قلق المستقبل لدى الشّباب الجامعيين بظل جائحة كورونا والأزمة الاقتصادية في لبنان

0

قلق المستقبل لدى الشّباب الجامعيين بظل جائحة كورونا والأزمة الاقتصادية في لبنان

د. ليال عبدالسلام الرفاعي([1])

ملخص الدراسة

يعيش الشّباب اليوم حياة معقدة ومتأرجحة ما بين مطرقة الوباء وسندان الفقر؛ وباء كورونا المنتشر في لبنان ودول العالم كافة الذي فرض الحجر المنزليّ، وقيّد تحركات الشّباب من ناحية، وأزمة اقتصادية صعبة تسيطر على لبنان بفعل استراتيجيّات سياسية غير فعالة سبّبت ارتفاع غلاء المعيشة وانخفاض قيمة الليرة اللبنانية، وانتشار الأسواق السّوداء بكثرة، وتراجع قيمة المعيشات، وتسريح العديد من الموظفين من وظائفهم وأعمالهم. كلّ ذلك أرخى بثقله على نفوس المواطنين اللبنانيين من الفئات العمرية كافة، فلم يعد يشعرون بالتفاؤل، والطمأنينة، والرّاحة النّفسيّة، وسادت مشاعر التشاؤم والسلبية لدرجة أنّه تمّ ملاحظة ظهور بعض حالات الانتحار بسبب الوضع السائد حاليًا في لبنان خصوصًا الشّباب منهم الذين يتميزون بارتفاع مستويات طموحاتهم وآمالهم، ويَسعون إلى تحقيق الاستقلالية الذّاتية، والاجتماعيّة، والاقتصاديّة، والصحيّة في بلدهم ووطنهم إلى جانب أهلهم وخلاّنهم. من هنا وجب الاهتمام بدراسة نظرة الشّباب إلى المستقبل على أساس الأولوية في حياة الشّبان والشّابات وبتأكيد العديد من الدّراسات العلميّة والنّظريات الأمر الذي يستدعي ضرورة تنفيذ دراسة علمية بهدف التقصي عن هذا المتغيّر ودرجة وجوده لدى دعامة المجتمع اللبناني الأساسية وهي فئة الشّباب. تحددت أهداف الدّراسة في: معرفة مستوى قلق المستقبل لدى الشّباب والشّابات الجامعيين في محافظة لبنان الشمالي، وتعرف دلالة الفروق بينهم على مستوى الجنس (الذكور والإناث)، العمر (بين 18 – 20 سنة، 21 – 25 سنة، 26 – 30 سنة)، نوع الجامعة (الجامعة اللبنانية، الجامعات الخاصة)، الحالة الاقتصادية (ضعيفة، متوسطة وجيدة)، ومكان السّكن (ريف، مدينة). اختيرت عينة الدراسة بطريقة عشوائية إذ بلغت 300 طالب وطالبة من طلاب الجامعة اللبنانية والجامعات الخاصة للعام الجامعي 2019/ 2020 واستخدمت الدّراسة استبيان قلق المستقبل بعد اقتباس بعض العبارات من مقياس قلق المستقبل من إعداد مسعود (2006م) وزيادة 14 عبارة بهدف إحاطة كل الجوانب المتعلقة بمتغير الدراسة بعد إجراء استطلاع أوليّ على عينة من مئة طالب وطالبة من طلاب الجامعات الخاصة والجامعة اللبنانية للعام 2019/ 2020 ليصبح الاستبيان مكوّن من 43 عبارة موزّعين على أربعة مجالات هي: القلق النّفسي (15 عبارة)، القلق الاقتصادي (13 عبارة)، القلق الصحي (9 عبارات) والقلق الاجتماعي (6 عبارات). إضافة إلى قسم مخصص للمتغيرات الديموغرافية: الجنس، العمر، نوع الجامعة، المستوى الاقتصادي ومكان السكن. وقد تمّ احتساب معاملات الصدق والثّبات بطريقة ألفا كرونباخ، وبطريقة حساب معاملات الارتباط بين كل عبارة، والدرجة الكلية للاستبيان إذ تبيّن تمتّع الاستبيان بدرجة جيّدة من الثّبات والصّدق تسمح بتطبيقه على أفراد العينة الأصلية. بيّنت النتائج الإحصائية وجود مستوى مرتفع من قلق المستقبل لدى الشّباب الجامعيين في محافظة لبنان الشّمالي. أما على مستوى الأبعاد الفرعية للاستبيان، تبيّن أن مستوى قلق المستقبل التي تواجه الشّباب الجامعيين تتراوح بين المتوسط والمرتفع. فبالنسبة إلى كل من المجال المتعلق بالقلق الاقتصادي والقلق الاجتماعي فقد أتت المستويات كبيرة، في حين بلغت مستويات المجال المتعلق بكل من القلق النّفسيّ والقلق الصّحي درجة المتوسط. كما تبيّن وجود فروق دالة إحصائيًا بين متوسط درجات الشّباب الجامعيين الذكور ومتوسط درجات الشابات الجامعيات الإناث على مستوى الدرجة الكليّة لاستبيان قلق المستقبل ومجالاته كافة لصالح الإناث إذ بدت قيمة (ت) دالة عند مستوى 0,001. وعدم وجود فروق إحصائية جوهرية بين متوسط درجات أفراد العينة في أدائهم على استبيان قلق المستقبل تبعًا لأعمارهم الزّمنية. ووجود فروق دالة إحصائيًا بين متوسط درجات مجموعة الشّباب الجامعيين طلاب الجامعة اللبنانيّة ومتوسط درجات مجموعة الشّباب الجامعيين طلاب الجامعات الخاصة على مستوى الدرجة الكلية لاستبيان قلق المستقبل ومجالاته الاربعة (القلق النفسي، القلق الاقتصادي، القلق الصحي والقلق الاجتماعي) لصالح طلاب الجامعات الخاصة. وعدم وجود فروق دالة إحصائيًا بين الشّباب الجامعيين من ذوي الحالة الاقتصادية المتوسطة والشّباب الجامعيين من ذوي الحالة الاقتصادية الجيدة على مستوى الدرجة الكلية لاستبيان قلق المستقبل باستثناء أقرانهم ذوي الحالة الاقتصادية الضعيفة الذين يعانون من ارتفاع مستوى قلق المستقبل لديهم. وأخيرًا، وجود فروق إحصائية جوهرية ودالة بين متوسط مجموعة الشّباب الجامعيين سكان الريف ومتوسط مجموعة الشّباب الجامعيين سكان المدينة لصالح سكان الريف على مستوى الدرجة الكلية لاستبيان قلق المستقبل وجميع مجالاته.

Abstract

Nowadays, young people are trying to survive the hardships of this life. They endure poverty and their movements are restricted due to the spread of Covid19. What is more, the ineffective Lebanese political strategies led to a severe economic crisis. The Lebanese citizens are witnessing the drawback of the Lebanese currency’s value, the high cost of living, the proliferation of black markets, the decline in the value of pensions, and the dismissal of many employees from their jobs. All of this deprived the Lebanese citizens-all age groups-from having optimistic feelings and from being psychologically reassured. In fact, pessimistic feelings prevailed to the point that young people are committing suicide. Needless to mention that these young people were once optimistic, ambitious and strived hard to achieve self-autonomy on the social and economic level alongside their family and siblings. Hence the need to conduct a study and find out the degree of anxiety towards the future among young people who form the pillars of the society. The objectives of the study were: determining the level of anxiety among university learners in North Lebanon Governorate, and identifying the significance of the differences between them at the level of gender (male and female), age (between 18-20 years, 21-25 years, 26-30 years), type of university (Lebanese University, private universities), economic situation (weak, medium and good) and place of residence (countryside, city). The study sample was randomly chosen, reaching 300 students from the Lebanese University and from private universities as well for the academic year 2019/2020. This study adopted Masood (2006) questionnaire and 14 questions were added to cover all the different aspects of the variable. That was accomplished after conducting a preliminary survey on a sample of 100 students from the public and private universities for the year 2019/2020. As a consequence, the updated version of the questionnaire consisted of 43 questions classified in four areas: Psychological anxiety (15 questions), economic anxiety (13 questions), health anxiety (9 questions) and social anxiety (6 questions). In addition to a section dedicated to demographic variables such as: gender, age, type of university, economic status and place of residence. To assess validity and reliability of the questionnaire Alpha Cronbach and R correlation were used.

After measuring the efficiency of the questions, obtained data yielded an authentic level of stability that allowed the researcher to use it for the study. Statistical results showed that there is a high level of future anxiety among university youth in the North Lebanon governorate. Subsections of the questionnaire revealed that the level of future anxiety facing university youth ranges from medium to high. As for the areas related to economic and social anxiety, the degree came as high when comparing both the psychological and the health anxiety that reached the average. Furthermore, results showed differences between the average scores of male undergraduates and the average scores of young female university students at the level of the total score while questioning the degree of future anxiety and all of its fields in favor of females. The value of (T) seemed to be a function at the level of 0.001 and there was absence of fundamental statistical differences among the average scores of the sample individuals in their performance on the future concern, depending on their age. What is more, results revealed significant differences for the benefits of private university students as compared to the Lebanese University learners when questioning the four fields: psychological anxiety, economic anxiety, health and social anxiety. Moreover, data recorded the absence of statistically significant differences between university youth with moderate economic status and those with good economic status except for youth whose peers withstand the weak economic condition. Finally, the results demonstrated significant statistical differences between the average of the university youth population who come from rural settings when compared to those who live in urban areas. In fact, the average of future anxiety of the former learners outreached that of the latter ones.

مقدمة

يعيش لبنان حالة من التخبط الاجتماعي والصّحيّ والسّياسيّ الناتجة عن الأوضاع السياسية ومجموع الصراعات المنبثقة من صراع الأحزاب الفئوية والطائفية، وهذا ليس جديدًا على الوضع السياسي في لبنان، فمجمل الحروب والاضطرابات السياسية كانت بسبب الطائفية. أما على الصعيد الصحي، فلا يُخفى على الجميع الوباء القاتل الذي هاجم العالم بسبب جرثومة تضرب الجهاز التنفسي وتؤدي إلى الموت، وقد غزت العالم وجعلت من القلق حيال هذا المرض والتعامل معه جزءًا من قلق الدولة ككل، فقد عمد الكورونا (كوفيد 19) على النيل من الكثير في لبنان نتيجة عدم الوقاية وعدم توفر العلاج، والاستهتار من قبل المواطنين لإجراءات الوقاية والسلامة من هذا الوباء، الأمر الذي دفع بدوره إلى عزل المواطنين ومنعهم من ممارسة حياتهم الطبيعية بإغلاق المصانع، والمحلات، والمؤسسات الرسمية، وغير الرسمية منها، ما شلّ حركة البلد، وزاد من الأزمة الاقتصادية التي يعيشها لبنان، إضافة إلى إرتفاع سعر الدولار نتيجة للتلاعب باقتصاد الدولة. كل ذلك انعكس سلبًا على المواطنين من الفئات العمرية كافة، خصوصًا المياومين الذين يعتاشون بشكل يومي ويحصلون على أجورهم مقابل أيام عملهم والذين حرموا منها بسبب الحظر. لقد حاولت المؤسسات، والهيئات، وفاعلو الخير أن يوفّروا بعض المساعدات لهؤلاء المواطنين وللعوائل الفقيرة، لكن بسبب كبر حجم المسؤوليات الملقاة على عاتق الأفراد، فإن حجم تلك المساعدات لا يكفي لسد حاجاتهم الاجتماعية، والاقتصادية، والالتزامات المالية لتأمين أبسط الاحتياجات الحياتية، ولا ننسى فإن الكثير منهم يقع تحت سيف الإيجارات والفواتير الشهرية كاشتراكات الكهرباء، والإنترنت، وفواتير الكهرباء، والمياه وغيرها، والتي ترهقهم في الحالة العادية، فكيف بوجود حظر ووباء وهم ملتزمون فيه ببيوتهم خوفًا على أنفسهم وعلى عائلاتهم من انتشار المرض؟ لقد وقع المواطن بين مطرقة الحظر والكورونا وبين سندان الحاجة الخاصة لتأمين الاحتياجات الحياتية الأساسية، أي بين الكورونا والفقر اللذين من شأنهما أن يسببا قلق المستقبل سواء أكان على المستوى القريب أو البعيد، فلا الكورونا لها زمن معين للاختفاء، ولا الوضع الاقتصادي بلبنان في ظل تلاعب الدولار وارتفاع سعر صرفه له زمن معين أيضًا، ما يدفع المواطن لسلوك الاحتجاج، والتذمر، والغضب من تلك الأوضاع، إضافة إلى ولوج الانفعالات السلبية المتمثلة بالخوف والقلق والتوتر ممّا ستؤول إليه الأمور في لبنان مستقبلًا. فنجد المواطن يسعى لإيجاد السبل لتحسين معيشته، بل ليخرج من الأزمة التي يتعرض لها من دون الوقوع بأخطاء في السلوك، أو من دون حدوث الاضطرابات النّفسية التي من الممكن أن تحصل له نتيجة كثرة التفكير في الواقع الذي يتعرض له، والنتائج الممكن أن تحصل له أيضًا، فإن خرج للعمل فهو معرض للميكروب وإن لم يخرج فإنّ الفقر سيدق بابه، وهذا ما يزيد من قلقه. فالقلق حالة نفسيّة قديمة قدم الإنسان عُرفت في الماضي بحالات الهمّ والحزن التي تؤدي إلى التوتّر، وتؤذي الإنسان جسميًّا ونفسيًا. فهي قد تُعرّضه لحالات متعدّدة من القلق أثناء محاولته إيجاد السُبل والوسائل للشعور بالاطمئنان. أما قلق المستقبل فهو قلق موضوعيّ اعتيادي، وخارجي المنشأ أي إنّ الفرد يُدرك أسبابه، الأمر الذي يجعله ينشط لمواجهته. تجدر الإشارة إلى أهمية الجانب النفسي في هذه المرحلة التي يمر بها اللبنانيون عامة، ولا سيما أنّ الكل متوتر وقلق على المستقبل حتى أصحاب الرّواتب العالية، فهم أيضًا يعانون من القلق على مستوى استقرارهم في العمل بظل وجود حالات إخلاء عمل لعدد كبير من العمال في مؤسسات كثيرة وقطاعات واسعة قامت بإنهاء خدمات واسعة من العمال وآخرين يقومون بالتهديد بالتّسريح. فأين هم المواطنون فئة الشّباب من هذه الأزمة؟ ما هو مستوى قلقهم على مستقبلهم بظل هذه الحالة المترديّة؟ تؤدي المشكلات الاقتصادية والخوف على مصدر الرّزق إلى زيادة التوتر والقلق من المستقبل والى الخوف من أن تطول هذه الأزمة، فتزداد التوترات لدى الأفراد بسبب الخوف على توقف الدّخل نهائيًا بالنسبة إلى البعض أو التأخر أو من حصل على نصفه، فهذا يولّد تحت هذه الضغوط تباعدًا اجتماعيًا حقيقيًا بين الأفراد، فاحتمال تزايد حالات الانفصال أو المشكلات التي تكون كامنة هو كبير فتظهر خلجاتها إلى العلن، وهذا وارد جدًا وبنسب مرتفعة في ظلّ استمرارية التهديدات الصحية، وانتشار الفيروس بسرعة على مستوى لبنان والعالم أجمع، وفي كنف تراجع مستويات الدّخل، والقدرات الشرائية بسبب الأزمة الاقتصادية. فأين هم الشّباب من هذه الأمور كلّها؟

الشّباب مجبرون، كما جميع المواطنين اللبنانيين، على البقاء في المنزل بسبب التعطيل والحجر، وأصبحوا يرغبون في العودة إلى العمل أو الدّراسة، لأنّ التّحدي هنا يتعلق بالدّخل، وأهم مصادر الحياة هو المال من أجل الإنفاق.

وقد يشهد لبنان حالة من الفوضى النّاتجة عن القلق والتّوتر؛ فعندما يصل التحدي إلى الحياة، فإنّها بمعناها متعلقة بالبقاء خوفًا من الجوع، لذا يجب أن نكون منتبهين لردود الفعل النّفسيّة والسّلوكيّة التي قد تنشأ بفعل هذا الوضع المستعصي. من هنا تولّدت فكرة هذه الدّراسة، من أجل أن يستفاد من نتائجها لمن يهمه الأمر من السلطات الاجتماعية، والعلمية المعنية بشؤون المواطنين اللبنانيين، خصوصًا فئة الشّباب منهم. استنادًا إلى ما سبق ذكره، أنطلق بتساؤلي المتعلق بالحالة النّفسيّة للطالب الجامعيّ بشكل عام والقلق من المستقبل خصوصًا في ظل الوضع الصحيّ والاقتصاديّ المسيطر على لبنان وهو: ما هو مستوى قلق المستقبل المعيش لدى طلاب الجامعات (الجامعة اللبنانية والجامعات الخاصة) الذين يعيشون تلك الأزمات، وما مدى انعكاسه على سلوكهم وانفعالاتهم وغضبهم وتذمرهم نتيجة تلك الأزمات؟

أولاً- تحديد موضوع الدراسة

يتحددّ موضوع الدّراسة في قياس مستوى قلق المستقبل لدى طلاب الجامعات في شمال لبنان بزواياه النّفسيّة، الصّحيّة، الاجتماعية، والاقتصادية في ظلّ انتشار جائحة كورونا، ووجود وضع اقتصادي متردٍّ في لبنان عامة، ومقارنة مستوياته بناء لمتغيرات ديموغرافية متعددة وهي: الجنس، العمر، نوع الجامعة، الحالة الاقتصادية، ومكان السكن.

ثانيًا- أهداف الدراسة

ينحصر هدف الدّراسة الحالية في معرفة مستوى قلق المستقبل لدى الشّباب الجامعيين بما يحتويه من زوايا وجوانب تؤثّر على مسار حياتهم في ظل انتشار فيروس كورونا وفي كنف ضيقة اقتصادية خانقة. سيتمّ دراسة الجوانب التالية المتعلقة بمتغير قلق المستقبل وهي: القلق النّفسيّ، القلق الاقتصاديّ الصحيّ والاجتماعي. كما تهدف الدراسة إلى كشف ومعرفة دلالة الفروق الإحصائية في مستوى قلق المستقبل حسب المتغيرات الديموغرافية التالية: الجنس (ذكر، أنثى)، العمر (ما بين 18-20 سنة، ما بين 21-25 سنة، 26 سنة وما فوق)، نوع الجامعة التي ينتمي إليها (الجامعة اللبنانية، جامعة خاصة)، الحالة الاقتصادية (ضعيفة، متوسطة، جيدة)، مكان السكن (الريف، المدينة).

ثالثًا- أهمية الدراسة

تكمن أهمية الدراسة الحاليّة في أنها تساهم في تحديد مستوى قلق المستقبل المعيش لدى طلاب الجامعات في لبنان بظلّ أزمة صحيّة واقتصاديّة صعبة يشهدها لبنان في الأونة الأخيرة، وفي ظلّ تحديات عظيمة في هذا الزّمان الذي يغلي بفعل العديد من المتغيرات السلبية على مجالات الحياة كافة. وتكمن أهميتها أيضًا، في معرفة مخاوف الشّباب وهواجسهم والعوامل المؤدية إلى إحباطهم، وتخفيف عزيمتهم، وضعف فاعليتهم نتيجة القلق والتوتر، وهذا يساهم في تشخيص الواقع المعيش لدى هذه الشريحة، الأمر الذي يساعد الأساتذة الجامعيين، والمسؤولين في أطياف المجتمع كافة من جامعة وطنية، ومراكز إرشادية وتوجيهية وعيادية، ووزارات الدولة المعنية، على وضع خطط تدخّل لتجاوز حالة القلق وما ينتج منها من هجرة خارج البلاد، أو حدوث اضطرابات شخصية، أو اجتماعية، أو القيام بأعمال مخالفة للقانون (جرائم، خطف، سرقة…)، أو الإقدام على الانتحار الذي بات شائعًا في عصرنا الحالي في المجتمع اللبناني نتيجة التدهور الاقتصادي، والمعيشي، وانتشار البطالة. ونحن إذ نقوم بدراسة وتقصي لمستوى قلق المستقبل لدى الشّباب الجامعيين، نساهم في الكشف عن وجع شريحة مهمة من المجتمع اللبناني ودعامته الأساسية. وحين تتكشف المستويات يصبح بالإمكان وعي وإدراك الخطر المحدق بالمجتمع من جوانبه وزواياه كافة، والعمل، من ثَمَّ، العمل على تجاوزها عبر وضع حلول، ومقترحات جدّية تخفف وتلغي إمكانية الوقوع في هوّة الفساد والاضطرابات الاجتماعية، والنّفسيّة، والأخلاقيّة. ومن الواجب عليّ كباحثة متخصّصة في علم النّفس والعلوم الاجتماعية، دراسة العوامل النّفسيّة التي تؤثر على الشّباب، ومنها الخوف على مستوى المستقبل المجهول في ظلّ أزمة صحيّة راهنة تجتاح جميع المجتمعات وفي ظلّ انحصار الوظائف، وتسريح الموظفين من أعمالهم، وقلة الموارد الاقتصادية وارتفاع الغلاء المعيشي الذي يسيطر على لبنان.

رابعًا- مصطلحات الدراسة

قلق المستقبل، الشّباب الجامعيين.

  • قلق المستقبل

مصطلحات متعددة تستخدم عند دراسة موضوع قلق المستقبل نذكر منها: الخوف من المستقبل، التشاؤم من المستقبل والتوقعات السالبة من المستقبل. (شند، س، 2002 م، الصفحات 113 – 129). يعدُّ قلق المستقبل جزءً من القلق العام على المستقبل انطلاقًا من الظروف الصعبة والضاغطة التي يعيشها الفرد، إذ تتملكه مشاعر سلبية متعددة كالتشاؤم والإحساس بالعجز في تنفيذ أهداف الحياة وفقدان القدرة على السّيطرة الذّاتية على الحاضر والخوف من المجهول. (سعود، ن، 2005م) تم توضيح القلق من المستقبل من قبل صبري (2003م) (صبري، إ، 2003م) على أنّه نتاج تكامل بين قلق الماضي والحاضر والمستقبل الذي يسبب الشعور بالخوف والتوتر. وقد أشار العشري (2004م) (العشري، م، 2004م) أن عيش الفرد في ظل متغيرات تهدد الأمن والأمان والاستقرار يخلق لديه حالة من الترقب والتوجس نحو الغد القريب والبعيد، وأن ظهور الأزمات كالبطالة، والفقر، وغلاء المعيشة، وأزمات الاقتصاد، والسكن، والعمل تتسبب في نشوب مشاعر التشاؤم والقلق نحو المستقبل. عرّفه النجاحي (2008م) (النجاحي،ف، 2008م، الصفحات 321-414) بأنّه حالة من التوتر والخوف وعدم الاطمئنان من تغيرات مستجدة تطرأ على الفرد لتصبح غير مرغوبة في المستقبل. بينما أوضحته رافيليا (2005م) بأنه توقع سلبي نحو المستقبل وما يخبىء من أحداث ومتغيرات. (Raffaclli, M; Kooler, S, 2005, pp. 249-262.). وأشار عبدالسلام (2005 م) (زهران،ع، 2005م، صفحة 484) إلى أن قلق المستقبل هو الميل تجاه التفكير في المستقبل الذي يحمل اتجاهات سلبية وغير مناسبة لتفكيرنا وتوقعاتنا وعلينا التهيوء لمواجهتها والتغلب عليها وتحمّل مسؤولية قراراتنا وأفعالنا مع وجود انفعالات سلبية تجاهها تترجم بالخوف، والتوتر، والعجز، وعدم الكفاءة. أستخلص مما سبق، أن القلق من المستقبل هو شحنة انفعالية تشاؤمية يحملها الفرد تجاه المستقبل والحياة والخوف منهم وتسبب انخفاض مستوى قدرته على مواجهة المشكلات والضغوطات والصعوبات. أما التعريف الإجرائي لقلق المستقبل على مستوى الدّراسة الحاليّة هو حاصل الدرجة الكليّة لمجموع الإجابات عن الأسئلة التي يتكوّن منها استبيان قلق المستقبل المستخدم من قبل الباحثة والمكوّن من أربعة مجالات (المجال النفسي، المجال الاقصادي، المجال الصحي، والمجال الاجتماعي).

ب- الشّباب الجامعيين

الشّباب هو المرحلة التي يبدأ بها النّضج الجنسيّ بالاكتمال عند سن 25، بينما يحددها بعض العلماء على أساس المعيار العمري بين الثانية عشرة والثلاثين. أما علماء الاجتماع، فقد حددوها بأنّها المرحلة التي يبدأ بها الشّخص بتأهيله لاحتلال مكانة اجتماعيّة ويؤدي دوره كإنسان فاعل ومنتج في المجتمع. (هبة، م، 2010)

تتصف هذه المرحلة العمريّة بأنّها مرحلة الحماسة والجرأة والاستقلالية والتطلّع الطامح نحو المستقبل بمستوى كبير وعريض بجوانب الحياة المتعدّدة: التعليم، الوظيفة، الحبّ والزواج، المنزل، تأكيد الذات وإثباتها، المكانة الاجتماعية المرموقة، الاستقلالية المادية. ويترافق مع كل هذه الأمور الشّعور بالقلق والتّوتر لحين الحصول على الاحتياجات المرجوة وتحقيق الاستقرار. ومن الطبيعي جدًا أن يواجه الشّباب الكثير من المشكلات والعقبات في طريقه نحو أهدافه المرجوة وتكون على المستوى الذّاتي والعلائقيّ والاجتماعيّ والماديّ. وحاليًا يعاني الشّباب اللبنانيّ من مشاكل على الصعد والجوانب كافة بسبب الوضع الراهن، فألقت بثقلها على جوانب الحياة كافة حتى أصبح مجرد التفكير بها يحمل العديد من الهموم، والقلق، والتوتر في نفوس الشّباب وعقولهم. وبالتالي تجاوز القلق قدرة الشّباب على التحمل وانعكس سلبًا على تقديراتهم للجوانب المستقبليّة ليصطبغ بالتّوجس، والتشاؤم، والانزعاج الأمر الذي يشكل خطورة كبيرة على كيفية وضع خطط مستقبلية في نواحي الحياة كافة: الأسرية، والمهنية، والاقتصادية.

خامسًا- الدراسات السابقة

  • الدراسات العربية

هدفت دراسة الرشيدي (2017م) (الرشيدي،ب، 2017م) إلى تقصّي نوع العلاقة الارتباطية بين قلق المستقبل والفاعليّة الذاتيّة لدى طلاب جامعة حائل في ضوء بعض المتغيرات (الجنس، التّخصص الدّراسيّ والخبرة الدراسيّة) على عينة مكوّنة من 301 من طلاب وطالبات كلية المجتمع في جامعة حائل بتخصص الحاسب الآلي وإدارة الأعمال. استخدم الباحث مقياس قلق المستقبل من إعداد الشقير (2005م)، ومقياس الفاعلية الذاتية من إعداد العدل(2001م). دلّت النتائج على وجود مستوى مرتفع من قلق المستقبل لدى أفراد العينة ووجود علاقة ارتباطية عكسية عند مستوى 0,01 بين متغير قلق المستقبل ومتغير الفاعلية الذّاتيّة على مستوى الأبعاد كافة باسثناء بُعد قلق الصحة والموت الذي لم يكن دال إحصائيًا. اهتمت دراسة شلهوب (2016م) (شلهوب، د، 2016م) بمعرفة مستوى قلق المستقبل والصلابة النّفسيّة من جهة ونوعيّة العلاقة الارتباطية بينهما من جهة ثانية، لدى عينة مكونة من 300 شابٍّ وشابة يكوّنون 1% من المجتمع الأصلي يتراوح أعمارهم بين 18 و30 سنة اختيروا بالطّريقة العشوائيّة من الشّباب الذين يترددون على مركز الإيواء المؤقت في مدينتي دمشق والسويداء وفق المتغيرات الدّيموغرافية التالية: الجنس، المستوى التعليمي (ثانوي، مهني، جامعة)، الحالة الاجتماعية (عازب، متزوج). أحد المقاييس المستخدمة، والتي تعنينا على مستوى دراستنا الحالية، هو مقياس قلق المستقبل من إعداد الباحثة يتألف من خمسة مجالات) المجال الاجتماعي، المجال الاقتصادي، مجال الموت، مجال العمل، المجال الإنساني). أظهرت النتائج أن المستوى العام لقلق المستقبل لدى أفراد العينة كان متوسطًا، أما بالنسبة إلى مستوى قلق المستقبل على الأبعاد الخمسة، فقد كان على البعد الاجتماعي ضمن المتوسط، أما بالنسبة إلى البعد الاقتصاديّ كان عاليًا، وعلى بعد العمل كان متوسطًا، وفي ما يتعلق ببعد الموت فقد كان عاليًا، وكذلك كان عاليًا على البعد الإنساني. وبينت النتائج وجود فروق في مستوى قلق المستقبل يعزى للجنس لصالح الشّباب الذكور. اهتمت دراسة جاجان (2016م) (الجاجان، ياسر، 2016م) بدراسة الفروق في قلق المستقبل لدى عينة من طلاب كلية التربية بجامعة دمشق (ن=300 طالب وطالبة) في ضوء بعض المتغيرات الدّيموغرافية التالية: الجنس، التخصص الدراسي (علم نفس، إرشاد نفسي، تربية حديثة)، المستوى الاقتصادي للأسرة، المستوى التّعليميّ للوالدين والبيئة الاجتماعية. استخدمت الدراسة مقياس قلق المستقبل من إعداد سعود وناهد (2005م). بينت النتائج الإحصائية عدم وجود فروق دالة إحصائيًا في متوسط درجات أفراد العينة تعزى إلى الجنس والمستوى الاقتصادي. في ما بينت وجود فروق دالة إحصائيًا في متوسط درجات أفراد العينة تعزى إلى البيئة الاجتماعية لصالح سكان الرّيف. نفذ كل من المومني ونعيم (2013م) (المومني، م، نعيم، م، 2013م) في الأردن دراسة إحصائية بهدف الكشف عن مستوى قلق المستقبل لدى طلبة كليات المجتمع في منطقة الجليل (ن=439 طالبًا وطالبة) في ضوء متغيري الجنس والتخصص الدّراسي. بينت النتائج وجود مستوى مرتفع من قلق المستقبل لدى أفراد العينة بشكل عام ووجود فروق دالة إحصائية في مستوى قلق المستقبل تعزى للجنس لصالح الذكور. كما اهتمت دراسة معشي (2012م) (معشي، م، 2012 م) بمعرفة مستوى قلق المستقبل لدى الطالب المعلم في كلية المعلمين في جامعة جاران في السعودية (ن=109)، وتعدّد الدرجات على مستوى العمر، والتخصص الأكاديمي والمعدل التراكميّ. استخدمت الدراسة مقياس قلق المستقبل من إعداد المشيخي 2009م. بينت النتائج مستوى مرتفع من قلق المستقبل لدى افراد العينة وعدم وجود فروق بين متوسطات أفراد العينة استنادًا إلى العمر. وفي العراق، نفّذ محمد (2010م) (محمد،ه، 2010م) دراسة: “قلق المستقبل عند الشّباب وعلاقته ببعض المتغيرات” على عينة بلغت قوامها 151 طالبًا وطالبة أجابوا على عبارات مقياس قلق المستقبل من إعداد مسعود (2006م). توصلت النتائج الإحصائية إلى وجود مستوى مرتفع من قلق المستقبل لدى الطلاب ووجود فروق بينهم تعزى لمتغير الجنس لصالح الإناث.

  • الدراسات الاجنبية

دراسة بولانسكي (2005 م) (Bolanowski, W, 2005) التي اهتمت بدراسة مستوى القلق المهني نحو المستقبل لدى طلبة كليات الطب في بولاندا. بلغت عينة الدراسة 992 طالبًا وطالبة في السنة الأخيرة بكليات الطب. استخدمت استبانة من إعداد الباحثة لتنفيذ أهداف الدراسة. توصلت الدراسة إلى أنّ 81% من أفراد العينة يعانون من مستوى مرتفع من قلق المستقبل المهني. وعدم وجود فروق ذات دلالة إحصائية في مستوى قلق المستقبل تعزى للجنس. أجرى لونسون وآخرون (1998م) دراسة هدفها معرفة الفروق بين الذكور والإناث في قلق المستقبل، وهل لمتغير الجنس دور في وجود هذا القلق؟ بلغت العينة 1079 ذكرًا وأنثى. بينت الدراسة أن للإناث الميل والاستعداد الكبير في الإحساس بالقلق وحدوثه عندهم أكثر من أقرانهم الذكور مرتين على الأقل، ولكن ضمن الحالات التي عانت القلق في الماضي، وليس من اللواتي لم يخبرن القلق أبدًا في حياتهن. وأنّ أكثر ما يقلق الفتيات هو التفكير في مستقبلهن (هبة، م، 2010م، صفحة 359).

تعقيب على الدراسات السابقة

استنادًا إلى ما تمّ تصفحه من دراسات سابقة ذُكِرت واستًعرِضت على مستوى دراستنا البحثية أم لا، تبيّن وجود علاقة ارتباطية بين متغير قلق المستقبل والكثير من المتغيرات مثل متغير الفاعلية الذّاتية (الرشيدي،ب، 2017م) (دراسة الرشيدي، 2017م)، الصلابة النفسية (دراسة شلهوب، 2016م) (شلهوب، د، 2016م)، التفاؤل والتشاؤم، سمات الشخصية، صورة الجسد.

– تمحورت الدراسات السابقة في ما خصّ متغير قلق المستقبل حول فئة الشّباب بالإجماع.

– اهتمت بعض الدراسات بدراسة متغير قلق المستقبل بصيغة مُفردة بعيدًا من ارتباطه بأي متغير ثانٍ، وقد أتت النتائج متباينة على مستوى درجة المعاناة من قلق المستقبل لدى الشّباب. إذ بيّنت نتائج دراسة كل من: (المومني ونعيم، 2013)، (معشي ومحمد، 2013م)، (محمد، 2010م)، (بولانسكي، 2005م) وجود مستوى مرتفع من قلق المستقبل لدى الشّباب، فيما توصّلت نتائج دراسة (شلهوب،2016م) أن مستوى قلق المستقبل لدى الشّباب هو بدرجة متوسطة.

– تقاربت المحاور والأبعاد المكوّنة لمتغير قلق المستقبل المعتمدة من قبل الباحثين؛ فكان الأكثر تداولًا هي الأبعاد الآتية:

البعد الاجتماعي، الاقتصادي، الموت أو الصحة. ويُذكر أنّ هذه المحاور هي معتمدة في دراستي الحالية نظرًا لملائمتها للوضع الراهن الذي تعيشه عينة الدراسة.

– لاقت دراستي مع بعض الدراسات السابقة على مستوى تحديد العمر الزمني للعينة؛ إذ انحصرت الدراسة بالشّباب الذين يبلغ أعمارهم ما بين 18 و30 سنة.

– لوحظ قلة الدراسات التي تناولت دراسة متغير قلق المستقبل في ضوء متغير مكان السكن (ريف، مدينة)، إذ وبعد الاطلاع الواسع على الدراسات السابقة المهتمة بهذا الموضوع، تبيّن وجود دراسة واحدة فقط، في حدود علم الباحثة، هي دراسة (جاجان،2016 م). وأكثر المتغيرات الديموغرافية التي استحوذت على اهتمام الباحثين هي: الجنس، التخصص الدّراسيّ والعمر الزمني. كما لوحظ انفراد الدراسة الحالية عن نظيراتها على مستوى دراسة متغير قلق المستقبل في ضوء نوع الجامعة التي يدرس فيها الطالب (الجامعة اللبنانية الرسمية أم جامعة خاصة).

سادسًا- إشكالية الدراسة وتساؤلاتها

تنطلق هذه الدراسة من مظاهر وانعكاسات وتأثيرات انتشار جائحة كورونا التي تهدد الأفراد بمختلف الأعمار بخطر الموت، والضيقة الاقتصادية التي يشهدها ويعيشها لبنان المتمثلة بانتشار البطالة وخسارة الأعمال والمهن والوظائف بأشكالها وأنواعها المتعدّدة، وبغلاء المواد الغذائية وفقدانها ببعض الأحيان، كما الاضطرابات الاجتماعية، والسياسية السائدة التي أرخت ثقلها على طريقة العيش وأسلوب الحياة بحيث ظهرت الاحتجاجات والمظاهرات في الشارع ضد السلطة السياسية تندّد باستراتيجيتهم المتبعة التي أدّت إلى الفقر، والعوز، والحرمان، وتسكير المؤسسات بأنواعها كافة، والمحلات التجارية. وتراجع مستوى الاقتصاد وإلى ارتفاع نسبة الخوف من الجوع، وانتشار بعض أنواع الفساد (كالنشل، والسرقات، والتعديات، بأوجهها وأنواعها المتعدّدة)، وارتفاع نسبة القلق على المستقبل الصحي، والاقتصادي، والوظيفي، والاجتماعي. كلّ ذلك ساهم في ارتفاع وتيرة معاناة اللبنانيين عامة والشّباب خصوصًا على أساس أن ركيزة الحياة السوية، والسليمة، وأسس الاستقرار النّفسيّ والذّاتي فيها، مبني على الإحساس بالأمان الصحيّ، والاجتماعيّ، والوظيفيّ. فكيف للشباب أن يلتمس الرّاحة النّفسيّة السّويّة البعيدة من القلق، والخوف، والتوتر في ظلّ انتشار فيروس يهدد حياتهم، وحياة أحبابهم، وتقيّد قدراتهم على التنقل، والتّجوال، والتّواصل، والتّلاقي، وفي كنف البطالة، وقلّة الموارد الماليّة، والاقتصاديّة الضرورية للعيش السويّ والسليم، وفي أفق الضياع الحاصل على مستوى ضآلة إمكانية الخروج من المحنة الاقتصاديّة التي تقتل كل حلم مستقبلي، وكل أمل بالحصول على وظيفة، أو مهنة شريفة وقادرة على تأمين الرضا المعيشي، والنفسي، والوظيفي؟ من هنا انبثقت مشكلة الدّراسة التي تتلخص في تعرف مستوى قلق المستقبل بزواياه المتعددة: النّفسيّة، الاقتصاديّة، الصّحيّة، والاجتماعية لدى الشّباب الجامعيين في شمال لبنان، وذلك في ضوء الإجابة عن أسئلة الدّراسة الآتي ذكرها:

ما مستوى قلق المستقبل الذي يعيشه الشّباب الجامعيين في شمال لبنان؟ وهل يختلف هذا المستوى باختلاف نوع الجامعة (طلاب الجامعة اللبنانية، وطلاب الجامعات الخاصة)، الجنس (ذكور، إناث)، العمر (ما بين18 – 21 سنة، ما بين 21 – 25 سنة، 26 – 30 سنة)، الحالة الاقتصادية (ضعيفة، متوسطة، جيدة)، ومكان السكن (ريف أو مدينة)؟

سابعًا- فرضيات الدراسة

الفرضية العامة: يعاني الطلاب اللبنانيين في شمال لبنان من مستوى مرتفع من القلق على مستقبلهم.

الفرضيات المتفرعة

  • توجد فروق إحصائية جوهرية بين متوسط درجات أفراد العينة في أدائهم على استبيان قلق المستقبل تبعًا لمتغير الجنس (ذكور، إناث).

2- توجد فروق إحصائية جوهرية بين متوسط درجات أفراد العينة في أدائهم على استبيان قلق المستقبل تبعًا لأعمارهم الزّمنية.

3- توجد فروق إحصائية جوهرية بين متوسط درجات أفراد العينة في أدائهم على استبيان قلق المستقبل تبعًا لمتغير نوع الجامعة (جامعة لبنانية وجامعة خاصة).

4- توجد فروق إحصائية جوهرية بين متوسط درجات أفراد العينة في أدائهم على استبيان قلق المستقبل تبعًا لمتغير الوضع الاقتصادي.

5- توجد فروق إحصائية جوهرية بين متوسط درجات أفراد العينة في أدائهم على استبيان قلق المستقبل تبعًا لمكان سكنهم (ريف، مدينة).

ثامنًا- الإطار النظري للدراسة

أ- مفهوم القلق بشكل عام

القلق (Anxiety) لغةً: كما ورد في كتاب “ابن منظور” هو الانزعاج؛ فيقال قلق الشيء قلقًا فهو قلق ومقلاق، وأقلق الشيء من مكانه، وقلقه أي حرّكه، والقلق أيضًا أن لا يستقر في مكان واحد (ابن منظور، 1968).

على مستوى المعنى الاصطلاحي لمفهوم القلق، عرّفه كولد (Could): “بأنّه ردّ فعل لخوف مرتقب يندرج من الإرتباك والاضطراب حتى يصل إلى الرُّعب التّام، وهو مسبوق بشكل حقيقي أو رمزي بظرف من التهديد الذي يدركه الفرد سريعًا ويستجيب له بشدّة. (Could, 1965, p. 30). القلق هو شيء طبيعي في حياتنا اليومية؛ فنحن قد نشعر بالقلق على أحوال أولادنا ومستقبلهم، على صحتنا، على عملنا… إلاّ أنّه قد يصبح خطيرًا ويتطور إلى اضطراب نفسيّ في حال تخطيه الحدود الطّبيعيّة والعتبة الاعتياديّة في مسار أيامنا. وفي حال تطور مظاهر القلق لدى شخص معين نتيجة متغير ما، تبدأ بعض الأعراض بالظهور وتتملك كِيانه، الأمر الذي يلبّد قدرته على التوافق والتمتع بالصّحة النّفسيّة السليّمة والعيش المريح. ومن هذه الأعراض نذكر: صعوبة السيطرة على مشاعر القلق، التوتر، الانفعال الزائد، الضجر، رؤية غير واقعية للمشاكل، الشعور بعدم الاستقرار، الشعور بالتعب بسهولة، صعوبة التركيز، سرعة التهيج، شد عضلي، اضطرابات النوم مثل صعوبة النوم، أو النوم لحِقبات طويلة والتعرق. ويُذكر أنّ هذه الأعراض قد تصبح دائمة، أو تستمر أغلب الوقت ولا ترتبط بموقف معين، أو بسبب واضح يدعو إلى القلق، فالمصاب باضطراب القلق النّفسيّ يشعر بهذه الأعراض طوال الوقت. يتطوّر قلق المستقبل بشكل تدريجي مع الزمن، ومع ازدياد المخاوف، والمسببات التي تؤدي إلى هذا القلق. فهو ميل فطري للتعامل مع الخوف الذي يزداد بدءًا من التّلوث البيئي إلى الأمراض المستعصيّة، فقدان الأحبة، الاغتراب الاجتماعيّ، والتّحكم في مصير الشّعوب مـن خـلال مـصادر الطاقة الذّرية، الغذائيّة، ونظام التّبعيّة السياسيّة، والاجتماعيّة، والحـروب وغيرهـا (Zaleski, 1996, pp. 165-174) يُعدّ القلق جزءًا طبيعيًا من حياة الإنسان يؤثّر في سلوكه، فهو علامة على إنسانيته وجانب ديناميكي في بناء الشخصيّة ومتغيّر من متغيرات السلوك، ينشأ عند جميع الأفراد في مواقف تحدٍّ عديدة قد تواجههم، في هذه الحالة يعدّ أمرًا طبيعيًا، لأنّه يشكّل دافعًا للفرد لاتّخاذ الإجراءات السّلوكيّة المناسبة لمواجهة الموقف، وإنْ زادت درجته عن الحد الطبيعي فإنّه يشكل خطرًا، عندها قد يرتبط بالاضطرابت السّلوكيّة، الخوف، الصّراع، الوهم (المومني، م، نعيم، م، 2013)، ويرى أصحاب المنظور الإنساني أنّ القلق لا ينشأ من ماضي الفرد، وإنّما هو خوفٌ من المستقبل، وما قد يحمله من أحداث تهدد وجود الإنسان وإنسانية الفرد. (Schuetz, A, 1998, p. 73) فالقلق ينشأ من توقع الفرد من أن ثمة شيء ما قد يحدث. على مستوى الأسباب الكامنة وراء ظهور أعراض القلق النّفسيّ لدى الأفراد، فهي متعددة ومتنوعة. فهناك عوامل تجعل من هذا الشّخص عرضة لبراثن القلق أكثر من غيره بسبب خصائص معينة في شخصيته أو واقعه المعيش، من هذه العوامل نذكر:

  1. الوراثة: لا يمكن إلغاء دور الوراثة في تناقل ميكانزمات القلق النّفسيّ داخل الأسرة الواحدة، إذ يمكن اكتسابه من خلال نمط التعلم والاكتساب والتماهي؛ فالفرد الذي يربى في كنف عائلة متميزة بتفكيرها السلبي والقلق، ستنطبع في
  2. الصفات الشخصية: إذ قد يكون القلق سمة من سمات الشّخصية بفعل التّعلم أو التّماهي أو التّعرض الكثير لمثيرات تسبب القلق فيتطور ويصبح عادة في حياة الفرد.
  3. لجنس: فالنساء هنّ أكثر إحساسًا بالقلق من أقرانهم الذّكور بمستوى الثلثين.
  4. لعمر: قد يختلف محور القلق من مرحلة عمرية إلى أخرى باختلاف خصائص كل مرحلة من مثل التّعرض للمرض، انتشار وباء، انهيار اقتصاديّ، متاعب في الدّراسة والعمل والأسرة.
  5. عتبة الشخصية الأساسية وطبيعتها المتميزة: تتنوع العتبات الشّخصيّة لدى الأفراد فمنهم ذات الصّلة الوثيقة بالقلق العام كالشّخصيّة الوسواسيّة ، الشّخصيّة الهستيريّة والشّخصيّة الحدّية.
  6. العوامل الاجتماعية السائدة في الزمان والمكان الذي يعيش فيه الفرد.
  7. الخبرات الشخصية للفرد وما مرّ به من صدمات نفسيّة أو صحيّة أو أسريّة أو اجتماعيّة أو اقتصاديّة. إذ تسبب الظروف الصعبة أو التجارب التربوية المعيشة بازدياد مشاعر الخوف والتوتر والقلق، وتخلق لدى الفرد شعورًا بفقدان الأمان تجاه المستقبل. ولا يمكن أن ننسى أن الإحباطات المتكررة لها علاقة قوية باضطراب القلق العام.
    الضغوط النفسية: مثل المرض، الطلاق ، الخلافات، الفقر، البطالة، مشكلات العمل من احتمال الإصابة بالقلق النّفسيّ.
    9. الطعام: بعض المشروبات مثل القهوة والشاي والمشروبات الغازية التي تسبب زيادة في مستويات القلق لمن لديهم الاستعداد لذلك.
    10. أمراض عضوية أخرى: مثل انخفاض سكر الدم، فرط إفراز الغدة الدرقية واستخدام العقاقير المضادة للاكتئاب التي تعمل على زيادة معدلات السيروتونين. (السبيعي،ع، 2015)
  8. قلق المستقبل: يطلق عليه اسم قلق التوقّع، إذ يتوقع الفرد حدوث أمور قد لا تأتي، فيُرهقون أنفسهم من دون سبب واقعي، إنّما هوَ وهم وتوقّع لا وجود له في الأساس أو سبق وحدث مع أشخاص آخرون في واقعه وحياته المعيشة. والحلّ الأفضل يكمن في أن لا يفكّر إلا في لحظته التي هوَ فيها ولا يتجاوزها إلى غيرها (الشوابكة، م، 2018).
    12. فراغ في حياة الشخص: وعدم انشغاله ووجود وقت فراغ كبير الأمر الذي يدفعهُ للتفكير الزائد وبالتالي حُدوث قلق نفسيّ بشكل حتميّ؛ فالأشخاص الذين ينشغلون بالعمل والإنجاز والعطاء وإتمام المسؤوليات هُم أقلّ عُرضة للقلق والتوتّر من غيرهِم، عكس الذين لا يجدون شيئًا ينفذونه فلا يجيدون إلا التفكير وإرهاق النّفس بكثرة التحليلات والتوقعات وفرط القلق. (الشوابكة، م، 2018)

ب- أسباب قلق المستقبل

  • تفكك النواة الأسرية وغياب الإحساس بالأمن والأمان داخلها وفي كنفها.
  • ارتفاع نسبة المشاكل والضغوط النّفسيّة التي يواجهها الفرد وعدم القدرة على حلها أو مواجهتها. (العشري، م، 2004، الصفحات 164 – 168)
  • إلقاء اللوم على الآخرين والظروف الخارجية في حال الفشل.
  • العوامل الاقتصادية السائدة، والاجتماعية المسيطرة، والثقافيّة المعيشة.
  • التفكير الخطأ واللاعقلاني الذي يسيطر على الفرد وإدراكه ويدفعه إلى تقييم الواقع، والمواقف، والأحداث بشكل سلبي، ومدمّر الأمر الذي يدفعه إلى الشعور بالخوف، والقلق، والتوتر، وفقدان السيطرة على الأمور، وعدم الأمان والاستقرار. (شقير، ز، 2002، صفحة 64)
  • المغالاة في الطموح ووضع خطط، وأهداف لا تتناسب مع واقع الفرد المعيش.
  • عدم الإحساس بالأمن، والأمان، والانتماء سواء على مستوى الجماعة التي ينتمي إليها الفرد أو المجتمع.
  • الخوف والتوتر من الغموض الذي يسيطر على المستقبل وما يحمله من صعوبات وتوترات (القاضي، وفاء، 2009)

ومن الملاحظ في الأونة الأخيرة ازدياد نسبة الشّعور بالقلق نحو المستقبل، وعدم الثقة فيه بسبب ما تشهده الحياة من مشقات، وصعوبات، وتوترات على الصعد، والمجالات كافة: الصّحيّة (انتشار الفيروسات والأمراض)، الاجتماعية (وجود العديد من التعديات، والمشكلات، والتباعد الاجتماعي، والأسري بسبب التكنولوجيا وخلفياتها إضافة إلى غيرها من الأسباب)، الاقتصادية (سيطرة الفقر، والبطالة، وارتفاع تكلفة المعيشة). إذ ارتفع مستوى التشاؤم لدى الأفراد بالأعمار كافة وازدادت درجة الاعتقاد بقرب الأجل، وبانتهاء الحياة، وفقدان الإحساس بالأمن النّفسيّ الذي يعدُّ متغيرًا مهمًا من متغيرات الصّحة النّفسيّة. فإحساس التشاؤم مقترن بعدم الطمأنينة النّفسيّة، أو الأمن الشّخصي وعدم التحرر من الخوف والتوتر على النّفس، والممتلكات، والأهل، والأحباء فضلًا عن اضطرابات الأكل والنوم. بات الأفراد يفضلون المكوث في منازلهم بسبب ما يجتاح الوطن من فيروسات وأمراض واضطرابات سياسية، الأمر الذي يعيق عملية تحقيق طموحاتهم، وأهدافهم، أو حتى تأمين متطلبات الحياة اليومية من مأكل، ومشرب، ولباس… بمعنى آخر سيطرة مشاعر الأحباط والقلق على انفعالاتهم.

ج- التوجهات النظرية المفسرة لقلق المستقبل

يوجد العديد من النظريات المفسرة لمفهوم قلق المستقبل وسنكتفي بعرض البعض منها على مستوى الدراسة الحالية وهي:

1.نظرية التحليل النفسي

تجاذبت التّفسيرات العلميّة والنّظريّة المفسرة على مستوى نظرية التّحليل النّفسيّ، فيما خصّ سبب وجود مشاعر القلق لدى الفرد. ألقى فرويد تفسيراته في عباءة عتبات الشخصية: الهو، والأنا، والأنا الأعلى. ويرى أن القلق هو لبّ العصاب، إذ أشار إلى وجود نوعين من القلق يلازمان الفرد في حياته؛ قلق موضوعي وطبيعي تجاه خطر معين موجود وواضح ويستدعي الشعور والإحساس بالقلق، وقلق عصابي مبالغ فيه ويكون نتيجة صراع وتجاذب بين ميكانزمات الهو المكبوتة وأواليات دفاع الأنا والأنا الأعلى لإبقائها مدفونة ولا يُسمح لها بالظهور أو الاقتراب من منطقة الوعي هدف تحقيق التوازن والاستقرار النّفسيّ والاجتماعيّ (كفافي، ع، 1999، صفحة 36) فيما اختلفت وجهات النظر لدى البعض الاخر من رواد مدرسة التّحليل النّفسيّ؛ فمنهم من فسّر ظهور استجابة القلق بأنه رد فعل تجاه أي خطر يهدد مكوّنات الشّخصيّة الأساسيّة ويُضعفها بفعل التهديد والعدوان (هورني Horney)، ومنهم من فسّرها نتيجة سوء واضطراب العلاقات مع الآخرين خاصة الأم (سوليفان Sullivan)، بينما يراها آخر بأنّها وليدة عدم التكيف والتوافق السليم بين الفرد والمجتمع الذي ينتمي إليه بمعنى غياب شعور الفرد بالانتماء إلى مجتمعه الأمر الذي يسبب له الإحساس بالعجز والقلق والنّقص(آدلر Adler). (شقير، ز، 2002، صفحة 64) (عثمان، ف، 2001، الصفحات 23 – 24)

  1. النظرية السلوكية

يرى أصحاب هذه النظرية أن القلق يحدث بفعل التعلّم. إذ قد يتعرض الفرد لمثير معين سبب له استجابة القلق والتوتر (Wiebe, 1991, pp. 89 – 99)، وقد تصبح هذه الاستجابة ثابتة في سلوكيات الفرد بفعل عملية تكرار التعرّض لهذا المثير، وبالتالي تصبح استجابة القلق هي استجابة اشتراطيّة كلاسيكيّة تخضع لقوانين التّعلم (بطرس، ح، 2004، صفحة 598). وقد فسّر دولارد وميلر Dollard & Miller القلق بأنه تنفّس انفعالي، ورد فعل لمشاعر قوية من العدوان، والذّنب، والكراهيّة مكبوتة في داخل الفرد. أما مورو Mowro فقد أرجع سبب الشّعور بالقلق إلى سوء في عملية التّطبيع الاجتماعيّ، وفشل في التوازن بين القيم الاجتماعية السائدة واتجاهات ودوافع الفرد (الطيب، محمد، 2007، صفحة 396)

  1. نظرية الجشتالت

فسرت النظرية الجشتلتية القلق من زوايا ثلاث: سيكولوجيًا (صراع بين رغبات ودوافع الفرد الهوامية والاجتماعية من جهة وبين تنفيذها وتطبيقها والإحساس بها في الواقع المعيش من جهة ثانية)، فسيولوجيًا (ضيق التّنفس ونقص الأوكسيجين  وهذا ما يعرف بمعادلات القلق) ومعرفيًا (ترقب لنتائج الأفعال المنفّذة أي العواقب المنتظرة في المستقبل).

إذًا يمكن القول، إن القلق يعتلي الفرد عند تخطي حدود حاضره، ويقفز إلى المستقبل الذي لم يولد بعد، ولا يزال مجهولًا وِفقَ تصوّر خاص يبنيه هو بناءً لواقعه الخاص، ولتجاربه المعيشة (حافظ، ن، 1981، صفحة 396).

  1. النظرية المعرفية السلوكية

يرى أصحاب هذه النظرية أن القلق ما هو إلا أفكار لا عقلانية، أو أفكار أوتوماتيكية لدى الفرد تعود إلى ما يضعه من مخططات ذاتية على مستوى حياته ككل في الحاضر والماضي والمستقبل (عبد الله، ع، 2001، صفحة 70).

  1. نظرية إعادة البناء المعرفي

يرى بيك أن هناك عمليات معرفية أساسية مسؤولة عن خلق مشاعر القلق لدى الفرد وهي تحدث على ثلاث مستويات: المستوى الأول: إذ يتعرض الفرد لمثير معين، فيستجيب أولًا بطريقة التّقييم الأوليّ لمدى الخطر المرتقب من هذا المثير وتقدير مستواه وخطورته. المستوى الثّاني: هو وضع احتمالات مواجهة التّهديد والتّقليل من خطورته ومواجهته، وبناءً على المستويين الأول والثاني يتحدّد مستوى القلق الذي ينتاب الفرد وتجدر الإشارة إلى أنّ ذلك يحدث بطريقة أوتوماتيكية في اللاوعي واللاشعور. أما المستوى الثالث والأخير: هو إعادة التقييم لمستوى الخطر المهدد للفرد، وتتحدد الاستجابة العدائية بناءً لحدّة الخطر المُحدق، فقد تكون على شكل هروب، وانسحاب بسبب الخطر، أو استجابة عدائية، أو المواجهة. وذلك يعتمد على مستوى الثقة بالذّات والتفكير الايجابي القدرة على التحمل لدى الفرد (بيك، ا، 2000، صفحة 52)

  1. نظرية التأقلم

تعتمد هذه النظرية على طريق تحسين تفكير الفرد تجاه ذاته عبر محاكاة الذات بطريقة إيجابية تتمثل في الحديث الذاتي الداعم انطلاقًا ممّا يقوله الفرد لذاته ولنفسه، تحدد ما سيقوم به من أفعال وسلوكيات. (عبد الله، ع، 2001، صفحة 75)

سنتبنى على مستوى دراستنا الحالية التفسيرات النظرية الواردة في كل من نظرية الجشتالت، ونظرية إعادة البناء المعرفي مع الأخذ بالحسبان الآراء الواردة في النظريات الأخرى عند تحليل المعطيات الإحصاية وتفسيرها على مستوى خصائص عينة الدراسة.

تاسعًا – منهجية الدراسة واجراءاتها المتبعة

المنهج المتبع: اعتمدت الدراسة، وفق ما تطرحه من تساؤلات وفرضيات، المنهج الوصفي التّحليلي بهدف كشف ومعرفة ووصف وتحليل مستوى قلق المستقبل لدى الشّباب الجامعيين على مسوى الزوايا المرتبطة به.

حدود الدراسة: تتحدد الدراسة الحالية بعينة من الشّباب الجامعيين الذين تترواح أعمارهم ما بين 18 سنة و30 سنة من طلبة الجامعة اللبنانية وطلبة الجامعات الخاصة للعام الجامعي 2019/2020 م.

العينة: بلغت عينة الدراسة الحالية 300 طالب وطالبة من طلاب الجامعة اللبنانيّة وعدد من الجامعات الخاصة الموجودة في لبنان وتم اختيارهم بطريقة عشوائيّة. يبين الجدول التالي كيفية توزيع أفراد العينة وفق المتغيرات المحددة في الدراسة وهي على الشكل الآتي:

ن=300
الجنس العمر نوع الجامعة مكان السكن الحالة الاقتصادية
ذكور إناث 18-20 21-25 26-30 طلاب من الجامعة اللبنانية طلاب من جامعات خاصة ريف مدينة ضعيفة متوسطة جيدة  
87 213 10 193 97 168 132 152 148 73 169 88  
28% 72% 2% 65.2% 32.8% 55.4% 44.6% 50.0% 50.0% 33% 57.1% 15،8%  

أداة الدراسة

تمّت الاستعانة ببعض الاستبيانات والمقاييس التي تُعنى بقياس قلق المستقبل وأولّها من إعداد (مسعود، س، 2006) كونه مقياس حديث، ويتمتع بمستوى صدق وأمانة عاليين، إضافة إلى الاطلاع على مجموعة من الاستبيانات المتعلقة بالموضوع نفسه للعديد من الباحثينن، لتنظيم استبيان نهائي يطبّق على عينة الدراسة بهدف الإجابة عن التساؤلات، وتقصّي صحة الفرضيات المطروحة. تمّ اعتماد 29 عبارة من مقياس قلق المستقبل من إعداد مسعود (2006) وزيادة 14 عبارة بهدف إحاطة كل الجوانب المتعلقة بمتغير الدراسة بعد إجراء استطلاع أولي على عينة من مئة طالب من طلاب الجامعات الخاصة، وطلاب الجامعة اللبنانية. إذًا، أصبح الاستبيان مكوّن من 43 عبارة موزّعة على أربعة مجالات هي: القلق النّفسيّ (15 عبارة)، القلق الاقتصادي (13 عبارة)، القلق الصحيّ (9 عبارات)، والقلق الاجتماعي (6 عبارات). إضافة إلى قسم مخصص للمتغيرات الديموغرافية: الجنس، العمر، نوع الجامعة، المستوى الاقتصادي، ومكان السكن.

تمّ اعتماد السلم الخماسي على مستوى الإجابات وهي:

بدائل الاجابات لا يوجد بدرجة قليلة بدرجة متوسطة بدرجة كبيرة بدرجة كبيرة جدا
الدرجة 1 2 3 4 5

الحد الأعلى لاستبيان قلق المستقبل هي الدرجة: 215

الحد الأدنى هي الدرجة: 43

الفئات التصنيفية للدرجة الكلية المعتمدة لمستويات قلق المستقبل لدى أفراد العينة هي على الشكل الآتي:

مستويات قلق المستقبل
عدم الإحساس بقلق المستقبل من 1-43 درجة
قلق مستقبل قليل من 44 -88 درجة
قلق مستقبل متوسط من 89 – 131 درجة
قلق مستقبل كبير من 132- 174 درجة
قلق مستقبل كبير جدا من 175 – 215 درجة

الفئات التصنيفية للمتوسطات الحسابية

مدى الفئات: طرح أكبر قيمة في المقياس من أصغر قيمة (5-1= 4)

طول الفئة: تقسيم المدى على عدد الفئات (4÷5= 0,8)

إضافة قيمة طول الفئة (0,8) على أصغر قيمة في المقياس وهي (1) للحصول على الفئة الاولى وهي بالتالي من 1 إلى 1,80 ومن ثم تصبح فئات الاجابات لأفراد عينة الدراسة على الشكل التالي الموضّح في الجدول أدناه:

فئات قيم المتوسط الحسابي التراتبية ومستوى قلق المستقبل الموافق لها

فئات قيم المتوسط الحسابي مستوى قلق المستقبل
من 1- 1,80 عدم الاحساس بقلق نحو المستقبل
1,80-2,60 قلق مستقبل قليل
2,6- 3,40 قلق مستقبل متوسط
3,40 -4,20 قلق مستقبل كبير
4,20 -5 قلق مستقبل كبير جدا

تقدير الكفاءة القياسية للاستبيان

صدق الاستبيان

تمّ التأكد من صدق الاستبيان باستخدام طريقة حساب معاملات الارتباط بين عبارات الاستبيان والدرجة الكلية باتباع أسلوب بيرسون. وقد أتت النتائج على الشكل الآتي:

معامل الارتباط بين كل عبارة والدرجة الكلية للاستبيان

استبيان قلق المستقبل
العبارة الارتباط الدلالة
1. اشعر بالقلق والتوتر الكبير بسبب الاوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي نعيشها في لبنان والعالم. 484. .000c
2.اشعر بالقلق والصراع من تجاذب الافكار لدي بين الخروج للعمل لتأمين الاحتياجات والخوف من التقاط الفيروس .516 .000c
3.اقلق كثيرًا عندما افكر بشأن وحدتي في المستقبل. .482 .000c
4.أشعر بالقلق من عدم القدرة على التكيف مع التغيير المفاجئ في وقتنا الحالي .452 .000c
5.أشعر بقلق نفسي كبير بسبب الضيقة الاقتصادية التي نعيشها .547 .000c
6.يشغلني عدم الاحساس بالاستقرار في المستقبل 481 .000c
7.أشعر بكآبة نفسية كبيرة بسبب التغيرات والتبدلات الصحية والاقتصاية المسيطرة .643 .000c
8.لا يناقشني أحد بشأن مستقبلي الخاص .496 .000c
9.أخشى حدوث خلافات تهدد مستقبل اسرتي .547 .000c
10.صعوبة الدراسة قد تؤدي بي إلى الفشل .461 .000c
11.لدي شعور بقرب انهيار العالم من حولي .632 .000c
12.أخشى من تزايد المصائب في المستقبل. .642 .000c
13.افكر احيانًا بأن حياتي ستتغير للأسوء .599 .000c
14.يقلقني ان يؤدي الانترنيت إلى انهيار حياتنا النفسية والاجتماعية .554 .000c
15.كل ما حولنا يؤكد ان الماضي افضل من الحاضر والمستقبل .459 .000c
16.تقلقني مشكلة الزيادة في الاسعار .467 .000c
17.اشعر بالقلق من فقدان العملة وعدم القدرة على شراء اجتياجاتي .488 .000c
18.أشعر بالقلق والخوف من التغيير المفاجئ في الوضع الاقتصادي الاجتماعي .623 .000c
19.يضايقني التعامل بالرشوة لقضاء حاجتنا .253 .000c
20.أشعر بالتوتر عندما افكر اني سأعمل في مهنة لا احبها .472 .000c
21.أشعر بالقلق والتوتر من عدم القدرة على اكتساب عمل بسبب التغييرات الحاصلة في انظمة الانتاج وتطور التقنيات التكنولوجية. .573 .000c
22.اشعر بالقلق والتوتر من ارتفاع نسب البطالة والفقر في مجتمعنا .600 .000c
23.ينتابني القلق بشأن عدم القدرة على تنفيذ العمل المطلوب من على أكمل وجه .597 .000c
24.انزعج عندما افكر في مستقبلي المهني .606 .000c
25.أخشى التعرض للفقر والحاجة .666 .000c
26.يضايقني ان التكنولوجيا سوف تقلل من فرص العمل . .542 .000c
27.تجارب الاخرين تؤكد ما ينتابني من قلق على مستقبلي المهني والعملي .649 .000c
28.اقلق كثيرًا لعدم معرفتي بجوانب دراستي أو عملي أو بمسؤولياتي المهنية .637 .000c
29.أخشى زيادة الوزن في المستقبل .485 .000c
30.اخشى من امراض الديسك والعظام بسبب الجلوس الطويل في المنزل .612 .000c
31.اشعر بالرعب من ان اصاب بحادث .616 .000c
32.اشعر بالقلق من وقت لآخر على صحتي بسبب انتشار الأمراض والفيروسات .676 .000c
33. يقلقني كثيرًا عدم انجاب الأطفال بعد الزواج بسبب التقاط فيروس او إصابة بمرض معين .608 .000c
34. يشغلني التفكير بأنني سأصاب بمرض خطير .619 .000c
35. تلازمني فكرة الموت في كل وقت . .504 .000c
36.اشعر بالقلق بسبب عدم توفر المستلزمات الطبية الجدية في مستشفيات لبنان .650 .000c
37.اشعر بالتوتر والقلق بسبب استهتار بعض المواطنين باجراءات الوقاية من الأمراض .597 .000c
38.أشعر بالقلق بسبب تزايد انهيار العلاقات الاجتماعية بين الناس .645 .000c
39.أشعر بالقلق بشأن التدهور الاخلاقي في العالم .532 .000c
40.أشعر بالقلق من عدم تقدير الاخرين لي في المستقبل .678 .000c
41.أشعر بالقلق حين افكر بارتفاع مستوى التباعد الاسري بسبب الحظر .716 .000c
42.أشعر بالقلق بسبب عدم المشاركة الاجتماعية بسبب الحظر .641 .000c
43.أشعر بالقلق من أن تسوء تصرفاتي على مستوى التعامل مع أفراد عائلتي بسبب الحظر والبقاء في المنزل .598 .000c

يلاحظ من الجدول أعلاه أن أغلب معاملات الارتباط بين كل عبارة والدرجة الكلية للاستبانة كانت ذات دلالة إحصائية عند مستويين 0.05 و0.01. وهذا يشير إلى وجود تجانس داخلي لعبارات الاستبانة، وبالتالي تمتعه بصدق داخلي يتيح عملية استخدامه لتحقيق أهداف الدراسة.

ثبات الاستبيان

تم التأكد من ثبات الاستبيان باستخدام معامل ألفا كرونباخ، وهو الأكثر استخدامًا في بناء المقاييس المتبعة على مستوى طريقة ليكرت.

معاملات ألفا كرونباخ بين الدرجة الكلية للاستبيان ومجالاته الأربعة

الرقم المجال معاملات ألفا
1 المجال النفسي .856**
2 المجال الاقتصادي .855**
3 المجال الصحي .814**
4 المجال الاجتماعي .840**

يتضح من الجدول أعلاه أن معامل الثبات لمجالات استبانة قلق المستقبل بطريقة الفا كرونباخ تراوحت بين 0.814 و0.856 وهي معاملات دالة إحصائيًا لقربها من القيمة الصفرية، وتشير إلى إمكانية استخدام الاستبانة لتنفيذ أهداف الدراسة الحالية.

الاختبارات الإحصائية

  1. المتوسطات الحسابيّة، الانحرافات المعيارية والنّسب المئوية للتّحليل الوصفيّ (مقايسس النزعة المركزية والتشتت والإحصاء الوصفي) للاجابة عن أسئلة الدراسة.
  2. اختبار (ت) T test لدراسة دلالة الفروق بين متوسطات مجموعتي الذّكور والإناث، ومتوسطات مجموعتيّ طلاب الجامعة اللبنانية، وطلاب الجامعات الخاصة، وبين متوسطات مجموعتي الطلاب من سكان الريف ومن سكان المدينة.
  3. تحليل التباين test Annova لإيجاد الفروق بين متوسطات مجموعات الطلاب ذوي المستويات الاقتصادية الثلاث (ضعيفة، متوسطة، جيدة)، وبين متوسطات مجموعات الطلاب من الفئات العمرية الثلاث (18 – 20 سنة، 21 – 25 سنة، 26 – 30 سنة).

عاشرًا- عرض نتائج الدراسة وتحليلها وتفسيرها ومناقشتها

عرض النتائج المتعلقة بسؤال الدراسة الأساسي وتحليلها: ما هو مستوى قلق المستقبل لدى طلاب الجامعات في شمال لبنان؟

للإجابة عن السؤال أعلاه، تمّ احتساب المقاييس المركزية ومقاييس القيم التراتبية للدرات الخام لأفراد العينة على مستوى الدرجة الكلية للاستبيان، وعلى مستوى المجالات الفرعية المكوّنة كما هو مبيّن في الجدول الآتي:

المجالات عدد البنود المتوسط الحسابي الانحراف المعياري الوسيط الدرجة الاعلى الدرجة الادنى مستوى قلق المستوى التراتبي
القلق النفسي 15 50.45 7.642 50.00 72 19 قلق نفسي متوسط 3
القلق الاقتصادي 13 45.42 6.528 47.00 65 13 قلق اقتصادي كبير 1
القلق الصحي 9 26.878 6.2479 27.000 45.0 9 قلق صحي متوسط 4
القلق الاجتماعي 6 18.93 4.119 4.119 30 6 قلق اجتماعي كبير 2
الدرجة الكلية للاستبيان 43 140.26 20.678 142.00 212 52   قلق مستقبل كبير

بلغ المعدل العام للدرجات الخام لعينة الدّراسة على مستوى استبيان قلق المستقبل م=140.26 وهو مصّنف ضمن فئة مستويات قلق المستقبل الكبير المعتمدة والمحددة على مستوى هذه الدّراسة. بمعنى آخر نقول، أنّ فئة الشّباب طلاب الجامعة في لبنان الشمالي يعانون من توتر وقلق وخوف نحو مستقبلهم بشكل عام وهذا ما تؤكده درجة الانحراف المعياري عن المتوسط الحسابي البالغ قيمتها 20.678 إذ تشير إلى أنّ أغلب درجات العينة لا تتباعد عن مستوى قلق المستقبل الكبير. وعند الاطلاع على الدرجة الاقصى الموجودة على مستوى الدرجات الكلية لإجابات أفراد العينة (ن=300)، يتبيّن وجود أن بعض أفراد العينة يعانون من قلق مستقبل كبير جدًا إذ أتت نسبة الدرجة الأعلى الواردة في البيانات الإحصائية للدرجات الخام 212 في حين أنّ الحد الأعلى للاستبيان كله هو 215. إذًا، يمكن القول إن الشّباب الجامعيين عينة الدراسة يعيشون حالة كبيرة من قلق المستقبل بشكل عام في جميع نواحي حياتهم.

أتت هذه النتيجة متوافقة مع نتائج العديد من الدراسات السابقة التي اهتمت بدراسة قلق المستقبل لدى الطلاب الجامعيّين، وهي كل من دراسة: (الرشيدي، 2017م)، المومني ونعيم، 2013م)، (محمد، 2010م)، (معشي، 2012م). في حين تعارضت نتائج الدراسة الإحصائية مع نتائج بعض الدّراسات السابقة والتي بينت أن مستوى قلق المستقبل لدى الشّباب هو في الدرجة المتوسطة نذكر منها دراسة (شلهوب، 2016م).

على مستوى الابعاد الفرعية للاستبيان، يتّضح من الجدول أعلاه أن مستوى قلق المستقبل لدى عينة الدراسة في ما يتعلق بالمجالات الفرعية يتراوح بين المتوسط والمرتفع. فبالنسبة إلى كل من المجال المتعلق بالقلق الاقتصادي والقلق الاجتماعي فقد أتت درجة المعاناة منها المستوى الكبير، في حين تبين أن مجال القلق النفسي ومجال القلق الصحي هما في المستوى المتوسط. ونستعرض كل مجال من مجالات الاستبانة الأربعة بالعرض، والتفصيل، والشرح حسب ترتيبهم على مستوى الدرجات الخام لأفراد العينة.

1.المستوى التراتبي الأول: قلق المستقبل على مستوى المجال الاقتصادي

المتوسط الحسابي والانحراف المعياري ومستوى القلق للدرجة الكلية لمجال قلق المستقبل الاقتصادي وجميع عباراته

عبارات مجال القلق الاقتصادي
الرقم العبارة المتوسط الحسابي الانحراف المعياري مستوى القلق
1 تقلقني مشكلة الزيادة في الاسعار 3.88 .034 كبير
2 اشعر بالقلق من فقدان العملة وعدم القدرة على شراء اجتياجاتي 3.72 .040 كبير
3 أشعر بالقلق والخوف من التغيير المفاجئ في الوضع الاقتصادي الاجتماعي 3.69 .038 كبير
4 يضايقني التعامل بالرشوة لقضاء حاجتنا 3.78 .045 كبير
5 أشعر بالتوتر عندما افكر اني سأعمل في مهنة لا احبها 3.28 .054 متوسط
6 أشعر بالقلق والتوتر من عدم القدرة على اكتساب عمل بسبب التغييرات الحاصلة في انظمة الانتاج وتطور التقنيات التكنولوجية. 3.40 .050 متوسط
7 اشعر بالقلق والتوتر من ارتفاع نسب البطالة والفقر في مجتمعنا 3.81 .036 كبير
8 ينتابني القلق بشأن عدم القدرة على تنفيذ العمل المطلوب مني على أكمل وجه 3.29 .050 متوسط
9 انزعج عندما افكر في مستقبلي المهني 3.45 .047 كبير
10 أخشى التعرض للفقر والحاجة 3.57 .044 كبير
11 يضايقني ان التكنولوجيا سوف تقلل من فرص العمل . 3.16 .052 متوسط
12 تجارب الاخرين تؤكد ما ينتابني من قلق على مستقبلي المهني والعملي 3.30 .048 متوسط
13 اقلق كثيرًا لعدم معرفتي بجوانب دراستي أو عملي أو بمسؤولياتي المهنية 3.10 .052 متوسط
الدرجة الكلية لمجال القلق الاقتصادي 45.42 6.528 كبير

بيّنت النتائج الإحصائية للدرجات الخام لأفراد العينة أنّ متوسط الدرجة الكلية لمجال قلق المستقبل الاقتصادي هو في المستوى الكبير. كما تبيّن أنّ المتوسط الحسابي لسبع عبارات من أصل 13 هو من ضمن الفئات التّصنيفيّة الكبيرة المعتمدة في الدّراسة، مقابل 6 فقط بلغ متوسطهم الحسابي مستوى الوسط. يمكن أن تًعزّى النّتيجة إلى وجود شحنة انفعالية سلبيّة لدى الشّباب طلاب المرحلة الجامعية بسبب الضيقة الاقتصادية الخانقة التي يشهدها لبنان، والمتمثلة بتسكير غالبية المؤسسات الإنتاجية وتسريح العديد من الموظفين من جهة وتراجع المستوى السياسي وانتشار الفساد في أغلبية مؤسسات الدولة وسيطرة المحسوبيات الطائفية من جهة ثانية. كلّ ذلك أرخى بثقله على المستوى الاقتصادي من ناحية ارتفاع سعر صرف الدولار، انخفاض قيمة الليرة اللبنانية، انتشار الأسواق السّوداء على مستوى العملات والمواد الغذائيّة وغيرها. وهذا وضع جديد طرأ على لبنان في الوقت الحاليّ ولم يمر به من قبل إلا في حقبة السّتينيات والسّبعينيات.

يُضاف إلى ذلك، انتشار وباء كورونا إذ أُقفلت جميع المؤسسات التّعليميّة والتّجاريّة والخدماتيّة، وتوقفت كل التبادلات التجارية، والأسواق الحرة، والمطارات، وتوقّفت كل مجالات الحياة، فمن البديهي والطّبيعي أن تتأثر أنفس الشّباب بشكل سلبيّ، ويشعرون بالتشاؤم والتوتر بسبب تسكير كل احتمالات وأبواب الحصول على مهنة أو وظيفة يقتاتون منها بدل مادي يعينهم على تأمين أقل مستوى من الاحتياجات المعيشية الجد بسيطة، واستغلال طاقاتهم في المكان الذي يَرَونَه مناسب لهم ولطموحاتهم ودوافعهم. وهذا ما أثبتته نتائج دراسة (بولانسكي، 2005م) التي توصّلت إلى أنّ الطلاب يعانون من مستوى قلق مهني مرتفع بسبب الخلجات النفسية السلبيّة التي يشعرون بها جرّاء قلة الفرص المتاحة أمامهم بمزاولة عمل، أو وظيفة، أو مهنة تحقق أمالهم. استنادًا إلى الجو العام المسيطر في لبنان، تعدُّ هذه النتيجة طبيعيّة، فبالإضافة إلى أنّ خصائص مرحلة الشّباب المتمثلة بوجود ضغوطات وتحديات في ما خصّ المستقبل المهنيّ والاجتماعيّ، فهناك كم هائل من الهموم تجتاح نفوس الشّباب في زمننا الحالي، فقد أصبح الحب والزواج وتكوين أسرة يشبه الحلم الصعب تحقيقه، فكل الدّوائر الديناميّة الحياتيّة التي تكوّن نظم حياتهم مُفعمة بالضغوطات، والتوترات، والضياع على المستويين الماديّ والاجتماعيّ. فإن كان لدى الشاب أو الشابة وظيفة يقتات منها ومهما بلغ الدخل الناتج منها أصبح لا يتناسب مع غلاء المعيشة في الوقت الحاليّ بسبب ارتفاع الأسعار والغلاء الفاحش التي تشهده المواد الغذائيّة والسلع التجاريّة. وفي سياق آخر وبعيدًا من الشّحنة السّوداوية التي تجتاح الأنفس عند قراءة النتائج الإحصائية الواردة على مستوى الدرجة الكلية للاستبيان وعلى مستوى مجال قلق المستقبل الاقتصادي الذي احتل المرتبة الأولى من وجهة نظر أفراد العينة الدراسية، تتفتح آفاق الأمل والتفاؤل عند استعراض وقراءة النتائج الإحصائيّة على مستوى عبارات المجال الاقتصادي المتعلقة بالتكنولوجيا بفضل متوسطاتها الحسابيّة التي دخلت ضمن الفئات التّصنيفيّة المحددة بالمستوى المتوسط (العبارة رقم 6 و11). فعلى الرغم من وجود مستوى قلق مستقبل عام مرتفع بفعل الأزمة الاقتصادية التي تهدد لبنان، إلاّ أنّ فئة الشّباب الجامعيين أفراد العينة لا يشعرون بتوتر وخوف كبير مستقبلًا من الانخراط بوظائف وفرص عمل يغلب عليها الطابع التّكنولوجي والتقني ذلك أنّهم من فئة المتعلمين والمثقفين الذين خَبِروا التقنيات التّكنولوجيّة الحديثة التي اجتاحت المؤسسات والمصانع والمتاجر، وقلّصت نسب الحاجة إلى أيدي بشرية مؤهلة ومساهمة في بناء معادلة الإنتاج والتوزيع. هذه نتيجة تدعو إلى التفاؤل لأنّ الشّباب الجامعيين لن يواجهوا مشكلة كبيرة، أو مستعصية في الولوج بوظائف جديدة، ومبتكرة بفعل التّكنولوجيا عند انتهاء الأزمة الاقتصادية التي يشهدها لبنان عامة، وبعد وضع خطة تدخل استراتيجيّة من قبل الحكومة اللبنانية متمثلة بفتح مؤسسات إصلاحية ضخمة على مستوى جوانب العمل التجاري، والصناعي، والخدماتي، والتعليمي كافة. فالشّباب اللبنانيون، على غرار الأجيال الشّبابية الناشئة في جميع البلدان والدّول، قادرين على الانخراط في مؤسسات الأنظمة المعلوماتية المتخصصة، والمكاتب الاستشارية في الانشطة الذّكية، وبرامج المعلوماتية، والتّطبيقات الذكية، ومكاتب تحويل الوثائق، والأرشفة الورقية إلى بيانات رقمية… فالشبان والشابات جاهزون للعمل عند انتهاء الأزمة وابتكار خطط عمل وورش تنفيذية على واقع الأرض.

2.المستوى التراتبي الثاني: قلق المستقبل على مستوى المجال الاجتماعي

المتوسط الحسابي والانحراف المعياري ومستوى القلق للدرجة الكلية لمجال قلق المستقبل الاجتماعي وجميع عباراته

عبارات مجال القلق الاجتماعي
الرقم العبارة المتوسط الحسابي الانحراف المعياري مستوى القلق
1 أشعر بالقلق بسبب تزايد انهيار العلاقات الاجتماعية بين الناس 3.34 .047 متوسط
2 أشعر بالقلق بشأن التدهور الاخلاقي في العالم 3.62 .045 كبير
3 أشعر بالقلق من عدم تقدير الاخرين لي في المستقبل 3.01 .057 متوسط
4 أشعر بالقلق حين افكر بارتفاع مستوى التباعد الاسري بسبب الحظر 3.11 .057 متوسط
5 أشعر بالقلق بسبب عدم المشاركة الاجتماعية بسبب الحظر 2.98 .053 متوسط
6 أشعر بالقلق من أن تسوء تصرفاتي على مستوى التعامل مع أفراد عائلتي بسبب الحظر والبقاء في المنزل 2.872 .0563 قليل
الدرجة الكلية لمجال القلق الاجتماعي 18.93 4.119 كبير

تبيّن النتائج في الجدول أعلاه وجود قلق مستقبل كبير على مستوى الدرجة الكلية لمجال القلق الاجتماعي، وتعود هذه النتيجة إلى شعور الشّباب الجامعيين بأن المستقبل غامض يشوبه القلق واليأس بفعل المتغيرات الاقتصادية والصّحيّة السابق ذكرها. وتكمن المفارقة في أن النتيجة الإحصائية على مستوى العبارات المتضمنة لهذا المجال هي متنوعة بين المستوى المتوسط (أربع عبارات من أصل 6)، المستوى القليل (عبارة واحدة) والمستوى المرتفع (عبارة واحدة). وسأتناول بالعرض، والشّرح، والتفصيل لكل عبارة من هذه العبارات.

بينت النتائج الإحصائية أن أكثر ما يقلق الشّباب الجامعيين أفراد العينة وبدرجة كبيرة هو موضوع التدهور الأخلاقي، إذ بلغ مستوى قلق المستقبل لدى الشّباب الجامعيين أفراد العينة على عبارة “أشعر بالقلق بشأن التدهور الأخلاقي في العالم” درجة كبيرة. وهذا يعكس وجود درجة جيدة من الوعي والإدراك لدى الشّباب الجامعيين لخطورة الأمر الواقع وأنها بعيدة كل البعد من الفساد الأخلاقي، وأنّها على وعيّ متكامل ما تتجه إليه البشرية من سواد قاتم على مستوى الانحلال الأخلاقي السائد في العالم لأسباب متعددة ومتنوعة. رورو

أمّا على مستوى العبارة الأولى من مجال قلق المستقبل الاجتماعي وهي: “أشعر بالقلق بسبب تزايد انهيار العلاقات الاجتماعية بين الناس” فأتت النتيجة بدرجة متوسطة، وهي تعكس الخوف الذي يجتاح نفوس الشّباب من تزايد انهيار العلاقات الاجتماعية بين الناس، وارتفاع نسب التباعد الاجتماعي في ما بينهم بسبب ظروف متعددة، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر، ما فرضته جائحة كورونا في وقتنا الحاليّ من حجر منزلي، وتباعد اجتماعي للحد من تناقل العدوى. إضافة إلى تأثيرات شبكات التّواصل الاجتماعي السلبية التي وسّعت الهوة بين الناس واستعبدت عقولهم وقيّدتهم أمام شاشات زجاجيّة شفافة ترسُم لهم عالم افتراضي وهميّ بعيد كل البعد عن التواصل الإنساني البنّاء والفعال على مستوى الأسرة والمجتمع ككل. وما يؤكّد توجهنا هذا، إجابات أفراد العينة على مستوى العبارتين الرابعة والخامسة من هذا المجال اللتين بلغتا المستوى المتوسط وهي: “أشعر بالقلق حين أفكر بارتفاع مستوى التباعد الأسري بسبب الحظر”، “أشعر بالقلق بسبب عدم المشاركة الاجتماعية بسبب الحظر”. وتؤكّد النتيجة الحاصلة على مستوى العبارة السادسة “أشعر بالقلق من أن تسوء تصرفاتي على مستوى التعامل مع أفراد عائلتي بسبب الحظر والبقاء في المنزل” (قلق بدرجة قليلة) ممّا سبق ذكره على مستوى تمتع الشّباب الجامعيين أفراد العينة من صلابة نفسيّة جيدة وقدرة على ضبط النّفس والتّحكم الواعي بتصرفاتهم أمام المواقف الصّعبة والأزمات التي تواجههم على الرغم من وجود نسبة مرتفعة من قلق المستقبل لديهم كما بينت نتائج الدّراسة الحاليّة على مستوى الدرجة الكلية للاستبيان. وبرأينا يمكن إرجاع سبب ذلك إلى ما اكتسبوه من خبرات في مراحل التّعليم المتعددة التي مروا بها وجعلتهم يحافظوا على مستوى توازن نفسيّ جيد إلى حد ما ليتمكنوا من مواجهة الأحداث الحالية وضبط زمام الأمور والتعامل معها بأقل قدر ممكن من الأذى النّفسيّ والشّخصيّ.

بالتالي نقول، إن شخصيات الشّباب الجامعيين أفراد العينة ليسوا من النوع الهش غير القادر على مواجهة العقبات والمتغيرات الاجتماعيّة والصّحيّة والنّفسيّة. إذ إنّ أيّ طارئ، أو حدث جديد يتسلل إلى مسيرة حياتهم اليومية لن يسبب لهم نكسة نفسيّة واجتماعيّة بسبب خضوعهم لتجارب معيشيّة مباشرة مكّنتهم من اختبار طرق المواجهة الاجتماعيّة السليمة والسوية وبالتالي يَسعون جاهدين إلى المواجهة والتّصدي بأقل الخسائر الذاتيّة النّفسيّة باسثناء بعض الشّخصيات أصحاب الحالات النّفسيّة والاجتماعيّة الخاصة. ويؤكد توجهنا هذا ما جاء من نتيجة إحصائية على مستوى العبارة الثالثة ” أشعر بالقلق من عدم تقدير الآخرين لي في المستقبل” حيث بلغ المتوسط الحسابي لهذه العبارة مستوى الوسط.

3.المستوى التراتبي الثالث: قلق المستقبل على مستوى المجال النّفسيّ

المتوسط الحسابي والانحراف المعياري ومستوى القلق للدرجة الكلية لمجال قلق المستقبل النفسي وجميع عباراته

عبارات مجال القلق النفسي
الرقم العبارة المتوسط الحسابي الانحراف المعياري مستوى القلق
1 اشعر بالقلق والتوتر الكبير بسبب الاوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي نعيشها في لبنان والعالم. 3.73 .038 كبير
2 اشعر بالقلق والصراع من تجاذب الافكار لدي بين الخروج للعمل لتأمين الاحتياجات والخوف من التقاط الفيروس 3.03 .049 كبير
3 اقلق كثيرًا عندما افكر بشأن وحدتي في المستقبل. 3.29 .050 كبير
4 أشعر بالقلق من عدم القدرة على التكيف مع التغيير المفاجئ في وقتنا الحالي 3.32 .046 كبير
5 أشعر بقلق نفسي كبير بسبب الضيقة الاقتصادية التي نعيشها 3.64 .040 كبير
6 يشغلني عدم الاحساس بالاستقرار في المستقبل 3.52 .044 كبير
7 أشعر بكآبة نفسية كبيرة بسبب التغيرات والتبدلات الصحية والاقتصاية المسيطرة 3.36 .046 كبير
8 لا يناقشني أحد بشأن مستقبلي الخاص 2.90 .049 متوسط
9 أخشى حدوث خلافات تهدد مستقبل اسرتي 3.29 .054 كبير
10 صعوبة الدراسة قد تؤدي بي إلى الفشل 2.98 .055 متوسط
11 لدي شعور بقرب انهيار العالم من حولي 3.04 .053 متوسط
12 أخشى من تزايد المصائب في المستقبل. 3.54 .046 كبير
13 افكر احيانًا بأن حياتي ستتغير للأسوء 2.94 .052 متوسط
14 يقلقني ان يؤدي الانترنيت إلى انهيار حياتنا النفسية والاجتماعية 2.99 .050 متوسط
15 كل ما حولنا يؤكد ان الماضي افضل من الحاضر والمستقبل 3.45 .046 كبير
الدرجة الكلية لمجال القلق النفسي 50.45 7.642 متوسط

بينت نتائج التّحليل الإحصائيّ الوصفيّ وجود مستوى متوسط من قلق المستقبل لدى أفراد عينة الدراسة، وذلك بسبب ما يعيشه الشّباب من أحداث قاسية وضغوطات كبيرة ترفع من مستوى اليأس لديهم عن حدّه الطّبيعيّ المعلوم في مرحلتهم العمرية. إلاّ أنّ النتيجة مُطَمئنة إلى حدٍ ما إذا ما تمّ استذكار مستوى قلق المستقبل المرتفع في ما خصّ البعدين الاقتصادي، والاجتماعيّ اللتين توصلت إليهما نتائج دراستي الحالية. بعبارة أخرى نقول، إن ارتفاع مستوى قلق المستقبل في جوانبه الاقتصادية، والاجتماعية، وانخفاضه إلى حدِّ المتوسط في جوانبه النّفسيّة والصّحيّة هو مؤشر يحمل في طياته مشاعر الارتياح والتفاؤل بالجيل الشّبابي في لبنان الشّمالي على المستوى النّفسيّ العام على الرغم من تسجيل بعض حالات الانتحار من فئة الشّباب خلال حقبة الحجر الصّحيّ، وفي ظل الأزمة الاقتصادية التي تجتاح لبنان (ثلاث حالات في قضاء عكار في لبنان الشمالي) التي من المؤكد أنهم كانوا يتّسمون بشخصية ضعيفة الصلابة النّفسيّة لأسباب متعددة قد تعود إلى سوء في عملية التطبيع الاجتماعي، أو بفعل التعلم من نماذج الوالدين أو أحد الأقارب (النظرية السلوكية). يمكن القول إنّ الشّباب أفراد العينة يتمتعون بمستوى جيد من الصلابة والقوة الداخلية ساعدتهم على تقوية خلجاتهم وقدراتهم الذاتية لمواجهة ما يمرون به من صعوبات وضغوطات صحية واقتصادية متنوعة بغضّ النظر عن السبل والطرق التي يلجاؤون إليها من مثل الأحاديث الذاتية بأنها حقبة عصيبة وستمرّ وسيزدهر المستقبل على الرغم من الغيمة السوداء التي تجتاحه (نظرية التأقلم)، أو قوة الإيمان والتمسّك بالأفكار الإيجابية النابعة من القيم الدّينيّة والاجتماعيّة التي نشأ عليها أفراد العينة، والتي لا تزال موجودة وثابتة في كنف المجتمع اللبناني عامة والمجتمع اللبناني الشمالي خاصة الذي كان يعاني في الماضي ولا يزال في الحاضر على مستوى إهمال الدّولة من تأمين خدمات إنمائية على مستوى المجالات كافة.

ولا ننسى أنّ الشّباب أفراد العينة هم من طلبة الجامعة أي يتمتعون بمستوى تعليمي جيد ومرتفع، وبمستوى ثقافي واعٍ، وقادر على الاستفادة من الخبرات المعرفيّة والعلميّة التي تمكنهم من تحمل ضغوطات الحياة اليومية ومواجهتها. إضافة إلى التماس السبل والطرق الفعالة للتعامل مع الآفات الصحية (طرق الوقاية وتجنب التقاط فيروس كورونا)، والضغوطات النّفسيّة والشّخصيّة (تقنيات التسلية، وتمضية الوقت، والترفيه) وهنا يمكن القول إن سلوكيات الشّباب الجامعيين أفراد العينة وتصرّفاتهم ما هي إلا طرق وأساليب مستوحاة مما تعلّموه واكتسبوه في المراحل الدّراسية المتواليّة والمتتابعة (النظرية المعرفية السلوكيّة). وما يُثبت وجهة نظرنا هذه، أن طلاب الجامعة اللبنانية، وطلاب الجامعات الخاصة قد أقدموا على خلق وحدات مساعدة وخليات تدخّل، وِفقَ اختصاصاتهم الجامعية، للوقوف إلى جانب إخوانهم وأخواتهم اللبنانيين في ظلّ جائحة كورونا، وفي ظلّ الأزمة الافتصاديّة الخانقة ضمن الإمكانيات المحدودة. ففي كلية الآداب والعلوم الإنسانية مثلًا، أنشأ الطلاب حملة أطلق عليها مسمى “نحنا حدّك” وأوجدت لها خطًّا ساخنًا لتلقّي اتصالات المواطنين في حال وجود حالة نفسيّة حَرِجة تستدعي التّدخل للتخفيف من وطأتها، وبالتالي لمنع أيّ تفكير بتنفيذ الانتحار. كما ظهرت الكثير من الجمعيات والمراكز التطوعية لمساعدة الناس معنويًا، ونفسيًا، واجتماعيًا، وصحيًا، واقتصاديًا (كجمعية نفسانيون بإدارة أساتذة وطلاب من الجامعة اللبنانية بمختلف فروعها وأقسامها). إضافة إلى مبادرات شخصية فردية من قبل طلاب الجامعات من حملة الشهادات العليا متمثلة في الجهوزية لتلقي أيّ حالة نفسيّة أو اجتماعيّة أو صحيّة بحاجة إلى مساعدة.

كما ساهمت الجمعيات، ومنظمات المجتمع المدني بمحافظة لبنان الشّمالي في تنفيذ بعض البرامج الإرشادية والاجتماعية والتّوعوية من خلال تطوّع بعض الطلاب، والطالبات الجامعيين بتنفيذ أساليب التّنفيس والتفريغ الانفعاليّ والاجتماعي وطرقه كالسيكودراما، والغناء، والألعاب الترفيهية مجانًا، ومن دون تكلفة مادية، وباحترام كامل لطرق الوقاية الصحية عبر احترام التباعد الاجتماعي، وتنفيذ طرق التعقيم والنظافة. كلّ ذلك يعكس وجود مستوى وعي مرتفع لدى الشّباب اللبنانيين، طلاب الجامعات، بشكل عام على الرغم مما يواجهونه من ضغوطات، وما يشهده لبنان من سواد قاتم.

وفي سياق تفسير سبب القلق النّفسيّ الذي يعاني منه الشّباب الجامعيون بدرجة متوسطة، لا يمكن إغفال ذكر طبيعة التنشئة الأسرية التي خضع لها الشّباب من ناحية بثّ مشاعر القلق، والخوف، والتوتر من آبائهم وأمهاتهم الذين عاشوا في حِقبات الحرب التي اجتاحت لبنان وخَبِروا تجارب انتشار الوباء (وباء الكوليرا، ووباء الهوا الأصفر…) في حقبة السبعينيّات والثمانينيّات. إضافة إلى العيش في ضائقة اقتصاديّة صعبة لدرجة أن اللبنانيين لم يجدوا إلا الحنطة، والشعير، وبعض الحبوب من أراضيهم الزراعية الخاصة ليسدوا حاجاتهم الغذائية منها. بمعنى آخر نقول، إنّ آباء الجيل الشّبابي قد ساهموا، بفعل عيش التّجربة في سنين ماضية مرّت، إلى خلق جو نفسي مضطرب متوتر ومشحون نوعًا ما لدى أبنائهم (اكتساب القلق والتوتر بفعل التربية كما أوضح علماء النظرية السّلوكية). وقد أشارت نتائج بعض الدّراسات في هذا الصدد إلى، نذكر منها نتائج دراسة (بدوي، أ، 1991)، أنّ قلق الفرد المتزايد على مستقبله مرتبط بدرجة كبيرة بالجو الأسري العام الذي ينشأ بكنفه. إلاّ أننا نقول استنادًا إلى النتائج الإحصائية، كما سبق وعرضنا، أنه لا خوف كبير على الشّباب الجامعيين في لبنان الشمالي من ناحية الوقوع في براثن الاضطرابات النّفسيّة بسبب أنهم يحاولون قولبة الواقع في تفكيرهم، وتنفيذ عملية إعادة البناء المعرفي، وتقييم المستوى العام في لبنان على أنه سيتحسّن، وسيزدهر، وسيتمّ العيش بطريقة فُضلى وإيجابية، وسيزول الخطر، وستتفتّح أبواب فرص العمل، وسيتمّ تحقيق الآمال، والطموحات (نظرية إعادة البناء المعرفي).

  1. المسوى التراتبي الرابع: قلق المستقبل على مستوى المجال الصحي

المتوسط الحسابي والانحراف المعياري ومستوى القلق للدرجة الكلية لمجال قلق المستقبل الصحي وجميع عباراته

عبارات مجال القلق الصحي
الرقم العبارة المتوسط الحسابي الانحراف المعياري مستوى القلق
1 أخشى زيادة الوزن في المستقبل 2.99 .057 متوسط
2 اخشى من امراض الديسك والعظام بسبب الجلوس الطويل في المنزل 3.06 .056 متوسط
3 اشعر بالرعب من ان اصاب بحادث 2.92 .056 متوسط
  اشعر بالقلق من وقت لآخر على صحتي بسبب انتشار الأمراض والفيروسات 3.01 .052 متوسط
  يقلقني كثيرًا عدم انجاب الاطفال بعد الزواج بسبب التقاط فيروس او إصابة بمرض معين 2.76 .061 متوسط
6 يشغلني التفكير بأنني سأصاب بمرض خطير 2.76 .059 متوسط
7 تلازمني فكرة الموت في كل وقت . 2.68 .057 متوسط
8 اشعر بالقلق بسبب عدم توفر المستلزمات الطبية الجدية في مستشفيات لبنان 3.38 .051 كبير
9 اشعر بالتوتر والقلق بسبب استهتار بعض المواطنين باجراءات الوقاية من الأمراض. 3.32 .048 كبير
الدرجة الكلية لمجال قلق المستقبل الصحي 26.878 6.2479 متوسط

بيّنت النتائج الإحصائية على مستوى هذا المجال وجود مستوى قلق متوسط وهو أمر طبيعي جدًا، فالكل يتملّكه الخوف والهلع من أن يصاب بالفيروس القاتل، أو أحد أفراد أسرته. ونستحضر في هذا السياق ما يتمّ تداوله في وسائل التواصل الاجتماعي، والمحطات التلفزيونيّة عن حالات التخلي الأسري، والاجتماعي عن الشخص المصاب بفيروس كورونا، وممارسة أسلوب التنمر عليه، ونبذه، وتركه يعاني وحده من أعراض المرض وتداعياته سواء من قبل ذوي المريض، أو من أقاربه. كلّ ذلك يشكّل وسيلة ضغط، وتوتر، وخوف، وتشاؤم، وتوقّع الشر بما سوف تحمله الأيام المقبلة، وخصوصًا أن لدى بعض الأفراد استعدادات قوية للتفاعل مع هذه الانفعالات السلبية.

إلاّ أننا نقول إنّ النتائج الإحصائية الحاصلة على مستوى المتوسطات الحسابيّة لعبارات المجال الصحي هي مُطمئنة، ولا تعكس وجود خوف كبير، أو هلع لدى الشّباب الجامعيين أفراد العينة على مستوى الإصابة بفيروس كورونا وتدهور الحالة الصحية إلى الحدّ غير المسيطر عليه. يمكن عزو سبب ذلك إلى الوعي بالإجراءات الوقائية الصّحيّة، واتّباعها لتفادي شر الإصابة منها، وإلى التكيّف مع الوضع الصحي الذي يسيطر على لبنان، وعلى العالم كله. إذ وجدوا أنفسهم في مكان لا خلاص منه، وأن الأزمة الصحية ستنتهي، لذلك نراها لا ترخي بثقل كبير على المستوى النّفسيّ لديهم من ناحية الخوف من الفيروس. فمن المعروف أن مرحلة الشّباب هي مرحلة الطموح، والإصرار، والدّافعية للعيش، وللمواجهة، وللأمل بانتهاء الغيمة السوداء مهما طالت مدتها، وإلى تطبيق قواعد اللياقة البدنيّة من ناحية ممارسة الرياضة بأنواعها المتعدّدة بهدف الحصول على صورة جسد مثالية وصحية سليمة. لذلك نجد أن معدل المتوسطات الحسابية لم تتعدَّ المستوى الوسط على مستوى العبارات التي تُعنى بارتفاع، أو انخفاض معدلات الوزن الجسديّ، والإصابة بأمراض جسدية، أو الخوف من فكرة الموت (العبارات 1، 2، 3، 4، 5، 6، 7). فالشّباب يتميزون بعناصر الطاقة، والقوة، والعزيمة، والسّواعد الفتية التي تشحذ قدراتهم النّفسيّة الدّاخلية للاهتمام بسماتهم الجسديّة وتحسينها. الأمر الذي يقلل من مستوى الإحساس بقلق مستقبلي على صحتهم الجسدية. وتعكس النتيجة الإحصائية الحاصلة على مستوى العبارة التاسعة من مجال قلق المستقبل على المستوى الصحي: “أشعر بالتوتر، والقلق بسبب استهتار بعض المواطنين بإجراءات الوقاية من الأمراض” (مستوى قلق كبير)، وجود وعي لدى الشّباب الجامعيين عينة الدراسة بخطورة انتشار الوباء في حال عدم التقيد بالإجراءات الصحية من قبل المواطنين لذلك نجدهم متحمسين للتطوع في وحدات الصليب الأحمر، والمنظمات، والجمعيات المعنية بنشر الوعي الصحي في المجتمع اللبناني، ومراكز البلديات على مستوى المناطق الداخلية، ونجدهم يعمدون إلى ابتكار فيديوهات توعوية على وسائل التواصل الاجتماعي كلٌّ حسب اختصاصه، وقدراته، وإمكاناته. فالمُطّلع على صفحات الفايسبوك التابعة للجامعات الموجودة في لبنان يجد كمًّا هائلاً من الفيديوهات المنشورة الهادفة إلى نشر التّوعية الصّحيّة، وإجراءات الوقاية، لتفادي التقاط الفيروس، من إعداد الطلاب أنفسهم وتنظيمهم.

بالإطّلاع على المتوسط الحسابيّ للعبارة الثّامنة الذي بلغ المستوى الكبير: “أشعر بالقلق بسبب عدم توفر المستلزمات الطبية الجديّة في مستشفيات لبنان”، نقول إنّ الشّباب عينة الدراسة لا يثقون بالجودة على مستوى الأدوات الطبيّة المتاحة في مستشفيات لبنان، إذ يشعرون بقلق كبير، وتوتر مرتفع على مستوى ما تقدمه الدولة اللبنانية من خدمات صحية، ومن اهتمام بقطاع الاستشفاء. ولا ننسى أننا بصدد أزمة اقتصاديّة أدت إلى ارتفاع تكاليف العناية الصّحيّة وتكاليف الاستشفاء، إضافة إلى توقّف المستشفيات عن التعامل مع مؤسسات الضمان الاجتماعي، واقتصار استقبال المرضى على الحالات المرضية الحَرِجة فقط بسبب قلة توفر المستلزمات الطبية، وتوقف عمليات الاستيراد والتصدير من وإلى الخارج بفعل توقف عمل المطارات في ظل جائحة كورونا.

النتائج الإحصائية على مستوى الفرضيات المتفرعة

الفرضية الأولى

نصّ الفرضية: توجد فروق إحصائية جوهرية بين متوسط درجات أفراد العينة في أدائهم على استبيان قلق المستقبل تبعًا لمتغير الجنس (ذكور، إناث).

للتأكد من صحة الفرضية تمّ احتساب اختبار ت T-test: الفروق بين متوسطات مجموعة الطلاب الجامعيين الذكور، والطالبات الجامعيات الإناث على مستوى الدرجة الكلية لاستبانة قلق المستقبل.

الفروق بين متوسط درجات الشّباب الجامعيين الذكور والشابات الجامعيات الإناث على مستوى قلق المستقبل/ اختبار ت

 

استيبان قلق المستقبل

الجنس  

قيمة ت

 

الدلالة

ذكور إناث
المتوسط الانحراف المعياري المتوسط الانحراف المعياري
مجال القلق النفسي 50.19 7.371 48.58 7.715 105.738 .000
مجال القلق الاقتصادي 44.65 6.220 45.72 6.634 115.490 .000
مجال القلق الصحي 26.27 6.708 27.12 6.059 69.406 .000
مجال القلق الاجتماعي 18.12 3.946 19.24 4.151 72.420 .000
الدرجة الكلية للاستبيان 139.23 20.326 140.66 20.848 115.318 .000

تُبيّن النتائج وجود فروق دالة إحصائيًا بين متوسط درجات الشّباب الجامعيين الذكور ومتوسط درجات الشابات الجامعيات الإناث على مستوى الدرجة الكلية لاستبيان قلق المستقبل ومجالاته كافة لصالح الإناث إذ بدت قيمة (ت) دالة عند مستوى 0,001. بالتالي نقول إنّ الفرضية قد تحقّقت بصورة كاملة. أتت هذه النتيجة متوافقة مع نتائج دراسة كل من (محمد، 2010م)، (بولانسكي، 2005م) و(لونسون وآخرون، 1988م). إلا أن النتيجة أتت متعارضة مع نتائج دراسة جاجان (2016م) التي بيّنت وجود فروق بين متوسط درجات الذكور ومتوسط درجات الإناث على مستوى متغير قلق المستقبل بشكل عام، ومع نتائج دراسة نعيم (2013م) التي أوضحت أن الفروق في درجة الإحساس بقلق المستقبل هي لصالح الذكور وليس الإناث.

بدايةً، يعدُّ متغير الجنس أحد المتغيرات الديموغرافية التي تساهم في تمييز الإناث عن الذكور في ردود أفعالهم وسلوكياتهم نحو المثيرات والمواقف الحياتية المتعدّدة. فللذكور استقلالية وحرية أكبر مقارنة بالإناث؛ بالتالي عند وجود الشّاب الذكر، أو الشابة الأنثى في الوضعية نفسها، أو الموقف، ففي الأغلب نجد الشابة أكثر تأثرًا على المستوى النّفسيّ والاجتماعي من الشّاب الذكر لأنها مقيّدة بالقيم، وبالعادات، وبالتقاليد الاجتماعية السائدة، فتُترك أمام خِيارات ضيّقة لتنفيذ بعض سبل التنفيس، أو التفريغ الانفعاليّة لتعمّ الراحة النّفسيّة داخلها. ولكن حسب النتائج الواردة في الجدول السابق، نجد أن الفروقات على المستوى النّفسيّ هي لصالح الذكور بفارق تقريبيّ بلغ الدرجتين أي إنهم أكثر تأثرًا من الإناث من النّاحية النّفسيّة، وهذا أمر طبيعي فجميع الضغوطات الاقتصادية، والاجتماعية، والصحية تؤدي إلى الضغط النّفسيّ عند الذكور، وخصوصًا في المجتمعات الشرقية التي ترجّح كفّة المسؤوليات الاجتماعية، والاقتصادية على الذكور عادةً، ما جعل ورود الفارق من الناحية النّفسيّة لصالحهم.

من مميزات العصر الحديث تساوي المرأة مع الرجل على مستوى أغلبية مجالات الحياة، إن لم نقل جميعها في بعض الحالات حيث باتت مسؤولة إلى جانب الرجل عن تأمين مستلزمات الحياة ومتطلباتها، وتواجه الصعوبات والعقبات نفسها، وتتحمل مسؤولية قراراتها، ومصيرها تمامًا كالرجل إن كان على مستوى تكوين أسرة وإنشائها، أو على مستوى التعليم، وتأمين مهنة، أو عمل، أو إعالة والدَيها… إذ باتت هذه الثقافة منتشرة في مجتمعاتنا العربية الشرقية. إجمالًا، يبحث الشاب، في عصرنا الحالي عن شابة تمتلك مهنة، أو عمل تقف إلى جانبه على مستوى تأمين متطلبات الحياة، وتساعده في بناء المنزل، وتوفير مستلزمات الأثاث من فرش، وأوانٍ، وحاجات عملية مادية لتكوين خلية أسرية. وهذا ما يزيد من مستوى قلق المستقبل لدى الشابات الإناث إذ باتت فرصة الحصول على شريك ضعيفة في حال لم تكن موظّفة أو عاملة تؤمن من خلالها مدخول مادي. لذلك نفسّر وجود هذا الفرق على مستوى نتائج دراستي كما نتائج بعض الدراسات السابقة التي اهتمت بتقصّي مستوى قلق المستقبل لدى الذكور والإناث.

الذكور أكثر قلقًا من الإناث استنادًا إلى اعتبارات اجتماعية منها تعدد الأدوار الاجتماعية الملقاة على عاتق الأنثى في عصرنا الحالي، فقد أصبحت في موضع مسؤولية تأمين احتياجات الأسرة إلى جانب شريكها الزوجي، هذا إن كانت متزوجة. أما إن كانت حرة طليقة، يجتاحها قلق المستقبل من ناحية إمكانية تكملة دراستها، وإيجاد وظيفة، أو أي عمل يمكن من خلاله تأمين احتياجاتها. فمن الملاحظ أن رسوم التسجيل في الجامعة باتت تشكل عبئًا، وهمًا، وضغطًا على الطلاب، والطالبات الجامعيين بسبب ما يشهده لبنان من ضائقة اقتصادية، وتدنّي مستوى الدخل الفردي لربّ الأسرة، كذلك بات القلق يسيطر على نفوس الشابات من جهة إيجاد شريك لديه مهنة، أو وظيفة يمكن من خلالها تأمين احتياجاتها، ومتطلباتها، أو تأمين منزل يأويهم. تجدر الإشارة إلى أنّ غالبية الشّبان والشّابات يلجاؤون إلى اعتماد طريقة الخطف، أو ما يُطلق عليها مفهوم “الشليفة” في قاموس المجتمع اللبناني لتفادي الكثير من المصاريف المالية من مثل الحفل، والضيافة وغيرها من متطلبات العرس والفرح. كل ذلك يشكل مصدرًا كبيرًا للقلق، والتوتر، والتشاؤم تجاه مستقبلهم الحياتي بزواياه كافة، إذ يكمن الحلم الأساسي للشّباب، والشابات في العيش بسلام، وحب، وعشق، وثبات مادي، واجتماعي، وأسري، وتنفيذ بعض المواقف الجنونية والعفوية. فكيف يحدث ذلك كله في كنف أزمة صحية وضائقة اقتصادية؟ الإناث أكثر استهدافًا للقلق بحكم تكوينهم البيولوجي، كما أنّ درجة ارتفاع قلقهم نحو المستقبل يحمل في زواياه تأملات اقتصادية، واجتماعية خصوصًا قبل مرحلة الزواج لتداعيات الصرف، والتسوّق، والترفيه، والعيش بظلّ بحبوحة مادية تتخطى موضوع الحاجات الأساسية لتطال الحاجات الثانوية كالسفر، واتباع الـ”موضة”. ولا يمكن التغافل عمّا يعانيه الشّباب الذكور من قلق المستقبل، إذ بلغ المتوسط الحسابي لمجموعة الذكور على مستوى أفراد العينة 139.23 ويعدّ مرتفع نسبيًا ويمكن تفسير السبب بالأمور الآتية:

يتحمّل الشّباب الذكور اليوم مسؤولية كبيرة على مستوى الصعد والمجالات كافة خصوصًا في ظلّ ما يمرّ به المجتمع اللبناني من أزمة اقتصادية ضيقة، وأزمة صحية صعبة متمثلة بتفشي فيروس كورونا الذي قتل كل فرصة عمل، وألزم الناس بعدم التجوال براحة تامة، وبالتالي تراجع فرص السعي نحو وسيلة توفّر الحد الأدنى من متطلبات الحياة العادية. لذلك بتنا في الآونة الأخيرة نشهد ظاهرة الانتحار لدى بعض الشّباب في عقد العشرين من العمر في شمال لبنان، ليتّضح بعد تقصّي الأسباب أن الدّافع الأساسي هو الضائقة الاقتصادية إذ لا حيلة للشاب تمكّنه من تأمين بعض أوراق المال لسدّ أدنى احتياجاته. باختصار نقول، إنّ آفاق المستقبل محكمة الإقفال تمامًا على المستوى القريب كما البعيد. لذا نجد التخبّط سيّد الموقف لدى الشّباب الذكور والإناث على السواء، وإن أظهرت نتائج التحاليل الإحصائية لأفراد العينة وجود بعض الفروق بين الذكور والإناث إلاّ أننا نقول إنّ الوضع مماثل للجنسين؛ فمنهم من فقد عمله بعد أن كان يعمل بأجر بسيط ليسند نفسه أو عائلته، والكثير منهم يبحث عن فرصة تمكّنه من الهجرة خارج البلد، ومنهم من يرضى بالقليل ويتكيّف مع الوضع الراهن، وينتظر الفرج القريب بصبر وتطلّع، ومنهم من يعيش تحت وطأة القلق، والاضطرابات النّفسيّة، والاجتماعيّة، ومنهم من لم يستطع التحمّل فيضعف مستوى إيمانه ويلجأ إلى الانتحار، وهذه قلّة، ولا تتجاوز بعض الحالات فقط لا غير.

الفرضية الثانية

نص الفرضية: توجد فروق إحصائية جوهرية بين متوسط درجات أفراد العينة في أدائهم على استبيان قلق المستقبل تبعًا لأعمارهم الزمنية. تمّ استخدام اختبار (ف) تحليل التباين لدراسة الفروق بين متوسطات ثلاث مجموعات، أو أكثر.

الدرجة الكلية لاستبيان قلق المستقبل * العمر ANOVA الفروق بين متوسطات المجموعات على مستوى الفئات العمرية الثلاث
  Sum of Squares df Mean Square F Sig.
Between Groups 3892.109 2 1946.054 4.664

 

 

.010

غير دالة 

 

Within Groups 122248.861 293 417.232
Total 126140.970 295  

بينت النتائج في الجدول أعلاه عدم وجود فروق جوهرية إحصائية دالة بين متوسطات مجموعات الشّباب الجامعيين ذوي الفئات العمرية الثلاث (18- 20 سنة، 21-25 سنة، 26-30 سنة) على مستوى الدرجة الكلية لاستبيان قلق المستقبل. بالتالي نقول إن الفرضية لم تتحقّق على مستوى دراستنا الحالية، وتعدّل على الشكل الآتي: لا توجد فروق إحصائية جوهرية بين متوسط درجات أفراد العينة في أدائهم على استبيان قلق المستقبل تبعًا لأعمارهم الزّمنية. وهذه النتيجة متوافقة مع نتيجة دراسة معشي (2012م). تعدُّ هذه النتيجة منطقية، وطبيعية إلى حدّ ما بسبب تساوي المطامح، والدوافع، والتحديات، والصعوبات وتماثلها التي تميّز المرحلة العمرية الخاصة بالشّباب والتي تتمحور حول الوصول إلى الأمان، والاستقلال الذّاتيّ، والأسريّ، والعاطفي، والمادي، والاجتماعي، وإلى تأمين مكانة ذاتية، واجتماعية جيدة، وسوية ترفع من ثقته بنفسه، وتمكّنه من أخذ دور إيجابي في دائرته الاجتماعية الصغيرة والكبيرة. وفي هذا الصدد نستذكر ما يؤكّده دافيد (1988م) أن مشاعر القلق لا تبدأ أبدًا قبل سن الخامسة عشرة، وتبلغ ذروتها في أواخر العقد الثاني وأوائل العقد الثالث، وتقلّ مستوياتها نهائيًا بعد سن الخامسة والثلاثين. (داينز، ر، 2006، صفحة 49) يمكن القول، إنّ كلّ الشّباب أفراد عينة الدراسة من عمر 18 إلى 30 سنة، يواجهون واقعًا واحدًا متمثّلاً بقلق المستقبل بدرجة مرتفعة إذ لا يجدون من أفق، أو فرص تؤمن مستقبلهم بعد الانتهاء من الدراسة الجامعية، فبلدنا العزيز لبنان يعيش أزمة على مستوى الصعد والمجالات كافة: الصحية بانتشار الفيروس والأمراض السرطانية بسبب ارتفاع نسب التلوث، الاقتصادية بسبب تسكير أغلبية المؤسسات التجارية والخدماتية والصناعية وإغلاقها وإفلاسها، والعسكرية بتوقيف الالتحاق بالمؤسسات العسكرية، وقوى الأمن الداخلي.

الفرضية الثالثة

نصّ الفرضية: توجد فروق إحصائية جوهرية بين متوسط درجات أفراد العينة في أدائهم على استبيان قلق المستقبل تبعًا لمتغير نوع الجامعة (جامعة لبنانية وجامعات خاصة).

للتأكد من صحة الفرضية الثالثة تمّ تطبيق اختبار ت T-test: الفروق بين متوسطات مجموعة الشّباب الجامعيين الذين يتابعون دراستهم في الجامعة اللبنانية، أو في الجامعات الخاصة على مستوى الدرجة الكلية لاستبيان قلق المستقبل.

متوسط درجات مجموعة طلاب الجامعة اللبنانية ومجموعة طلاب الجامعات الخاصة: اختبار ت

 

استيبان قلق المستقبل

نوع الجامعة  

قيمة ت

 

الدلالة

الجامعة اللبنانية الجامعات الخاصة
المتوسط الانحراف المعياري المتوسط الانحراف المعياري
مجال القلق النفسي 47.92 8.386 50.41 6.368 106.539  دالة.000
مجال القلق الاقتصادي 45.13 7.127 45.79 5.703 114.948  دالة.000
مجال القلق الصحي 26.80 6.270 26.98 6.243 69.167  دالة.000
مجال القلق الاجتماعي 18.91 4.505 18.95 3.600 71.988  دالة.000
الدرجة الكلية للاستبيان 138.76 23.127 142.13 17.060 115.240  دالة.000

يتبيّن من الجدول أعلاه وجود فروق دالة إحصائيًا بين متوسط درجات مجموعة الشّباب الجامعيين طلاب الجامعة اللبنانية، ومتوسط درجات مجموعة الشّباب الجامعيين طلاب الجامعات الخاصة على مستوى الدرجة الكلية لاستبيان قلق المستقبل ومجالاته الأربعة (القلق النفسي، القلق الاقتصادي، القلق الصحي، القلق الاجتماعي) لصالح طلاب الجامعات الخاصة. بالتالي تحقّقت الفرضية الثالثة ولا تُعدّل. تدلّ هذه النتيجة على وجود هواجس متعددة تستحوذ على نفوس الشّباب الجامعيين طلاب الجامعة اللبنانية، وطلاب الجامعات الخاصة بسبب عدم توافر فرص العمل بعد انتهاء مرحلة الدراسة. وعلى الرغم من أن الضائقة الاقتصادية، والسياسية التي يمر بها لبنان أرخت بثقلها على الجميع بشكل متساوٍ إلا أن النتائج بيّنت وجود فروق لصالح طلاب الجامعات الخاصة بفارق ملاحظ يقارب الأربع درجات. ويمكن تفسير سبب ارتفاع مستوى قلق المستقبل لدى طلاب الجامعة الخاصة عن أقرانهم طلاب الجامعة اللبنانية إلى الأسباب الآتية:

التكلفة المادية الكبيرة التي تتطلبها الجامعات الخاصة مقابل متابعة عملية التعلم مقارنة بما يتكبّده الطالب في الجامعة اللبنانية الذي يتوجب عليه دفع رسوم التسجيل فقط في بداية العام الجامعي. فالطالب يتوق إلى إنهاء مرحلة التعليم الجامعي بنجاح، وبالتالي الحصول على وظيفة تؤمن له المردود المادي ليتمكن من تحقيق الاستقلالية الذاتية، والمادية، والتخفيف عن كاهل ذويه، والتعويض عليهم بما تكبّدوه من مصروف خلال حقبة تعليمه الطويلة، إلا أنّ غياب فرص العمل في ظلّ ما يعانيه لبنان من أزمة اقتصادية خانقة ساهمت في رفع مستوى اليأس، والتشاؤم بإمكانية الحصول على وظيفة، وبالتالي عدم القدرة على التعويض على أهاليهم في الوقت القريب.

فشل توقعاتهم بالحصول على وظائف محترمة تؤمن لهم دخل مرتفع يوازي تعبهم الحاصل على المستوى المادي في ظل قلّة، بل انعدام الوظائف في الزمن الحالي، ونتيجة تزايد نسب المتعلمين العاطلين من العمل الذين يتحينون الفرص للحصول على أي مهنة، أو وظيفة.

– فشل توقعاتهم من ناحية أن الالتحاق والدراسة في جامعة خاصة قد يكونان أكثر حظًا من أقرانهم الذين درسوا في الجامعة اللبنانية عند التخرج، والحصول على فرص عمل.

– تراجع مستوى الطموح بوجود سبل أو طرق يستثمرون بها إمكاناتهم وقدراتهم، والنتيجة العيش في قلق حيال ما سيواجهونه في المستقبل، وما ينتظرهم بعد التخرج من عدم تحقيق رغباتهم على المستوى الوظيفي، والاجتماعي.

– تسرّب بعض الشّباب الجامعيين من جامعاتهم الخاصة بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة، وارتفاع التكلفة فمنهم من وصل إلى السنة الأخيرة من الدراسة، واضطر إلى التخلي عن الجامعة نتيجة ظروف ذويهم المادية المتراجعة، أو نتيجة التسريح من بعض الوظائف، أو نتيجة تراجع مستوى عائدات المنح الجامعية التي كانت الدولة تؤمنها للموظفين عن أبنائهم أثناء مرحلة تعلّمهم المراحل المتعدّدة. بعبارة أخرى نقول، الطالب الجامعي سيتملكه القلق، والتوتر، والخوف، والهمّ مما ستؤول إليه أحلامه، وما سيحدث له في المستقبل إذا استمر الوضع على حاله طويلًا على مستوى مجالات العيش والحياة كلها.

4– الفرضية الرابعة

نصّ الفرضية: توجد فروق إحصائية جوهرية بين متوسط درجات أفراد العينة في أدائهم على استبيان قلق المستقبل تبعًا لمتغير الوضع الاقتصادي. تمّ استخدام اختبار (ف) تحليل التباين لدراسة الفروق بين متوسطات ثلاث مجموعات (طلاب جامعيين حالتهم الاقتصادية ضعيفة، طلاب جامعيين حالتهم الاقتصادية متوسطة، طلاب جامعيين حالتهم الاقتصادية جيدة)

الفروق بين متوسطات مجموعات الفئات العمرية للشباب الجامعيين عينة الدراسة على مستوى استبيان قلق المستقبل ANOVA/ اختبار تحليل التباين

استيبان قلق المستقبل الدرجة الكلية للإستبيان قيمة ف الدلالة
 

حالة اقتصادية ضعيفة

المتوسط الحسابي 6.511 دالة إحصائيا.000
152.12
حالة اقتصادية متوسطة 136.76
حالة اقتصادية جيدة 131.82

تدل النتائج في الجدول أعلاه على وجود فروق دالة إحصائيًا بين متوسطات مجموعات الطلاب الجامعيين الثلاث (حالة اقتصادية ضعيفة، حالة اقتصادية متوسطة، حالة اقتصادية جيدة) على مستوى الدرجة الكلية لاستبيان قلق المستقبل لدى أفراد عينة الدراسة، وكان الفرق لصالح الطلاب الجامعيين ذوي الحالة الاقتصادية الضعيفة. كما بينت النتائج الإحصائية عدم وجود فروق دالة إحصائيًا بين متوسط مجموعة الطلاب من الحالة الاقتصادية المتوسطة ومتوسط مجموعة الطلاب الجامعيين من الحالة الاقتصادية الجيدة. وهذه النتيجة متعارضة مع نتيجة دراسة جاجان (2016م) التي أثبتت نتائجها الإحصائية عدم وجود فروق دالة إحصائيًا تعزى إلى الحالة الاقتصادية على مستوى الإحساس بقلق المستقبل.

بالتالي نقول إن الفرضية الرابعة قد تحققت بصورة جزئية وتعدّل على الشكل الآتي:

لا توجد فروق دالة إحصائيًا بين متوسط مجموعة الشّباب الجامعيين من ذوي الحالة الاقتصادية المتوسطة ومتوسط مجموعة الشّباب الجامعيين من ذوي الحالة الاقتصادية الجيدة على مستوى الدرجة الكلية لاستبيان قلق المستقبل باستثناء أقرانهم ذوي الحالة الاقتصادية الضعيفة الذين يعانون من ارتفاع مستوى قلق المستقبل لديهم.

إنّ الوضع الاقتصادي بشكل عام في شمال لبنان هو وضع متردٍ، وضعيف جدًا بالنسبة إلى باقي المحافظات، وخصوصًا أن اعتماد المواطنين في مناطق الشمال على الزراعة، أو على الوظائف في السلك العسكري لعدم وجود فرص عمل أمامهم بالدرجة الأولى، وعدم اهتمام الدولة في تأمين المراكز الصناعية، والتجارية في مناطقهم التي تفتح المجال لتأمينهم على المستوى الاقتصادي. لذلك كان حال أغلب العائلات في الشمال هي من الطبقة الفقيرة، وغالبية النسب والأرقام تدل على الحالة الاقتصادية الضعيفة لغالب طلاب وطالبات الجامعات، سواء أكانت الجامعة رسمية أم خاصة.

5– الفرضية الخامسة

نص الفرضية: توجد فروق إحصائية جوهرية بين متوسط درجات الشبان الجامعيين في أدائهم على استبيان قلق المستقبل تبعًا لمكان سكنهم (ريف، مدينة). للتأكد من صحة الفرضية الخامسة تمّ تطبيق اختبار ت T-test: الفروق بين متوسطات مجموعة الشّباب الجامعيين الذين يسكنون في منطقة الريف ومجموعة الشّباب الجامعيين الذين يسكنون في المدينة على مستوى الدرجة الكلية لاستبانة قلق المستقبل.

الفروق بين متوسطات مجموعة الشّباب الجامعيين سكان المدينة وأقرانهم سكان الريف/ اختبار ت

 

استيبان قلق المستقبل

نوع السكن  

قيمة ت

 

الدلالة

ريف مدينة
المتوسط الانحراف المعياري المتوسط الانحراف المعياري
مجال القلق النفسي 49.29 7.738 48.77 7.562 106.539  دالة.000
مجال القلق الاقتصادي 45.77 7.202 45.07 5.781 114.948 دالة.000
مجال القلق الصحي 27.44 6.460 26.32 5.998 69.167 دالة.000
مجال القلق الإجتماعي 19.06 4.198 18.80 4.049 71.988 دالة.000
الدرجة الكلية للإستبيان 141.56 21.581 138.96 19.721 115.240  دالة.000

تبيّن النتائج الواردة في الجدول أعلاه وجود فروق إحصائية جوهرية ودالة بين متوسط مجموعة الشّباب الجامعيين سكان الريف ومتوسط مجموعة الشّباب الجامعيين سكان المدينة لصالح سكان الريف على مستوى الدرجة الكلية لاستبيان قلق المستقبل وجميع مجالاته. بالتالي نقول إن الفرضية الخامسة قد تحققت بصورة كاملة. كما ذكرنا بالسابق أن الوضع الاقتصادي إجمالا في شمال لبنان هو ضعيف، وعلى الرغم من ضعفه فإنه يوجد أيضًا تباين بين الشّباب الذين يسكنون في الريف وأقرانهم سكان المدينة من الناحية الاقتصادية، فالأرياف في شمال لبنان تعدُّ محرومة نسبيًا من الخدمات العامة، أو بعبارة أخرى لا تتوفر لديها الفرص الخدماتية كالمتوفرة في المدن، فالمراكز، والأسواق الكبرى، والدوائر الرسمية، والخاصة تتمركز في المدينة ما يضطر أهل الريف لتأمين احتياجاتهم عادة من المدن الأمر الذي يرفع من مستواها الاقتصادي نسبيًا. من هذا المنطلق نجد أن مقياس القلق بجميع مجالاته يميل لصالح سكان الريف، ففرص العمل في المدينة أكبر منها في الريف ما يجعل شباب الريف تبحث عن عملها في تلك المدن الأمر الذي يزيد من مستوى الشعور بالقلق الاقتصادي، والضغوطات الصحية، والاجتماعية، والاقتصادية جميعها تعمل على رفع درجة القلق النفسي لدى أهل الريف ما يرجّح الكفة على مستوى الدرجة الكلية للقلق عبر الدرجة الكاملة للاستبيان لصالح سكان الريف.

توصيات

  • توعية الشّباب على كيفية وضع خطط مستقبلية وتنظيمها بناءً على ما يمتلكونه من أسس واقعية موجودة في واقعهم المعيش على مستوى الدائرة الاجتماعية الصغيرة، والكبيرة التي يعيشون فيها خصوصًا الذين يسكنون في الأرياف، والقرى النائية.
  • حث وسائل الإعلام، والتواصل الاجتماعي على بث الروح النّفسية الإيجابية والسليمة في نفوس الشّباب والشابات عبر خلق برامج تلفزيونية تستضيف فئات عمرية محددة وفق متغيرات متنوعة، وهادفة إذ يتم إزالة مستويات القلق، والخوف من المستقبل، ورفع مستوى تفاؤلهم بأنّ الازمة هي ستنتهي، وستتحسن الأوضاع بشكل عام.
  • عقد ندوات علمية من قبل أساتذة المدارس والجامعات في ظل الحجر المنزلي بسبب تفشي فيروس كورونا، عبر وسائل التواصل الاجتماعية، تستهدف الشّباب للعمل على توعيتهم، وتخفيف مستوى القلق، والوتر، والتفكير اللاعقلاني لديهم في ما خصّ مستقبلهم، وبأن المرحلة التي يمرّ بها لبنان هي مؤقتة، وستتفتح أبواب فرص العمل والوظائف.
  • حثّ جمعيات المجتمع المدني، والمعنيين، والمتخصّصين بتنفيذ أيام توجيهية إذ يتم عرض أنواع المهن والوظائف ومجالات العمل الموجودة في بيئاتهم وتوضيحها وتفسيرها ليتمكنوا من بناء طموحاتهم ضمن الواقع المعيش وضمن إمكاناتهم، وقدراتهم الشخصية والاجتماعية المتوفرة.
  • توجيه الطلاب الجامعيين وإرشادهم في مراحل الدراسة الجامعية إلى أنّ توفّر الفرص الوظيفية مرتبط بالنجاح الأدائي، والوظيفي المرتفع، وأنّ المنافسة للحصول على وظيفة مرتبط باكتساب خبرات، ومهارات عملية وتطبيقية معينة. الأمر الذي يزيد من فرص الحصول على عمل في القطاعين الحكومي والخاص. خصوصًا وأن التعيينات في وظائف الدولة بأغلبيتها تنحصر بقرار مجلس الخدمة المدنية الذي يعتمد مبدأ تنفيذ امتحان عملي للمتقدمين إلى وظائف شاغرة في الجمهورية اللبنانية.

دراسات مقترحة

بناءً على ما تمّ التوصل إليه من نتائج إحصائية متمثلة بارتفاع مستوى قلق المستقبل لدى الشّباب الجامعيين، وبعد ملاحظة وجود بعض حالات الانتحار في صفوف الشّباب، نوصي بإجراء دراسات تهتم بوضع خطط إرشادية جدية تساهم في تقليل مستوى قلق المستقبل لدى الطلبة باستخدام تقنيات متنوعة، وفي بيئات متعدّدة. نذكر منها دراسات تجريبيّة لمجموعة من الشّباب الذين يعانون من تفكير ذهنيّ سلبيّ، ويأس، وتوتر تجاه مستقبلهم، وحياتهم بشكل عام.

استبيان قلق المستقبل

  • المتغيرات الديموغرافية
  • الجنس: ذكر انثى
  • العمر: من 18-20 سنة من  21-25 سنة   من 26-30
  • الجامعة التي انتمي اليها : الجامعة اللبنانية جامعة خاصة
  • الحالة الاقتصادية: ضعيفة متوسطة جيدة
  • مكان السكن: ريف مدينة
المجال الاول: القلق النفسي
  بدرجة قليلة بدرجة متوسطة بدرجة مرتفعة
1. اشعر بالقلق والتوتر الكبير بسبب الاوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي نعيشها في لبنان والعالم.      
2.اشعر بالقلق والصراع من تجاذب الافكار لدي بين الخروج للعمل لتأمين الاحتياجات والخوف من التقاط الفيروس      
3.اقلق كثيرًا عندما افكر بشأن وحدتي في المستقبل.      
4.أشعر بالقلق من عدم القدرة على التكيف مع التغيير المفاجئ في وقتنا الحالي      
5.أشعر بقلق نفسي كبير بسبب الضيقة الاقتصادية التي نعيشها      
6.يشغلني عدم الاحساس بالاستقرار في المستقبل      
7.أشعر بكآبة نفسية كبيرة بسبب التغيرات والتبدلات الصحية والاقتصاية المسيطرة      
8.لا يناقشني أحد بشأن مستقبلي الخاص      
9.أخشى حدوث خلافات تهدد مستقبل اسرتي      
10.صعوبة الدراسة قد تؤدي بي إلى الفشل      
11.لدي شعور بقرب انهيار العالم من حولي      
12.أخشى من تزايد المصائب في المستقبل.      
13.افكر احيانًا بأن حياتي ستتغير للأسوء      
14.يقلقني ان يؤدي الانترنيت إلى انهيار حياتنا النفسية والاجتماعية      
15.كل ما حولنا يؤكد ان الماضي افضل من الحاضر والمستقبل      
المجال الثاني: القلق الاقتصادي بدرجة قليلة بدرجة متوسطة بدرجة مرتفعة
16.تقلقني مشكلة الزيادة في الاسعار      
17.اشعر بالقلق من فقدان العملة وعدم القدرة على شراء اجتياجاتي      
18.أشعر بالقلق والخوف من التغيير المفاجئ في الوضع الاقتصادي الاجتماعي      
19.يضايقني التعامل بالرشوة لقضاء حاجتنا      
20.أشعر بالتوتر عندما افكر اني سأعمل في مهنة لا احبها      
21.أشعر بالقلق والتوتر من عدم القدرة على اكتساب عمل بسبب التغييرات الحاصلة في انظمة الانتاج وتطور التقنيات التكنولوجية.      
22.اشعر بالقلق والتوتر من ارتفاع نسب البطالة والفقر في مجتمعنا      
23.ينتابني القلق بشأن عدم القدرة على تنفيذ العمل المطلوب من على أكمل وجه      
24.انزعج عندما افكر في مستقبلي المهني      
25.أخشى التعرض للفقر والحاجة      
26.يضايقني ان التكنولوجيا سوف تقلل من فرص العمل .      
27.تجارب الاخرين تؤكد ما ينتابني من قلق على مستقبلي المهني والعملي      
28.اقلق كثيرًا لعدم معرفتي بجوانب دراستي أو عملي أو بمسؤولياتي المهنية      
المجال الثالث: القلق الصحي بدرجة قليلة بدرجة متوسطة بدرجة مرتفعة
29.أخشى زيادة الوزن في المستقبل      
30.اخشى من امراض الديسك والعظام بسبب الجلوس الطويل في المنزل      
31.اشعر بالرعب من ان اصاب بحادث      
32.اشعر بالقلق من وقت لآخر على صحتي بسبب انتشار الأمراض والفيروسات      
33.يقلقني كثيرًا عدم انجاب الاطفال بعد الزواج بسبب التقاط فيروس او إصابة بمرض معين      
34.يشغلني التفكير بأنني سأصاب بمرض خطير      
35.تلازمني فكرة الموت في كل وقت .      
36.اشعر بالقلق بسبب عدم توفر المستلزمات الطبية الجدية في مستشفيات لبنان      
37.اشعر بالتوتر والقلق بسبب استهتار بعض المواطنين باجراءات الوقاية من الأمراض      
المجال الرابع: القلق الاجتماعي بدرجة قليلة بدرجة متوسطة بدرجة مرتفعة
38.أشعر بالقلق بسبب تزايد انهيار العلاقات الاجتماعية بين الناس      
39.أشعر بالقلق بشأن التدهور الاخلاقي في العالم      
40.أشعر بالقلق من عدم تقدير الاخرين لي في المستقبل      
41.أشعر بالقلق حين افكر بارتفاع مستوى التباعد الاسري بسبب الحظر      
42.أشعر بالقلق بسبب عدم المشاركة الاجتماعية بسبب الحظر      
43.أشعر بالقلق من أن تسوء تصرفاتي على مستوى التعامل مع أفراد عائلتي بسبب الحظر والبقاء في المنزل      

المصادر والمراجع

Bolanowski, W. (2005). Anxiety about Professional Future Among Young Doctors. (18(4) ed.). International Journal of Occupational Medicine and Environmental Health.

Could, j. (1965). A dictionary of the Social Sciences”. London: the Free Press London.

Raffaclli, M; Kooler, S. (2005). ulure expectations of Brazilian Street youth (Vol. N (20)). Barazil: Journal of adolescence.

Schuetz, A. (1998). Coping with threats to selfesteem: the differing patterns of subjects with high versus low trait selfesteem in first person accounts,. European Journal of Personality, 39.

Wiebe , D. (1991). Hardiness and stress moderation, ATest proposed mechanisms (1 ed.). Journal of Personality anSocial Psychology.

Zaleski. (1996). Future anxiety. Concept. Measurement and Preliminary Rrscach (N. (4). ed., Vol. Vol. (28)). Personal Individual Differences.

ابن منظور. (1968). لسان العرب (الإصدار الطبعة الثالثة). بيروت: دار صادر.

الجاجان، ياسر. (2016). دراسة الفروق في قلق المستقبل لدى طلبة كلية التربية في ضوء بعض المتغيرات (الإصدار 83). سورية: مجلة جامعة البعث.

الرشيدي، ب. (2017). قلق المستقبل والفاعلية الذاتية لدى طلبة كلية المجتمع في جامعة حائل في ضوء بعض المتغيرات (الإصدار 471، المجلد الجزء الثاني). مصر: مجلة كلية التربية، جامعة الأزهر.

السبيعي،ع. (8 6, 2015). المقالات، اضطرابات نفسية، القلق العام. تاريخ الاسترداد 1 8, 2020، من مجلة النفسي الإلكترونية: http://www.alnafsy.com/articles/9/351

الشوابكة، م. (24 10, 2018). الرئيسة، الاضطرابات النفسية، أسباب القلق والتوتر. تاريخ الاسترداد 1 8, 2020، من مجلة موضوع الإلكترونية: https://mawdoo3.com

الطيب، محمد. (2007). قلق المستقبل (الإصدار 67). مصر: الجمعية المصرية للدراسات النفسية، النشرة الشهرية.

العشري، م. (2004). قلق المستقبل وعلاقته ببعض المتغيرات الثقافية،  مصر: جامعة عين شمس.

القاضي، وفاء. (2009). قلق المستقبل وعلاقته بصورة الجسم ومفهوم الذات لدى حالات التر بعد الحرب على غزة، رسالة ماجستير منشورة،. غزة.: الجامعةالإسلامية.

المومني، م ، نعيم، م. (2013). قلق المستقبل لدى طلبة كليات المجتمع في منطقة الجليل في ضوء بعض المتغيرات (الإصدار 2، المجلد 9). الأردن: المجلة الأردنية في العلوم التربوية.

النجاحي، ف. (2008). قلق المستقبل وعلاقته بالاتّجاه نحو التخصص الدراسي لدى طالبات ومعلمات رياض الأطفال، (الإصدار 39، المجلد 1). مصر: مجلة كلية التربية، جامعة طنطا.

بدوي، أ. (1991). العلاقة بين الوالدين وأثرها على مستوى طموح الأطفال. رسالة ماجستير منشورة. مصر: جامعة عين شمس، القاهرة.

بطرس، ح. (2004). خفض حدة بعض الاضطرابات القلق لدى أطفال مقتبل المدرسة، بحث منشور لمركز الإرشاد النفسي. مصر: جامعة عين شمس.

بيك، ا. (2000). العلاج المعرفي والاضطرابات الانفعالية (الإصدار ط 1). (عادل مصطفى، المترجمون) القاهرة: دار الافاق العربية.

حافظ، ن. (1981). مدى فاعلية العلاج الجشتالتي في تخفيف القلق لدى طلبة المرحلة الثانوية، رسالة دكتوراه، كلية التربية. مصر: جامعة عين شمس.

داينز، ر. (2006). إدارة القلق. القاهرة: دار الفاروق للنشر والتوزيع.

زهران، ع. (2005). الصحة النفسية والعالج النفسي (الإصدار ط 4). القاهرة: عالم الكتب.

سعود، ن. (2005). قلق المستقبل وعلاقته بسمتي التفاؤل والتشاؤم، رسالة دكتوراه منشورة، كلية التربية، جامعة دمشق. دمشق, سورية: جامعة دمشق.

شقير، ز. (2002). الشخصية السوية والمضطربة (الإصدار ط 2). القاهرة: مكتبة النهضة المصرية.

شلهوب، د. (2016). قلق المستقبل وعلاقته بالصلابة النفسية. دراسة ميدانية لدى عينة من الشباب في مراكز الإيواء المؤقت في مدينتي دمشق والسويداء. رسالة ماجستير منشورة في علم النفس. دمشق: جامعة دمشق.

شند، س. (2002). دراسة لقلق المستقبل وقلق الموت لدى طالب الجامعة من منظور متغيري الجنس والتخصص. (الإصدار 3، المجلد 2). مصر: مجلة كلية التربية القسم الأدبي، جامعة عين شمس.

صبري، إ. (2003). بعض المعتقدات الخرافية لدى المراهقين وعلاقتها بقلق المستقبل والدافعية للإنجاز (الإصدار العدد 38، المجلد 13). مصر: المجلة المصرية للدراسات النفسية.

عبد الله، ع. (2001). العلاج المعرفي السلوكي (الإصدار ط 1). القاهرة: دار الرشاد.

عثمان، ف. (2001). القلق وإدارة الضغوط، القاهرة، مصر: دار الفكر العربي.

كفافي، ع. (1999). الإرشاد والعلاج الأسري، سلسلة المراجع في التربية وعلم النفس. القاهرة: دار الفكر العربي.

محمد، ه. (2010). قلق المستقبل عند الشباب وعلاقته ببعض المتغيرات. (الإصدار 26،27). العراق: مجلة البحوث النفسية والتربوية.

مسعود، س. (2006). بعض المتغيرات المرتبطة بقلق المستقبل، رسالة ماجستير. مصر: كلية التربية.

معشي، م. (2012). قلق المستقبل لدى الطالب المعلم وعلاقته ببعض المتغيرات (الإصدار 75). مصر: دراسات نفسية وتربوية.

هبة، م. (2010). قلق المستقبل عند الشباب وعلاقته ببعض المتغيرات (الإصدار العددان 26-27.). العراق: مجلة البحوث التربوية والنفسية.

 

[1] – أستاذة مساعدة في الجامعة اللبنانية – معهد العلوم الاجتماعية- الفرع الثالث.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.