الصّحافة في القرن التاسع عشر جريدة طرابلس الشّام (أنموذجًا)

0

الصّحافة في القرن التاسع عشر جريدة طرابلس الشّام (أنموذجًا)

فدى خالد موسى هوشر([1])

مقدّمة

باحثو التّاريخ متميّزون لجهة تعاطيهم مع الأحداث التّاريخيّة خلال تحليلاتهم واستنتاجاتهم، فمنهم من يتوخى الحقيقة كما وردت، لينتفع بها الناس، متّعظين بما تحويه من خيرٍ أو شرّ، فتغلب كفّة الخير ويبقى جميل الأثر قدوة صالحة لمن يأتي بعدهم، ومنهم من يتّبع سرد الحوادث الماضية، وآخرين تتغلّب عليهم نزعاتهم السياسية، أو الحزبية، أو الشّخصيّة فتجذبهم إلى مراميها، وقد تأخذهم إلى منحى أبعد عن ذكر الحقيقة النّاصعة، والبعض يأخذ دور الروائي الذي يصوّر الأحداث كما تحلو له، فيلبسُها الزِّيَّ الذي يتناسب وذوقه وميوله، وآخر يبتغي الشّهرة والمنفعة…

يهدف هذا البحث، إلى محاولة دراسة مواقف جريدة طرابلس الشّام وسياساتها في قضايا لبنان، والمشرق في مرحلة زمنية حافلة بالتّطورات السياسيّة، والعسكريّة، والاقتصاديّة في أواخر العهد العثماني، فهل نقلت هذه الجريدة الأحداث المتعلّقة بقضايا طرابلس بما يتناسب مع مصلحة الدّولة العثمانيّة، وتغاضت عن بعض القضايا التي تضرّ بمصلحة العثمانيين في المنطقة؟ أم عملت على نقل الوقائع، والمجريات بكل موضوعية إلى قارئيها؟ وهل كان لها تأثير على صعيد النّهضة العلميّة، والثّقافيّة في طرابلس؟ وما المواضيع التي صوّرتها لنا من خلال صفحاتها؟

نبذة عن جريدة طرابلس الشّام

قبل المباشرة بقراءة تاريخيّة لجريدة طرابلس الشّام، لا بدّ من إلقاء نظرة سريعة على تاريخ بزوغ الصّحافة العربيّة التي تعود إلى النّصف الأول من القرن التّاسع عشر، وهي الحِقبة التاريخيّة التي رأت فيها الصّحافة النّور، وكانت باكورتها جريدة الأخبار التي ظهرت في 1/ 1/ 1858م لمؤسسها وصاحبها خليل الخوري، الذي قال عنه ناصيف اليازجي في نهاية قصيدته المدحية([1]):

يـــــــــــــــــــــــــا هــــلالًا قد أرانا           في الدجى وجهًا جميلًا

سوف نلقى منك بــــــدرًا            كـــــــــــاملًا يدعى خليلًا([2])

وكانت هذه الصّحيفة سياسية، علميّة، تجارية، تاريخيّة، وأول جريدة سياسية أُنشِئت في البلاد العثمانيّة، وخارج عاصمة السّلطنة، وكانت تصدر مرةً في الأسبوع بصورة منتظمة، ثم تلتها في عهد المتصرّفية جريدة لبنان العام 1867م بأمرٍ من داوود باشا، ثم مجلة الجنان في 11 حزيران العام 1870م لصاحبها بطرس البستاني، وتتابع صدور الصّحف، فأصدر سليم البستاني الجنّة العام 1870م، وصحيفة أخرى سمّاها “الجنينة” ظهرت العام 1871م، وكذلك أنشِئت جريدة “لسان الحال” التي أسّسها في بيروت خليل سركيس سنة 1877م. وكانت تصدر يوميًا، وصفحاتها لا تتجاوز الستّ صفحات، وكانت ناطقة باسم المعارضة ضد الحكم العثمانيّ، لكن وعلى الرّغم من ذلك كانت تتصدر صفحاتها سيرة السلطان العثماني وأخباره، لكنها لا تغوص بتفاصيلها كبقية الجرائد مثال، جريدة ثمرات الفنون لصاحبها عبد القادر قباني، التي كانت موالية للحكم العثمانيّ التي توقفت عن الصدور العام 1908م، أواخر عهد السلطان عبد الحميد الثاني([3]).

أما جريدة “طرابلس الشّام”، فمؤسسها محمد كامل البحيري، صاحب مطبعة البلاغة، تصدر تارةً يومية، وأخرى أسبوعية، ناهزت في عددها “1500”، وهي جريدة دينية، اجتماعيّة، سياسيّة، تاريخيّة، وأدبيّة([4]). ظلّت الجريدة تصدر أسبوعيًا على مدى 24 عامًا 1893 – 1917م، وقد تضمّنت مواضيعها الأخبار السياسيّة، والعثمانيّة، والعالميّة، وكان للأخبار الاجتماعيّة النّصيب الأكبر من العناية بهمة الشيخ حسين الجسر، ومحمد كامل البحيري([5]).

وبالتطرق إلى الصفحة الأولى من هذه الجريدة، نجد فيها([6]): “اسم صاحبها: محمد كامل البحيري، رقم العدد، والسنة، والتواريخ بتقويمات متعدّدة: مثال، الأربعاء في 10 صفر سنة 1332ه و25 كانون أول (ش) سنة 1329 و7 كانون الثاني سنة 1914م، أيام إصداراتها (يومي السبت والأربعاء من كل أسبوع)، قيمة الاشتراك: عن سنة واحدة في طرابلس نصف ليرة عثمانيّة و40 غرشًا عن نصفها، أمّا في الخارج فكان 76 غرشًا و45 عن نصف السنة، في البلاد الأجنبية 16 فرنكًا، وتساوي 9 ريالات، وفي البلاد الهندية 7 روبلات، وتتضمن معلومات حول الإعلان والمراسلات: أجرة السّطر عن الإعلانات، والرّسائل الخصوصيّة في الصحيفة الأولى ثلاثة غروش ونصف، وفي الثانية والثالثة للمشتركين غرشًا واحدًا ونصف، ولغيرهم غرشين، والرسائل. ولا تُقبل ما لم تكن خالصة الأجرة، إضافةً إلى محل إدارة الجريدة وطبعها”.

واللافت للنظر أنه وردت ضمن كتابة أخبارها كلمات يظن القارئ للوهلة الأولى أنها أخطاء إملائية، مثلًا: “يوم الثلثاء، دقتور، ضحى حيوته لانقاذ حيوة 300 نفس، كربلا، أبهات، سربيا،…” ولعل السبب في ذلك أنهم كانوا يستخدمون اللغة المحكية، فيكتبونها كما يلفظونها.

ويورد البحيري سبب تأسيس جريدته فيقول: “فاشتمالها (أيّ طرابلس) على جريدة يسهّل العلم، وتبادل أفكار أهل الذكاء، والفهم، وفي ذلك من الفوائد ما لا يعد، ومن العوائد ما لا يُحصى، كما أنها مورد التجار، ومحط الأسفار”([7]).

سياستها

يبدو أنّ صدور العدد الأول من جريدة طرابلس الشّام لم يكن بالأمر السّهل إذ مرّت بحِقبات عصيبة طاحنة خصوصًا بعد موقف أبي الهدى الصيادي([8]) في الأستانة الذي جهِد لأن تكون الجريدة مِنبرًا يكيل المدح، والثّناء لسياسته، وأعماله، وجعلها لسان حاله في جميع أعماله، لهذا فقد اعترض مسيرة هذه الجريدة مصاعب جمّة في عهد الحكومة التركية، فضلاً عن ذلك، فقد استغلّ موقفه القريب من السلطان عبد الحميد الثاني باعتباره من ذوي الكلمة النافذة لديه([9]) فبسط سلطانه عليها ما اضطرّ الجريدة إلى مجاراتها في الصدور وصونًا لوجودها. حفلت مسيرة جريدة طرابلس الشّام ببعض الصعوبات طوال مدة صدورها حتى وفاة منشئها محمد كامل البحيري بتاريخ 25 كانون الثاني العام 1920م، إذ لم يكن من اليسير على رجالات الدّولة العثمانيّة التّغاضي عن بعض الاتجاهات الفكريّة، والسياسيّة التي يعبّر عنها بعض كتّابها، مع العلم بأنّ التوجّه العام لسياسة الجريدة هو التأييد المطلق للدولة العليا، ولسياسة السّلطان عبد الحميد الثاني، حيث كانت أخبار السلطان تتصدّر الصفحات الأولى من أعدادها، ومن ذلك ما جاء في العدد 81، مقال بعنوان صلاة الجمعة الذي جاء فيه: “أدى مولانا، وسيدنا أمير المؤمنين، وخليفة رسول رب العالمين صلاة الجمعة في الجامع الحميدي الأنور، فأشرقت شمس الخلافة العظمى من سماء القصر السّلطاني، فأضاءت لها الآفاق وسار في موكبه العالي بكمال الأبهة، والإجلال محفوفًا بالسّعد، والإقبال يخترق الألوف المؤلّفة من الجنود البواسل الواقفين لأخذ سلامة موقف الوقار، والاحترام، ومن ورائهم العدد العديد من الناس على اختلاف مذاهبهم يرتّلون آيات الشكر، والدعاء بتأييد، وتشييد دعائم عرش الخلافة العظمى بوجود ظل الله على العالم سيد ملوك بني آدم مولانا السلطان الأعظم، نصره الله تعالى، وأدامه، وأعلا على ذروة الخافقين أعلامه آمين”([10]).

كما يُثبت هذا المقال، التزام العثمانيّين بالتقاليد الإسلامية لجهة تعظيم السّلطان “خليفة رسول رب العالمين…”، وهذا ليس بالغريب، إذ إنه منذ القرن السّادس عشر العثمانيّ، كان المؤرخ العربي يعدّ كلًا من الخطبة والسكة “هبتين مقدستين مميزتين”، وميّز بين كون الأولى معنوية، والثانية مادية، وبالنسبة إليه الخطبة كانت التعبير عن فكرة “عظمة مقام الخليفة” وتذكرة للناس بالطاعة الواجبة عليهم لحكامهم([11])، بينما تعدُّ السّكة “سك النقود”، سلطة ملكية بطريقة مكتوبة وواضحة التعبير، فالنقود تتداول من شخص لآخر، ومن منطقة لأخرى، تنقل شهادة بيّنة على سلطة الحاكم أيضًا([12]).

ويبدو أن البحيري قد لاقى في بداية ظهور الجريدة تعنّتًا من المتعصبين الذين كان بعضهم يذمّ الجرائد، وينسب إليها ارتكاب الكذب، والنفاق، والمداهنة، ونشر الفساد بين العباد فكفّروه لأنه أنشأ مطبعة وجريدة. إلا أنّه استطاع أن يصمد أمامهم بصبره، وتصميمه، وآرائه القوية، خصوصًاً وأن أحدًا منهم لا يستطيع أن يشكّ بوطنيته، وإيمانه، وأن يطعن في إسلام محرّرها الشّيخ الجسر، وعلمه، وتديّنه. ويقول يوسف الحكيم بهذا الصدد عن موضوعية جريدة طرابلس الشّام: “أما جريدة طرابلس المعروفة بسابق حُسْن صِلاتها بالحكومات المحلية على التوالي، وبالمتصرّف راغب بك بصورةٍ خاصة، فقد توقّفت عن الصدور إبّان الاختلاف بيني وبينه، إذ اتفق رئيس تحريرها الشيخ حسين الجسر مع صاحبها محمد بك البحيري على التزام الحياد إزاء الفريقين المتخالفين، وعبثًا حاول المتصرّف إقناعهما بإصدار الجريدة للدفاع عنه”([13]).

وكما قال المتصرّف للعلّامة الجسر: “كنت أنتظر منك أن يَقِيني مبعوث طرابلس من هجمات أهلها عليّ”، أجابه : “يا سعادة المتصرّف بصفتي نائبًا عن طرابلس، ولسان حالها، وها هي بكبارها، وصغارها مع النائب العام العدلي شاهدة على تصرّفاتكم”([14]). وعلى الرّغم من وضع قانون للمطبوعات، إلاّ أنه كان هناك تشدّد، ورقابة على الصّحف التي تتناول أخبار السلطنة العثمانية بالإساءة، فعلى سبيل المثال تمّ توقيف صحيفة الصباح عن الإصدار لمدة شهرين التي كانت تصدر في بيروت لنشرها مقالات تسيء إلى الحكومة، وإدارة جبل لبنان، حيث جاء في البرقية([15]): “جريدة الصباح الصادرة في بيروت تتناول بالتّعريض منذ بعض الوقت للحكومة، ولإدارة جبل لبنان، وتستخدم عبارات غير لائقة. وقد ظهر ذلك بصورة خاصة خلال زيارة الأميرة نائلة إلى بيروت، حيث ذكرتها بعبارة خاتون بدلاً من أن تقول… وقصدت بذلك النيل من الأسرة الحاكمة، ومن قِبَل التحذير، والتنبيه قررنا إيقافها عن الصدور مدة شهرين”.

أثرها في النهضة العلميّة والثّقافيّة

كانت الصّحافة العربيّة من أقوى العوامل في النّهضة بما أثارته في الحركة الفكريّة، وبما نقلته من أخبار الغرب المنّاهض لأهل الشّرق النائم، حيث شهدت مدينة طرابلس ولادة أول ثلاث مطابع، الأولى مطبعة “البلاغة” التي أسسها محمد كامل أفندي، والثّانية مطبعة “الحضارة” التي أسّسها جرجي أفندي يني “بعد إعلان الدّستور، والثّالثة مطبعة “ناصيف أفندي طورباي” التي أسسها صاحبها وسماها باسمه([16])، أما جريدة طرابلس الشّام، فكان لها أيضًا تأثيرٌ فعّال على صعيد النّهضة العلميّة، والفكريّة للمدينة، وقد أشار إلى ذلك صاحب كتاب “ولاية بيروت” رفيق التّميمي، ومحمد بهجت في حديثه عن ازدياد عدد المطابع، والجرائد فيها، وأثر ذلك على تطوّرها([17]). وانطلاقًا من ذلك، مضى البحيري، والشيخ الجسر قدُمًا في مسيرتهم الصحفية، لما لها من أهمية على صعيد مستقبل المدينة، لذا عملا على إبراز دور الجرائد الفعال في عمليّة نهوض المجتمعات، وانعكاس منهاجها الثّقافيّ على الأمم المتمدّنة التي تدرك أهمية الكلمة الحرّة في تثقيف الشّعوب، ورفع مستواها العلميّ، والاجتماعيّ، لذلك كان تشديدهما على فوائد الجرائد وأهميتها في الإصلاح، ومناقبها الكثيرة.

وليس بالغريب على البحيري الذي اتّصف بفكره النيّر وبانفتاحه الرّحب على التّيارات الفكريّة الجديدة التي كانت تدق أبواب الشّرق العربيّ، وإثباتًا لذلك، ما أورده الصّحافي الطرابلسي “انطونيوس منصور” الذي عاش في مصر بأنه أثناء زيارته لإدارة الجريدة سنة 1893م (عن محمد كامل البحيري منشئها، والشيخ حسين الجسر محرّرها)، فيقول([18]): “وجدناه (أي كامل البحيري) رجلا ً طيّبًا يسعى بكل جهدٍ إلى نجاح وتقدّم أبناء وطنه”…. إلى أن يقول: “وفي تلك الإدارة تشرّفنا بمقابلة العالم العلّامة، والحبر الفهّامة صاحب الفضيلة حسين أفندي الجسر، وقد شاهدناه بين الدّفاتر، والمحابر يسطّر ما تجود به قريحته السيّالة من مناهل الدّرر الغوالي في العلم، والسياسة، والأدب وفضيلته أكبر مساعد في نجاح جريدة طرابلس الشّام”.

وليس غريبًا على محمد كامل البحيري، ففي خطبة الافتتاح التي تصدّرت العدد الأول من جريدة طرابلس الشّام 13 آذار 1893م طلب من السّلطات العثمانيّة في عاصمة الدولة الأستانة ترخيصًا لجريدته فيورد قائلا ً: “فتفضّل جلالته بصدور إرادته السّلطانيّة وأوامره الشّاهانية بالإذن لهذا العاجز بإنشاء مطبعة في بلدتنا طرابلس الشّام تسمى مطبعة البلاغة، ونشر جريدة اسبوعية تدعى طرابلس تسعى لخير الوطن، وتخدم الملّة، والدولة بكل منهج مؤتمن”([19]).

وكان لهذه المنّة العظيمة التي تكرّم بها جلالة السّلطان الشّكر العميق لأنّها أفرحت قلوب الطرابلسيين وأفئدة محبيهم من العثمانيين ” فاشتمال طرابلس على مطبعة وجريدة يسهّل نشر العلم وتبادل أفكار أهل العلم والفهم وغير ذلك من الفوائد ما لا يقدّر من العوائد ما لا يحصى ولا يعدّ. كما أنّها مورد التّجار ومحطّ أنظار الأسفار خاصةً وأنّ المطبعة مستعدّة لطبع الكتب من أي نوع ٍ كان وبأيّ لغةٍ من اللغات المتداولة حسب الإمكان، والجريدة قائمة في سبيل الخدمة الوطنية”([20]).

ولقد غصّت صفحات هذه الجريدة بالمواضيع، والأبحاث التي عالجت تحسين الوضع الثّقافيّ في مدينة طرابلس، علمًا أن عدد المطابع فيها كان ضئيلا ً آنذاك، إذا ما قيسَ بعدد المطابع التي كانت منتشرة في سائر البلدان الشّرقية كالأستانة، وبيروت، وحلب، والشّام، والقدس… ومن أهم المقالات التي ركّزت وحثّت على التربية والتعليم في سبيل نهضة طرابلس الشّام، مقال بعنوان: “علموا أولادكم” وقد جاء فيه([21]): (خُلق الإنسان ضعيفًا لا يقدر على شيء، فألقى الله في قلوب والديه محبته ليتعهّداه بالتّربية الجسمانيّة، ويؤهّلاه ليكون رجلاً سويًّا بالتّهذيب، سخّر الله الوالدين ليعلّموه أن من بعد الضّعف قوّة… وذلك بتنمية عقله، وتهذيب أخلاقه، فأمّا الذين كانت لهم قلوب يحبّون بها، وأعين يُبصرون بها، عرفوا واجبهم نحو أولادهم، فعاشوا في سلام آمنين. أما الذين قست قلوبهم فكانت كالحجارة، أو أشدّ قسوة على أولادهم تركوهم يهيمون في أودية الجهالة، ويتخبّطون عالةً على أي إنسان، ليس من يرعاهم، أو يقدر على رعايتهم حذر الرفس فهو كالأنعام هباء… أو كالجنون تخبّطًا ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ الزُمر: 9، إن الذين أخرجوا أولادكم من الظلمات إلى النّور هم قليلون جدًا، والّذين لعبوا، وتسلوا لأيام، يجب أن نهديهم إلى سواء السبيل، ونلزمُهم بتهذيب أولادهم ليكون لهذه الأمة شأن من قوة واحترام في المستقبل، أيها الآباء ما أولادكم إلّا أفلاذ أكبادكم، فما بالكم لا ترعون لها ذمة، ذمّة التعليم، ذمّة التربية والتهذيب… هل أنتم أموات، كلاّ، بل أحياء، ولكن لا تشعرون. أيّها الآباء إنّكم تستعملون كلّ ما يشرح صدور أبنائكم، وتتهافتون على البذل في ذلك السّبيل، سبيل انفراج الضّيق عن قلوبهم، فما بالكُم لا تجتهدون في توسيع أذهانهم، وتفريج ضيق الفكرة، والتأمل عنهم، تالله إنّ تهاونكم هذا كان، وسيكون ضربة لازمة على التكامل النّوعي… أيّها الآباء إنّكم تجمعون الدّراهم، وتدّخرونها لأبنائكم حرصًا على الرفاه، والغنى في الثّروة، فما بالكم تضنون عليهم بالمرابحة العقلية، أفلا تدلّونهم على تجارةٍ لن تبور، وكنزٌ لا يفنى، على العلم إذ هو مال العقل، وثروة الدّماغ المتحسس بمشاعر الحياة السّرمدية… أيّها الآباء ضللتم وأضللتم، فراقبوا الله في أولادكم، وعلّموهم لتُزيلوا عنهم ما أزهق نفوسهم من المشاق، فإن لم تفعلوا فتربّصوا عطب العداوة منهم وما هم بظالمين إن استعذوكم أملاً بالحق والراحة… إن قساوة الانتظار من حياة جديدة وإبقاء كريم يكون من وراء سعادة الاستقبال، وأما الحال والسلام على من ألقى السرور فهو حي “معاون التهذيبية”. وتأكيدًا على إيلاء التّعليم الأهميّة البالغة، ما جاء في جريدة طرابلس الشّام من إعلان للمدرسة العلميّة في محلة باب التّبانة، الواقعة في دار الحاج عبد الحميد الأفيوني، وهي مشتملة على ثلاثة صفوف مؤقتة لصنف الاحتياط ودروسه… القراءة، والكتابة، والحساب، والصنف الأول ودروسه دائرة بين القرآن الكريم، والكتابة، والإملاء، والحساب، وحسن الخط، والعلوم الدّينية، واللغة التركية، ومعلومات أخلاقية… والحساب، وحسن الخط، والتّاريخ، والجغرافيا، والمعلومات الفنّية، والمدنيّة، والصّحيّة، والأخلاقيّة([22]).

ونظرًا لأهمية المقالات التي كتبها الشّيخ حسين الجسر، فقد جمع البحيري منتخبات منها في كتاب باسم “رياض طرابلس الشّام” الذي ظهر العام 1312 هجرية الذي طبعه في مطبعة البلاغة ووعد قرّاءه بأن تتوالى نشرات منها عامًا بعد عام بغية إفادة القرّاء نظرًا إلى احتوائها موضوعات أدبية، وأخلاقية، واجتماعية، وسياسية، وغير ذلك([23]).

مواضيعها وفوائدها

– أطلعت القارئ على غرائب الحوادث الكونيّة، ووقائع كانت وخيمة العواقب على أصحابها، واطلاعها على سياسة الدّول في ممالكها ومجراها في تدبير شؤون رعاياها، فإن كان من رجال السياسة حظيَ بالضالة التي يُنشدها، وإن لم يكن منهم استفاد بقياس التّمثيل لسياسة عائلته، وتدبير منزلته.

– تناولت حيزًا واسعًا في مقالاتها حول المواضيع التّعليميّة إذ دعا محرّر الجريدة إلى ضرورة إنشاء مدارس صناعيّة يدويّة يتعلّم فيها أبناء الوطن وشبابه ما تقوم به المصانع اليدويّة للاغتناء بها عن المصنوعات الأجنبيّة.

– عالجت موضوع الانتخابات، إذ نبّه محرّر الجريدة إلى وجوب التّحري، والعناية، والاستقامة في انتخاب أعضاء المجالس البلدية وسواها من المحاكم النّظاميّة، وإيقاف القارئ على أحوال التّجارة، وشؤون الزراعة.

– زوّدت القارئ بالمسائل التّاريخيّة التي توسّع دائرة عقله، وبادلته أفكار متباعدي الدّيار.

– تمكين اليد وفتحها للمظلومين من رفع شكواهم إلى من ينصفهم، ومكافأة صاحب المساعدة، ومن ضمن تلك الأخبار ما ورد ذكره في الخبر التالي([24]): (من أخبار البوليس أنّ أحدهم ضرب شقيقته ضربًا مُبرّحًا، فدعت لمعالجتها حضرة الفاضل الدكتور مصطفى أفندي مختار طبيب بلدية الثغر، وكان الطبيب المذكور نائمًا في فراشه، ولم يكد يسمع بأن المضروبة من النّساء البائسات المعدمات حتى سعى إليها وعالجها… من دون أجرة المعاينة، فالشكر لطبيب البلدية همّته، وتلبية الضعفاء، ونرجو من الحكومة مجازاة أفندي بما يليق به).

– ترجمة حال أهل البلاد، ومعرفة درجة قدرتهم مادةً، وعلمًا، وأدبًا، على سبيل ذلك([25]):

أ – “عُيّن جناب أيوبي زاده([26]) رفعتلو محي الدين أفندي معاون مستنطق قضاء طبريا لمثلها في قضاء حيفا”.

ب – “جاءنا من مكاتبنا في المكسيك ثناء وافر على جناب الشاب النشيط الخواجة([27]) جرجس فرح من قرية عابا التّابعة لقضاء الكورة لما يجريه من حسن الأعمال، وجميل الأفعال مع أبناء، وطنه، وجلدته ما يشهد له بكمال المروءة، وشهامة النفس مقترن هذا الثناء بالرجاء على دوام السير على هذه الخطة المشكورة التي تكسبه حسن الثقة والذكر الجميل”.

– أظهرت كيفية استقبال الوجاهات، وكثرة استخدام عبارات التّرحيب، والتّبجيل بشكلٍ لافت، على سبيل المثال ما ورد في مقال بعنوان العود أحمد: “صدرت الإرادة الملوكانية مجيزة لحضرة العلّامة الفاضل، والجهبذ عمدة المحققين الأعلام ونخبة المدققين الفخام حلاّل المشكلات، وكشّاف المعضلات صاحب التآليف الشّريفة… مولانا وسيدنا الشيخ حسين أفندي([28]) الجسر بالعود إلى الأوطان لتستضيء بأنوار معارفه، وتتعطر بعرف عوارفه بعد أن قضى بضيافة مولانا وليّ النِّعم نحو الشهرين مغمور بالإحسانات حائزًا على كمال التلطفات، وبديع التعطفات محفوفًا بالمواهب السامية، والإنعامات الوافية، فعاد وبخدمة نجله السعيد مكرمتلو محمد أفندي تاركًا لوطنه في هاتيك الربوع العامرة… آثار تهتز لها أعطاف المفاخر، ويفوح شذا رباها العاطر، وما أشرقت شمس أمس الأحد إلا وأصبح عموم أهل الفيحاء (طرابلس) يترقبون قدوم الفابور الرّوسيّ المُقل لسيادته ترقب هلال شوال ابن ليلته، وما قابل الفابور الأسكلة حتى خف إليها العلماء، والفضلاء، والمأمورون، والأعيان، والوجهاء لشرف مقابلته، والحظوى بمشاهدته، وما ألقى مرساه إلا وسار لفيف من الزّوارق الحاملة أولئك الأفاضل تشق بهم عباب البحر لاستقباله على ظهر الباخرة فوصلوها بكمال المسرة والابتهاج وتلقاهم سيادته… وزوارق الملاقين تحيط به إحاطة الهالة بالقمر، والأكمام بالثمر حتى وصلوا إلى رصيف الأسكلة الغاص بجماهير الملاقين، وبطلوعه من الزورق أقبل هذا الجمع البهيج للسلام عليه، وتقبيل يديه، واغتنام صالح دعواته، واستمناح عاطر نفحاته… وبعد إيفاء مراسم السلام ركب عربة الترامواي… فلقي على المحطة العدد العديد من الأهالي على اختلاف طبقاتهم واقفين بانتظار قدومه الميمون فحياهم بأزكى التحيات فاقبلوا لتقبيل راحتيه فرادى وزرافات، وما وصل إلى منزله العامر حتى غص بجماهير المهنئين وكان حفظه الله تعالى يعطّر المجالس بشد شمائل مولانا الخليفة الأعظم… ويرتل آيات الدعاء… بتأبيد وتأييد عرش الخلافة العظمى، وسرير السلطنة الأسمى بطول حياة مولانا أمير المؤمنين، وخليفة رسول ربّ العالمين، والحاضرون يؤمنون على دعائه… سائلين له طول البقاء، ودوام الارتقاء([29]).

– شمولية الإعلانات الواردة في الجريدة على الكثير من التفاصيل والأخبار، على سبيل المثال:

أ- زيارة حضرة الرصين الفاضل محمد أفندي بارودي أحد صاحبي جريدة السيف الغرّاء لإدارة جريدة طرابلس الشّام([30]).

ب – إعلان لنجار موبيليا جاء فيه: “نُقل إلى المخازن المبنية حديثًا… حضرة الخواجة نقولا… المعروف بمهارته، وحسن ذوقه، واعتنائه بمصالح زبائنه الكرام، فعلى الراغبين… وهم كثيرون أن يشرّفوا محله الجديد فيروا ما يسرّهم، ويدعوهم إلى العودة ثانية”([31]).

ج – إعلان لدقتور (دكتور) شريف أحمد الحسنى (طبيب الكارنتينا)، جاء فيه: “أعلن للعموم أنني نقلت محل عيادتي إلى محلة النوري بدار المرحوم إسماعيل أفندي المغربي، تجاه الجامع الكبير. وأوقات المعاينة كل يوم بعد الظهر ما عدا يومي الجمعة والأحد، فمن أراد مراجعتي فليشرف ومن الله التوفيق”([32]).

د – أخبار محلية ومناسبات اجتماعيّة: مثلًا، شكر وامتنان من السيد عبد الله الأدهمي جاء فيه: “إنّني أقدّم امتنناني وشكري لكل من شاطرني الأسف، وعزائي في مصابي بوالدي المرحوم محمود نديم الأدهمي سواء كان ذلك في البرق، أو البريد ضارعًا إليه عز وجل… راجيًا أن تكون كلماتي هذه كجواب لهم جميعًا([33]).

ه – أخبار مفجعة: من متصرفية طرابلس الشّام: ورد تلغراف من الولاية بناءً على إشعار متصرفية جبل لبنان أن أمواج البحر قذفت لساحل قرية بغست جثة شخص مقطوع اليدين والرجلين، مكسور طاسة الرأس غائب الوجه، منتفخ البطن لم تُفهم هُويته للآن، والتحقيقات جارية لمعرفته، فإذا ظهر أن له أقارب وأهل عليهم أن يراجعوا الحكومة المحلية، ولذلك صار نشر هذا الإعلان في 19 كانون الأول سنة 1913([34]).

و – أخبار عن أعمال المجلس العمومي مثال: “التأم المجلس العمومي يوم الثلثاء (الثلاثاء) الماضي تحت رئاسة والي الولاية، ثم ترأسه محمد أفندي الجسر الرئيس الثاني فنظر في الأوراق الواردة إليه، وأهمها طلب جاء إليه بطلب امتياز بتمديد ترمواي كهربائي في طرابلس، وبتنوير البلدة، والأسكلة بالكهربائية، فأُحيل لشعبة النافعة لترى رأيها به. ثم تناقش في ميزانية المصارف… وثابر المجلس مجتمعًا إلى الغروب وختمت الجلسة”([35]).

– صوّرت لنا الإصلاح الإداري الذي أجراه العثمانيون خلال الحِقبة الأخيرة من حكمهم لطرابلس حيث نالت الحصة الكبرى منه، الأمر الذي مكّن الجهاز الإداري فيها من ممارسة أعماله بشكل كامل([36])، ما ساعده بالمعروف، والنّهي عن المنكر، وتقديم النّصائح، والقيام بالتحذيرات القانونية بحال عدم الالتزام، مثال ما جاء في هذا الإعلان: “جاءنا من قومسير البوليس في الثغر ما يأتي الحرف: كثير من الأولاد الذين عمرهم أقل من ثماني عشرة سنة عمال يتواجدون في القهاوي والخمامير… وبهذه الأسباب تفسد أخلاقهم… فيلزم على الأبهات (الآباء) من الآن أن ينهوا أولادهم… وإذا وجد أحد… يجازا (ويجازى) بأشد المجازاة في 24 كانون أول سنة 329ه. “قومسير بوليس طرابلس الشّام حليم فوزي”([37]).

– نشرت طرق الإصلاح: “إذا أراد القائمون بحركة الإصلاح أن ينالوا مطالبهم بدون… فليحضّوا حكومتهم أن تدرس المشروع درسًا يشترك فيه جميع المنورين، وبذلك يستريح الفريقان وينهضان بالأمة إلى اليفاع”([38]).

– أظهرت بعض العادات والتقاليد الاجتماعية، حيث كان للطبقيّة شأن وللألقاب مكانة لا يستطيع أحد أن يتعدى عليها، وهي تتعدّد بتعدّد درجاتها، فهناك لقب “فعتللو” للأفندي، “عزتللو” للبيك و”سعادتللو” للباشا([39])، وكانت هذه الألقاب تتقدم أسماء الشخصيات، والقامات المهمة آنذاك، مثال: العلم الفاضل حريري زاده فضيلتللو الشّيخ محمد أفندي، نقيب السّادات الأشراف، جناب الوجيه الماجد تمنعي زاده الحاج، حضرة عزتللو عبد الرحيم أفندي، حضرة رصيفنا الفاضل صاحب العزة، زند مدير ومحرر جريدة المحروسة، رفعتللو سعيد أفندي يوزباش العسكر السوارية المظفرة، وطنينا الأديب، فتوتللو رمضان آغا يوزباش زاده طرابلس شام، الخواجة، جناب أيوبي زاده رفعتلو([40])

– كوّنت فكرة عن تسعيرات تذاكر السّفر، ومدة ساعات السّفر بالقطار بحسب المناطق آنذاك، وأسماء المحطات، والعروضات المقدّمة من إدارة السكة الحجازية بالمناسبات، حيث ورد ما يلي: “… وقد عزمت هذه السّنة أيضًا على تنقيص الأجور،… إكرامًا ليوم مولد من غيّرت بسنّته وجهة الأرض… وحبًا براحة الزوار جعلت أوراق السّفر لمدة شهر تبتدي قبل ليلة المولد الشّريف بخمسة عشر يومًا أخرى، وكل ذلك ليحصل الزوار على الرّاحة، والرفاه في غدوهم، ورواحهم فلا تزدحم بهم الأقدام في القطارات… إلا بعد أن يكونوا قد حصلوا على شرف الجوار، ومشاهدة الأنوار… فإن تذاكر السفر تباع في “محطات حيفا، ودمشق الشّام، وسماخ، ودرعا، وعمان، والقطرانة، ومعان مدة عشرين يومًا”([41]).

– أعطت صورة عمّا يتقاضاه الملوك من خزائن دولِهم (فساد الحكّام)، حيث جاء في مقال بعنوان ما يربحه الملوك ما يلي: “للملوك رواتب يكافأون بها على أشغالهم، يقبضونها من خزائن دولهم، ومما لا شك فيه أن المال الذي يتسرب إلى تلك الخزائن، ومنها إلى جيوب الملوك ستقطر من عرق جبين الشعب… فقيصر روسيا يتقاضى سنويًا من خزينة الدّولة كراتب خصوصي قيمته 53 مليون و317 ألف فرنك ذهب بمعنى أنّ مدخوله في الدقيقة بلغ 303,075 فرنك ذهب،ـ ويأتي بعده ملك النمسا فرنسيس جوزف فإنّه يربح كراتب قيمة 132 فرنك في الدقيقة، ويجيء بعدهما ملك إيطاليا فكتور عمانويل، فإن قيمة ما يربحه تبلغ 8433 فرنك في الدقيقة، أما إمبراطور ألمانيا غليوم الثاني فإنه يربح في كل دقيقة 66 مارك فقط، ويربح ملك إنكلترا 57 فرنك في الدقيقة، أما ملك سويسرا فإنه لا يربح أكثر من 33 فرنك، وملك ناروج (النرويج) 34 في الدقيقة… أما ما تربحه ملكة هولندا فإنّ مدخولها في الدقيقة 19 فرنك فقط، وهذه القيمة قليلة جدًا بالأحرى لا تكفي لدفع ثمن ثيابها المصنوعة (آخر موضة)، ولذلك نجد بأنّها أفقر ملوك أوروبا. أما رئيس جمهورية فرنسا فإنه يربح ماية ألف فرنك في الشهر أي كناية عن 6095 في الدقيقة، ولكن هذه القيمة لا تكفي المسيو بوانكاره نظرًا إلى شدة كرمه، ويؤكد بعض الواقفين على حقيقته أنه يُسدّد جزءًا من جيبه الخاص.

أما ملوك البلقان فإنهم كمبتدئين جدد لا يربحون أكثر من ستة فرنكات في الدقيقة ما عدا ملك سربيا فإنه يربح خمسة فرنكات ونصف فقط، وكان بودّنا أن ننشر ما يربحه سلطان تركيا، ولكنا بعد التدقيق والبحث رأينا بأنه لا يتقاضى راتبًا مخصوصًا لأن خزينة الدولة مفتوحة بوجهه يستطيع أن يتناول منها ما شاء، وبأي وقت أراد. ونظن أنّه على الرغم من فقر تركيا فالقيمة التي يتناولها كل شهر تفوق ما يتناوله قيصر روسيا، ولولا ذلك لما استطاع عبد الحميد من القيام بمصارفات نسائه، وكلابه، وجِماله، وطيوره إلخ إلخ. ثم يجمع تلك الثروة الطائلة حتى يصبح من أغنى ملوك أوروبا”([42]).

– حفلت صفحاتها بالمواضيع الوطنية لبيان أهمية محبة الوطن وفضله، والحثّ على صيانة مسقط الرأس.

– أدركت أهمية العلم، والثقافة في رفع مستوى الشعوب، فلم يعدم محرّرها أي واسطة خير إلا وحثّ الناس على التزوّد من ينابيعها، فدعا الطرابلسيين إلى ضرورة الإسراع لإنشاء المكتبات لأهميتها في نشر العلم.

أما الغاية من ثمرات الجرائد كما يذكر الشيخ حسين الجسر: “فهي من أخصّ اللوازم للجرائد أن يكون أربابها ذوي معرفة، وأمانة، وعقل، ورزانة، فبمعارفهم ينيرون الأفكار، وبأماناتهم ينصحون أهل الديار، فعلى الفطن، واللبيب، والحاذق الأريب أن لا يدع مطالعة الجرائد المستقيمة فيحرم نفسه تلك الفوائد”([43]).

الخاتمة

لا شك أن الخوض في غمار هذه المواضيع يظهر أهمّيّة المستوى الفكري الذي ارتقى إليه بعض أبنائها المثقفين الذين خاضوا تجربة إنشاء الصّحافة، ودأبوا جهدهم لإظهار أهمية دورها الذي بدأت ملامحه تظهر في مدن الشّرق العربيّ أواخر القرن التّاسع عشر وبداية القرن العشرين، كل ذلك شكّل قفزة نوعية ساهمت في عملية التحوّل البطيء الذي عاشته مدينة طرابلس، والتي كانت المرفأ الأول تقريبًا في الحوض الشّرقي للبحر الأبيض المتوسط، وقد كان لها دور المساهمة الفعالة في التجارة مع الغرب([44])، حيث كان لواء طرابلس يضم أربعة أقضية هي: عكار، صافيتا، المركز طرابلس الشّام، وحصن الأكراد. بالإضافة إلى ستة نواحٍ هي: الأسكلة (الميناء)، طرطوس، أرواد، وجرود المنية، والضنية، هذه الأقضية، والنواحي عدّت تقسيمات اللواء الرسمية([45])، أما بيروت فازدادت أهميتها لأنها ألحقت بالولايات العثمانية تحت اسم ولاية بيروت([46]) فاتسعت مساحتها بعد أن ربطت بها ولايات طرابلس، وبيروت، وعكا، ونابلس، وملحقاتها وغيرها من الألوية([47]).

وهكذا يمكن عدّ التّجربة الصحفيّة التي كان من روادها محمد كامل البحيري، والشّيخ سامي صادق، ولطف الله خلاط، وغيرهم باكورة عمل رائد أغنى الحياة الفكرية للمدينة ووضعها على عتبة تحوّل نوعي، امتدّت آفاقه لتشمل نواحي الحياة المتعدّدة: الدّينيّة، والثّقافيّة، والاقتصاديّة، والوطنيّة للمدينة، التي أطلقت العنان للعديد من المقالات الصحفيّة التي قام بها بعض أبنائها، وذلك بولادة العديد من الصحف فيها طيلة النّصف الأول من القرن العشرين، أمّا عن دورها وتأثيرها في نقل أحداث الدّولة العثمانية، فعلى الرّغم من تأييدها، لم يمنع ذلك من توجيه بعض الانتقادات لها لتستعيد نهوضها، حيث لم تخلُ أغلب صفحاتها من أخبار السياسة العثمانية، لكن من دون التعمّق بها بحكم المراقبة، ويظهر أنها منحت حقوقها للكتّاب، وأكثرهم كان ينتهج في مقالاته زخرف الكلام، والتأنق في الإنشاء، واختيار الألفاظ.

وتأكيدًا على ذلك ما جاء في كتاب “ولاية بيروت” انتقادًا لهذه الجرائد: “هذا وإن كان أكثر الجرائد الموقوتة التي تنشر في طرابلس، بعيدة عن المزية (المزايا) النشرية التي يمكن التعبير عنها – كما يقول الصحافيون – وعاملة لغاية التجارة التي يجب أن تكون من الدرجة الثانية، مع الإغماض (الإغفال) عن الغاية الأساسية في الصّحافة، ولكن لا يسوغ لنا أن نطالب طفل الطباعة الحديث بهذا الكمال الذي يشترط فيه مرور الأيام الطوال. ولا بد من هكذا أدوار ابتدائية يمر عليها الطفل بحياته، في أي محل كان. وعليه فإن طرابلس معذورة على هذا النقص”([48]).

ومن الانتقادات أيضًا([49]): “أنّ قِلّة النّسخ التي تُطبع تدل على هذه الحقيقة، ولهذا يكون من الضّروري على طرابلس في المستقبل أن تلتزم القناعة في هذه المهنة، وتمشي فيه بخطوات أمينة ونافعة”.

وعلى الرغم من كل القيود، فقد بزغت الجرائد في سماء طرابلس، ونشرت الأفكار الجديدة بكل ما أوتيت من دعم، كجريدة شمس الاتحاد، مديرها المسؤول عبد الرحمن عز الدين، محل إدارتها سوق البازركان، وكانت توزّع مجانًا، وهي يومية يحررها نخبة من الكتّاب([50])، وجريدة الحوادث التي أنشأت في 24 تشرين الثاني سنة 1911م، مديرها المسؤول لطف بك خلاط، رئيس تحريرها ع. أ. كساب، وهي جريدة سياسية أخبارية أدبية([51])، إضافة إلى جريدة الرقيب التي كانت أدبية، سياسية، أخبارية، اجتماعية، أصحاب امتيازها شركة مساهمة قوامها: إميل ناصيف وإخوانه، ميشال إبراهيم داود، يوسف الفاخوري، إلياس طربيه، مديرها المسؤول إلياس طربيه، ورئيس تحريرها يوسف الفاخوري([52])، والكثير الكثير غيرهم.

قائمة المصادر والمراجع

وثائق غير منشورة

1 – وثيقة عثمانية  Y.PRK.DH.1\42,Tarih: 03\M\1299(Hicri), 25 Novembre 1881.

2 – جريدة طرابلس الشام، 13 آذار 1893م.

3 – جريدة طرابلس الشام، العدد 81، 15 تشرين الاول سنة 1894م.

4 – جريدة شمس الاتحاد، العدد الأول، 28 تموز سنة 1910م .

5 – جريدة الحوادث، 7 كانون الأول سنة 1911م، السنة الأولى.

6 – جريدة طرابلس الشام، السبت في 30 كانون الأول سنة 1913م.

7 – جريدة طرابلس الشام، العدد 1246، الأربعاء، 7 كانون الثاني سنة 1914م.

8 – جريدة الرقيب، الأربعاء في 23 حزيران 1920م.

المراجع باللغة العربية

1 – الأبيض أنيس: علماء ومدارس طرابلس خلال القرن التاسع عشر، سلسلة محاضرات نظمتها جمعية مكارم الأخلاق الإسلامية، مطابع المكمل، طرابلس، 2006م.

2 – باموك شوكت: لتاريخ المالي للدولة العثمانية، تعريب د. عبد اللطيف الحارس، دار المدار الاسلامي 2005م، الطبعة الأولى.

3 – البحيري كامل: رياض طرابلس الشام، الجزء الثالث، مطبعة البلاغة في طرابلس الشام، سنة 1313 هجرية.

4 – بهجت محمد والتميمي رفيق: ولاية بيروت، دار لحد خاطر، بيروت 2 نيسان 1979، ص: 228.

5 – حسين حسن الدهيبي: الدور السياسي للعلماء والأعيان وشيوخ الحرف في مدينة طرابلس الشام (1840 – 1914)، أطروحة أعدت لنيل شهادة الدكتوراه، جامعة بيروت العربية، 2016.

6 – حلاق حسان: بيروت المحروسة في العهد العثماني، الدار الجامعية، بيروت 1987.

7 – الحكيم يوسف: سورية والعهد العثماني، المطبعة الكاثوليكية – بيروت، 1966، الطبعة الأولى.

8 – خليفة عصام: الديمغرافية التاريخية لطرابلس في القرن السادس عشر، المؤتمر الأول لتاريخ ولاية طرابلس إبّان الحِقبة العثمانية 1516 هـ – 1918م.

9 – دي طرزي فيليب: تاريخ الصحافة العربية، المطبعة الأدبية، بيروت 1913 ج 1.

10 – الصمد قاسم: مقاربات نقدية في تاريخ لبنان الحديث، قراءة في الوثائق العثمانية والفرنسية، دار سائر المشرق للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى 2016م.

11 – معاليقي منذر: معالم الفكر العربي في عصر النهضة العربية.

المراجع باللغة الأجنبية:

1 – Abdel – Nour,Antoine: Introduction a l’histoire urbaine de la Syrie ottoman (XVI – XVIII e siècle), Pub. De l’Universite libanaise, Beyrouth, 1982, P 30.

 2 – Cemal Kafadar, “when Coins Turned into Drops of Dew and Bankers Became Robbers of Shadows; the Boundaries of Ottoman Economic Imagination at the Sixteenth Century“, PhD thesis, McGill University (1986), 86.

3 – Cornell H. Fleischer, Bureaucrat and Intellectual in the Ottman Empire, the Historian Ali (1541 – 1600) (Princeton University Press, 1986), 279.

4 –  Ismail (ADEL): Documents diplomatiques et consulaires relatives a L’histoire du Liban et de pays du proche orient du 13”eme siècle a nos jours – 12 t, p: 210 – 212.

5 – Martine (Segalen): “Sosiologie de la famille“ Armand Collin (COLLECTION U) Paris 1981,p 83

المقابلات الشخصية:

1 – مقابلة مع الدكتور أنيس الأبيض، بتاريخ 16 آب 2019م.

2 – مقابلة مع الدكتور خالد الجندي، بتاريخ 20 تموز 2020م.

 

1- طالبة دكتوراه في المعهد العالي للدكتوراه – الجامعة اللبنانية- قسم التّاريخ الحديث والمعاصر.

 

الهوامش

منذر معاليقي: معالم الفكر العربي في عصر النهضة العربيّة، ص: 141 -1

– فيليب دي طرزي: تاريخ الصّحافة العربيّة، المطبعة الأدبية، بيروت 1913م، ج 1 ، ص: 102.[2]

-[3] مقابلة مع الدكتور خالد الجندي، بتاريخ 20 تموز 2020م.

[4] – رفيق التميمي ومحمد بهجت، ولاية بيروت، دار لحد خاطر، بيروت 2 نيسان 1979م، ص: 229.

-[5] مقابلة مع الدكتور أنيس الأبيض، بتاريخ 16 تموز 2019م.

[6] – جريدة طرابلس الشّام، العدد 1246، الأربعاء، 7 كانون الثاني سنة 1914م.

[7] -جريدة طرابلس الشّام، 15 تشرين الأول سنة 1894م، العدد 81.

8– كان السلطان عبد الحميد الثاني أكثر سلاطين آل عثمان اهتمامًا بالصلات بين الحكومة والشعب. وكان أحد كبار المقربين إلى جلالته، الشيخ أبو الهدى أفندي الصيادي، في مقدمة العاملين في هذا السبيل، حيث توثّقت صلاته بعلماء طرابلس، وفي طليعتهم الشيخ علي العمري، ومن أبرز أصدقائه، أحمد أفندي إسماعيل، كبير آل المقدّم، ومصطفى باشا الأنجا، وعبد اللطيف باشا الصوفي، المعدود من أفاضل متصرفية الألوية علمًا وخبرة، وتهذيبًا عاليًا مع حسن إدارة، ونزاهة.

9– يوسف الحكيم، سورية والعهد العثماني، المطبعة الكاثوليكية – بيروت، 1966م، الطبعة الأولى، ص: 230.

10– جريدة طرابلس الشّام، العدد 81، الموافق ليوم الإثنين في 15 ربيع الثاني سنة 1312 هجرية، الموافق 3 تشرين الأول سنة 1310 مالية و3 و15 تشرين الأول سنة 1894 ميلادية.

11- شوكت باموك: التّاريخ المالي للدولة العثمانية، تعريب د. عبد اللطيف الحارس، دار المدار الإسلامي 2005م، الطبعة الأولى، ص: 47.

12– Cemal Kafadar, “when Coins Turned into Drops of Dew and Bankers Became Robbers of Shadows; the Boundaries of Ottoman Economic Imagination at the Sixteenth Century“, PhD thesis, McGill University (1986), 86.

Et: Cornell H. Fleischer, Bureaucrat and Intellectual in the Ottman Empire, the Historian Ali (1541 – 1600) (Princeton University Press, 1986), 279.

– يوسف الحكيم، سوريا والعهد العثماني، ذكريات الحكيم (1)، المطبعة الكاثثوليكية – بيروت، 1966م، ص 269.[13]

– يوسف الحكيم، المصدر نفسه، ص 269.[14]

[15] – وثيقة عثمانية  Y.PRK.DH.1\42,Tarih: 03\M\1299(Hicri), 25 Novembre 1881.من محفوظات الدكتور خالد الجندي.

[16] – رفيق التميمي ومحمد بهجت، ولاية بيروت، دار لحد خاطر، بيروت 2 نيسان 1979م، ص: 229.

[17] – المرجع نفسه، ص: 225.

[18] – أنيس الأبيض، علماء ومدارس طرابلس خلال القرن التاسع عشر، سلسلة محاضرات نظمتها جمعية مكارم الأخلاق الإسلامية، مطابع المكمل، طرابلس، 2006م، ص: 28.

[19] -جريدة طرابلس الشّام، 13 آذار 1893م.

[20] – جريدة طرابلس الشّام، العدد نفسه.

21 -جريدة طرابلس الشّام، العدد الموافق ليوم السبت في 15 محرم سنة 1322 هجرية، 30 تشرين الثاني سنة 1329، 30 كانون أول سنة 1913م، الصفحة الأولى من العدد، بقلم معاون التهذيبية ع.م.

– جريدة طرابلس الشّام: العدد 1241، السنة الثانية والعشرون، 1913م، ص: 2.[22]

[23] – رياض طرابلس الشّام، الجزء الثالث، مطبعة البلاغة في طرابلس الشّام، سنة 1313 هجرية.

– جريدة طرابلس الشّام، السبت في 30 كانون الأول سنة 1913 م.[24]

– جريدة طرابلس الشّام، السبت في 30 كانون الأول سنة 1913م.[25]

[26] – زاده: لقب فارسي معناه ما يقابله في التركية أوغلو. تدل استعمالاته في سجلات المحكمة الشرعية على أنه خاص بالقائمقام، أو المفتي، أو كبار الموظفين، والوجهاء، والملتزمين بحسب ما ورد في كتاب الدكتور قاسم الصمد: مقاربات نقدية في تاريخ لبنان الحديث، قراءة في الوثائق العثمانية والفرنسية، دار سائر المشرق للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى 2016م، ص: 109.

[27] – خواجة: سيد، وخواجكي: تاجر، لقب خصّ به كبار التجار والأعيان المسيحيين للتشريف، بحسب ما جاء في كتاب قاسم الصمد، المرجع نفسه، ص: 109.

[28] – أفندي: مولى، سيد، استعمل في العهد العثماني بين طبقة المثقفين للتشريف، كما اتصل بأصحاب المناصب المُهِمّة من مشايخ، ومفتين، وخلافهم، بحسب ما جاء في كتاب قاسم الصمد، المرجع نفسه.

[29] – جريدة طرابلس الشّام، 15 تشرين الأول سنة 1894 م، العدد 81.

– جريدة طرابلس الشّام، العدد 1246، الأربعاء، 7 كانون الثاني سنة 1914م.[30]

– جريدة طرابلس الشّام العدد نفسه.[31]

– جريدة طرابلس الشّام العدد نفسه.[32]

[33] – جريدة طرابلس الشّام، السبت 30 كانون الأول سنة 1913م.

[34] -جريدة طرابلس الشّام، العدد نفسه.

-[35] جريدة طرابلس الشّام، السبت 30 كانون الأول سنة 1913م.

[36] Martine (Segalen): “Sosiologie de la famille“ Armand Collin (COLLECTION U) Paris 1981,p 83.

[37] – جريدة طرابلس الشّام، العدد 1246، الأربعاء، 7 كانون الثاني سنة 1914م.

[38] – جريدة طرابلس الشّام، العدد نفسه.

[39] – عصام خليفة، الديمغرافية التاريخيّة لطرابلس في القرن السادس عشر، المؤتمر الأول لتاريخ ولاية طرابلس إبّان الحقبة العثمانية 1516 – 1918م، ص: 270.

[40] – جريدة طرابلس الشّام، السبت 30 كانون الأول سنة 1913م.

[41] – جريدة طرابلس الشّام، العدد 1246، الأربعاء، 7 كانون الثاني سنة 1914م.

[42] – جريدة طرابلس الشّام، السبت 30 كانون الأول سنة 1913م.

[43] – جريدة طرابلس الشّام، العدد نفسه.

[44] -Abdel – Nour,Antoine: Introduction a l’histoire urbaine de la Syrie ottoman (XVI – XVIII e siècle), Pub. De l’Universite libanaise, Beyrouth, 1982, P 30.

-[45] حسان حلاق: بيروت المحروسة في العهد العثماني، الدار الجامعية، بيروت 1987، ص: 5.

[46] – حيسن حسن الدهيبي: الدور السياسي للعلماء والأعيان وشيوخ الحرف في مدينة طرابلس الشّام (1840 – 1914م)، أطروحة أعدت لنيل شهادة الدكتوراه، جامعة بيروت العربيّة، 2016م.

[47] – Ismail (ADEL): Documents diplomatiques et consulaires relatives a L’histoire du Liban et de pays du proche orient du 13”eme siècle a nos jours – 12 t, p:210 – 212.

[48] – رفيق التميمي ومحمد بهجت، ولاية بيروت، دار لحد خاطر، بيروت 2 نيسان 1979م، ص: 228.

[49] – المرجع نفسه، ص: 229.

[50] – جريدة شمس الاتحاد، 28 تموز سنة 1910م، السنة الأولى، العدد الأول، محفوظات قصر نوفل، طرابلس – لبنان.

[51] – جريدة الحوادث، 7 كانون الأول سنة 1911م، السنة الأولى، محفوظات قصر نوفل، طرابلس – لبنان.

[52] – جريدة الرقيب، الأربعاء في 23 حزيران 1920م، محفوظات قصر نوفل، طرابلس – لبنان.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.