ما بين “موت المؤلّف” وقِصّة ما بعد الحداثة، أين دور القارئ؟

0

ما بين “موت المؤلّف” وقِصّة ما بعد الحداثة، أين دور القارئ؟

سلوى صعب*

ظهرت نظريّة “موت المؤلّف” في نهاية العقد السابع من القرن التاسع عشر، وارتبطت بأسس فكريّة وفلسفيّة متعدّدة، فبعد أن أتى الفيلسوف الألمانيّ نيتشه بنظريّة “موت الإله”، رافضًا الرؤية الغيبيّة لشرح المبهم من الأمور، معتمدًا على قوانين الفيزياء التي باتت بعد عصر التنوير “هي التي تحكم الكون”، لسنا هنا بمعرض عرض هذه النظريّة أو تفسيرها، إنّما نذكرها لربطها زمنيًّا بنظريّة “موت المؤلّف” التي نادى مُطلقها بتغليب النصّ والقارئ على المؤلّف، ما يعني غلبة اللغة لتصبح المُؤثِّر الأوّل، لأنّها هي – لا المؤلّف – من يتحدّث مع القارئ.

أراد مطلق نظريّة “موت المؤلّف” الفيلسوف والناقد الأدبيّ الفرنسيّ رولان بارت (Roland Barthes 1915 – 1980) في مقاله الصادر عام 1968 أن تُقطع صلة المؤلّف بنصّه عندما يصبح بين يدي القارئ، بحيث تنشأ علاقة جديدة بين النصّ وقارئه، فلا قيمة للمؤلّف في هذه العلاقة، الأمر الذي يناقض ما ذهبت إليه المدرستان الرومانسيّة، والواقعيّة، فلا تعود إلى خلفيّة المؤلّف، وسيرته الشخصيّة أهمّيّة لدى الناقد في تحليل النصّ وتفكيكه.

أدّت نظريّة بارت إلى نسف السائد، وذلك في إطار سعيه حينها، إلى إكمال ما بدأه منظرو البِنيويّة، حين خالفوا ما قامت عليه أسس النظريّة الكلاسكيّة والحداثيّة في النقد، وانطلقوا في ثورة ما بعد الحداثة، فكرًا، وفنًّا، وأدبًا. وقد أتت نظريّة البِنيويّة لتقول أن المرجع الواقعي لا يدخل عالم النصّ كما هو، رافضة نظريّة الانعكاس، مستبدلة بها نظريّة الانكسار التي ترى أنّ تعديلًا أساسيًّا يطال المرجع عبر إعادة تشكيل، تتمّ وفق رؤية الأديب إلى العالم.

ساهم بارت في تطوير البِنيويّة، ورأى أنّ نمط النقد الذي يوطد العلاقة بين النصّ والمؤلّف قد انتهى إلى غير رجعة، وإنّ هناك نوعًا جديدًا من التحليل، فنسبة النصّ عنده إلى مؤلّفه معناها إيقاف النصّ، وحصره، وإعطاؤه مدلولًا نهائيًّا، إنّها إغلاق الكتابة، فالمؤلّف يتقلّص وكأنّه تمثال صغير على مسرح الأدب، فالكتابة وفعل الكتابة لا يستقرّان على حال، وقد أوضحت هذا المناهج النقديّة التي بدأت بالبِنيويّة ثمّ التفكيكيّة وصولًا إلى التوليديّة فالتشريحيّة. ولهذا لا يمكن الاقتصار على مدرسة واحدة في نتاج ما.

لم يهتمّ رولان بارت في تحليله لأعمال الشاعر والمسرحيّ الفرنسيّ”جان راسين” براسين المؤلّف مطلقًا، “فهو يقدّم تحليلاً ينشغل فيه بالبطل الراسينيّ؛ فالأمر يتعلّق بدراسة تتفادى أن تكون استنتاجاتها وليدة ذلك الذهاب من العمل الأدبيّ إلى المؤلّف، ومن المؤلّف للعمل الأدبيّ، ويعني ذلك أنّ بارت يرفض أن يمارس ذلك النقد النفسيّ البيوغرافيّ الذي يفسّر العمل الأدبيّ بالصراعات اللاواعية للكاتب أو الشاعر كما يكشفها تاريخ طفولته؛ ولا يريد لمعالجته النفسانيّة التي تهدف إلى اكتشاف عناصر صدمة مكبوتة، وإلى إبراز الصراعات الغرائزيّة، وإلى البحث في العمل الأدبيّ عن العناصر المسبّبة للأمراض التي تكشفها بعض المعطيات البيوغرافيّة، وإلى إقامة علاقة بين المظاهر المرضيّة لشخصيّة المبدع ومحتوى الأثر الأدبيّ”، ما فعله بارت أنّه قام بتحليل أعمال راسين من دون أن يستند إلى أنظمة قائمة سلفًا، حيث لم يتعرّض لدراسة ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

** طالبة في المعهد العالي للدكتوراه، الجامعة اللبنانيّة، قسم اللغة وآدابها.

“راسين” الإنسان”، أو البحث عن ظلّه في أعماله، ولكنّه اهتمّ به من حيث هو مرسل لخطاب مكتوب. ويعني هذا عدم انشغال النقد بكلّ ما يمثّل خارج العمل الأدبيّ، والتعامل مع الأنظمة الكامنة في العمل نفسه، وقد أوضح بارت منهجه بقوله إنّه وضع نفسه داخل عالم “راسين” المأسويّ ثمّ حاول وصف سكانه.

يسخر بارت ممّن يضع المؤلّف داخل النصّ ويحاول أن يصل إلى مكوّناته النفسيّة، النصّ عند بارت منطلق بحث لمعرفة بِنيته ودلالاته بوصفه وسيلة اتّصال لغويّة، لا مرآة وانعكاس لشخص الكاتب ومكوّناته. ولا يعني ذلك الغياب الكلّيّ للمؤلّف فبارت – كما يقول الباحث البحرينيّ رسول درويش – “لم ينادِ أبدًا بإلغاء المؤلّف وحذفه من الذاكرة، ولكنّه أراد تحرير النصّ المنتَج فقط من سلطته، وأراد للقارئ أن يتناساه ولا يُعطيه أهمّيّة، ولا يكترث فقط إلاّ بلغة النصّ ودلالاته لأنّ المؤلّف لا يكتب نصّه إلاّ من أجل القارئ، ولذلك فإنّنا نعمل على مزج النصّ بالقارئ والقارئ بالنصّ، ولا يتمّ استحضار المؤلّف إلاّ بعد الانتهاء من قراءة النصّ، ويحقّ للقارئ هنا أن يؤوّل النصّ كيفما يريد تحت وطأة موروثه الثقافيّ لا بحسب ما يريد المؤلّف”، وفي هذا القول ردّ على منتقدي نظريّة بارت الذين يرون استحالة فصل المؤلّف عن نصّه فتحليل النصّ، ومفرداته، ودلالاته جزء لا يتجزّأ من كينونة الكاتب أو المبدع؛ وعليه يرون ضرورة أن يُعطى المؤلّف حيّزًا لأنّه لا يوجد معنىً ثابتٌ للنصّ بينما يوجد مؤلّف ثابت له، هذا المؤلّف له العديد من القيم الفكريّة والإنسانيّة كوّنت مجمل ثقافته.

وعلى سبيل المثال أسقط النقد الحداثيّ لأعمال الكاتب الفلسطينيّ غسّان كنفانيّ، شخص الكاتب في نصّه، فوهم المطابقة بين الكاتب وشخصيّاته، وبين واقعه والواقع الروائيّ تجلّى في أكثر من مقولة نقديّة، الناقدة يمنى العيد تنسب إلى غسّان كنفانيّ سؤال أبي الخيزران: لماذا لم يدقّوا جدران الخزان؟ ومثلها يذهب إلياس خوري إلى القول بأنّ صوت كنفانيّ هو الذي يتقمّص حنجرة أبي الخيزران، وكذلك فعلت رضوى عاشور عندما تساءلت ما الذي كان سيفعله غسّان لو أراد أن يكون الولد الثاني لأممّ سعد بنتًا؟ كيف كان سيقدّمها. ويميّز الناقد فيصل دراج بين لغة الكاتب المترجم، ولغة الكاتب الرسول الذي يبدأ ببداهة اللغة المتعدّدة، ويكلّم البشر من وراء الحجاب اللغويّ، بينما يحاول الكاتب المترجم ترجمة أحوال البشر كتابة بقدر ما يحاول ترجمة اللغة المسيطرة إلى لغة جديدة. ولأنّ مقاومة اللغة المسيطرة تحرفه عن هدفه، يكون كاتبًا انتقاليًّا، يفكّر بلغة ويكتب بأخرى. ويحدّد الناقد المدخل الأساسيّ إلى كتابة غسّان كنفانيّ وشخصيّته بالهُويّة، وفي قراءة بين كتابة غسّان والمرجع. يرى الناقد أنّ الكاتب كان يعيش قريبًا من قارئه، ولهذا حاول أن يكتب من وجهة نظر القارئ بعد أن يعقد معه حوارًا يسعفه في اكتشافه. هذه القراءة للنصّ مرفوضة حسب المصطلح البارتيّ، فلا يمكن ربط غسّان كنفانيّ المؤلّف بنصّه عندما يصبح النصّ بين يدي القارئ.

موقع القارئ في نظريّة موت المؤلّف

رأى منتقدو نظريّة موت المؤلّف أنّها لا تؤمن بتأثير الإنسان في واقعه، بل اعتمدت على تأثير النصّ التغييريّ في القارئ، وهو يعطي دورًا سلبيًّا للمؤلّف على حساب القارئ، يرى بارت أنّ المعنى لا يأتي من خارج النصّ (اللغة)، بل يأتي من داخل النصّ نفسه، وهو ما يعني عدم إمكانيّة الوصول إلى معنى نهائيّ للنصّ وجعله مفتوحًا على اللانهائيّ، وهو أمر يجعل باب الاجتهاد مفتوحًا، ويجعل من القارئ جزءًا أساسيًّا في صياغة المعنى.

يقوم المثلث البارتيّ على ثلاثة مفاهيم رئيسة وهي: النصّ، اللغة، القارئ؛ ثلاثة يموت من خلالها المؤلّف بلا ريب، وهي تحتاج إلى قارئ مثقّف يكشف معاني الإبداع، والوصول إلى مرحلة لذّة النصّ وشاعريّته متجاوزًا القراءة الإسقاطيّة المتداولة. فما موت المؤلّف إلاّ نتيجة لمولد هذا القارئ، فالنصّ ببنائه يضع المفردات، والقارئ يكتشف المعاني، ويكسبها الدلالات، وبهذا المعنى يتحوّل القارئ إلى منتج للنصّ، وعنصر فعّال يشارك في عمليّة صياغة النصّ ولو بطريقة ثانويّة غير مباشرة، وليس مستهلكًا لغويًّا للنصّ، فهو يركّز في معادلته الثلاثيّة على القارئ كونه المبتغى والغاية المقصودة من وراء كلّ نصّ مكتوب بلا أدنى ريب، فهو غاية الكتابة، وبغيره يصبح النصّ معدومًا، أو لا فائدة تذكر من كتابته أصلاً. الفكرة تطوّرت مع جاك دريدا فمصطلح الاختلاف في نظريّة التفكيك التي أتى تسمح بتعدّد التفسيرات انطلاقًا من وصف المعنى بالاستفاضة، وعدم الخضوع لحالةٍ مستقرّةٍ، ويبيّن الاختلاف منزلة النصّ في إمكانيّته تزويد القارئ بسيل من الاحتمالات.

هذا الأمر يدفع القارئ إلى العيش داخل النـصّ، والقيام بجولات مستمرّة بحثًا عن المعنى الغائب، وترويج المعنى. ـحسب دريدا ـ يخضع دائمًا للاختلاف، والمعنى من خلال الاختلاف يخلق تعادلات مُهِمّة بين صياغات الدلالات والاطمئنان النسبيّ إلى اقتناص الدلالة. وينطبق هذا القول بشدّة مع قارئ النصّ القصصيّ القصير، فالفراغات المتعمدة والمتعدّدة التي يتركها المؤلّف في نصوص الأدب الوجيز، تترك للقارئ مَهَمَّة سدّها، وبهذا يصبح النصّ الواحد في مواجهة تعدّد القراءات، فذهن القارئ ليس صفحة بيضاء تتقبّل كلّ ما ينتجه القاصّ من موادّ قَصصيّة، إنّه شبكة من التقاطعات الفكريّة والإيديولوجية والتجارب الحياتيّة، فالمتلقّي الواعي يتقبّل النصوص القصيرة جدًّا بوعي، وبالوعي تتمّ عمليّة الاسترجاع، والفهم، والتأويل، وبالوعي يقلب المتلقّي معلوماته القديمة التي تتناصّ، وتتقاطع مع مضامين المنجز القصصيّ القصير جدًّا.

قِصّة ما بعد الحداثة

تقوم المادّة السرديّة داخل الكتابة الما بعد الحداثيّة على مَهَمَّة لوجستيّة هي تدمير تقاليد وأوّليّات الاستعراض الخطّيّ القائم على الوحدة، والترابط المنطقيّ، والتقابل، والعقدة، والخاتمة التي تكتنفها الدهشة، أو الصدمة يوظف كُتّاب ما بعد الحداثة الاستراتيجيّات الشكليّة مثل التناصّ، والتهكّم والمحاكاة الساخرة، والمفارقة التاريخيّة ومزج الأجناس الأدبيّة للوصول إلى جنس هجين (القِصّة الشعريّة) لتحقيق نقلة من إدراك الأدب الذي ينتج تحت ظروف سياسيّة معيّنة إلى الأدب الذي يستجوب السياسات التي أنتجته، وهذا هو بالتحديد ما أطلقت عليه ليندا هتشيون “سياسات التمثيل )يشير مصطلح التمثيل إلى تركيب أو بناء جوانب من الواقع/ الحقيقة مثل الناس، أو الأماكن، أو الأحداث، أو الهُويّات الثقافيّة، أو غيرها من المفاهيم المجرّدة في بِنية ما(، لقد وظّفت معظم القصص التناصّ – ومنذ زمن بعيد – ولقد نُظر إليه في السابق بوصفه تفاعلاً بين القارئ والمؤلّف، ذلك أنّ المؤلّف يفترض أنّ قارئه على علم بتناصّاته، ويفترض القارئ أنّ المؤلّف يعلم بمعرفته بهذه التناصّات، ومن ثَمَّ يصبح التناصّ علاقة واعية جدًّا بين القارئ والمؤلّف.

في كتابات ما بعد الحداثة فإنّ النصّ الذي لا يتأثّر بالتناصّ أضحى في حكم المستحيل. ولكنّ الطرق التي تدخل فيها هذه التناصّات ضمن النصّ لم تعد في نطاق وعي القارئ أو المؤلّف. فبينما كان المؤلّف الحداثيّ يتحكم في التناصّات التي يرغب في لفت نظر قارئه إليها، فإنّ القارئ لنصوص ما بعد الحداثة يُترك وشأنه ليقرّر بنفسه التناصّات التي سيضعها في حسسبانه للحالة القرائيّة، ذلك أنّ تناول كلّ التناصّات في نصّ ما أصبح مستحيلاً. ومن التداعيات الأخرى لتوظيف ما بعد الحداثة للتناصّات هو استجواب طبيعة أيّ نصّ بوصفه وحدة متكاملة لأنّ التناصّيّة تشظّي النصّ إلى تشظيّات متعدّدة على القارئ أن يعيد تجميعها بحرّيّة تامّة. تبنّت ما بعد الحداثة تقنيّة المرجعيّة الذاتيّة من الحداثة، وهناك طرق عدّة يلمّح النصّ الما بعد حداثيّ بها إلى نفسه، ولكن خصوصيّة المرجعيّة الذاتيّة الما بعد حداثيّة تتجلّى في التركيز على سياسات التمثيل، وتتّضح في المساءلة المتكرّرة لتوظيفات كلّ نصّ وحالته. فإذا كان القارئ لا يعرف شيئًا عن الشخصيّات التاريخيّة، فإنّه حتمًا يعرف الكثير عن الشخصيّات المعاصرة، ولا شكّ في أنّه سيبحث عن العلاقة، أو الروابط الخفيّة التي جعلت الروائيّ يقوم بحشدها معًا في فعل واحد، أو في مكان واحد. يتضاعف التعقيد بالنسبة إلى القارئ حين يكون مكان تجمع هذا الحشد معروفًا له، وموجودًا في واقعه المعاصر”.

يرى أمبرتو إيكو أنّ ما بعد الحداثة هي في الأساس مسألة تكنيك ونبرة، وتأثيرها الرئيس هو الإنارة المزعجة، والمبهجة في آن معًا. وترى ليندا هاتشيون أنّ ما بعد الحداثة تميل إلى الاستفهام والتعليم. وفي سلسلة من الدراسات التي قامت بها عن القصص “النرجسيّ”، والمحاكاة، وجماليّات ما بعد الحداثة، توصّلت إلى تحديد معالم فنّ القِصّة بعد الحداثيّة بما وصفته باسم “القصص التأريخيّ الشارح” (historiographic metafiction)… وهو اتّجاه يتناول إشكاليّة صنع القصص والتاريخ، والتداخل النصّيّ بعد الحداثيّ لا يتبرّأ من الماضي ولا يحقّره، كما أنّه لا يُحيي الماضي في حنين إليه… بل ترى هاتشيون أنّ القصص بعد الحداثيّ يكشف الماضي بصورة عقائديّة وتعليميّة.

ويمكن القول إنّ الشكل القصصيّ الأكثر تطبيقًا لمقولة إيكو وهاتشيون هو القِصّة القصيرة جدًّا التي سلكت في ستينيّات القرن الماضي إلى ما بعد الحداثة منعطفًا جديدًا؛ بسبب التحوّلات الاقتصاديّة العنيفة التي أدخلت العالم في عصر جديد من التطوّر السريع لثورة تكنولوجيّة المعلومات، وأشكال الاستهلاك، والاقتصاد المُعولم. وفي هذه المرحلة أعلن بعض الباحثين من أمثال: فرنسوا ليوتار وغواتاري عن نهاية السرديّات الكبرى وبداية السرديّات الصغرى؛ ومنها القِصّة القصيرة جدًّا التي تعتمد على أقلّ الكلمات للوصول إلى فائض المعنى، والمتعة الفنّيّة والجماليّة؛ بأسلوب مستعار، وبطريقة تقترب من اللهو، والعبث الرافض لنظام العالم. ويصف الأديب الكبير يوسف إدريس القِصّة القصيرة بأنّها كالرصاصة يجب أن تتّجه نحو هدفها مباشرة، إنّ كتابتها – كما يصف غسّان  كنفانيّ بمقولة له – عمليّة مرهقة للغاية، تحتاج إلى موهبة قول الشيء باختصار شديد الإيحاء، إنّها من حيث الصعوبة تشبه أن تعمل على كسب موافقة سيّدة جميلة تراها، لأوّل مرّة في المصعد، لتقبل منك قبلة عرمرميّة قبل أن يصل المصعد اللعين إلى الطابق الخامس، حيث سيتوجّب عليها أن تغادرك.

استطاعت مقولة بارت كمنهج إجرائيّ لا كإشكاليّة عقائديّة، التي باتت معروفة بدرجة كبيرة في الثقافة العربيّة، أن تؤثّر تأثيرًا كبيرًا على الجماليّات بوجه عامّ، وعلى حركة النقد الأدبيّ على وجه التحديد، خصوصًا فيما اصطلح على تسميته بجماليّات التلقّي. ولعلّ أهمّ النتائج التي ترتّبت على إعلان بارت موت المؤلّف تمثّلت في تحرير الفكر النقديّ من سلطة الذات ومرجعيّتها، وجعل العمل الفنّيّ المتحدّث الأوّل والأخير، كونه بات المرجعيّة الوحيدة للناقد.

المراجع والمصادر

  • أماني أبو رحمة: الاستراتيجيّات السرديّة وسياسة التمثيل في رواية ما بعد الحداثة، موقع صحيفة المثقّف الإلكترونيّ.
  • بيتر بروكر: الحداثة وما بعد الحداثة، ترجمة عبد الوهاب علوب، منشورات المجمع الثقافيّ، ط 1 1995، أبو ظبيّ.
  • إلياس خوري: تجربة البحث عن أفق، مركز الأبحاث في منظّمة التحرير الفلسطينيّة، ط 1، بيروت 1974.
  • فيصل دراج: دلالات العلاقة الروائيّة، دار كنعان، ط 1 دمشق 1992، كذلك: (الثقافة/ الممارسة في ممارسات غسّان كنفانيّ) في: قضايا وشهادات، العدد 5 ربيع 1992.
  • رضوى عاشور: الطريق إلى الخيمة الأخرى، دار الآداب، ط 1، بيروت 1977.
  • يمنى العيد: ممارسات في النقد الأدبيّ، دار الفارابيّ، ط 1، بيروت 1975.
  • غسان كنفانيّ: فارس فارس، دار الآداب، بيروت، ط 1، 1996.
  • حسن المودن: “رولان بارت والتحليل النفسيّ”، مجلّة الفيصل، العددان 509 – 510، مارس – إبريل – 2019م.
  • محمّد أيوب: مضمرات القِصّة القصيرة جدًّا، منشورات دفاتر الاختلاف، مطبعة سجل ماسة، مكناس، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2012م.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.