القِصّة القصيرة جدًّا والجدليّة الشعريّة في صنع الأنا الفرديّة والذات الجمعيّة

0

القِصّة القصيرة جدًّا والجدليّة الشعريّة في صنع الأنا الفرديّة والذات الجمعيّة

د. زينب الطحان*

تعدّدت المداخل إلى الشعريّة على مستوى الفهم والتفسير، لكنّ الشيء الثابت في هذا العلم أنّه يتحدّد بمنهجه لا بأفكاره، وبموضوعه وليس بالنتائج التي يفضي إليها، وهذا ما يسوّغ اختلاف أقطاب مباحث الشعريّة، في تفسير موضوعات بحوثهم. من أجل هذا كان لزامًا تقديم المرجعيّة المعرفيّة التي تستند إليها، والخطوات المنهجيّة المتّبعة قبل التعرّف على ماهيّة “القِصّة القصيرة جدًّا” كونها الأصل الذي يحتوي موضوعنا.

أ – المدرسة الشكلانيّة وبزوغ المباحث الشعريّة

لم يميّز الشكلانيّون بين الشكل والمضمون؛ فالشكل في عرفهم هو أساس العمليّة الإبداعيّة والمضمون متوقّف عليه والعكس غير وارد أصلًا، إلاّ أنّ اهتمام الشكلانيّين بالشكل لا يعني أنّهم نحوا نحو “مدرسة الفنّ للفنّ”. وبهذا يمكننا أن نعدّ الشكلانيّين الروس” أوّل من نبّه إلى أنّ النصّ، منظومة تحدّد وظيفة الأدوات الأدبيّة، إذ أصبح موضوع الأدب على أيديهم هو” الأدبيّة”، وليس أيّ موضوع نفسيّ، أو اجتماعيّ، أو تاريخيّ… إلخ[1]“. لقد كان الانطلاق النظريّ للشكلانيّين نابعًا من التمييز بين اللغة اليوميّة، والشعريّة، والتفريق بين وظائفهما المتعدّدة فالمعنى، أو الدلالة عامّة إشكاليّة غير مطروحة لدى الشكلانيّين فهم يتعاملون مع الحقائق اللغويّة كمادّة قابلة للتحميل وللتطبيق الإجرائيّ. ويمكننا أن نعدّ هذا التفريق القائم بين اللغة المعياريّة، والشعريّة هو نفسه تفريق اللسانيّات بين اللغة والكلام.

لقد عملت الشكلانيّة على تجاوز مفهوم البلاغة التقليديّة، المغلق، المعياريّ، إلى شعريّة النحو وما يتفجّر عنها من صور جماليّة. وهذا ما جعل من “الصعب جدًّا تحديد مفهوم قارٍ للشعريّة، ذلك أنّها ليست في أحد معانيها إلاّ بلاغة جديدة”[2] ومن أجل ما تهفو إليه الشكلانيّة من تحقيق أساس علميّ منهجيّ راحت تستعير من اللسانيّات منهجها وأدواتها. فالمنهج الوصفيّ اللسانيّ أثبت أهمّيّته وفاعليّته مع “دي سوسير (Ferdinand. De “Saussure). كما استعارت من النحو مفاهيم النسق والقاعدة، وبهذا أصبحت وكقاعدة عامّة مع “جاكسبون” “صورة النحو في قصيدة بلا صور، هي التي تصير مهيمنة، وهي التي تحلّ محلّ كلّ المجازات”[3].

ب- بين الأدبيّة والشعريّة

الأدبيّة “مفهوم موازٍ لمفهوم الشعريّة في أهدافه، وإلى حدّ ما، في طرائقه، وعلى الرّغم من صعوبة ضبط علاقتهما وتمييز حدودهما، إلاّ أنّ الأدبيّة، تارة، تتجلّى عن كونها مفهومًا نظريًّا مستقلاًّ لتكون موضوعًا لعلم الأدب، وأخرى لتكون موضوعًا للشعريّة نفسها”[4]. ولقد كان “جاكسبون” من الأوائل الذين أعلنوا “أنّ موضوع علم الأدب – من وجهة نظره – ليس الأدب، بل أدبيّة الأدب، أي الخصائص التي تجعل عملًا معينًا عملًا أدبيًّا”[5] تحت شرطها الفنّيّ والجماليّ.

إلاّ أنّ الحديث عن ماهيّة الأدبيّة، وتحديد مفهوم قارٍ لها، بقي مؤجّلاً، ومستعصيًا فـ”الأدبيّة مفهوم غامض إلى حدّ الحيرة”[6] وقد ظلّ “غامضًا على وضوحه النسبيّ، بحيث توقّف نشاط البحث فيه أو كاد، منذ المدرسة الشكلانيّة الروسيّة (1921)[7]، إذ اقترن مفهوم الأدبيّة بالشعريّة وموضوع دراستها، و”إنّ نظرة دقيقة لاستراتيجيّة الشعريّة تظهر أنّ الأدبيّة هي موضوعها الأكيد، فما دامت الشعريّة، ومن بين مَهَمّاتها الأساسيّة – استنباط الخصائص المجرّدة في الخطاب الأدبيّ، وهذه الخصائص المجرّدة هي- اختصارًا – الأدبيّة ذاتها فالشعريّة- تستنبط الأدبيّة في الخطاب، وبهذا تكون علاقة الشعريّة بالأدبيّة علاقة المنهج بالموضوع بشكل متوالٍ.

تتكفّل الشعريّة بوصفها أدلّة إجرائيّة بالتركيز على آليّات الخطاب الأدبيّ، “وبتلك الخصائص المجرّدة التي تصنع فرادة الحدث الأدبيّ أي الأدبيّة”[8]. ويرى “جاكسبون” أنّه إذا كانت الشعريّة “تعنى بالغياب المتمثّل في الفجوات الدلاليّة، فإنّ الأدبيّة تبحث في الأنساق والتنظيمات التي حوّلت الفعل اللفظيّ إلى أثر أدبيّ”[9] عبر الدّلالة.

إنّ “الأدبيّة والأدب، والأدبيّ من الأدب، فيكون لفظ الأدبيّة في منطلقه وكأنّه النعت القائم مقام منعوته، وهذا المنعوت المنحجب والمقدّر تقديرًا هو “السّمة” فكأنّما قلنا في البَدء “السمة الأدبيّة” التي إذا توافر عليها الكلام أصبح كلامًا فنّيًّا أي أدبيًّا جماليًّا”[10].

  • شعريّة تودوروف

إذا سلّمنا أنّ الأدب هو”قول أكثر صناعة من الكلام العاديّ”[11] فهذا يعني أنّ الكتابة هي فعل وعي باللغة ينحرف بها عن مستوى الاستعمال الجماعيّ المألوف إلى خصوصيّة الأداء الفرديّ الأدبيّ المتميّز، ولهذا فالشعريّة “لا تسعى إلى تسمية المعنى، بل إلى معرفة القوانين العامّة التي تنظّم ولادة كلّ عمل”[12]، ويرى “تودوروف” أنّ على الشعريّة أن تجيب عن أسئلة جوهريّة، يمكن ترتيبها كما يلي:

  • ما هو الأدب؟ وذلك بالنظر إلى الأدب، كوحدة داخليّة ونظريّة، أو بتحديد التقاطع الحاصل بين الخطاب الأدبيّ والأجناس الأخرى.
  • ما هي الوسائل الوصفيّة الكفيلة، بتمييز مستويات المعنى، وتحديد مكوّنات النصّ الأدبيّ؟”[13]

كما حدّد مجالات الشعريّة في ثلاثة محاور هي:

  • “تأسيس نظرية ضمنية للأدب.
  • تحليل أساليب النصوص.
  • تسعى الشاعريّة إلى استنباط الشفرات المعياريّة التي ينطلق منها الجنس الأدبيّ، ولذلك فالشاعريّة تحتلّ مساحة كبيرة في علم الأدب”[14].

إنّ الشعريّة بعدّها نظريّة داخليّة للأدب، تحاول القبض على وحدة الأعمال الأدبيّة وتنوّعها، فموضوعها ينبنيّ أساسًا على الأعمال المتحقّقة، والمحتملة على حدّ سواء فـ”ليس العمل في حدّ ذاته موضوع الشعريّة ،فما تستنطقه الشعريّة هو خصائص هذا الخطاب النوعيّ، الذي هو الخطاب الأدبيّ. وكلّ عمل عندئذٍ لا يعدّ إلاّ تجلّيًا لبِنية محدّدة وعامّة، وإنجازًا من إنجازاتها الممكنة. ولكلّ ذلك فإنّ هذا العلم لا يعنى بالأدب الحقيقيّ، بل بالأدب الممكن، وبعبارة أخرى يعنى بتلك الخصائص التي تصنع فرادة الحدث الأدبيّ أي الأدبيّة”[15].

إنّ شعريّة” تودوروف “لا تهتمّ بالنصوص الأدبيّة باحتسابها إبداعات فرديّة ولا يهمّها الأثر الأدبيّ في ذاته، وإنّما تسلّط اهتمام مجال بحثها، وأساس اشتغالها، على خصائص الخطاب الأدبيّ في بِنيته المجرّدة؛ لاستنباط القوانين الداخليّة التي تنظم ولادة الخطاب الأدبيّ. إذ ينطلق تأسيسه لموضوع الشعريّة في النصوص الأدبيّة، ينبع أساسًا من المفهوم الإجرائي للخطاب الأدبيّ، وخصائصه ومكوّناته البِنيويّة، والجماليّة[16] معتمدًا في تحليله للخطاب على إمدادات المنهج البِنيويّ الذي بإمكانه “تجميع قضايا التحليل الأدبيّ في ثلاثة أقسام، بحسب ارتباطها بالمظهر اللفظيّ من النّصّ، أو التركيبيّ، أو الدّلاليّ”[17] المؤسّس لنظامه.

  • شعريّة جاكسبون

عدّ جاكسبون الشعريّة ذلك “الفرع من اللسانيّات الذي يعالج الوظيفة الشعريّة في علاقتها مع الوظائف الأخرى للغة، وتهتمّ الشعريّة بالمعنى الواسع للكلمة بالوظيفة الشعريّة لا في الشعر فحسب، إذ تهيمن هذه الوظيفة على الوظائف الأخرى للغة، وإنّما تهتمّ أيضًا خارج الشعر، حين نعطي الأولويّة لهذه الوظيفة، أو تلك على حساب الوظيفة الشعريّة”[18]، وعلى هذا يتحدّد مفهوم الشعريّة عند جاكسبون بالإجابة على السؤال “ما الذي يجعل من مرسلة كلاميّة عملًا فنّيًّا؟”[19]. كما تتجلّى الشعريّة عند جاكسبون “في كون الكلمات وتركيبها، ودلالتها، وشكلها الخارجيّ والدّاخليّ، ليست مجرّد إشارات متعدّدة عن الواقع، بل لها وزنها الخاصّ، وقيمتها الخاصّة”[20]. فالشعريّة وظيفة غائبة تسعى إلى تحقيق استقلاليّة الخطاب الأدبيّ كنظام لغويّ، دلاليّ خاصّ، والنظر إلى الكلمة ككلمة لها وجودها ووزنها الخاصّ.

ويعدّ جاكسبون الوظيفة الشعريّة وظيفة محوريّة في الخطاب الأدبيّ، فهي موجودة في كلّ الخطابات اللغويّة، ومن دونها “تصبح اللغة ميّتة وسكونيّة تمامًا، فالوظيفة الشعريّة، تدخل ديناميّة اللغة”[21]، وبالتالي تمنح الرسالة اللغويّة شحنة شعريّة ترتفع بها إلى ذرى جماليّة فنّيّة. كما يؤكّد جاكسبون على أنّ “الدّراسة الألسنيّة للوظيفة الشعريّة يجب أن تتعدّى نطاق الشعر”[22] لتشمل الخطاب الأدبيّ ككلّ، وهو الذي يوافق “فاليري” و”تودوروف” وينظر إلى الشعريّة بوصفها وظيفة لسانيّة بالدّرجة الأولى.

  • شعريّة جون كوهين

يعدّ كوهين الشعريّة “كاللسانيّات تهتمّ باللغة وحدها، ويكمن الفرق الوحيد بينهما في أنّ الشعريّة لا تتّخذ اللغة عامّة موضوعًا لها، بل تقتصر على شكل من أشكالها الخاصّة”[23] إذ تستعير من اللسانيّات منهجها، ولكنّها توظّفه بهدف دراسة شكل خاصّ من أشكال اللغة – الخطاب الأدبيّ – وعند كوهين الشعريّة علم موضوعه الشعر، فهو على خلاف سابقيه، يحصر مجال الشعريّة في حدود الشعر، مقلّصًا بهذا من فاعليّتها وشموليّتها. فقد بنى كوهين شعريّته انطلاقًا من مفهوم “الانزياح”، فهي عنده تتحدّد بكمّيّة الانزياحات، والجناسات، والاستعارات، والكنايات، والصور، والمفارقة، والإيقاع، والتوازي… وكلّ هذا يدخل في إطار مظاهر الشعريّة.

لقد جعل كوهين الشعر في مقابل النثر بل ضدّه، وعدّ أنّ “هدف الشعريّة بعبارة بسيطة، هو البحث عن الأساس الموضوعي الدي يستند إليه تصنيف نصّ في هذه الخانة أو تلك، فهل توجد سمات حاضرة في كلّ ما صنّف ضمن” شعر” وغائبة في كلّ ما صنّف ضمن “نثر”، وإذا كان الجواب بالإيجاب، فما هي؟ إنّ هذه السؤال الذي تجيب عليه كلّ شعريّة تسعى لأن تكون علميّة”[24] في أسسها ومنطلقاتها. ولأنّ الشعريّة تقوم على مبدأ المحايثة مثلها مثل اللسانيّات؛ باعتمادها على تفسير اللغة باللغة ذاتها، فقد كان هذه منهجها لتحقيق علميّتها إلّا أنّ كوهين يعدّ “الشعريّة محايثة للشعر ويجب أن يكون هذا مبدأها الأساسيّ”[25] في هذا الموقف.

اعتمد كوهين في دراسة الشعريّة على الثنائيّة الضدّيّة (شعر/ نثر) وجعل من الظاهرة الشعريّة ظاهرة يمكن قياسها، بالنظر إلى متوسّط التردّد “لمجموعة من المجاوزات والانزياحات التي توظّفها لغة الشعر في مقابل لغة النثر، كما ربط كوهين شعريّته بالأسلوبيّة منطلقًا من أنّ “الأسلوب هو كلّ ما ليس شائعًا وعاديًّا، ومطابقًا للمعيار العامّ المألوف… يحمل قيمة فنّيّة جماليّة، إنّه انرياح بالنسبة إلى معيار؛ أي إنّه خطأ، ولكنّه كما يقول برونو أيضًا: “خطأ مقصود”[26]، وهكذا تحوّلت الشعريّة إلى “علم الأسلوب الشعريّ”[27] وأصبحت اللغة الشعريّة “ظاهرة أسلوبيّة بالمعنى العامّ للمصطلح وللمفهوم”[28].

إنّ “الأشياء ليست شعريّة إلّا بالقوّة، ولا تصبح شعريّة بالفعل، إلّا بفضل اللغة فبمجرّد ما يتحوّل الواقع إلى كلام يصبح مصيره الجماليّ بين يدي اللغة”[29] وتصبح: المَهَمّة الخاصّة لعلم الشعريّة في النقد الأدبيّ التساؤل لا عن المحتوى الذي يظلّ دائمًا هو هو، ولكن عن التعبير حتّى تعلم أين يكمن الفرق”[30] فالشعريّة لا تعنى بالمضمون – حسب كوهين – وإنّما تركّز على طريقة التشكيل والتعبير عن هذا المضمون.

إنّ هذا التعدّد في زوايا مفهوم الشعريّة، وهذا الاختلاف النسبيّ، التفاوت بين الشعريّات ليس اختلافًا في جوهر المفهوم، ولكنّه تفاوت في عمق وجهة الرؤيا ومنطلقاتها، إلّا أنّ هذه الشعريّات تبقى خاضعة لمرجعيّة واحدة تمثّل مجال عملها وموضوعها ودراستها، وهي الخطاب الأدبيّ كواقعة لغويّة؛ لذلك تعدّ “جوليا كريستيفا” الشعريّة “خطابًا من دون موضوع خطابًا خارج الزمان والمكان، يتحدّث إلى نفسه ضمن حالة لا متناهية من ابتكار نماذج مستمدّة من اللسانيّات، أو من تصوّر أوّليّ، ومطبّقة من دون مسوّغات مقنعة بهدف بناء نموذج النّصّ الأدبيّ المراد دراسته”[31] وفق هذا التصوّر.

إنّ وجود هذه المفاهيم العديدة جعلت الشعريّة شعريّات عدّة لا تتّفق على واحدة لدليل على زخم المفهوم، وزئبقيّة الموضوع، الذي أقرّ كلّ النقاد باستحالة القبض على مقياسه، وهو ما نؤكّد عليه باستمرار، فالشعريّة مصطلح قديم حديث مستمرّ في التجدّد والتطوّر، فمن زمن القيود الخليليّة والسلطة الأبوية إلى زمن التمرّد لأنّ الشاعر المبدع تعتريه رغبة جامحة لابتكار، وخلق بدائل تعبيريّة غير مألوفة تسوق النظريات والقواعد الشعريّة السابقة لإعادة النظر من جديد في أنظمتها وأسسها الجماليّة.

  • من شعريّة النّصّ إلى شعريّة التلقّي

“إنّ النّصّ لا يعلن عن معناه، ولا عن قصديّته”، بعد فصله عن قصديّة الذات التي أنتجته، فلن يكون من واجب القرّاء ولا في مقدورهم التقيّد بمقتضيات هذه القصديّة الغائبة، وعليه تندرج ضمن لعبة متنوّعة للدوال. كما أنّ النّصّ لا يحتوي على أيّ مدلول متفرّد ومطلق، ولا وجود لأيّ مدلول متعالٍ، ولا يرتبط الدّال بشكل مباشر بمدلول يعمل النّصّ على تأجيله وإرجائه باستمرار، فكلّ دالّ يرتبط بدالّ آخر، إذ لا شيء هناك سوى سلطة الدّال المحكومة بمبدأ اللامتناهي”[32] تبحث عن تمثّل من دون أن ترسو على شيء محدّد.

لا يمكن عدّ “قصديّة النّصّ واضحة وإن كان للكلمة معنى متعارف عليه، فإنّ النّصّ لا يقول ما اعتقد القارئ أنّه قرأه، ربّما منساقًا في ذلك وراء هواه ومزاجه فما بين قصديّة الكاتب الصعبة الإدراك، وبين قصديّة القارئ، هناك القصديّة الشفافة للنّصّ التي تدحض كلّ تأويل هشّ”[33] يعمل القارئ جاهدًا للكشف عنها ضمن ما يقدّم من قراءة يحاول فيها الاقتراب قدر الإمكان.

لم يعد النّصّ ذلك الحقل الوافر الظلال، “فالنّصّ الأدبيّ يحمل أكثر ممّا هو في ظاهره، والموجود من عناصره ليس سوى انعكاس المفقود منها. وهذا المفقود هو إمكانات يقترحها النّصّ على القارئ الذي يتولّى إتمامها”[34]. بذلك يكون النصّ “آلة تنتج سلسلة من الايحاءات اللامتناهية تشكو من غياب ذات الكاتبة، ومن غياب الشيء المحال عليه، أو المرجع”[35] ليشكّله القارئ حسب احتياجاته الخاصّة.

فجماليّة القراءة عند دريدا تهدف إلى تأسيس ممارسة (فلسفيّة أكثر منها نقديّة) تتحدّى تلك النصوص، التي تبدو كأنّها مرتبطة بمدلول محدّد، ونهائيّ، وصريح، إنّه لا يريد تحدّي معنى النّصّ فحسب، بل يطمح إلى تحدّي ميتافيزيقا الحضور، الوثيقة الصلة بمفهوم التأويل القائم على وجود مدلول نهائيّ. وهذا في الحقيقة من مفردات الثقافة الأدبيّة لفلسفة ما بعد الحداثة. إذ إنّ ما يسعى البرهنة عليه هو السلطة التي تمتلكها اللغة المتجلّية في قدرتها على أن تقول أكثر من ما تدلّ عليه ألفاظها المباشرة[36]. حين تتحوّل قائمة هذه الألفاظ إلى إشارات “لا لتدلّ على معنى، وإنّما لتثير في الذهن إشارات أخرى وتجلب إلى داخلها صورًا لا يمكن حصرها”[37] نهائيًّا، وتتوالد إلى أبعد حدّ.

ليس هناك معنى أصليّ للنّصّ، أو معنى أوّل، وإذا اعتقدنا هذا فإنّه مات بمجرّد ولادة القارئ، فالمعنى يتجلّى في جدليّة القارئ وحواريّة الأفكار التي لا يتّفق فيها اثنان باعتبار طبيعة المعنى في الأدب، حول مونولوج وديالكتيك في حركيّة فاعلة، في تنمية الوعي وتحديد نمطه، وتوسيعه، “إنّه جدل بين أفق الثقافة المتحدّرة التي تواجهنا وتخلق لحظة من السلب والتساؤل”[38] بين الأخذ والردّ تفيض حركيّة الفهم، بما تتيحه من معانٍ وتعدّد الدّلالات لم تكن قبل القراءة.

إنّ هذا التأويل الذي يمنح الفكر أكثر من بعد، ويفتح على العديد من المجالات من دون حدود تحدّ من حرّيّة المعنى، من هنا وفي هذه الاهتداء واستفزاز النّصّ للقارئ، تتجلّى كيفيّة فهم إنتاج النّصّ. فإذا كان النّصّ رديئًا في حكم القارئ، وإن كان في ذاته جميلًا، أو في ذات المؤلّف ليس الأمر من الأهمّيّة، فالجماليّة المنشودة التي نبحث عنها تتمركّز عند الذي يقيّمها. فالجمال لا يقبل منه أن يقول أنا جميل بقدر ما ينتظر ردّ الآخر، فالجماليّة تتشكّل عند القارئ، فلا تهمّنا هذه التمظهرات الواقعة في نظر المؤلّف، وفي نظر النصّ لذاته، بعيدًا عن القارئ الذي يعزى له تجسيد الشفرات لممارسة فعل القراءة.

إنّ القارئ لا يقرأ النصّ بقدر ما يقرأ الموسوعة، وارتحال النصّ في عالمه الخاص إذ أنّ “القراءة عمليّة تفاعل بين أنظمة لا واعية تنطوي على قدرة القارئ من ناحية، ولغة النصّ من ناحية ثانية”[39]. فقراءة الأثر الأدبيّ تحتاج مهارة تخييليّة تحتاج إلى رؤية تأويليّة وما تحويه من آليّات تستطيع مواجهة الشفرات، وفك البنى الرمزيّة في تنوّعها واختلافها إذ تتوسّل القراءة بأساليب التحليل (التفسير، الفهم الذوقيّ والعقليّ) وأساليب المحاورة (المكاشفة والظنّ، ملامسة عقلنة المعنى…).

إنّ تآمر جماليّة التلقّي مع الهرمينيوطيقا على تهديم سلطة النّصّ وإسقاطها، لتحمّل القارئ مسؤوليّة إعادة بناء الأثر، وتصوّر معناه المهشّم، لا من حيث البحث عنه في مطابقة مقاصد المؤلّف، إذ دور المؤول لا توكل إليه هذه المَهَمّة فحسب، إنّما تتمثّل في البحث عمّا يجعل من نصّ ما يرتقي إلى مصاف الأدب، أيّ في الخصوصيّة الأسلوبيّة، والفنّيّة التي تمنح عملًا أدبيًّا صفة الأدبيّة.

إنّ النصّ يتشكّل عند القارئ حين تستحيل قراءته على لسان صاحبه وقصديته إذا كان المؤلّف يراعي جماليّات تشكيل النّصّ، فالقارئ يراعي جماليّات بناء صورة النّصّ. فالقراءة فنّ، والفهم فنّ آخر، إنّها نظرة الذات إلى الوجود من شرفات التأمّل، والخيال فتكون الهرمينيوطيقا راعية هذا الفنّ، ومحتضنته في مرامه فهم منطق النصّ وفلسفة تشكّله والبحث عن روح جماليّاته التي تتجاوز التفسير المقتحم، والإسقاط العفويّ في مراودة النّصّ.

إنّ الهرمينيوطيقا في فلسفة غادمير يعرّفها على أنّها فنّ فهم التأويل[40]، وهي التي تجد لنفسها سندًا قويًّا في مجال اللغة بعدّ أنّ الفهم، ومن ثمّة التأويل يقع فيها وبها، فما هي بمنظومة مجرّدة ونسقيّة كما رآها سوسير.

يعدّ غادمير أنّ الحاجة للفهم تزداد بشكل متواتر كلّما وجد هناك سوء فهم، وسوء الفهم يولّد الرغبة في الفهم. تعدّ إشكاليّة الفهم والعوامل المؤثّرة فيه من بين أهمّ الإشكاليّات اللغويّة في العصر الحديث، التي قيل فيها الكثير ولا تزال محطّ اهتمام بالغ لما يتّسم هذا الجانب من الدّراسة من ثراء معرفيّ وتعقيد في البحث.

نعني بفهم النصّ عمليّات امتلاك النصّ التي تشترك فيها كلّ شركاء التواصل، أي المرسل والمتلقّي أيضًا. فليس كلّ سماع وقراءة هما سماع فهم، وقراءة إدراك، بل يجب أنّ تعدّ ما تسمّى الأنشطة المنتجة (الكلام، الكتابة) أنشطة محدّدة بالفهم، ويجب على المرء دائمًا لأجل التمام أن يراعي في الفهم سوء الفهم أو عدمه.

  • جدل الكلمة والتركيب وتشكّل الصورة

إنّ الصورة نتاج تركيبيّ تـنصهر فيه العناصر بعضها في بعض حين أنّ المقاييس الفنّيّة لا تنضبط منطقيًّا، وإنّما توصف آثارها، فيجمع الدّارسون المحدثون على أهمّيّة الصورة الفنّيّة كلَبِنَة أساس في العمل الفنّيّ، لكنّهم على الرغم من ذلك لا يزالون مختلفين حول إعطاء تعريف محدّد لها، وكلّ التعريفات الموجودة هي عبارة عن رؤى أحاديّة من زوايا نظر معيّنة. ويعزى السبب في ذلك إلى كون الصورة ذات دلالات متعدّدة وترابطات متشابكة، وذات طبيعة مرنة تأبى التحديد، ولعلّ هذا ما دفع “ريتا عوض” إلى القول إنّ “الصورة الشعريّة أصبحت تحمل لكلّ إنسان معنًى مختلفًا، كأنّها تعني كلّ شيء”[41]. وانطلاقًا من هذه الشموليّة، وهذا الاتّساع فقد تباينت التعاريف، يعرّفها “منير سلطان” بعد أن يقارنها بالصورة الفوتوغرافيّة مبيّنًا الفضل، والمزيّة للصورة الفنّيّة عليها بالقول “الصورة هي اللقطة التي تسجّل وضعًا معيّنًا لشيء، سواء أكان حيًّا أم ظواهر طبيعيّة، وهذا تصنعه آلة التصوير، وكذلك ما يصنعه الفنّان، لكنْ بينهما فروقٌ…

فالصورة الفنّيّة اللغويّة تتميّز بأنّ اللقطة التي يسجّلها الفنّان في وضع شيء معيّن للشيء تضفي حياة على ما تصوّر، ولا تثبته في وضع معيّن جامد، بل هي تمنحه من الحركة، واللون، والإيقاع، ما يجعله ربّما أجمل من واقعه، وأكثر من ذلك أنّ المصوّر الفنّيّ يضفي من روحه وذوقه وثقافته على الصورة الفنّيّة؛ ما يعجز المصوّر بالآلة عن الإتيان به.

فالصورة بالآلة تحكي شيئًا واحدًا، وضعًا واحدًا، ومعنى واحدًا، ولحظة واحدة، بينما تحكي الصورة الفنّيّة أشياء، وتتحرّك في أوضاع، وتوحي بمعانٍ، كما أنّها تنسب إلى مصوّرها”[42]. وثمّة من يعرّف الصورة أنّها كلمات تكوّن مشهدًا أو لوحة، يقول “أحمد نصيف الجنابيّ”: “الصورة مشهد قوامه الكلمات”[43] في مسرح اللغة. فعلى هدى هذا الرسم النظريّ، تخطّ ريشة القاصّة “هيام الفلح” هذا النّصّ: “نصل مدهش”

كلّما ردّد جملته المكسورة: “أنا حرّ… أنا حرّ”…

ردّد الببغاء الحبيس في قفص الحديد، خلف جدران الشرفة، ضاربًا رفيقته بجناحيه: “أنا حرّ.. أنا حرّ”[44].

تعتمد لغة النصّ على مجموعة من الوسائل البلاغيّة التصويريّة، كاستعمال الاستعارة، والمجاز، والكناية، والرمز، وخصوصًا في المتوالية الشعريّة التي تحوّل النصّ إلى قصيدة شعريّة حبلى بالصور البلاغيّة والأسلوبيّة، التي قرّبت النصّ من القصيدة الشعريّة، حين طغى فيها الأنا، والمجاز، والرمز بشكل مميّز. لتنوّع الأدوات الفنّيّة التي يستخدمها الكاتب وطريقة استخدامه لها، ولميل التشكيل الحداثيّ في نمط القِصّة القصيرة جدًّا، إلى أن تكون كِيانًا متفرّدًا خاصًّا، أصبح بناء هذا النوع من القصّ على قدر من التركيب والتعقيد، يقتضي من قارئها نوعًا من الثقافة الأدبيّة والفنّيّة الواسعة.

إنّ التماسك المعجميّ كالاستبدال، والحذف، والتكرار، خصوصًا التكرار، تؤثّر على صعوبة الفهم أو سهولته. أمّا أهمّ عامل في التماسك المعجميّ الذي تذهب آخر الدّراسات إلى أثره الكبير في عمليّات الفهم، هو التضامّ بواسطة وضع مقاييس للنظام من حيث الغموض، أو عدمه في موقع الكلمة النظاميّ مع قرينتها في إطار الجملة، ومع أنّ مقياس الوضوح والغموض من أهمّ المقاييس في عمليّات الفهم، لكنّه يظلّ مقياسًا نسبيًّا غير قابل للتعميم بشكل مطلق إضافة إلى اللُّبس الذي قد يحصل في النظر إلى الغموض هل هو ناتج عن الفهم أم عائق للفهم؟ هل هو في النصّ، أو في مستقبل النصّ؟ الذي يتموضع من دون فهم النّصّ. لكن تجدر الإشارة إلى بعض العناصر النصّيّة التي قد تؤثّر في الفهم، سواء أكانت في النصّ المكتوب أم في النصّ المنطوق، فمن هذه العناصر النصّيّة التي تؤثّر في الفهم صياغة الخطاب أو أسلوبه، فمن المعروف أنّ الأبنية النحويّة البسيطة تستقبل أسرع من الجمل المتداخلة بشكل مضاف بعضها في بعض، أو الجمل ذات التراكم من سلاسل الصفات، كما يمكن أن يؤدّي التحميل المبالغ فيه للنصوص غير العلميّة بمصطلحات علميّة متخصّصة إلى صعوبات في الفهم، لأنّه يكون ضروريًّا لفهم هذه الوحدات كثيرًا من عمليّات الاستنساخ الإضافيّة.

يُلاحظ أنّ الكاتب ينطلق في تشكيل عالمه السرديّ من خلال مراقبة حركة الأشياء وزوالها، مبيّنًا أثر الزمان على المكان في إجراء التغييرات، والتعديلات بموجب قانون حياتيّة يحكمها. يقول القاص “هشام البستانيّ”:

همس الموتى.

وقف ينصت.

“مدفأة كاز وغرفة صغيرة كنّا فيها سبعة. خنقنا البرد بأنفاسنا”.

“ضوءان مسرعان ثمّ انتزعني المعدن البارد عن وجه الأرض ووضعني فيها.”

“سكنت بيتًا كان يسبح فوق الماء ثمّ قرّر أن يغوص.”

“عمري سبع سنوات. قنبلة ذكيّة وجدت طريقها إلى حيّنًا.”

“عمري ثلاثة أشهر. رصاصة مطّاطيّة وجدت طريقها إلى رأسي.”

“كنت ما أزال أسبح في سائل دافئ عندما تلقت أمّي هراوة على بكنها المنتفخ.”

حين سكتت الأصوات، ورغم أنّ شمسًا تسطع فوق رأسه وبشرًا آخرين يمرّون من أمامه مسرعين في سيّاراتهم، صار متأكّدًا أنّه في حفرة، وبدأ يهمس.[45]

يخلق النصّ توازيًا على مستوى البِنية التركيبيّة في اقتناء صيغة فعل الفاعل “يسبح/ يغوص، يمثّله في النصّ تذبذب الحدث بين السباحة فوق الماء والغوص تحتها، وذات قائمة بالحدث يمثّلها في النصّ الضمير الغائب الذي يحدّد هُويّة “الفاعل”، وزمن يرشحه السياق الذي يرد في أثنائه، والسياق السرديّ هنا يرجّح أن يكون الزمن عائمًا وهو أمر ينسجم مع مجال السرد، ومع ما يطرحه الفعل من دلالة أوحت لبعضهم أن يعرفه حدث يدلّ على زمن. تجسيد الفعل الحركيّ لآليّة تشغيل الصعود تأتي منسجمة مع رؤية الذات الداخليّة التي تعبّر عن إحساسها بالقلق والحيرة، فتجعل من فعل “يسبح فوق الماء” الحركيّ وسيلة لاستبصار خفايا الشعور. وما بين فعل “يسبح فوق الماء” بارتقاء درجات النجاح، وفعل “الغوص” بالسقوط نحو الفشل، يُخلق التوازي على مستوى (التباين) بين الفعلين المتضادّين بانتقال الهواجس الذاتيّة إلى هاجس جماعيّ يمثّل ذلك تماهي الفرد بالمجموع. وقد انصهرت مكوّنات البناء السرديّ معًا لتشكّل المتن الحكائيّ للمشهد، وحوّرت البناء النصّيّ إلى ما يناسب بِنية السرد في اعتمادها التناسب الإيقاعيّ، وبذلك فرض البناء السرديّ بإرهاصات الشعر على المتن الحكائيّ الاقتصاد في سرد الأحداث، والانتقال إلى المغزى الدّلاليّ دون إسهاب.

والنصّ المتقدّم شأنه شأن الكثير من النصوص الشعريّة الحديثة، يتشكّل من عناصر حضوريّة تتمثّل في علاقات التشكيل والبناء، وعناصر غيابيّة تتمثّل في علاقات المعنى والترميز[46]. ومن خلال تواشج العلاقات بين العناصر الحضوريّة والغيابيّة ننتقل من دلالة النصّ السطحيّة التي يرصدها الكاتب لمشهد يوميّ طارئ إلى الكشف عن دلالته العميقة؛ إذ تستدعي صورة (الفراشة) بما توهي من صفات (الجمال والبراءة، والضعف، وعدم القدرة على مقارعة الآخر)، تستدعي مثيلًا يقابلها يكون معادلًا موضوعيًّا للعالم الإنسانيّ؛ إذ يؤول إلى دلالة الاستلاب والغربة التي يعاني منها الإنسان، إذ يعيش المبدع، في أزمة النصّ المتناقض، انشطار الفكرة والكلمة وسط عالم يصخب بالعنف والقتل واللامبالاة.

وانطلق البحث عن أساليب تعبيريّة أخرى تتجاوز التعبير المباشر الذي تبرز فيه “أنا” الشاعر إلى حالة أخرى فيها إشراك لآخرين لإنتاج فعل التواصل القوليّ سواء عن طريق الحكاية عنهم أم بالتحاور معهم، فتتداخل الأصوات، وينتج نوع آخر من الحوار بين الشخصيّات الجانبيّة التي تدخل في تطوير مجال التعبير. ما يعمّق حدّة الصراع بين الرؤى المتناقضة أو المتطابقة في اصطناع نوع من الانقسامات “الاتّصال – الانفصال” المتولّدة عن صوت الكاتب بوصفه مركز الجهة الناطقة التي تحدّد مسار النّصّ. ففي حالة “الاتّصال” يتوحّد صوت الكاتب مع صوت الآخر “البطل” وتنشأ محاورة داخليّة يطلق عليها “المونولوج”، وتنشأ حال “الانفصال” بخرق صوت الكاتب بصوت شخصيّة أخرى تتحاور معها، ويبرز بذلك النفس الدراميّ على سطح النّصّ وما ينتج عنه من صراع فكريّ يسمّى بـ”الديالوج”.

ويقودنا هذا الأمر إلى تأمّل حركة الضمائر في داخل النصّ السرديّ، إذ من شأنه أن يكشف لنا الأصوات “الحاضرة” والأخرى “الغائبة” ليتمّ بذلك توضيح حالة القول السرديّ وعناصره. ومن ثَـمّ تحديد تلك العناصر بالنظر إلى كون الخطاب السرديّ في القِصّة القصيرة جدًّا خطابًا تخييليًّا بالدّرجة الأولى، ويستند إلى نوع من العلاقات بين عناصره “المخاطِب والمخاطَب، وعالم الخطاب السرديّ ومرجعه”. وينشأ عن غياب أحد العناصر السابقة، أو هيمنة عنصر على بقيّة العناصر تصنيف للنصوص الشعريّة معتمدًا على علاقة “التفاعل النّصّيّ، أو المرسل، و/أو الذات الناطقة” بغيرها من أطراف التواصل اللفظيّ. وبذلك فإنّ دراسة بِنية الضمير تسهم في ربط أجزاء النصّ بالاستناد إلى مرجعيّته كما أشار إلى ذلك جاكسبون. وهنا تكمن خصوصيّة النصّ الشعريّ في كيفيّة التعامل مع الضمائر.

  • قصص الضمير أنا: نلاحظ تركيب النّصوص الآتية:

“الكلاب”: تساقط لحمي كلّه على الأرض إذ خلا هيكليّ من العظم الذي اضطررت لإلقائه قطعة قطعة للكلاب التي تطاردني”[47] “نحس”: يلتقيني في بيتي… في عملي… في دقائق حياتي… وحتى في أحلامي. دائمًا هو على موعد معي… ولا ينتظر موافقتي على هذا الموعد! لا تهمنّي تسمياته التي يقذفونه بها… يهمّني فقط أن أعرف:

لماذا تأتي الأمنيات إلى عتبة بابي ثمّ تغيّر مسارها؟..كأنّها تتذكّر فجأة أنّها أخطأت الطريق؟![48] “أخرجك من رأسي: أترك أصابعي على إليتيك؛ أترك أظافري على حلمتيك؛ أترك أسناني على رقبتك؛ أترك لسانيّ على شحمة أذنك؛ أترك قدمي في فمك؛ أترك شفتيّ على استدارة نهديك. وفجأة: أبحث عنك فلا أجدك، أمّا ذلك السرير الذي تكلّم تحت أجسادنا فصار تابوتًا، والشراشف الملوّنة كفنًا، لا أحد هناك، لا أحد. تكونين قد غادرت تاركة عطرك معلّقًا في الممر، وبضع شعيرات على المخدّة، مرتدية أعضائي قلادة على جسدك.[49]

تعلو هذه النّصوص نبرة الصوت المنفرد، أو المتوحّد بالمجموع، ويبرز ضمير المتكلّم متحدّثًا إلى نفسه أو إلى مخاطب ضمني لا يتمّ التصريح به. وقد لا تمثّل نمط قصص المتكلّم إفضاء ذاتيًّا خاصًّا، بل قد تنطلق عبر الذات بهموم الجماعة ورغباتها، وبذلك، فالذات الناطقة تجعل من القضايا العامّة قضيّتها الشخصيّة أيضًا.

2 – قصص المخاطب (أنت): نلاحظ تركيب النصوص الآتية:

“أنتَ النجم ولا أحد سواك. أنتِ الحوريّة وحدك في صحراء الماء. أنتَ الفرد الصمد اللامتناهي إذ تعبس أو تضحك، لا فرق. أنتِ بداية ونهاية أمواج من بشر من حجر من أكوان. ديجيتال كاميرا: في الصورة كلّ العالم خلفيّة…أنتَ النجم أمام البحر. أنتَ النجم أمام الغابة. أنتَ النجم أمام الريح، الأزهار، النمر المحشور بقفص، وجبال الثلج. لا شيء يهمّ، والعالم يتبدّل كستار، يذوي، يتكسّر… لا أحزان. في الصورة: أقف وتتحنّط خلفي جثث الأشياء.”[50]

تتعدّد صور التخاطب في هذا النمط من القصّ، فقد تتّجه الذات الناطقة بخطابها إلى المؤنّث “المدينة، المرأة، الطفلة، الأمّ،… أو العكس، وغالبًا ما يدور مضمون الرسالة حول علاقة عاطفيّة. وقد يتّجه الخطاب إلى جماعة، أو إلى مخاطبة الوطن. وقد تتداخل تلك الصور مع بعضها البعض لتطرح رؤية الذات الناطقة عبر تنوّع الذوات المخاطبة التي يتوجّه إليها الخطاب السرديّ.

  • – قصص المتكلّم الغائب: نلاحظ تركيب النصّ الآتي:

شيخ “الغفر”: ضجّ أهل القرية من تسلّط العمدة، حاصروا داره رافضيّ الاستعباد، أمر العمدة شيخ “غفره” بإطلاق النار عليهم، رفع شيخ “الغفر” بندقيّته، بهتوا، جفّت الحلوق، والبعض بال على نفسه، العمدة صمتت قهقهته العالية في منتصفها إذ سقط برصاصتين في قلبه، رقص أهل القرية فرحًا بالنجاة، و.. سجدوا لشيخ “الغفر”[51].

يستثمر هذا النمط من القصّ الكثير من مقوّمات الفنّ القصصيّ لاحتوائه على “حكاية، وحدث، وشخصيّات”. ويأتي دور الذات الناطقة مصدرًا ناقلًا للحدث تتولّى مَهَمَّة الإخبار عن الشخص الثالث الغائب، وهي بذلك تقف خارج المشهد، تصوّر الحدث على وفق رؤيتها الخاصّة، ويُسمّى هذا الأسلوب في المنظور السرديّ بـ”الرؤية من الخلف”، وقد ترتبط الذات الناطقة بالشخصيّة التي تتحدّث عنها، فتخلق صورًا تعبّر عن رؤية الآخر قد تتطابق مع رؤية الذات الناطقة، وقد تختلف معها ما يُسهم في تنمية الحدث، والتصعيد في نبرة الحسّ الدّراميّ. إنّ مَهَمَّة الذات الناطقة القيام بعمليّة القصّ، كونها ذات ارتباط وثيق الصلة ببطل القِصّة “أهل القرية”، وبذلك فهو يدرك فحوى القِصّة ومسار أحداثها، ويبدأ تقديم الحدث بتوطئة وصفيّة للمنظر العامّ الذي كانت أحداث ما بعد تسلّط العمدة تدور فيه.

يقودنا هذا التصنيف إلى نمط القصائد استنادًا إلى محور الجهة الناطقة كونها حاشرة، أو غائبة، أو متعدّدة للبحث عن أساليب التعبير التي يتوكّأ عليها المبدع في تشكيل الأنماط السابقة. وهنا يتمّ استثمار تقنيّة المونولوج، حديث النفس مع ذاتها في النصوص ذات الطابع القريب إلى الشعريّة، والديالوج كأسلوب الحوار الخارجيّ الذي يبرز فيه صوت الشخصيّة وهي تتحاور مع الآخر الكاتب، أو الراوي في النصوص ذات الطابع الحكائيّ، وأسلوب تعدّد الأصوات “البولوفونيّة” في النصوص ذات الطابع الدّراميّ. وينتج عن لغة التشكيل الحواريّ في مستوياته الثلاثة نوع من الصراع والتصادم في الرؤى والأفكار. هذا الانتقال الضمائريّ من الغائب إلى الحاضر، ومن المتكلّم إلى المخاطب الذي يسجّل عدم ثبات محور الجهة الناطقة، أطلق عليه البلاغيّون “الالتفات”. وهو أمر يكشف عن وضوح الرؤية بالانتفال من الوصف الخارجيّ “ضمير الغائب” إلى الوصف الداخليّ واستبطان الذات بلسان المتكلّم “كنّا”.

المراجع والمصادر:

  1. عدنان بن ذريل، النصّ والأسلوبيّة، بين النظريّة والتطبيق، منشورات اتّحاد الكتاب العرب، 2000.
  2. عثمانيّ الميمود، شعريّة تودوروف، عيون المقالات ط1، دار قرطبة، الدار البيضاء، 1991.
  3. رومان جاكسبون، القضايا الشعريّة.
  4. حسن ناظم، مفاهيم الشعريّة، ط1، المركز الثقافيّ العربيّ، بيروت،
  5. عبد العزيز حمّودة، المرايا المحدّبة، من البِنيويّة إلى التفكيك، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، 1998.
  6. توفيق الزيديّ، مفهوم الأدبيّة، في التراث النقديّ إلى نهاية القرن الرابع، ط 2، النجاح الجديدة، الدار البيضاء
  7. عبد الملك مرتاض، دراسة سيميائيّة تفكيكيّة، لقصيدة أين ليلاي؟ لمحمّد العيد آل خليفة، ديوان المطبوعات الجامعية، 1992.
  8. تزفيتان تودوروف، الشعريّة.
  9. فاطمة الطبّال بركة، النظريّة الألسنيّة عند وزمان جاكسبون، المؤسّسة الجامعيّة للدراسات والنشر والتوزيع، 1993.
  10. جون كوهين، بِنية اللغة الشعريّة، ترجمة، محمّد الوليّ ومحمّد العمريّ، دار توبقال للنشر والتوزيع، الدار البيضاء، 1986.
  11. منير سلطان، الصورة الفنّيّة في شعر المتنبّي، منشأة المعارف، الإسكندريّة، 2002.
  12. إبراهيم أمين الزرزمونيّ، الصورة الفنّيّة في شعر عليّ الجازم، دار قباء للطباعة، 2000.
  13. عبدالله الغذاميّ، الخطيئة والتكفير، ط1، دار الآداب، بيروت، 2002.
  14. ناصيف، مصطفى، نظريّة التأويل، ط1، النادي الأدبيّ بجدّة، ص، 104.
  15. ناظم، حسن، مفاهيم الشعريّة.
  16. إيكو، أمبيرتو، التأويل بين السيميائيّات والتفكيكيّة، ترجمة السعيد بنكراد، ط2، المركز الثقافيّ العربيّ، بيروت.
  17. كريستيفا، جوليا، شعريّة محطّمة، ترجمة، وائل بركات، نوافذ، عدد 15، المملكة العربيّة السعوديّة.

 

* أستاذ مساعد في الجامعة اللبنانيّة، كلّيّة الآداب والعلوم الإنسانيّة، قسم اللغة العربيّة.

[1] – عدنان بن ذريل، النصّ النصّ أسلوبيّوالأسلوبيّة، بين النظريّة والتطبيق، منشورات اتّحاد الكتّاب العرب، 2000، ص 25.

[2] – عثمانيّ الميمود: شعريّة تودوروف، عيون المقالات ط1، دار قرطبة، الدار البيضاء، 1991، ص 11.

[3] – رومان جاكسبون: قضايا الشعريّة، ص 71.

[4] – حسن ناظم: مفاهيم الشعريّة، ص36.

[5] – عبد العزيز حمّودة: المرايا المحدّبة، من البنيويّة إلى التفكيك، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، 1998 ص 126.

[6] – توفيق الزيديّ: مفهوم الأدبيّة، في التراث النقديّ إلى نهاية القرن الرابع، ط 2، النجاح الجديدة، الدار البيضاء 1987، ص 8.

[7] – عبد الملك مرتاض : دراسة سيميائيّة تفكيكيّة، لقصيدة أين ليلاي؟ لمحمّد العيد آل خليفة، ديوان المطبوعات الجامعيّة ، د. ط، د. ت، ص15.

[8] – ينظر تزفيتان تودوروف، الشعريّة، ص 23.

[9] – جاكسبون، رومان، قضايا الشعريّة، ص 78.

[10] – مسدي، عبد السلام، المصطلح النقديّ، مؤسّسات عبد الكريم بن عبد الله للنشر والتوزيع، تونس، ص 115.

[11] – تودوروف، تزفيتان، الشعريّة، ص 10.

[12] – المرجع نفسه، ص 23.

[13] – عثمانيّ، الميمود،، شعريّة تودوروف، ص 5.

[14] – الغذاميّ، عبد الله، الخطيئة والتكفير، ط1، دار الآداب، بيروت، ص 21.

[15] – تودوروف، تزيفتان، الشعريّة، ص 23.

[16] – المسد، نور الدين، الأسلوبيّيّة في النقد العربيّ الحديث، أطروحة دكتوراه، قسم اللغة العربيّة، جامعة الجزائر، ص 31 – 32.

[17] – تودوروف، الشعريّة، ص 31 – 32.

[18] – جاكسبون، رومان، قضايا الشعريّة، ص 35.

[19] – بركة، فاطمة الطبّال، النظريّة الألسنيّة عند وزمان جاكسبون، المؤسّسة الجامعيّة للدراسات والنشر والتوزيع، د. ت. ص 177 – 178.

[20] – مرجع نفسه، ص 19.

[21] – بركة، فاطمة الطبّال، النظريّة الألسنيّة عند وزمان جاكسبون، المؤسّسة الجامعيّة للدراسات والنشر والتوزيع، د. ت. ص 74.

[22] – جاكسبون، رومان، قضايا الشعريّة، ص 75.

[23] – كوهين، جون، بِنية اللغة الشعريّة، ترجمة، محمّد الوليّ ومحمّد العمريّ، دار توبقال للنشر والتوزيع، الدار البيضاء، ص 40.

[24] – المرجع نفسه، ص 14 – 15.

[25] – كوهين، جون، بِنية اللغة الشعريّة، ترجمة، محمّد الوليّ ومحمّد العمريّ، دار توبقال للنشر والتوزيع، الدار البيضاء، ص 40.

[26] – كوهين، جون، بِنية اللغة الشعريّة، ترجمة، محمّد الوليّ ومحمّد العمريّ، دار توبقال للنشر والتوزيع، الدار البيضاء، ص 15.

[27] – المرجع نفسه، الصفحة نفسها.

[28] – المرجع نفسه، ص 35.

[29] – المرجع نفسه، ص 38.

[30] – المرجع نفسه، ص 61.

[31] – كريستيفا، جوليا، شعريّة محطّمة، ترجمة، وائل بركات، نوافذ، عدد 15، المملكة العربيّة السعوديّة، ص 169.

[32] – إيكو، أمبيرتو، التأويل بين السيميائيّات والتفكيكيّة، ترجمة السعيد بنكراد، ط2، المركز الثقافيّ العربيّ، بيروت، ص 125.

[33] – إيكو، أمبيرتو، التأويل بين السيميائيّات والتفكيكيّة، ترجمة السعيد بنكراد، ط2، المركز الثقافيّ العربيّ، بيروت، ص100.

[34] – الغذاميّ، عبد الله، الخطيئة والتكفير، ص 24.

[35] – إيكو، أمبيرتو، التأويل بين السيميائيّات والتفكيكيّة، ترجمة السعيد بنكراد، ط2، المركز الثقافي العربيّ، بيروت، ص 124.

[36] – المرجع نفسه، الصفحة نفسها.

[37] – الغذاميّ، عبد الله، الخطيئة والتكفير، ص 27.

[38] – ناصيف، مصطفى، نظريّة التأويل، ط1، النادي الأدبيّ بجدّة، ص 104.

[39] – ناظم، حسن، مفاهيم الشعريّة، ص 135 .

[40] – يُنظر خيرة حمر العين، الشعريّة وانفتاح النصوص، ص 22.

[41] – الزرزمونيّ، إبراهيم أمين، الصورة الفنّيّة في شعر عليّ الجازم، دار قباء للطباعة، ص 91.

[42] – سلطان، منير، الصورة الفنّيّة في شعر المتنبّي، منشأة المعارف، الإسكندريّة، ص 149.

[43] – المصدر نفسه. ص 150.

[44] – المفلح، هيام، كما القلق يتّكئ الحمر، ص 62.

[45] – البستانيّ، هشام، أرى المعنى، ص 30.

[46] – ينظر تودوروف، الشعريّة، ص 31.

[47] – عتيبة، منير، روح الحكاية، ص 71.

[48] – المفلح، هيام، كما القلق يتّكئ الجمر، ص 20.

[49] – البستانيّ، هشام.، أرى المعنى، ص 98.

[50] – البستانيّ، هشام، أرى المعنى، ص 68.

[51] – عتيبة، منير، روح الحكاية، ص 58.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.