المرتكزات الثقافية في كتاب الرمز والمسرح لصباح محسن

0

المرتكزات الثقافية في كتاب الرمز والمسرح لصباح محسن

د. خالد حوير الشمس*

يعد المبدأ الفلسفي مبدأ العلة هو المحرك الأساس لأفعال الفرد، وهذه الأفعال في طوريها العادي، والإبداعي، فحينما يؤشر المبدع أو الكاتب فعلا يبغي من ورائه التأثير، والإقناع في المتلقي، الذي يشترك مع الكاتب في الفرض نفسه، أو القابلية المعرفية نفسها،  فيكون الكاتب ملزمًا بسرد المحيط الثقافي لذلك المتلقي. وبعض الكتّاب يطمحون إلى متلقٍّ يضاف إلى المتلقي السابق، هو المتلقي المختلف، مثلما يفعل الطامحون، والمكافحون لقضية الحسين (ع)؛ إذ حاولوا إيصال رسالة الحسين (ع) عبر الأفعال إلى المؤالف والمخالف، وهذا ما سعى إليه الكاتب صباح محسن في كتابه الرمز والمسرح، مستدلاً بمسرحية عبد الرحمن شرقاوي، ومسرحيات محمد علي الخفاجي في كتابه بوصفها متوازيين بالحمولات، والمعطيات الحسينية.

يرتكز صباح محسن في هذا الكتاب على قَبْليّات عدة، حاول أن يفصح عن بعضها، ويخفي بعضها، سأُصرح أنا بدلاً عنه ما ذكره أو لم يذكره حتى وإنْ دخل في نطاق عتبة التأويل من قبلي، ومرحلة التخرُّص، بناء على الأدلة التي أقدمها، أو بناء على القناعة المعرفية، باعتبار أن القارئ مؤلِّف آخر، يساوي الكاتب.

ومن تلك البواعث، أو المرتكزات القَبْلية الإيمان بالمسرح، بوصفه حاملاً للرسالة الإنسانية، وطريقًا مؤثرًا في الفرد، كونه المتماس الحقيقي بحياة الفرد، والمفاتش الحقيقي لهمومه، ومحاورتها، وتصويرها، وتصوير المشكلات، وتوجيه النقد إليها، كي تهب الحلول تجاهها، فهو يرى كما يرى غيره أن المسرح الجاد يحقق المراد، ويشيع السلام، وقيم الجمال، والحرية، ويرفع منسوب الوعي بحسب تعبيره.

وقد حاول أن يربط القضية الحسينية بالمسرح؛ بسبب تشعب تلكم القضية، وانفتاحها على مفاصل الكون كلها ولا سيما مفاصل الإبداع في الشعر، والقصة، والخطابة، والحديث، ومن ضمن ذلك المسرح، ثم قناعته بأن جذور المسرح دينية في الحضارات القديمة مثل حضارة وادي الرافدين، ووادي النيل، وعليه ينبغي إحياؤه، وهذا ما راهنت عليه العتبات المقدسة في العراق فعقدت الندوات والمؤتمرات، لأن المقتل الحسيني مادة جاهزة للمسرح ومتناسقة معه تمامًا.

ومن أهم القَبْليات المحركة على التأليف، والمحفزة على الانتشار للقضية الحسينية إيمانه بالقضية الحسينية نفسها، وبقيمة الحسين عليه السلام، ومكانته الخالدة في ضمائر الناس في بقاع المعمورة كلها، كون الإمام (ع) سجل درسًا تاريخيًّا في التضحية بدمه ودم عياله، مدعاة إلى الفخر، فخلّف نهضة وثَّابة ضد الطغاة، فصار سيد الأحرار وأباهم، فحملت ثورته بعدًا سوسيو ثقافيًّا يحرك الشارع المسلم وغير المسلم، ويكفينا المقولة المشهورة لأحد زعماء العالم: غاندي تعلمت من الحسين أن أكون مظلومًا فانتصر.

ثم ذلك الإيمان بالحسين وحده لا يكفي، ما لم يقدّم الحسين بثوب جديد، يطالع الحياة وقيمها الجديدة، والحديثة، فيأتي ذلك التجديد مساويًا لمعطيات الحياة، وسبلها، وما عاد الناس في هذي الأيام من القرن الحادي والعشرين يستقبلون الطرق البالية، والقديمة في استذكار الحسين، بل يجب أن يقدم بطرائق أخرى، ومنها: “العروض المسرحية، ولغة الجمال عن الدراما المأسوية يبتعد عن التقليدية التي تحاول الاستمرار بتعريف المسرح بكونه فضاء صغيرًا يستعمل تقنيات متعددة لاختصار __________________

** تدريسي في كلية الاداب جامعة ذي قار، تخصص اللسانيات، له ٦٠ ستون بحثا منشورا في مجلات عربية وعراقية، له مقالات منشورة في الصحف المحلية، له كتاب مطبوع بعنوان اللسانيات الحاسوبية تنظيرًا وتطبيقًا له قيد الطبع ٦ كتب.

فضاء الحياة الكبير، من خلال التأسيس لمرحلة تجريب تحاكي الوعي العادي والنخبوي معًا يأخذ على عاتقه مَهَمَّة عكس هذا التعريف بجعل العرض المسرحي يمتد إلى المتلقي ليشكل معه بانوراما تحول المسرح إلى بوابة كبيرة للحياة تغذي الوعي الساكن في الأعماق بمعالم البعد الكوني الذي يبحث عن كشف آفاق جديدة للملحمة الحسينية”.

ومن المرتكزات الأخرى التي دعته مؤلفًا في الرمز والمسرح الحسيني ذلك الإحياء الثقافي، بتعبير توضيحي محاولته لتكريم الكتّاب الذين كتبوا في المسرح الحسيني، وإحياء محاولاتهم، وتخليدها في المدونة العربية عبر الحديث عنها، ودراستها، وبيان غزارة الإنتاج العراقي في المسرح الحسيني، وتأسيس الجماعات المعنية بهذا الأمر أمثال رابطة الغدير المسرحية في بغداد، وجماعة الناصرية للتمثيل، وجماعة المسرح في البصرة، وبعض كتاب المسرحية الشعرية العرب أمثال عبد الرحمن الشرقاوي، والعراقيين.

وآخر المرتكزات هو النقد الديني، للممارسات غير المحمودة في الوعي التعبيري تجاه القضية الحسينية، وتجاوز بوتقة التقليدية، والأساليب البدائية في تقديم النهضة الحسينية، ومسايرة رؤى متقدمة في عزائها على الحسين، إذ يعد رمز الإمام الحسين مادة جاهزة للمسرح فيطرح الكاتب سؤالاً: “لذا يبدر السؤال الأهم كيف نؤصل مسرحيًّا لهُويّة هذا المسرح الجاد واستخدام الرمز – الإمام الحسين – في تسويق فكر آل البيت ومبادئهم وقيمهم، وكيف نتعاطى مع الموروث الشعبي الذي تختزنه الذاكرة الجمعية لملحمة الطف؟”.

يستعمل الكاتب صباح برأيي تقنية الإضمار في هذه النقطة، فهو لم يصرح بنص تجاه رفض الأساليب المتأخرة الشعبية في العزاء الحسيني، وإنما ألمس منه التوجيه بالإفادة من تلك الممارسات الشعبية، والطقوس الشعبية، والأزياء البسيطة “وكيف نتعاطى مع الموروث الشعبي… بالتوظيف [المتقن] للأحداث المروعة، والمؤلمة، والتراجيدية، مع المشاهد الشعبية في قرع الطبول، واستخدام السيوف، والأزياء التاريخية…”. فيستمر في طيات كتابه في التشويق للمسرح الحسيني “بالطبع يمكن للمسرحي المعاصر التعامل مع تقنيات اخراجية معاصرة عدّة في تقديم مسرح التعزية، وقد شاهدت عروضًا مُهِمّة في مهرجان الحسين الأول… تعامل المخرج منير راضي بتقنية معاصرة في إخراجه للعمل الذي نجح بشد الحضور من بداية العرض إلى الخاتمة”.

يرغب الكاتب القارئ، والمعني بالشأن الحسيني إلى عصرنة الرؤية الحسينية، وإخراجها بحلة مسرحية مؤثرة على وفق صلاحيتها للمسرح، وهذا الترغيب أفسره أنا على الأقل بأنه رغبة في الانفتاح على الأساليب الحديثة في التعبير عن الحسين، فكان الكاتب حاملاً لشحنة التحديث، وشحنة الإحياء الثقافي، وتعزيز ثقافة الانتماء، ونصرة الهُوية الحسينية عند الكتاب أمثال محمد علي الخفاجي، ورضا الخفاجي، والشرقاوي وغيرهم، مؤطّرًا ذلك بشحنة أحقية الحسين (ع) بالإمامة، وإنكاس راية الذل، فيكون ذلك كله مع حمولة المسرح المؤثرة في الوعي العربي والعالمي لو أُلفت النظر إليها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.