جبل عامل في رسوم المستشرقين

0

جبل عامل في رسوم المستشرقين

بنت جبيل

أ ـ د. حسن رامز بدوي*

    إن تحليل العناصر المرسومة ودراستها من معالم معمارية (أسوار، قلاع، مساكن، ساحات، أسواق…) وحياة الناس (لباسهم، تقاليدهم، عاداتهم…) للبيئة اللبنانية في جبل عامل، من خلال الوثائق الفنية المصورة (رسوم ومدونات المستشرقين خلال القرن 19م)، سيشكل حالة دراسية جديدة، لما يمكن لهذه الرسوم أن تقدمه من معطيات تاريخية، وأثرية، وبيئية، واجتماعية لمدن، وقرى، وبلدات هذا الجبل، تحولت وتغيرت بعد رسمها وتصويرها، خصوصًا وأنها قد تعرضت إلى تحولات سريعة خلال القرن العشرين بسبب الحربين العالميتين، وبسبب الانتداب الفرنسي عليها، بالإضافة إلى ما تعرضت له من تدمير ممنهج على يد سلطة الاحتلال الإسرائيلي منذ العام 1948 حتى حرب إسرائيل على لبنان في العام 2006، وما تبع إعادة الإعمار من تحول في البنية التحتية، والمعمارية، والتنظيم المديني العام للطرق، والمرافق العامة.

ونظرًا إلى أنّ ظهور هذه الوثائق المرسومة قد سبقت ظهور آلة التصوير الفوتوغرافي بعقود قليلة، فإنها ولو قارنّاها بالأرشيف الفوتوغرافي المأخوذ في أواخر القرن التاسع عشر لتلك المدن، لوجدنا أنها من الوثائق النادرة المتوافرة، وأنها تؤرخ من خلال المشاهد المرسومة لمرحلة دقيقة، ومُهِمَّة من تاريخ بلاد الشام (مرحلة الصراع الفرنسي – الإنكليزي للسيطرة على لبنان). وتكمن أهمّيّة هذه الوثائق في قيمها التاريخية، والفنية، والأدبية؛ الأولى: القيمة التاريخية للمعالم المرسومة، وخصائصها، وخصوصيات عيش الناس في تلك الحِقبة، والثانية: القيمة الفنية (الجمالية، والأيقونوغرافية، والتقنية) لهذه الرسوم وموقعها في الإطار العام للتحولات الفنية، والتشكيلية في العالم في تلك الفترة والثالثة: هي القيمة الأدبية الكامنة في ثنايا المدونات التي تكون مجتمعة الكتب التي نشرها الرحالة الغربيون بعد عودتهم إلى بلادهم.

فبهدف تكوين إطار شامل لهذا الموضوع ، قمنا باختيار مدينة بنت جبيل (نموذجًا أوّلًا) من مجموعة المدن، والقرى، والبلدات العاملية التي جذبت اهتمام المستشرقين الرسامين، والرحالة المؤرخين الذين دوّنوا مشاهداتهم فيها. وقمنا بالتحري لمعرفة أهم أولئك الرسامين والرحالة، الذين نورد هنا بعضهم وهم:

  • Louis Froncois Cassas 1780
  • برتون مارتينير (Berton MARTINIÈRE – 1813-1814)
  • وليم تورنر (William TURNER – 1820)
  • لويجي فالياني (Luigi VALIANI – 1826)
  • جون كارن (رسام) (John CARNE – 1835)
  • جورج روبنسون (George ROBENSON – 1837)
  • الكونت ليون دي لابورد (Conte Léon de LABORDE – 1837)
  • بارون ايزيدور تايلور (Baron Isidore TAYLOR – 1839)

9- دافيد روبرت (David ROBERTS – 1842)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أ ـ د ـ حسن بدويّ أستاذ في كلّيّة الفنون الجامعة اللبنانيّة.

10- وليم هنري بارتليه  (William Henry BARTLETT – 1847)

  • ماكسيم دو كامب (Maxime DU CAMP – 1848)

12- شارلز وليم فان دي فيلد (Charles William VAN DE VELDE – 1857)

  • وليم طومسون (William THOMSON – 1859)
  • ارنست رينان (Ernest RENAN – 1864)
  • لويس لورتييه (Louis LORTET – 1875-1880)

إنّ هذه السلسلة من الدراسات التحليلية لتقنيات، وأيقونوغرافية رسوم المستشرقين لجبل عامل في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديّين، التي نبدأها ببنت جبيل، ستعنى بحل إشكالية دور الوثائق الفنية في دراسة الإنسان والبيئة والمجتمع في لبنان.  إن البحث عن مدلولات هذه القيم له مشقته، إذ إنّ ذلك سيتطلب استخراج الإشارات الفنية، والأثرية ذات الدلالات السياسية، والاقتصادية، والدينية، والاجتماعية لسكان بنت جبيل في تلك الفترة.

وليس من شك في أن البحث في موضوع مصادر علم الاجتماع من خلال الوثائق المصورة (رسوم ومدونات المستشرقين لجبل عامل نموذجًا) هي من العمليات العلمية المعقدة، لأنها كوثيقة تطال نشاطات ناسها من خلال علاقتهم بالزمان والمكان، وذلك من خلال ما دُوِّن بالرسم، أو الكتابة في فترات محددة.

فإذا كانت المعطيات العلمية تشير إلى أن المستشرق الرسام ليس بالمؤرخ المحترف، فإن تحليل هذه الرسوم ببُعدها التاريخي، والفني ستقدم لنا مادة علمية مُهِمّة، تؤرخ لبعض جوانب البيئة المدينية، والريفية اللبنانية في جبل عامل التي قلّ تناولها بالدراسات من خلال الفنون الجميلة والفن التشكيلي (الرسم والتصوير الملون تحديدًا).

وتجدر الإشارة هنا، إلى أن تعدّد جنسيات أولئك الرحالة الرسامين قد أفاد في اختلاف طرق رسمهم لما شاهدوه من جوانب إيجابية وسلبية، تعبر عن روح العصر وطبيعته، والمرحلة التاريخية ذاتها التي أملت عليهم تصورات معينة. ولهذا جاءت رسوم كل منهم لتعبر عن قدراتهم المتعدّدة في ملاحظة وتحليل المشاهدات من معالم، وأحداث، ومواقف معيّنة، ولا نزاع في أن تلك الفروق الفردية ستغني البحث بمعطيات تاريخية وفنية جديدة. وإذا كانت مجموعة الرسوم التي تركها لنا أولئك المستشرقون لا تستطيع أن تقدم رصدًا شموليّا، ودقيقًا للحياة الاجتماعية لجبل عامل، إلا أنها ستقدم صورة واضحة عن علاقة الإنسان اللبناني – العاملي  بأرضه وعلاقة الجماعات البشرية المنتشرة عليه، بعضها بالبعض الآخر.

وعليه، فإن الفرضيّات التي يطرحها موضوع دراستنا، تتركز على حل إشكالية الرسوم كوثائق تساهم في دراسة تاريخ الإنسانية، وعلى الغوص في المدلولات الفنية للرسوم، وأبعادها التقنية، والأيقونوغرافية.

وأخيرًا، فإذا كان صحيحًا ما تعارف عليه المؤرخون هو أن الوثيقة هي الأصل الذي يبرهن على وقوع الحدث، إن كانت مكتوبة، أو آثار، أو مسكوكات، وأن مصادر التاريخ القديم هي الآثار والمكتشفات الأثرية، وأن المخطوطات هي مصادر تأريخ العصور الوسطى والإسلامية، وأن الوثائق المكتوبة، والرواية الشفوية هي مصادر التاريخ الحديث، والمعاصر؛ فإننا نقول بأن الرسوم التي أنجزها الفنانون إن في محترفاتهم أو في رحلاتهم الاستشراقية، لتوازي من حيث قيمتها التوثيقية قيمة الرسوم الجدارية لإنسان ما قبل التاريخ في مغارة لاسكو ونعدّها من الوثائق الأساسية التي تساهم في كتابة التاريخ، وهي من أهم مصادر “علم الاجتماع”.

حظيت بنت جبيل باهتمام بعض أولئك الرحالة، لوقوعها على ممر مُهِمّ يربط جبل عامل بفلسطين والجولان، ولوجود مجموعة مواقع أثرية مُهِمّة محيطة بها، كتلّة شلعبون، وموقع يارون فكان أولهم الرحالة فان دي فيلد (Van DE VELDE) الذي حلَّ ضيفًا على تامر ابن حسين السلمان النصار، حيث استضافه في سرايا بنت جبيل العام 1858 وترك رسمًا مهمًا للمدينة سيشكل محور هذه الحلقة البحثية، وتبعه المؤرخ أرنيست رينان (Ernest RENAN)  الذي زار موقع شلعبون وأشار إلى بنت جبيل العام 1860، والرحالة ف. دي سولسي (F.De SAULCY) الذي زارها وحلَّ ضيفًا في أحد بيوتها بتاريخ 31 كانون الأول العام 1864. بالإضافة إلى الرحالة لويس لورتيه (Louis LORTET) الذي زارها بين 1875م – 1880م.

فقبل الدخول في تحليل اللوحة التي صورها فان دي فيلد لبنت جبيل خلال رحلته إلى جبل عامل سنة 1858، وحلوله ضيفًا على تامر بك (ابن الشيخ حسين السلمان، حفيد الشيخ عباس المحمد النصار) حاكم المدينة في سراياه، لا بدّ من الإشارة إلى الأهمّيّة الخاصة لهذه الزيارة بين الرحلات المبكرة في القرن التاسع عشر، لأنها تلقي الضوء على معلومات دقيقة عن عمارة المدينة وحاكمها من خلال ما كتبه حول مشاهداته في أثناء رحلته ومن خلال الرسم الوحيد الذي تركه رحالة خلال زيارته للمدينة ويعدّ ذو قيمة عالية جدًّا لما يقدمه هذا الرسم من معلومات عن شكل العمارة في بنت جبيل وما للقلعة – السراي من أهمية حيث تمت استضافته، فكتب عنها، التالي:

         “Belad El-Becharah est habitée principalement par les Métauileh, les deux principaux chef de cette tribu, qui résident à Tibnin et à Bint Jebail bien que sujets du Sultan comme les chefs des autres provinces, ils s’attribuent une certaine indépendance

         Après 3 heures et demie de marche depuis Hounin, nous arrivons à Bint Jebail, l’une des deux principales résidences de Belad Becharah

Nous sommes assez heureux, grâce à nos lettres de recommandation, pour être bien accueillis par Tamer Beg, le gouverneur, dans son sérail de Bint Jebail…”

“بلاد البشارة مسكونة أساسًا من (المسلمين) المتاولة. الحاكمان الأساسيان لهذه الطائفة، اللذان يقيمان في تبنين وبنت جبيل، يتمتعان باستقلالية مميزة ممنوحة لهما من السلطان كما لغيرهم من حكام المناطق.

بعد السير ثلاث ساعات ونصف من هونين، وصلنا إلى بنت جبيل، واحدة من المقرات الأساسية لبلاد بشارة. كنا سعداء جدًّا، شكرًا لرسائل التوصية، لكي يستقبلنا تامر بك الحاكم، في سراياه، في بنت جبيل”.

بعد الملاحظة المعمقة للرسم تبيّن لنا أن القلعة المصورة في عمق بلدة بنت جبيل هي ذاتها السراي التي نزل فيه فان دي فيلد ضيفًا على حاكمها، وتتموضع بنت جبيل بحسب الرسم على مجموعة من الهضاب تحيط بها من جهات متعددة، أعلاها جبل مارون الراس الذي يطل عليها من الجهة الجنوبية – الشرقية.

يتقدم الصورة على اليمين، في الواقع لجهة الغرب بناء ذو قبة قد يكون المقام المسمى النبية، أو لربما كان مدفنًا لأحد حكّامها  السابقين من سلالة آل الصغير، النصار أو السلمان. ويظهر على يسار الرسم جزء من بركة ماء مبنية بالحجر المقصوب، مملوءة بالمياه. وتظهر البركة الكبرى في وسط الصورة تحت القلعة لجهة الغرب. أما على مستوى التنظيم المديني، والشكل العمراني لبنت جبيل، فيُظهر الرسم أنها كثيرة المسالك وتؤتى من كل مكان، شوارعها كانت ضيقة ومتدرجة بسبب عدم التجانس في سطح الأرض. أما بيوتها فهي بطابق واحد مستطيل الشكل، تأتي عمارة هذا النوع من البيوت على شكل كتلة منخفضة مستوية السطوح مغطاة بطبقة من التراب المحمول على عوارض خشبية. تتألف من مجسّم كبير مغلق للسكن، ومبني كقطعة واحدة، تخترقه فتحات للعبور الأفقي.

إن تموضع القلعة في رسم فان دي فيلد في الجهة الجنوبية الغربية لبنت جبيل، وفي زاويتها المنخفضة باتجاه البركة الكبرى، هو دليل آخر على اهتمام حكام المدينة منذ القرن السابع عشر، بحمايتها، فبالإضافة إلى الموقع الاستراتيجي للقلعة لحماية الثغر الضعيف لناحية الوادي لجهة الجنوب فإنّ إنشاءها في تلك الزاوية يشكّل عنصر ضمان وحماية للبركة التي تعدّ أهم منشأة معمارية تساهم في استمرار العيش في هذه المدينة.

وتظهر السراي أو القلعة على الطرف الغربي للمدينة محاطة بالبيوت السكنية. وكانت محصنة بأبراج عالية، تشرف على عمارة المدينة من كل الجهات وعلى الثغور والتلال المحيطة بها كافّة. وتتوزع دور السكن في محيطها لجهتي الشرق والشمال. وفي تحليلنا للهيكلية المعمارية والإنشائية للقلعة من خلال الرسم، ومن خلال الزيارات الميدانية، تبين لنا بأن القلعة كانت كباقي قلاع جبل عامل، محصنة، ولها تخطيطها المنتظم الذي يشبه المعسكر الصغير، المبني على محاور متعددة الوظائف. فكانت تحتوي غرفًا لإقامة الجند، وأماكن للتخزين وإقامة العمال، ومقر لحاكم المدينة، وقاعة للاستقبالات الكبرى (الديوان) وتحتوي على بهو مفتوح على السماء محصنٍ بالغرف المحيطة، وبالأسوار، والأبراج التي كانت قائمة التي تظهر في الرسم، وتضفي على السراي طابعًا دفاعيًّا، وتظهر ملامح قوة ممارسة السلطة، ولهذا بنى حسين السلمان النصار سراياه على شكل قلعة، وشكلت معقله الأساسي كحاكم للمدينة ولمنطقة جبل عامل، وشكلت رمزًا لقوة جنوده وقدرتهم على حفظ الأمن، وللتأكيد على سيادته على المنطقة.

وعليه، وفي نهاية هذا البحث، نشير إلى أن حكام مقاطعات جبل عامل قد أبدو اهتمامًا خاصًا بالقلاع التي رابطت فيها فرق عسكرية مع عتادها وقوتها، فمنها لا زالت آثارها قائمةً، كقلعة هونين التابعة لناحية بنت جبيل (حاليًّا في فلسطين المحتلة)، وقلعة دوبيه، وقلعة تبنين ذات الأصول الصليبية، وقلعة ميس (بين أنصار والزرارية)، وقلعة أبي الحسن على الحدود الشمالية لجبل عامل على نهر الأولي، ومنها ما أزاله الانتداب الفرنسي بطرق متعدّدة كقلعة بنت جبيل، وقلعة جباع ، وستكون هذه القلاع موضوعًا للحلقات البحثية المقبلة.

المصادر

  • W.M. VAN DE VELDE, Reise durch Syrien und Palastina in den Jahren 1851 and 1852, Druk Von Kemink @ Sohn in Utrecht, Gotha, 1861.
  • François de SAULCY, Voyage en Terre Sainte, Tome II, Didier, Paris, 1865.
  • 11-Ernest RENAN, Mission de Phenicie, Paris, 1860.
  • Paul LORTET, La Syrie d’aujourd’hui,voyages dans la Phenicie,le Liban et la Judee,Paris,Hachette,1884.
  • حسن رامز بدوي، بنت جبيل- التراث المعماري، منشورات الجامعة اللبنانية، 2011.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.