قراءة في كتاب “المرأة الأندلسيّة مرآة حضارة شعّت لحظة وتشظّت”

0

قراءة في كتاب “المرأة الأندلسيّة مرآة حضارة شعّت لحظة وتشظّت”

د. خديجة عبدالله شهاب*

كانت المرأة ؛ ولا تزال شغل العالم الشّاغل وفي المستويات كافّة؛ هي إنسان عامل نشيط في سياق الحضارة التي وُجِد فيها؛ وهي إنسان منزوٍ إنْ لم تستطعِ الحضارة أن تثبّت أقدامها.

في هذا السياق؛ وفي العصر الحديث عصر الانحطاط العربيّ لا يُمنّنّ أحد المرأة ويقول لها إنّنا نطالب لك بحرّيّتك، ونريد أن نفكّ عنك القيود؛ ذلك أنّ قيودها بمجمل قيود الأوطان، ولا يمكنها أن تعيش منعزلة عن نموّها الثّقافيّ، والسياسيّ، والاقتصاديّ، والاجتماعيّ. قد يكون في حِقبة معيّنة هيمنة ذكوريّة في بعض مفاصل الدولة والسلطة؛ فلا يمكنني أن أغفل ذلك؛ وهذا في مجمله ينطبق على فئات المجتمع كلّها، إلاّ أنّه في المقابل كان للمرأة بعض حرّيّة (حرّيّة تمارسها في الظلّ)، وكان بإمكانها أن تتحرّك في إطارها.

نعود مع د. دلال عبّاس إلى الحِقبة الأندلسيّة حيث عرفت الحضارة العربيّة أوج ازدهارها الثّقافيّ والسّياسيّ، وقد أثّرت هذه الحضارة وتأثّرت بأهل البلاد، فأصبح الغزل أكثر رقّة من ذي قبل؛ وأضحت المرأة الحاكمة بأمرها شريكة الرجل في كلّ شيء. على الأقلّ هذا ما يمكن أن نستشفّه من كتاب المرأة الأندلسيّة.

ففي العنوان وعلى اتّساعه غير مفردة دالّة؛ فالمرأة هي المرآة التي تعكس الحضارة العربيّة في تلك الحِقبة، ونحن نعرف ما وصل إليه العرب على المستوى الاجتماعيّ، والثّقافيّ، والسّياسيّ. وهي الحضارة التي شعّت وأضاءت لحِقبة غير قصيرة، وأعطت العالم ما أعطت إذ إنّها “نتاج اللقاء المتفاعل بين الشرق والغرب، بين الإسلام والمسيحيّة واليهوديّة، وبين العرب الذين دخلوا في جيش موسى بن نصير، والبربر الذين دخلوا مع طارق بن زياد، والمولّدين من تزواج العرب بالبربريّات، وتزواج العرب بالأندلسيّات” (ص 23). إلاّ أنّ هذه الحضارة المتزاوجة التي بهرت العالم لم تدم طويلاً لأسباب معروفة عند الكثيرين، وقد جاء في مقدّمها انشغال الحكّام بملذّاتهم وترك قيادة البلاد إلى الموالي وغيرهم. هنا تشظّت الحضارة، والمجتمع، والمرأة معًا. ولم يبق للعرب هناك إلاّ بعض ذكر اندثر مع الأيّام. هذا التشظّي يعكس حالًا يسري على المرأة؛ إذ تقول د. عبّاس إنّ المجتمع الأندلسيّ على المستوى الاجتماعيّ قُسِّم إلى طبقتين: الارستقراطيّة والعامّة.

ففي الطبقة الارستقراطيّة كانت المرأة في القصور تتمتّع بمكانة رفيعة، وهي هناك من علية القوم سواء أكانت زوجة، أو بنتًا، أو أختًا؛ إذ لم يكن يُطلب منها القيام بالأعمال داخل المنزل أو خارجه، لذا لم تكن لتخرج منه إلاّ قليلاً، وفي الأوقات التي يُسمح لها بالخروج فيها. وقد كانت تنتظر بعض المناسبات العامّة كالأعياد الدّينيّة والفصليّة لتتحقّق لها نزهة عائليّة خارج المنزل؛ كما كان الخروج إلى الحمّامات فرصة للاختلاط، واللهو، والزهو وتبقى النساء “هناك لساعات عديدة، يتحادثن، يتسامرن، ويأخذن وجبة خفيفة. وهي كذلك جارية عند الخليفة “إذ لا يظنّنّ أحدٌ أنّ عصر الجواري قد انقضى” (ص 11). وهي في الطبقة الارستقراطيّة تعيش في أسرة منعزلة عن المجتمع.

أمّا المرأة “العامّيّة” (ص24) فقد كانت تشارك في الكثير من الأعمال داخل المنزل وخارجه، وفي كثير من الأحيان كانت تأخذ دور الرجل في تحصيل المال لإعالة الأسرة “وكانت مكانتها تقاس بمكانة زوجها أو أبنائها” (ص 25) ولم تكن هذه الطبقة من المجتمع تستعين بالجواري، وذلك لارتفاع أثمانهن وأجورهن؛ أضف إلى أنّ الزوجة كانت ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* أستاذ مساعد في الجامعة اللبنانيّة كلّيّة الآداب والعلوم الإنسانيّة، الفرع الخامس، أحد رئيسَيْ تحرير مجلّة أوراق ثقافيّة.

تقف إلى جانب زوجها ويتعاونان على النّهوض بأعباء أسرتهما. تعدّدت الأعمال التي كانت تؤدّيها المرأة في هذه الطبقة فهي مرضعة، وهي التي كانت تعمل في غزل الثياب ونسجها، وفي بعض المدن النّهريّة، كانت النّساء يقمن بغسل الثيّاب لقاء أجر محدّد؛ وهي فلاّحة تبيع اللبن؛ وماشطة تزيّن العرائس يوم زفافهن كلّ هذا تشير إليه دكتوره عبّاس بالاستناد إلى العديد من المصادر والمراجع التي تناولت الحياة الاجتماعيّة للعرب في بلاد الأندلس؛ ثمّ تضيف إلى أنّها كانت طبيبة، وقاضية، ومغنّية، ومعلّمة، وكاهنة… كان يُسمح للرجل، في حال الزواج، برؤية الفتاة التي يريد أن يقترن بها، ولا يُسمح به في أوساط أخرى. وكان طالب الزواج يخضع للكثير من الشروط من أهل الفتاة كأن “يدور نقاش حول قيمة المقدّم من المهر، وحول جهاز العروس، وتحديد موعد الزواج…” (ص34) أضف إلى ذلك كان يتمّ تحديد الطريقة التي يجب أن يتعامل بها الزوجان مع بعضهما… وفي العديد من القصص التي رويت عن عادات الزواج في بلاد الأندلس فإنّه في كثير من الأحيان لم يكن يؤخذ رأي المرأة في زواجها، وفي طبيعة الحال فإنّ زواج المرأة الاستقراطيّة يختلف عن غيره من النساء في طبقات المجتمع الأخرى، وكان في كثير من الأحيان يخضع للقضايا السياسيّة.

وتشير ده. عبّاس في ضوء حرّيّة المرأة إلى أنّها “استطاعت في القرن الخامس الهجريّ/ الحادي عشر الميلاديّ أن تنال شيئًا من الحرّيّة، وأن تحظى بتقدير المجتمع، ويكون لها مجلسها الذي تستقبل فيه أعيان عصرها وأدباءه” (ص 39)؛ إذًا؛ في هذه الحِقبة تحرّرت بعض الشيء وشعرت “بمساواتها بالرجل” (ص 34) هذا في المستوى العمليّ إلّا أنّ النّصوص ظلّت تعاملها كتابعة. وتتوسّع ده. عبّاس في الحديث عن وضع الجواري، وأنواعهن، وأسعارهن، وكيفيّة معاملتهن من قبل أسيادهن؛ ثمّ تفرّق بين الجاريات المشرقيّات، وغيرهنّ، وتبيّن أثرهنّ في المجتمع الأندلسيّ، وتتدرّج للحديث عن الحجاب عند المرأة، وتنتقل من بعد لتبيّن كيف يتبارى الخلفاء في اقتنائهنّ، فتصل إلى تجارة الرقيق التي عادت إلى الظهور في هذه الحِقبة، وتشير في السياق إلى فنّ الرّقص الذي كانت تمارسه الجواري، وقد كان للجواري الأندلسيّات أسلوبهن الخاصّ، وكان سعر الجارية يرتفع، أو ينخفض بحسب ما تتقن من فنون، وعلم، وشعر، وما تتمتّع به من جمال… ومن يريد المزيد يمكنه العودة إلى الفصل الأوّل من الكتاب.

تذهب ده. دلال في الفصل الثاني من الكتاب إلى مشاركة المرأة في الحياة العامّة في الدولتين الأُمويّة، والعامريّة، وكيف أنّ الجواري استطعن أن يكون لهنّ التأثير الكبير، والنفوذ الذي يمكنه أن يغيّر الكثير من مصير الأبناء، وهذا كلّه إذا استطاعت أن تعطي سيّدها ولدًا ذكرًا، فهي بعد وفاته يمكنها “أن تتصرّف بملء إرادتها في ثروته الخاصّة” (ص 62)

وهنا تذكر أسماء بعض الجواري اللواتي كان لهنّ مكانة خاصّة عند أمرائهن من مثل “طروب” جارية “عبد الرحمن الأوسط” وكيف أهداها عقدًّا نفيسًا، وقد بلغ بها الأمر أنّها كانت “تُبرم الأمور مع نصر الخصيّ، ولا يَردّ لها الأمير طلبًا” (ص 64). والجواري كنَّ يتنافسن بينهنّ من التي ستلد لأميرها ذكرًا لأنّ هذا الأمر يعطيها الكثير من المكانة عند صاحبها، حتّى إنّها كانت تسعى بكلّ ما أُوتيت من قوّة أن تنتزع الحكم لابنها من إخوته غير الأشقاء. ثمّ تذهب إلى “صبيحة البشكنسيّة” التي “أدّت دورًا سياسيًّا في تاريخ الأندلس” (ص 66) وهي المرأة التي “لبثت ردحًا طويلًا من الزّمن تسيطر بسحرها على خلافة قرطبة، وتشترك في تدبير شؤونها في السلام والحرب، ومع أعظم رجالات الأندلس” (ص 67). وكان نفوذها لا حدّ له، إذ إنّها وصلت لتشغل منصبًا مُهمًّا في ميدانَيْ السياسة والإدارة… وغير هذا الكثير عن أخبار هذه المرأة التي كانت جارية أمّ ولد. وكم شاركت المرأة في حياكة الدسائس إذا ما أحسّت بأنّها في خطر، ومن مثالهن الذلفاء زوجة “المنصور بن أبي عامر، وقد كانت ذكيّة، قويّة كثيرة المال، والجاه، وتتمتّع بنفوذ عظيم في بلاط ابنها”، وقد سعت مع “أعداء الوزير عيسى بن سعيد عند ابنها عبد الملك لقتله حتّى قتله”. (ص 73)

ما تقدّم الحديث به عن المرأة في بلاد الأندلس غيض من فيض، ممّا أجادت به ده. عبّاس في حديثها عن بنات جنسها. وقد بيّنت مواطن القوّة، كما بيّنت مواطن الضَعف عندهنّ. تشير في مكان آخر إلى دور المرأة في عصر الطوائف والمرابطين، وتناولت حياة بعض النساء اللواتي كان لهنّ أثر في الحياة الاجتماعيّة، والثقافيّة، والسياسة في هذه الحِقبة؛ ومن أشهرهنّ في هذا السياق “الرّميكيّة” التي اتّصلت “بالمعتمد”، وقد استطاعت هذه الجارية أن تمتلك قلبه؛ فتزوّجها، وأنجب منها كلّ أولاده؛ وكانت طلباتها عنده منفّذة إذ كان يحقّق لها كلّ ما كانت تصبو إليه؛ “وما تمتّعت به اعتماد الرّميكيّة أيّام مجدها، وعزّها في بلاط إشبيلية من منزلة عالية إلى جانب صفاتها اللامعة، وحبّ المعتمد لها، كان مدعاة للطعن في تصرّفاتها وأخلاقها” (ص 78) حتّى قيل إنّها السبب الأوّل في انحراف “المعتمد” إلى حياة اللهو والمجون، ما أدّى في ما بعد إلى استيلاء المرابطين على إشبيلية، وإيداع المعتمد في السجن، واضطرارها إلى العمل لتعيش، الأمر الّذي لم تتحمّله فذوى جمالها، إلى أن توفيت، ودفنت إلى جانب زوجها.

تمتّعت المرأة “البربريّة” “في عصر المرابطين بمقام أساسيّ في الوسط العائليّ، وذلك طبقًا لما يقتضيه المثل البربريّ الذي ظلّ متعلّقًا بنظام اجتماعيّ يقوم على الأمومة” (ص 81). في هذه المرحلة كان للمرأة الدور الأبرز إذ تسلّطت على الحكم، وأثرت في شؤون الدولة، حيث ضَعفت سلطة الأمراء والحكّام، ما يشير إلى أنّ المرأة تقوى، وتستبدّ حين يتنازل الرجل عن دوره في القيادة والإرشاد. ومن هؤلاء النساء تذكر ده. عبّاس “زينب النفراويّة”، وهي من أصل أفريقيّ “وقد أصبحت زوجة زعيم لمتونة أبي بكر بن عمر، ثمّ زوجة نائبه وخلفه يوسف بن تاشفين” (ص 82). كانت ذكيّة مثقّفة، كما يُنقل أنّها كانت تتعاطى السحر وشيئًا فشيئًا جمعت حولها حاشية من أهل الأدب.

وحين تزوّجت “يوسف بن تاشفين” ساعدته بأموالها، إذ جمع حوله القبائل، والجند من البربر، وقد غلبت عليه، ولم يكن يأت بعمل قبل أن يعود إليها ويأخذ رأيها. لم تكن “النفزاويّة” المرأة الوحيدة التي أدّت دورًا رئيسًا في الحياة السياسيّة في الأندلس، فهناك العديد من الإماء اللواتي رغبن في أن يؤدّين هذا الدور ومنهنّ “قمر” تلك الجارية التي تزوّجت “بعليّ بن يوسف بن تاشفين” فأنجبت له ولدًا ما عزّز مكانتها عنده، وجعلها تطلب الحكم لابنها بعد أبيه فكان لها ما أرادت.

في محطّة ثالثة من محطّات المرأة في العصر الأندلسيّ تتوقّف بنا ده. دلال عند دور المرأة في دولة الموحّدين، إذ لم يكن دورها أقلّ أهمّيّة من الدور الّذي أدّته في مراحل سابقة. ومنهنّ “الزرقاء المردنيشيّة” التي تزوّجت من “الأمير أبي يعقوب”، وقد تغلبت عليه حتّى نال قومها حظوة عند الخليفة لم يُسبق إليها أحد “وصار عمّها واليًا على بلنسية وجهاتها، وأخوها قائدًا للأسطول، وأخوها الآخر مستشارًا للخليفة” (ص 84).

أمّا “حبابة الرّوميّة” فلم تكن أقلّ شأنًا ممّن سبقنها، فهي الجارية التي كتمت خبر وفاة زوجها الأمير “إدريس بن يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن بن عليّ” عن بعض الأفراد من القادة الأنصار، وبعض الشيوخ، وقد فعلت ذلك لتأخذ من القوم البيعة لابنها الرشيد، وحصلت على طلبها. تطوّر دور المرأة مع دولة “بني نصر”، وازداد تأثيرًا في مجريات الحياة السياسيّة في بلاد الأندلس، وقد برزت في هذه الحِقبة “مريم زوجة أبي الحجاج يوسف بن سلطان غرناطة، وقد تنازعت” المكانة مع الزوجة الثانية لأبي الحجاج، وقد حاولت أن تأخذ وعدًا وعهدًا في تولّي ابنها السلطة بعد أبيه على الرّغم من أنّه أصغر إخوته، وأشقائه إلاّ أنّها لم تنجح في مسعاها. وتولّى الحكم بعده ابنه “محمّد” الذي حاول جاهدًا أن يرضي “إخوته وزوجة أبيه مريم بمختلف الوسائل، غير أنّ طموح هذه المرأة، والأموال التي تركها لها زوجها السلطان الراحل، دفعاها إلى التأمر مع زوج ابنتها للتخلّص من السلطان محمّد”، وقد نجح المتآمرون في فعلتهم، وتولّى ابنها الحكم لمدّة عام قُتل بعده فتولّى الحكم صهره الذي تآمر عليه، واستأثر بعرش غرناطة.

لا ينتهي الحديث عن المرأة في بلاد الأندلس وتأثيرها في إدارة دفّة الحياة العامّة؛ وقد كان للمرأة المسيحيّة دورها كما كان للمرأة المسلمة دورها، وقد استطاعت هذه المرأة أن تؤدّي دورًا كبيرًا وبارزًا في الثورة على حكم المسلمين، خصوصًا أنّها وصلت إلى المكانة التي لم تنافسها عليها أي امرأة أخرى، إذ تزوّج العديد من الأمراء والسلاطين المسلمين من أندلسيّات ذوات جمال باهر، وملكن عليهم قلوبهم، وقد شاركت النصرانيّات في حروب الردّة.

برزت مشاركة المرأة في الحياة الثّقافيّة في بلاد الأندلس في العديد من المجالات من “شعر، ونثر، ومناظرات، ومساجلات كما برزت أيضًا في مجال الفقه” (ص95). انتشرت المدارس في بلاد الأندلس، وكانت تدرّس القرآن الكريم، واللغة العربيّة، وقد سمح للفتاة بالذهاب إلى المدرسة شرط ألا تتبرّج،وكنت عطلة البنات يوم الأحد بينما عطلة الفتيان يوم الجمعة. هذه الحرّيّة التي أعطيت للمرأة سمحت لها أن تكون معلّمة، وقد عرفنا الكثير منهنّ وعلى سبيل المثال لا الحصر “غالبة، والعَروضيّة، ومريم بنت يعقوب” وقد أخذَ عنهنّ العلم العديد من الأدباء والمثقّفين كما أخذتْ عن الكثير من المفكّرين، والعلماء ما يشير إلى أنّ الحياة الثقافيّة كانت تعيش حياة الرّخاء، والازدهار، والتّطور, ومن النساء اللواتي تولين منصب الكاتبة، وكان ذا أهمّيّة في تلك الحِقبة “لبنى” كاتبة الخليفة “الحكم بن عبد الرحمن”، “ومزنة” كاتبة الخليفة “الناصر لدين الله”، و”فاطمة بنت زكريا”، وقد برعت المرأة في أداء دورها فكانت أمينة مخلصة مثقّفة ما حدا ببعض الشواعر إلى الاهتمام “بظاهرة الخطّ، والحديث عنه في أشعارهنّ” (ص 98). لم تترك المرأة الأندلسيّة مجالاً إلاّ عملت فيه، وقد ظهرت الطبيبات على قلتهنّ، إذ إنّ العلم كان متاحًا للجميع، فظهرت المرأة وهي تعمل في مجال التمريض والطبابة، ومنهنّ “أمّ الحسن بنت القاضي أبي جعفر الطنجاليّ” “وأخت الحفيد بن زهر وابنتها” وكانتا عالمتين بصناعة الطبّ، ولهما خبرة جيّدة في مداواة النساء” (ص 99). أضف إليهن الفقيهات، وقد نقل لنا بعض المؤرّخين أنّ سبعين “امرأة كرّسن وقتهنّ لنسخ القرآن بحروف كوفيّة، كنّ في الرّيف الشرقيّ لمدينة قرطبة” (ص 99). وأمّا الزاهدات فكانت منهنّ “أَمَة عبد الرحمن بن العبسيّ” وغيرها الكثير ما لا تسمح هذه العُجالة في ذكر أسمائهن.

لقد تناولت الكتب الأدبيّة في تلك الحِقبة المرأة، ودورها في الحياة العامة، وقد أشارت إلى العديد منهن، هذا ما جاء على ذكره في كتاب ” طوق الحمامة” لابن حزم الأندلسيّ الذي تحدّث فيه عن الحب والعلاقات بين الرجال والنساء، وكان مصدرًا مهمًا من المصادر التي يتكئ عليها الباحثون عن الحياة العاطفيّة في الأندلس في عصره.

يعطينا كتاب الدكتورة عبّاس صورة وافية عن المرأة الأديبة الشاعرة التي كتبت الغزل، والحب بصور غاية في الرقّة والعذوبة. ويشير إلى الأدباء الذين مدحوا النساء، ورثهونّ وقد قوي حضورهنّ، واحترامهنّ، وأصبحن في هذه الحِقبة عاملات في المجالات كافّة كما سبق وأشرنا. ولا تنسى دكتوره عبّاس أن تعرّج على خصائص الشعر النسائيّ الأندلسيّ والحديث فيه وعنه مطوّلاً سواء أكان غزلًا، أو هجاءً، أو وصفًا، وتروح في سياق العمل لتتوقّف عند أبرز الأسماء اللواتي كتبن الشعر فتعرض، وتحلّل، وتخلص إلى أنّ المرأة أدّت دورًا غاية في الأهمّيّة، ولم يكن يعيق حركتها عائق خارج إطار الحياة العامّة التي تسيطر على البلاد.

تختم الدكتورة بحثها في الحديث عن أثر المرأة الأندلسيّة في المجتمع الأوروبيّ، وذلك بعد سقوط الأندلس وتشظّي حياة المرأة إذ سُبيت وأصبحت جارية، وفنّانة وزوجة. وأنّ الكثيرات من النساء تنصّرن، وذلك بحسب الظروف التي فُرضت عليهنّ.

إنّها المرأة أينما حلّت تركت وراءها أثرًا قد يكون جيّدًا، وقد يكون سيّئًا إلاّ أنّها كانت في الواجهة المدبّرة، والمساعدة، والمرآة التي تعكس حال الأمّة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.