم الفن، طالبة، سنة رابعة، في المعهد العالي للدكتوراه في الآداب والعلوم الإنسانيّة، قسم الفن وعلوم الفن (الجامعة اللبنانيّة)

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.