الأقليّات وأبعادها الجيوسياسيّة على الأمن القوميّ العربيّ

0

الأقليّات وأبعادها الجيوسياسيّة على الأمن القوميّ العربيّ

د. عماد هاشم*/ د. عليّ الصمد** / د. عليّ حمزة***

يأتي البحث في مشكلة الأقليّات من أن العالم كله يشهد ما يمكن تسميته بصحوة الأقليّات القوميّة والعرقيّة وهي ليست ظاهرة جديدة في منطقة الشرق الأوسط عمومًا والوطن العربيّ على وجه الخصوص. إذ إنّ معظم الصراعات الأهليّة العربيّة المسلحة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية كانت حول هذه المسألة وعلى الرغم من أهمّيّة مسالة الأقليّات وحجمها، إلا أنها ظلت من الموضوعات المسكوت عنها، أو من القضايا المرحّلة، ولم تحظ ألا بالقليل من اهتمام الباحثين العرب، وربما عزوفهم عن بحث هذه المسالة يرجع إلى مدى غموضها وحساسيتها البالغة.

1-  مفهوم الأقليّة

عبارة عن مجموعة من البشر ينتمون إلى تكوين حضاريّ يختلف عما يسود داخل الدولة، والأقليّات البشريّة متنوعة منها ما هو ديني، ومنها ما هو عرقيّ، ومنها ما هو لغوي، ولكنها تسمى جميعًا وفق نموذج اللجنة الخاصة التابعة للأمم المتحدة بالأقليّات الثقافية.

وتتعدّد الأقليّات بالوطن العربيّ من حيث العرق، أو الدين، أو اللغة، كما أكراد العراق الذين يتكلمون لغة مختلفة عن لغة الدولة التي يعيشون فيها، ومسيحيو مصر يتكلمون بنفس اللغة، ولكن الديانة هي التي تجعلهم أقليّة عن الدولة التي يعيشون فيها كذلك في جنوب السودان، وأيضًا الأقليّة العاملة من جنوب شرق أسيا الذين يعملون في منطقة الخليج، إن مفهوم الأقليّة بالإشكالية التي تقوم عليها سواء في الدين، أو العرق أو اللغة، فإنها أقليّة ثقافية نظرًا إلى اختلاف ثقافتها عن باقي السكان الذين يعيشون داخل الإقليم، فثقافة الأقليّة تختلف عن الثقافة الدولة التي تنتمي إليها الأقليّة، وتظل الأقليّة محتفظة بهذه الثقافة حتى تحافظ على وجودها.

2- معايير المجتمع الدولي لتعريف الأقليّة([1]):

  1. إعدادها: من الواضح أن الأقليّات يجب أن تقل عددًا عن بقيه السكان الذين يمثلون الأغلبية، ولكن قد تكون هناك حالات لا تمثل فيها أي جماعه أغلبية، ويحدث أن يكون حجم الأقليّة على درجه من الكبر تسمح لها بتكوين خصائصها المميزة.
  2. عدم هيمنتها: لا بد من أن تكون الأقليّة في وضع غير مهيمن يبرر توفير الحماية لها، فهناك أقليّات مهيمنة لا تحتاج إلى حماية، بل إنّ بعض الأقليّات المهيمنة تنتهك بشكل جسيم في بعض الأحيان مبادئ المساواة.
  3. مواقفها الفردية: أفراد الأقليّة سبيلان للتعبير عن هويتهم: الأول هو مشاركة الجماعة رغبتها القوميّة في الحفاظ على خصائصها، الثانية التعبير عن الهوية، “أي ممارسة الاختيار بين الانتماء إلى الأقليّة أو عدمه”، فبعض الأفراد قد يفضل الاندماج في أغلبية السكان، والبعض الآخر يفضل التمتع بحكم ذاتي، أو تقرير المصير إذا كانت أوضاعه مهيأة”.

3-  أنواع الأقليّات التي تسكن الوطن العربيّ([2])

  1. الأقليّات العرقيّة: وهي أقليّة تعيش داخل قطر عربيّ تختلف عن السكان الأصليين باللغة، ويكونون دائمًا متجمعين في منطقة جغرافية واحدة، لا يختلطون بالسكان الأصليين مثل الأكراد في شمال العراق الذين يعيشون في بقعة جغرافية تكاد تكون منعزلة عن سكان القطر الأصليين. وأيضًا الأرمن وهم قبائل مهاجرة من أرمينيا سكنوا في لبنان، وسوريا، والعراق، وذلك عقب المذابح العثمانية لهم في العام 1915م.
  2. الأقليّات الدينية: وهم أقليّة دينية، أي يختلفون عن السكان الأصليين في ديانتهم، ولا شرط أن تتعدّد لغتهم، والشرط الجازم هنا هو الاختلاف في الدين، وعادة لا يعيشون منعزلين، بل بين السكان الأصليين، ويوجد في الوطن العربيّ أقليتين دينيتين هما:

أ.الأقليّة المسيحية: ويختلف عدد سكانهم من دولة إلى دولة ففي سوريا يشكلون ما يقارب 10 %، وفلسطين والعراق ما يقارب 9 %، ومصر ما يقارب 8%، ولا نستطيع القول إن المسيحيّين في لبنان يشكلون أقليّة، ذلك لأنّ ما يقارب من 35 – 40% من سكان لبنان هم مسيحيون، وبالتالي لا ينطبق عليهم مسمى أقليّة.

ب.الأقليّة اليهودية: وقد عاشوا في الوطن العربيّ، ولكن معظمهم هاجر إلى إسرائيل عقب قيامها، ومن بقى فئة معدودة فقط.

  1. أقليّات أخرى: ويوجد أيضًا أقليّات معدّدة في الوطن العربيّ كالدروز في فلسطين، وسوريا، ولبنان. وأيضا العلويين في سوريا. والزيديين في العراق.

4- التوزيع الجغرافي للأقليّات بالوطن العربيّ

وهو من الأمور المُهِمة في علاقة الدولة بالأقليّة، ومدى خطورة الأقليّة وتهديدها الأمن القوميّ للدولة، إما إن يكونوا منتشرين داخل الدولة، أو يتمركزون بشكل ما في منطقة، أو مناطق معيّنة، بحيث يمكن رسم خط واضح لتواجدهم، ومن الطبيعي أنّ انتشار الأقليّة داخل أجزاء الدولة يسهل من اندماجهم داخليًّا، أما تمركزهم بشكل واضح في منطقة معينة فقد يعطي قدرًا من القوة للأقليّة للمطالبة بالانفصال عن الدولة، وهذا ما يحصل لأكراد العراق الذين يطالبون باستقلالهم عن العراق.

كما هي الحال في الأقليّة المسيحية في السودان الذين يعيشون في جنوب السودان، والذين يطالبون باستقلال الجنوب عن السودان كاملاً، والتي خاضت حربًا أهليّة ما يقارب عقدين من الزمن.

لكن المسيحيّين في لبنان لا يطالبون بدولة لهم ذلك لأنهم منتشرون فييه ومندمجون أيضًا به، وبالسكان الآخرين من مسلمين شيعة وسنة ودروز وغيرهم من الأقليّات الموجودة في لبنان، وكذلك في مصر أيضًا وغيرها من الدول العربيّة التي يكون فيها الأقليّة مندمجة مع السكان المحليين.

5- أسباب ظهور الأقليّات

إنّ الأسباب التي تؤدّي  تؤدي إلى وجود الأقليّات كثيرة، منها مثلاً أن تكون هناك مجموعة ضعيفة اجتماعيًّا، أو حضاريًّا كانت تسكن في منطقة ما، ثم تأتي مجموعة أقوى منها وأكثر عددًا فتسيطر عليهم، ويصبح هؤلاء الضعفاء أقليّة داخل النظام الجديد، ويعدّ الهنود الحمر السكان الأصليون، في أميركا، نموذجًا لهذا النوع من الأقليّات. أو أن تكون مجموعة من البشر هاربين من نظام سياسي يهدد وجودهم في الإقليم الذي كانوا يعيشون فيه، وبالتالي يخرجون من الإقليم الأصليّ ليعيشوا في إقليم آخر مثل الأكراد الذين هجّروا من شرق أسيا ووسطها، وسكنوا العراق، وسوريا، وإيران، وتركيا. وهناك الأرمن الذين خرجوا من بلادهم خشية التسلط العثماني الذين كان قائمًا زمن الدولة العثمانية، وهاجر قسم منهم إلى سوريا، ولبنان، والعراق.[3]

6- أسباب الصراع بين الأقليّة والأغلبية في الوطن العربيّ

إن موضوع الأقليّات العرقيّة والدينية في العالم العربيّ، عبارة عن قنبلة موقوتة في معظم أنحاء العالم العربيّ. ويمكن إجمال أسباب الصراع بين الأنظمة السياسية والأقليّات على هذا النحو:

  1. عدم ثقة الأنظمة العربيّة المعاصرة في الأقليّات الموجودة داخل إقليمها، وبالتالي تعدّها خطر على النظام السياسي القائم.
  2. خوف الدولة العربيّة القطرية من انفراط الوحدة الوطنية، والمس بسيادتها المطلقة عن طريق المطالبة بالحكم الذاتي، وتقرير المصير، والاستقواء بالخارج.
  3. غياب الحرية والديمقراطية عن أنظمة الحكم العربيّة جعلها تضع مشاكل الأقليّات في ثلاجات شديدة التجمد، أو تدفنها تحت الأرض من خلال تدابير أمنية مشددة. ولكن ما إن يتغير أسلوب الحكم حتى تصبح قضية الأقليّات مطلبًا سريعًا وحيويًا وهذا ما حصل في العراق بعد التاسع من نيسان 2003 فجر سقوط نظام صدام حسين.
  4. تذهب أنظمة الحكم العربيّة إلى أنّه مجرد طرح قضايا الأقليّات للنقاش يضعف الشعور بالمواطنة، وهذا يجعلها تطالب بالاستقلال ما يزيد من عزلتهم عن بقية المجتمع، ويزيد في تغذية الشكوك الطائفية، والعرقيّة الموجودة بين الأقليّة، والأغلبية في المنطقة.
  5. تذهب الأقليّات إلى التحالف مع القوى الخارجية بهدف تحقيق الانفصال عن الوطن الأمّ كالأكراد عندما تحالفوا مع الولايات المتحدة الأمريكية ضد العراق، والأقليّة المسيحية التي تحالفت مع أوغندا ضد السودان.
  6. تعدّ الأقليّات ذات النزعة الانفصالية خطرًا يهدد أمن الدولة خصوصًا إذا كانت الأقليّة بأعداد كبيرة وتمتلك موارد اقتصادية كبيرة، ما يدعم نزعتها الانفصالية، والاستقلال عن الدولة الأمّ، وهنا تفقد الدولة جزءًا لا يستهان به من أرضها، وتكون لمشاكل مستقبلية عدّة تسمى في ما بعد حرب تصفية حسابات.
  7. إن الاستعمار خرج من الدول العربيّة، وقد زرع في قلبه المشاكل الداخلية، وجعله عرضة للحروب، والصراعات الداخلية لإثارة النزعات الانفصالية بين الأقليّات، والدولة القطرية.
  8. ظهور التعبئة غير المشروعة لقطاعات معينة من الأقليّات من قبل بعض قياداتها المتطرفة، وتبنيها مطالب غير عقلانية تخل بالوحدة الوطنية وسيادة الدولة لكثير من الأقطار العربيّة.
  9. إن استمرار الصراع الحضاريّ ضد الأمة العربيّة يدفع ببعض القوى الإقليمية، أو الدولية إلى أن تجعل من بعض قيادات الأقليّات المتذمرة آلية من آليات التدخل لعرقلة، أو تعطيل إمكانية تحقيق المشروع القوميّ العربيّ.
  10. طبيعة تعامل بعض أبناء الأغلبية العربيّة أو نخبها مع الأقليّات، واتجاههم في الغالب نحو تجاهل بعض الأهداف المشروعة للأقليّات.

7- الإبعاد الداخلية للأقليّات وخطرها على الأمن القوميّ العربيّ

  1. يهدر الموارد البشريّة والمادية جراء الصراع مع الأقليّة، وبالتالي هدر الطاقة المحلية بوجه الأقليّة، واستخدام الموارد في غير محلها ضمن صراع مع أقليّة.
  2. يؤخر عملية التنمية المستدامة في الوطن العربيّ، من خلال التركيز على أدوات الصراع مع الأقليّة، وتوجيه الموارد إلى الصراع كما هو الحال بالسودان، وهكذا يعمل على إعاقة التنمية في الوطن العربيّ.
  3. ضَعف كِيان الدولة سياسيًّا بسبب الأقليّة، وجعلها نقطة طمع لكثير من الدول الغربية، وخصوصًا إذ لجأت الدولة إلى استخدام الوسائل العسكرية لقمع الأقليّة.
  4. تضعها في مسؤولية دولية إمام لجان حقوق الإنسان الدولية.
  5. إنّها تعدّ مصدر تهديد للقطر من خلال استخدام الأقليّة كأداة لتنفيذ قرارات خارجية، أو تنفيذية عسكرية لضرب مرتكزات الأمن القوميّ العربيّ.
  6. مصدر تهديد اقتصادي بالنسبة إلى الأقليّات العاملة في الخليج العربيّ، فالأموال التي يحصل عليها هؤلاء العمال (الهند – الفليبين – باكستان – ماليزيا – وغيرها من دول جنوب شرق أسيا) تعدّ إهدارًا للأموال العامة من خلال خروج هذه الأموال إلى تلك الدول، وبذلك تعدّ الأقليّة العاملة في الخليج مصدر تهديد اقتصادي للأمن القوميّ العربيّ.
  7. مصدر تهديد اجتماعي بالنسبة أيضًا إلى الأقليّة العاملة في الخليج، ذلك بسبب تعدّد المفاهيم ،والقيم الاجتماعية، واللغة والحضارة.

8- الأبعاد الإقليمية والدولية

أوّلاً: البعد الإقليميّ: وفي البُعد الإقليمى أخذت دول الجوار تطرح الكثير من التأثيرات على الأمن القوميّ العربيّ، ومرد هذه التأثيرات إنما من الطموحات الإقليمية لبعضها والتي دفعتها إلى انتهاج مواقف محددة تحمل بعض التهديد للأمن القوميّ العربيّ، فضلاً عن محاولة بعضها الانخراط في محاور دولية، أو اندماجية في شبكة من التحالفات الإقليمية المتواجهة مع النظام العربيّ([4][.

أهم التأثيرات للأقليّات على البعد الاقليميّ([5])

  1. التطلع إلى دور إقليميّ، ودولي متميز على حساب العرب، فالاقتصاد النامي، وكميات النفط الكبيرة، والوزن السكاني، والموقع الجغرافي أخذت تدفع دول مثل إيران نحو التطلع إلى دور إقليمى ولا سيما بعد الانكشاف الأمنيّ العربيّ على الصعيدين العسكري ضد العراق، وتراجع قوته العسكرية ودوره الإقليمى قد أنعش أمال تركيا في تبوأ دور إقليمى متميز بعد أن تضاءلت أهميتها الاستراتيجية إثر انهيار الاتّحاد السوفيتي، وبروز التقارب بين الشرق والغرب.
  2. بروز التنسيق السياسي، والعسكري، والاقتصادي مع إسرائيل من أجل إضعاف الأمن القوميّ العربيّ، ودفعة نحو مزيد من التشرذم والتفكك.
  3. إثارة الخلافات والمشكلات الحدودية، ويتجلى ذلك في المطالب المستمرة لبعض دول الجوار في أقاليم وأجزاء عربيّة، وقيام بعضها بإثارة المشكلات الحدودية، واستخداماتها كأداة للضغط السياسي كما في مطالب إيران المستمرة في البحرية واحتلال تركيا للواء الإسكندرون.
  4. التدخل في الشؤون الداخلية العربيّة واتّباع سياسات ترمى إلى تقويض مقومات الوحدة العربيّة للكثير من الأقطار العربيّة، وذلك عن طريق دعم الأقليّات المتمردة، واستقبال عناصرها، وتدريبهم، وتسليحهم يعدّ من أبرز الوسائل التي تستخدمها دول الجوار الجغرافي للتأثير على الأمن القوميّ العربيّ.([6])

ثانيًا: البعد الدولي

إبعاد التدخلات الدولية على الشأن الداخلي للدول العربيّة

  1. التدخل الاقتصادي([7])

المساعدات الاقتصادية وفقًا للمنظور الجديد أصبحت تقتصر على الدول التي تندمج في شبكة العلاقات الاقتصادية الغربية، وتتعهد بالالتزام بتوصيات صندوق النقد الدولي، وأصبحت تلك المساعدات تستخدم كسلاح سياسي ينطوي على تنازلات سياسية، واستراتيجية واضحة من جانب الدول المتلقية بهدف دفعها لتبنّي أنماط معينة من السياسات، والتوجهات التي تتلاءم مع توجهات الدول المانحة.

2.التدخل الايدلوجى([8])

لقد أصبح العالم اليوم محكومًا بنوع من الأيدولوجيا الاختراقية التي تهدف إلى:

– شل الدولة الوطنية، وبالتالي تفتيت العالم لتمكين شبكات الرأسمالية الجديدة، والشركات العملاقة من الهيمنة، والسيطرة، وفرض ثقافي استهلاكي واحد.

– الترويج للأفكار، والقيم الغربية، والأمريكية، وفي جوانب الحياة كافّة من خلال استغلال السيطرة على معظم وكالات ومؤسسات الأنباء العالمية.

3.التدخل الإنسانيّ([9])

مع التطورات الجارية في النظام الدولي، ومع بروز أنماط متعددة للعلاقات غير المتكافئة، وانعكاس ذلك على المفاهيم النظرية روج الغرب للاعتبارات الإنسانية فثارت نقاشات واسعة في المحافل السياسية، والقانونية الدولية، عن تطور مفهوم التدخل الدولي المبرر بمنطلقات إنسانية، أو ما يطلق علية اختصارًا (التدخل الإنسانيّ) ذلك المفهوم الذي يهتم بتبرير التدخل في الشؤون الداخلية لدولة على أساس إنسانيّ سواء جاء مثل هذا التدخل من جانب منظمة دولية، أو إقليمية، أو أخذ شكل تحالف يجمع بين عدد من الدول، أو حتى من جانب دولة واحدة فقط، وهنا لا بد من توضيح ثلاث حالات محتملة للتدخل:

– التدخل لأسباب إنسانية لمنع الانتهاك واسع النطاق لحقوق الإنسان، مثل ما تبرر بة اليوم الولايات المتحدة ضد السودان بقضية دارفور.

– التدخل لأسباب أمنية لوقف الاستعمال الوشيك، أو المستمر لأسلحة الدمار الشامل، مثل ما ادعت به واشنطن لتبرير غزوها على العراق.

– التدخل لأسباب بيئية لوقف احتواء إطلاق مواد تسبب أضرارًا شديدة وواسعة النطاق للمناخ، والمعالم، والأرض، والبحر.

9- العمالة الآسيوية الوافدة

تعدّ قضية العمالة الآسيوية الوافدة إلى مجتمعات الخليج من الظواهر التي أصبحت مؤثرة وفيها تهديد للأمن العربيّ، ذلك أن العمالة الوافدة وإن كانت تتركز في مجتمعات الخليج، إلا أنها بدأت تنتشر بهدوء في الأقطار العربيّة الأخرى ذات الكثافة السكانية العالية التي تمتلك قوة بشريّة فائضة كمصر مثلاً، غير أنها في مجتمعات الخليج أصبحت تمثل خطورة قائمة ومؤثرة.

تبدأ قضية العمالة الآسيوية الوافدة مع ظهور النفط في مجتمعات الخليج وارتفاع أسعاره في أعقاب حرب عام1973. الأمر الذي يسّر وفرة مالية شجعت الحكومات المعنية على البَدء في عملية تحديث وتنمية شاملة. ونظرًا لحالة الشح السكاني الذي تعيشها هذه المجتمعات، فقد كان من الضروري أن تعتمد بدرجة كبيرة على قوة عمل وافدة للمساهمة في تكوين جهاز إداري قادر على استيعاب جزء من إيرادات النفط وتطويرها، لتقديم الخدمات اللازمة للسكان ولتطوير هذه الخدمات، ولتشييد المدن الحديثة، وبناء مرافقها العامة، وإقامة البنية الأساسية المادية الضرورية، لتوفير مستوى حياة أفضل. كما كان لا بد من الاستعانة بالعمالة الوافدة لإحداث دفعة توسع في النظام التعليمي، وفي الخدمات الصحية، بما يساعد في تطوير القوى العاملة المحلية([10]). إضافة إلى المساهمة في الأعمال المترتبة على زيادة استهلاك المجتمع وإقامة المشروعات الإنتاجية والصناعية بالأساس. ولقد يسّر انتقال العمالة الوافدة، أن مجتمعات الخليج شكلت مركز فراغ سكاني لدائرة جغرافية، ومجتمعية كثيفة السكان. الأمر الذي أدى إلى انطلاق موجات الهجرة من مجتمعات المحيط إلى مجتمعات مركز الدائرة، ولأن غالبية سكان الدائرة آسيويون، فقد كان للعمالة الآسيوية نصيب الأسد في الهجرة إلى مجتمعات الخليج، وذلك حسبما يوضح الجدول التالي(11):

السكان وقوة العمل في أقطار الخليج العربيّ لسنة 1988 (الأعداد بالألف)

 

 

البلد السكان قوة العمل
المجموع مواطنون قسمة المواطنين % المجموع مواطنون قسمة المواطنين %
الإمارات العربيّة المتحدة 1961 295 15 632 63 10
البحرين 578 293 51 151 70 46
السعودية 13711 8757 64 3245 1565 48
عمان 1283 1010 79 257 150 85
قطر 474 78 17 136 19 14
الكويت 1817 663 36 414 140 24
المجموع 19824 11096 56 4835 2006 41

ذلك يعني أن نسبة السكان المواطنين قد بلغت في بعض مجتمعات الخليج نحو 51% فقط في البحرين، 36% (الكويت)، 17% (قطر)، 15% (دولة الإمارات العربيّة المتحدة)، وأن نسبة السكان المواطنين شكلت أغلبية في مجتمعين خليجيين فقط هما عمان (79% ) والسعودية (64%). وأن نسبة السكان المواطنين في مجتمعات الخليج عمومًا بلغت 56%، الأمر الذي يشير إلى خطورة واضحة لهذا التواجد السكاني الغالب في مجتمعات الخليج عمومًا، وبروز هذه الخطورة بدرجة واضحة في بعض الأقطار.

بالإضافة إلى ذلك فإننا إذا تأملنا تركيب العمالة الوافدة في مجتمعات الخليج فإننا سوف نجد أنه إذا افترضنا أن حجم العمالة الأجنبية قد بلغت نحو 49% في مقابل 41% هي قوة العمل الوطنية. فإننا نجد أن العمالة الوافدة من جنوب آسيا (الهند، باكستان، سيريلانكا، وبنجلاديش) قد بلغت نسبة 51%، وأن العمالة الآسيوية التي جاءت من جنوب شرق آسيا (بورما، الصين، أندونيسيا، تايوان، تايلاند، الفليبين، كوريا الجنوبية، ماليزيا).

قد بلغت نحو 21%، وأن العمالة الأجنبية التي جاءت في أنحاء العالم الأخرى (العربيّة، الغربية، الأفريقية، الإيرانية) قد بلغت نسبتها 24،4%. الأمر الذي يشير إلى أن العمالة الآسيوية الوافدة في مجتمعات الخليج بلغت نسبتها 72% من حجم العمالة الوافدة هناك([11])، ومن الطبيعي أن يشكل ذلك وضعًا سكانيًّا يمثل خطورة واضحة.

وحسبما تؤكد دراسات عديدة أجريت على هذه الظاهرة، نجد أن لهذه الظاهرة آثارها الضارة بالأمن القوميّ. منذ البداية نجد أن العمالة الوافدة المتواجدة على أرض الخليج تعمل على تبديد رأس المال الخليجي بدرجة واضحة.

إلى جانب ذلك فإن وجود العمالة الوافدة بهذه الكثافة العالية لم يساعد على إكساب العمالة الوطنية مهارات جديدة، تمكنها من السيطرة على تكنولوجيا الإنتاج المستخدمة في أقطارها، من دون أن يكون لها بالتالي دور على الإطلاق في تطوير هذه التكنولوجيا، والعمل على رفع كفاية العاملين في مجالات العمل المتعدّدة، ولم تزل المجتمعات الخليجية تعتمد على رفع كفاية العاملين في مجالات العمل المتعدّدة، ولم تزل المجتمعات الخليجية تعتمد اعتمادًا شبه كامل على خبرات العناصر الخارجية في التخطيط لتحديثها، وفي تنفيذ هذه الخطط سواء في مجالات الإنشاء، أو الإنتاج، أو الخدمات. كما أن عملية التحديث هذه لم تؤسس قاعدة إنتاجية قادرة على النمو مستقبلاً (سعد الدين إبراهيم، 1983 ، ص 542).

وبسبب عدم استقرار العمالة الوافدة، فإن ذلك يعني من ناحية إلى عدم إمكان تراكم الخبرة، وعدم سهولة تطويع أساليب العمل المكتسبة في الخارج لظروف العمل المحلية، واستنزاف قدر كبير من رأس المال في إحضار القوى الوافدة وإعادتها إلى جانب النفقات الأزمة لتحقيق إدماجها في البلد المضيف، وإكسابها المعرفة الضرورية للتعايش في إطاره.

كما أنها تؤدي من ناحية ثانية إلى غياب أي شعور بالانتماء، خصوصًا إذا كانت العمالة تفد من مجتمعات لا تمت بصلة إلى المجتمع المضيف، ولا يرتبط مصيرها بمصيره، حقًّا إن الحرص على إطالة مدة البقاء، قد يكون حافزًا يدفع العامل الوافد لبذل قدر من الجهد وتجنب الإهمال، والتكاسل. ولكن هذا الحافز السلبي وحده لا يدعو إلى الإبداع، أو الإجادة التي ترتبط أساسا بالشعور بالانتماء والرغبة في المشاركة في بناء مستقبل مشترك، وتبرز خطورة هذه الظاهرة من كون العمالة الوافدة تشكل الجزء الأكبر من مجموع العاملين في مجتمعات الجزيرة العربيّة المصدر للنفط، وينبع الخطر هنا من أنّ سلوكيات العمالة الوافدة هي التي تحدد سلوكيات العمل بصفة عامة في هذه الأقطار بما في ذلك سلوكيات العمالة المواطنة. “ومن الطبيعي أن يخلق مثل هذا الوضع إحباطًا، ويجعل سلوكيات العمالة الوافدة هي الأصل، ويعمل على تبعية سلوك العمالة المواطنة، والعمالة الوافدة الأخرى ذلك الشعور المهني، أو الرغبة ذاتها في خدمة المجتمع الذي وفدت إليه”([12]). ومن الطبيعي أن يشكل ذلك فاقدًا اقتصاديًّا، وبشريًّا بالنسبة إلى المجتمعات المستخدمة لهذه العمالة.

10- العوامل التي تعمل على إثارة منطق الأقليّات

على الرغم من الوجود التاريخي للأقليّات في المجتمع العربيّ فإنها لم تنتقل على مواجهة الأكثرية العربيّة إلا في فترات محدودة وبعض الأقليّات فقط وليس كلها، الأمر الذي يدفعنا إلى القول بوجود عوامل وقعت لإثارة منطق الأقليّات، بل دفعت هذه العوامل إلى تحول بعض الأقليّات إلى ممارسة تهديد للأمن القوميّ العربيّ بالفعل، ومن خلال دراستنا أمكن تصنيف هذه العوامل إلى ثلاث مجموعات وهي عوامل داخلية، وعوامل خارجية، وعوامل وسيطة، وهي كالتالي:

العوامل الداخلية لإثارة منطق الأقليّات

هناك مجموعة من العوامل التي تدفع لتفجير منطق الأقليّات داخل أقطار المجتمع العربيّ وهي عوامل موضوعية يتغير على أساسها الصراع ولكن وجودها لا تفجر الصراع لأثني في المجتمع العربيّ وإنما تحتاج إلى عوامل خارجية ودعم عوامل وسطية والعوامل الداخلية التي تعمل على تفجير الصراع بين الأقليّات، واهم العوامل الداخلية:-

1- إحساس الأقليّات بوجود فجوة بين حجم إسهامها في العملية الاجتماعية ككل، الأمر الذي يؤدي إلى تولد مشاعر الإحباط لدى هذه الجماعة، والإحباط يؤدي بدوره إلى السخط الذي يؤدي إلى توليد طاقة عدوانية داخل الجماعة، فتظهر أولاً في شكل توترات، ثم تنفجر في النهاية من خلال سلوكيات عنيفة تصل قمتها حين تتخذ شكل الصراع المسلح([13]).

2- عدم مراعاة جماعة الأغلبية لأوضاع ومصالح جماعة الأقليّة الأثنية، بحيث تدرك هذه الأخيرة أن الأغلبية تستخدمها استخدامًا براغماتيًّا أحيانًا ومن دون مراعاة لأوضاعها أحيانًا أخرى، وتأكيدًدا لذلك يمكن القول بأن تفاقم الصراع بين الشمال والجنوب السوداني(سعد الدين إبراهيم، مرجع سبق ذكره ص 165).

3- يقوم أبناء الأقليّات الأثنية بدور مضاد لوجود، أو مصالح أبناء الأغلبية، وخصوصًا إذا أدركت الأغلبية أن الأقليّة قد تحالفت مع عناصر خارجية ضدها.

4- وجود جماعة أثنية كبيرة نسبيًّا، وإن كانت أقليّة بالنسبة إلى الأغلبية. وأيضًا إن تركزت هذه الجماعة الأثنية في منطقة جغرافية محددة وواحدة تتحول من خلالها الكثافة السكانية إلى كثافة اجتماعية، هذا إلى جانب وجود هذه الجماعة في مناطق حدودية يسهل من خلاله إرسال المؤامرات العسكرية منها إلى الجماعة في حال قيام الصراع المسلح، إضافة إلى دعم الجماهير الذين يشكلون العنصر البشريّ لهذه الأقليّة لقيادة، أو صفوة هذه الأقليّة بحيث يؤدي هذا الوضع إلى مستوى تعبوي عالٍ للجماعة الأثنية أثناء عملية الصراع مع الأغلبية.

العوامل الخارجية لإثارة منطق الأقليّات

تعد العوامل الخارجية لإثارة منطق الأقليّات بين الجماعات الأثنية من العوامل الأساسية التي تلعب دور مهم وفعال للصراع بين جماعات الأقليّات بعضها البعض، أو بين أي منها وبين النظام السياسي الذي يمثل الأغلبية .

وذلك عن طريق استغلالها للعوامل الداخلية، وتبرز فاعلية العوامل الخارجية من طبيعة مكانة المجتمع العربيّ، فالوطن العربيّ بحكم موقعه الجغرافي الفريد وموضعه الاستراتيجي وثرواته الهائلة – كان ولا زال مطمعا لكل القوى الدولية العظمى، والقوى الإقليمية الصاعدة التي تريد الهيمنة فما لم تنبثق من داخل الوطن العربيّ قوة توحيدية مستقلة تتصدى للأطماع الخارجية، فإنّ قوة الهيمنة الخارجية لن تكف عن اختراق أقطاره، وإضعافها، واستنزافها([14]).

تعدّ القوى الأساسية في النظام العالمي من القوى التي تسعى لاختراق الأمن القوميّ العربيّ من خلال الأقليّات، وذلك بهدف توجيه الأنظمة السياسية وفرض تبعيتها  والأمثلة على ذلك كثيرة منها:

حينما استعمرت فرنسا المغرب العربيّ نجد أنها حاولت من أجل إحكام السيطرة على موريتانيا بذر الشكوك بين القبائل الزنجية التي تنحدر من أصول سنغالية، وهم يشكّلون ما بين 15% إلى 20% من سكان موريتانيا، ويتحدثون خليطًا من اللغات واللهجات الغرب إفريقية. وبسبب هذه الشكوك التي غرستها فرنسا بين الأغلبية العربيّة في موريتانيا، وبين هذه الأقليّة الزنجية الوافدة، فقد بدأت تظهر مظاهر التوتر والصراع في السنوات الأخيرة.

وقد حاولت فرنسا نفس الأمر في بقية أقطار المغرب العربيّ، وذلك بين الأقليّات البربر والأغلبية العربيّة. وقد أدّت فرنسا الدور نفسه في سوريا ولبنان حيث كان المبدأ الاستعماري وراء محاولة خلق دول طائفية في سوريا بين الحربين العالميتين حيث قامت سلطات الحماية الفرنسية تقسيم سوريا إلى خمس دويلات: أحدها عادية، والثانية درزية، والثالثة سنية في حلب، والرابعة سنية في دمشق، والخامسة مسيحية في لبنان، ولكن النجاح لم يكتب لهذا التفريق إلا للأخيرة التي أصبحت فيما بعد الدولة اللبنانية.([15])

أمريكا وبريطانيا سعت أيضًا إلى استقلال الأقليّات بهدف السيطرة على المجتمع العربيّ، فقد تضافرت جهود أمريكا وإيطاليا – مستغلة أطراف إقليمية عديدة لتقديم المساعدات إلى القبائل الزنجية في جنوب السودان في صراعها المسلح ضد الشمال من أجل الانفصال. كذلك قامت الولايات المتحدة بتقديم العون العسكري، والمالي، والاستخبارات للحركة الكردية ضد الحكومة العراقية في شمال العراق. وأيضًا تحاول أمريكا إنجاز الأهداف نفسها في ما يتعلق بجنوب العراق الذي تسكنه أقليّة شيعية. في ما يتعلق بصراع الأقليّات اللبنانية نجد أن إسرائيل قد أدّت دورًا أساسيًّا في صراعات الحرب الأهليّة التي بدأت سنة 1975 حيث كانت إسرائيل مصدر العون الرئيس لبعض الأطراف في الحرب سواء في السلاح، أو التدريب، أو الأموال، أو التدخل المباشر، وكانت الولايات المتحدة هي المصدر الثانوي في هذا العدد.

العوامل الوسطية

هذه العوامل هي التي تقلل، أو تعظم فاعلية العوامل الموضوعية. ومن هذه العوامل:

الانتكاسة التي تحدث للتنمية الاجتماعية الاقتصادية، حيث تؤدي انتكاسة التنمية إلى إثارة صراع الأغلبية الأقليّة لزيادة مشكلات وهموم الحياة اليومية، وهي الهموم، أو المشكلات التي تفرض كثيرًا من التوترات على البشر، وإذا كانت لهذه التوترات كثافة عالية فإنها تتجسد في شكل مواجهات موقفية في مناطق الحدود بين الجماعات إضافة إلى انتكاسة عملية التنمية من شأنه أن يضعف التماسك والوحدة الاجتماعية الأمر الذي يشكل ظرفًا ملائمًا لتفجر الصراعات الأثنية. إضافة إلى امتلاكه مسائل القوة اللازمة لمواجهة أي خروج على السلام الاجتماعي بين الأغلبية والأقليّة.

تشكل شرعية النظام السياسي أيضًا عامل رئيس لمواجهة الصراعات الأثنية ذلك لأنه إذا كان النظام السياسي ضعيف الشرعية، فإن قدرته على مواجهة الصراعات الأثنية تكون محدودة للغاية، وذلك لافتقاده دعم الأغلبية، والأقليّة على السواء، ونجده ليس فقط عاجزًا عن السيطرة على هذه الصراعات، ولكنه قد يستغلها لإقامة توازن بين الجماعات بهدف إطالة مدة بقائه. ومن ثَمَّ فهو يتحالف مع إحداها ضد الأخرى. الأمر الذي ينتهي إلى مزيد من إشعال وإذكاء هذه الصراعات.

11- دور إسرائيل والقوى الخارجية في إثارة منطق الأقليّات و استغلالها

يعدّ وضع الصراعات الأثنية على مستوى العالم عامل مهمّ، وذلك لأنها تساعد على إبراز التباينات الأثنية الداخلية وتحويلها إلى صراعات دموية. فالصور التي ينقلها الإعلام العالمي عن الصراعات الأثنية في مناطق أخرى من العالم، وأيضًا عند انتصار بعض الأقليّات الأثنية في تحقيق أهدافها والحصول على حقوقها، من شأنه أن يدعم معنويًّا صراع أي أقليّة تخوض صراعًا مع الأغلبية، إضافة إلى أنه يوفر دعمًا عالميًّا لجماعة الأقليّة التي تدخل صراع مع الأغلبية، بحيث يساعدها ذلك على مواصلة الصراع.

         إذًا: من خلال تأملنا لطبيعة القوى العالمية والإقليمية التي تسعى دائمًا لاختراق الأمن القوميّ العربيّ. فإننا نجد إسرائيل هي العنصر الحاضر والمستعد دائمًا لاختراق الأمن القوميّ العربيّ، ومن هذا السياق نرى أن الحضور الدائم لإسرائيل يرجع إلى ثلاثة عوامل وهي:

  1. أن سعي إسرائيل للمساهمة في اختراق الأمن القوميّ العربيّ هو جزء من ممارسة الدول الطوق في الصراع العربيّ الإسرائيلي، حيث تحاول خلق الظروف الملائمة بمساعدة الأطراف العالمية لكسر الإرادة العربيّة في الصراع، ومن ثَمَّ فمدخل الأقليّات يعدّ من أهم المداخل.
  2. سعي إسرائيل في استغلال المسألة الأثنية إلى اعتبار هذا السعي وسيلة وغاية ومبدأ فإلى جانب الإضعاف، والاستنزاف، والتفتت للأقطار العربيّة المعنية؛ فإن إسرائيل باستغلالها هذه المسألة تكرس مبدأ أيديولوجيا في صلب العقيدة الصهيونية، ويتمثل هذا المبدأ في إرساء القاعدة الأثنية كأساس مشروع لقيام (الدولة الشرق أوسطية)، ويتمثل العامل السياسي في سعي إسرائيل إلى انتزاع الوظيفة الإقليمية لأي دولة أخرى في المنطقة، لإنجاز ذلك فقد تلقفت إسرائيل بعض الاجتهادات الاستشراقية، وصاغت منها ما يعرف بنظرية (المجتمعات الفسيفسائية)، وتذهب هذه النظرية إلى أن الشرق الأوسط عبارة عن مجموعات دينية، وطائفية، وعرقيّة، ولغوية تتعايشه بحكم التاريخ والضرورة، ولكن لا يربط بينهم جميعًا أي رباط وطني، أو قوميّ، أو ديني.
  3. والهدف البعيد لإسرائيل من ترويج مثل هذه الأطروحات، وهو تفتيت المنطقة إلى مجموعة لا حد لها من الدويلات الطائفية والعرقيّة، وهي بذلك تضفي على نفسها شرعية من ناحية، وتضمن هيمنتها على هذه الدويلات التي ستكون بالطبع صغيرة وضعيفة ومتناحرة من ناحية أخرى. ومن هنا حرصت إسرائيل على التدخل في كل الخلافات الأثنية الممكنة في الوطن العربيّ ومحاولة إذكائها إلى توترات، ثم تصعيدها إلى صراعات مسلحة، ثم العمل على إبقائها مشتعلة لأطول مدة ممكنة، وقد رأينا نموذجًا لتلك النظرية في لبنان([16]).

تصورات لحل مشكلة الأقليّات بالوطن العربيّ([17])

  1. الفيدرالية: أو الاتحادية وهو مبدأ ينطوي على الاعتراف بحقيقة التعددية والخصوصية القطرية، والإقليمية، والجهوية، وينطبق ذلك مثلاً على أكراد العراق وقبائل جنوب السودان ففي هاتين الحالتين، أو ما يشابههما تكون صيغة الحكم الذاتي لأبناء المنطقة، أو الإقليم هي القاعدة المعتمدة.
  2. الديمقراطية: وهى الصيغة السياسية المثلى للتعامل السلمي مع التعددية الاجتماعية بكل صورها، إنّ حل موضوع الأقليّات لا يمكن أن يتم إلا في إطار دولة ديمقراطية، يتم فيها منح جميع الأقليّات القوميّة حقوقها الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية.
  3. المجتمع المدني: إن الفيدرالية والديمقراطية قد لا تكفلان لمواجهة الأقليّات، وكل ما يتفرع عنها من معضلات تمامًا، ولكنهما تكفلان مواجهة معظم التحديات الكبرى التي تواجه العرب اليوم والغد، وربّما لا تكتمل هذه المواجهة إلا بتنمية المجتمع المدني كمبدأ حاكم ثالث([18]). المجتمع المدني ومؤسساته له دور مهمّ، حيث تصب جهود المجتمع المدني باتجاه تكريس مفاهيم المواطنة والمساواة، بغض النظر عن الخلفية الإثنية، أو الدينية، أو المذهبي.

4- وهناك بعض التصورات الفكرية لدمج الأقليّات بالمجتمع العربيّ

الإقرار بالتعددية الثقافية والسياسية، في إطار وحدة الكيانات السياسية القائمة هو، على الأرجح، السبيل الأكثر ملائمة لحلول عقلانية وواقعية، وغير مكلفة كبديل عن الصيغ الانفصالية، أو العنفية من كل الأطراف المعنية، وبما يضمن حقوق الإنسان، وحقوق الجماعات التي يتكون منها المجتمع، وبما يضمن كذلك نمو ثقافاتها المتنوعة وتفاعلها وازدهارها، هذا من جهة، وبما يضمن بقاء الكيانات السياسية القائمة، أو تطويرها بالأشكال المناسبة بالتوافق وبالإرادة الطوعية الحرة.

  1. تعزيز الوعي الثقافي المشترك، وترسيخ مبادئ الحوار الديمقراطي واحترام الرأي الآخر، فضلًا عن احترام كل جماعة للجماعات الأخرى ولثقافاتها، واللجوء إلى الحلول الوسط الممكنة لمواجهة القضايا التي يختلف عليها بين الجماعات نفسها من جهة، وبينها وبين السلطة المركزية الملتزمة بضمانات دستورية وقانونية ، بالديمقراطية من جهة ثانية.

الخاتمة 

لاحظنا بشيء من الوضوح أنّ بروز، أو تجدد مشكلة الأقلّيّات في الوطن العربيّ، وما نجم عنها من صراعات، وحروب داخلية خطيرة أخذت تهدد المستقبل السياسي للكثير من الأقطار العربيّة قد ظهرت بشكل أساسي من ضمن إطار المجتمع في الدول القطرية، والثاني خارجي متمثل بسياسات بعض القوى الكبرى الرامية إلى تكريس حالة التجزئة العربيّة عبر استغلال المتناقضات الداخلية في المجتمع العربيّ، وتغذيتها وتضخيمها بالشكل الذي يهيئ المجال أما تلك القوى فلإعادة رسم الخريطة السياسية على نحو جديد يضمن عمليًّا السيطرة على اتجاهات المستقبل العربيّ فإنّ الأخطار المحدقة بقضية الأقلّيّات، وما تهددها للأمن القوميّ العربيّ بحاجة إلي حل جذري وملموس لهذه القضية الصعبة لأنّ قضية الأقليّات عباره عن قنبلة مؤقوته قد تنفجر في أيّ لحظه.

المراجع

  • عبد السلام البغدادي – الوحدة الوطنية ومشكلة الأقليّات – سلسلة أطروحات الدكتوراه – مركز دراسات الوحدة العربيّة – بيروت – 1993م.
  • عبير بسيونى رضوان – التدخل الخارجي في الصراعات الداخلية – رسالة ماجستير – جامعة القاهرة – 1996م – السياسة الدولية – العدد 130 – لعام 1997م.
  • سعد ناجى جواد – العراق والمسألة الكردية – دار السلام – لندن – 1995م.
  • هاني ارسلان – الابعاد الخارجية لمشكلة الجنوب السوداني – السياسة الدولية – العدد 89 – لعام 1987م.
  • سعد الدين إبراهيم – مشكلة الأقليّات بالوطن العربيّ – شؤون عربيّة – العدد 78 – مؤسسة الدراسات الفلسطينية – بيروت – لعام 1994م.
  • وليم قلادة – حوار علمي حول الأقليّات والاستقرار السياسي بالوطن العربيّ – السياسة الدولية – العدد 92 – لعام 1988م.
  • د. دهام محمد العزاوى – الأقليّات والأمن القوميّ العربيّ – دار وائل للنشر – الطبعة الأولى – عمان – 2003م.
  • زكى حنوش – حقوق الإنسان العربيّ وترسيخ العملية الديمقراطية والحريات العامة – مجلي دراسات عربيّة – العدد 5، 6 – دار الطليعة – بيروت – 1997م.
  • صلاح عبد العاطى – الحوار المتمدن حول الأقليّات – صفحة إنترنت.

موقع وكبيديا الموسوعة الحرة

  • مجلة شؤون عربيّة، مشكلة الأقليّات بالوطن العربيّ.
  • د. مازن إسماعيل الرمضاني، الدراسات المستقبلية.

* دكتور في الجامعة اللبنانيّة، قسم الجغرافيا.

** مدير عام وزارة الثقافة، دكتور في الجامعة اللبنانيّة، قسم الجغرافيا.

*** دكتور في الجامعة اللبنانيّة، قسم الجغرافيا.

1 وكبيديا الموسوعة الحرة.

2 شؤون عربيّة، مشكلة الأقليّات بالوطن العربيّ، ص216.

3 عبد العاطى، مصدر سبق ذكره، صفحة إنترنت.

4 د. عبد السلام بغدادي، الأمن القوميّ في مستقبل القرن الحادي والعشرين، ص 32.

5 د. دهام العزاوي، مصدر سبق ذكره ، ص 100.

[6] د. دهام العزاوي، مصدر سابق، ص 117.

[7] صلاح زرنوقة، اثر التحولات العالمية على مؤسسة الدولة في العالم الثالث، ص 71.

[8] د. عبد الخالق عبد الله، العالم المعاصر والصراعات الدولية، ص 208.

[9] عبير رضوان، التدخل الخارجي في الصراعات الداخلية، ص 259.

[10] سعد الدين إبراهيم، 1983، ص 327 – 340.

11 نفس المرجع السابق، الملاحق الإحصائية، ص 542.

[11] سعد الدين إبراهيم، 1983، ص 542.

[12] علي خليفة الكواري، 1981، ص 12.

[13] سعد الدين إبراهيم، مرجع سبق ذكره ص 199.

[14] سعد الدين إبراهيم، مرجع سبق ذكره ص205.

[15]سعد الدين إبراهيم، مرجع سبق ذكره ص 153.

16 سعد الدين إبراهيم، مرجع سبق ذكره، ص .211

[17] د.دهام العزاوى، مصدر سابق، ص 215.

[18] د. سعد الدين ابارهيم ، مشكلة الأقليّات في الوطن العربيّ، ص219.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.