مستوى الإبداع الإداريّ لدى مديري المدارس من وجهة نظر المعلّمين والمعلّمات العاملين فيها

0

مستوى الإبداع الإداريّ لدى مديري المدارس من وجهة نظر المعلّمين والمعلّمات العاملين فيها

(عيّنة من مدارس مدينة طرابلس – شمال لبنان)

سوزان زمّار([1])

تهدف هذه الدراسة إلى تعرّف مستوى الإبداع الإداري لدى عيّنة من مديري مدارس مدينة طرابلس في شمال لبنان وذلك من وجهة نظر المعلّمين والمعلّمات العاملين فيها. تكونت عيّنة الدراسة من (317) معلّم ومعلّمة تم اختيارها بالطريقة العشوائية، وشكّلت ما نسبته  14%من مجتمع الدراسة الكلّيّ. وقد تمّ استخدام الاستبانة كأداة لجمع المعلومات حيث تكوّنت من قسمين: القسم الأول: يشمل البيانات الشخصيّة، والأكاديميّة، والمهنيّة للمعلّم أي المؤهّل العلمي، والخبرة المهنيّة والجنس، والقسم الثاني: يشمل محاور الاستمارة التي تتكوّن من 32 فقرة موزعة على أربعة مجالات (الطلاقة، المرونة، الأصالة، الحساسيّة للمشكلات) بعد التأكد من صدقها وثباتها.

بيّنت نتائج الدراسة أن مستوى الإبداع الإداري لدى مديري مدارس مدينة طرابلس بحسب وجهات نظر المعلّمين والمعلّمات العاملين فيها، وللمجالات العديدة، قد جاء بدرجة تقدير كبيرة، حيث حلَّ مجال المرونة بالمرتبة الأولى، تلاه مجال الحساسيّة للمشكلات بالمرتبة الثانية، ومجال الأصالة بالمرتبة الثالثة، ومجال الطلاقة بالمرتبة الرابعة والأخيرة.

كما أظهرت نتائج الدراسة أنّ مديري المدارس في مدينة طرابلس يتمتّعون بالمرونة والعمل بروح الفريق مع المعلّمين في تعاملهم مع المواقف، والمشكلات التي تعترض مسيرة العمل التربوي، كما أظهرت النتائج أنهم يستخدمون تكنولوجيا المعلومات بكفاءة وفاعلية عالية في إدارتهم المدرسيّة. وفي ضوء هذه النتائج توصي الباحثة بضرورة التنمية الإداريّة المستمرة للقيادات التربويّة في البيئة المدرسيّة، وذلك بإقامة دورات، وورش عمل تحثّ على ممارسة الإبداع بأساليبه المتعدّدة، وتهيئة الظروف المادّيّة، والمعنويّة المساعدة على ممارسة الإبداع بفاعلية.

الكلمات المفتاحية: الإبداع، الإبداع الإداري

المقدمة

يعدّ الإبداع من أهم مقومات المؤسّسات الناجحة، والمتميّزة في أدائها وإنجازها التي تسعى إلى إحداث نقلة نوعيّة وتغييرات جوهرية في أساليب عملها الإدارية، ودعم الأفراد العاملين فيها، وتشجيع السلوك الإبداعي لديهم، بحيث تصبح ذات كفاءة وفاعلية أعلى. والإبداع نوع من التغيير والتجديد في أسلوب العمل، واستخدامه لطرق، وتقنيات تواكب متطلبات البيئة والعصر الحديث،  بحيث تسعى إلى تلبية حاجات المجتمع المتجدّدة. وقد تعدّدت وتنوّعت تعريفات الإبداع، فقد عرّفه (المهيري، 2003) أنه مزيج من الخيال العلمي المرن لتطوير فكرة قديمة، أو إيجاد فكرة جديدة ينتج عنها إنتاج متميز غير مألوف يمكن تطبيقه، واستعماله، والاستفادة منه، في حين يراه جيلفورد (Guilford, 1986) أنه مجموعة من السمات الاستعداديّة التي  تتضمّن الطلاقة في التفكير، والمرونة، والأصالة، والحساسية للمشكلات، وإعادة تعريف المشكلة، وإيضاحها بالتفصيل. أما الإبداع الإداري فقد عبّر عنه (جروان، 2002) أنه مزيج من القدرات، والاستعدادات، والخصائص الشخصيّة التي إذا ما وجدت بيئة إداريّة مناسبة، يمكن أن ترقى بالعمليات العقليّة لتؤدّي إلى نتاجات أصيلة ومفيدة سواء بالنسبة إلى خبرات الفرد السابقة، أو خبرات المؤسّسة، أو المجتمع، أو العالم. ويمكن تعريفه أنه عملية تسعى إلى إحداث نقلة مميّزة على مستوى التنظيم من خلال توليد مجموعة من الأفكار الخلاقة والابتكارية، وتنفيذها من قِبل أفراد العمل ومجموعاته، ما ينعكس أثرها إيجابًا على تطوير المؤسّسة، أو المنظمة (العنزي، 2008).

  • أهمية الدراسة

تكمن أهمية الدراسة فيما يأتي:

– تعدّ هذه الدراسة في حدود علم الباحثة من الدراسات الأولى على المستوى المحلّيّ التي تناولت موضوع الإبداع الإداري لدى مديري المدارس من وجهة نظر معلّميهم، وتحديدًا في مدينة طرابلس، إذ إنّها قد تشكل نقطة انطلاق نحو دراسات محلّيّة أخرى في مدن أخرى من لبنان، ومقارنتها بالدراسة الحالية.

– يتوقّع أن تقدّم هذه الدراسة معلومات على قدر من الأهمّيّة للقادة التربويّين، فيما يتعلق بالسمات الإبداعية المتوفّرة لدى مديري المدارس التابعة لمديرية التربية والتعليم، وبالتالي، العمل على تحسين الواقع المفروض عبر تخطيط البرامج الملائمة وتصميمها، أو تعزيز الواقع وتحفيزه نحو الأفضل.

2 أهداف الدراسة

نظرًا إلى أهمّيّة الدور الذي تؤدّيه الإدارة المدرسية في تلبية متطلبات العمليّة التعليميّة وتحقيق أهدافها، وما يقوم به مدير المدرسة من دور مهمّ كقائد تربوي مبدع في سبيل تحقيق هذه الغاية، فقد هدفت هذه الدراسة إلى تعرّف  مستوى هذا الدور الذي يقوم به مديرو المدارس ومديراتها، في مدينة طرابلس، التي تتميّز بنسبة عالية من المتعلّمين وحملة الشهادات الجامعيّة بدرجاتها المتنوّعة.

  • إشكاليّة الدراسة

    إنّ  تميّز مدينة طرابلس بنسبة عالية من المتعلّمين وحملة الشهادات الجامعيّة بدرجاتها العديدة، يدلّ على ما تقدّمه مدارسها من مخرجات تعليميّة كمًا ونوعًا، ما يرفد مؤسّسات التعليم العالي في التخصّصات العلميّة والأدبيّة والفنيّة والرياضيّة المتعدّدة. وبناءً على ذلك تتمحور إشكاليّة هذه الدراسة حول دور المدير والإدارة المدرسيّة في تفعيل انتاجيَة المؤسَسة التعليميَة الذي لا يقتصر على إدخال الأدوات والتقنيات المتطوّرة فحسب، بل يشتمل على إحداث تغييرات فعليَّة في الخرائط الذهنيَّة للعاملين، والمتعلّمين، وفي توجُّهاتهم وسلوكهم. ويتجلّى ذلك في تحقيق أهداف النظام التعليمي، وتوثيق الروابط بين الإدارة والمعلِّمين وخلق أجيال مثقَّفة ذات فكر علميّ، ومبدع، تمهيدًا لإعداد ثروة الوطن، ورأس ماله البشري من أجل تولّي المسؤولية في المؤسّسات والقطاعات عدّة.

  • أسئلة الدراسة

تسعى هذه الدراسة للإجابة عن الأسئلة الآتية:

  1. ما مستوى الإبداع الإداري لدى مديري مدارس مدينة طرابلس من وجهة نظر المعلّمين والمعلّمات العاملين فيها؟
  2. هل هناك فروق ذات دلالة إحصائيّة بين متوسّطات استجابات أفراد العيّنة حول مستوى الإبداع الإداري لدى مديري مدارس مدينة طرابلس تعزى لمتغيّر الجنس والمؤهل العلمي والخبرة؟
  • مصطلحات الدراسة
  • الإبداع: يعني الإيجاد، أو الخلق، أو التكوين، أو الابتكار. (إبراهيم أنيس وآخرون، 1981).

والمبدع هو المتّسم بالإبداع، والخلق لا بالمحاكاة، والتقليد. (مصطفى، 1989).

وتعرفّه الباحثة إجرائيًّا أنه المبادأة التي يبديها الفرد في التّخلص من نمط التفكير العادي، والانتقال إلى نمط جديد في التفكير، فالشخص المبدع هو الشخص الذي يبحث، ويكتشف، ويكون لديه حبّ الاستطلاع، والاكتشاف، وتفضيل المَهَمّات الصعبة والقدرة على التحليل، والتركيب، وإنتاج عمل جديد، يرضي جماعة ما، وتقبله على أنه مفيد.

ب-  الإبداع الإداري: مجموعة من السمات والقدرات العقليّة التي يتمتع بها مدير المدرسة، ويحرص على استغلالها في تطوير العمليّة التربويّة بما يحقّق أهداف المؤسّسة التعليميّة بكفاءة وفاعلية، وتتمثّل هذه السمات بالطلاقة في التفكير، والمرونة، والأصالة، والحساسيّة للمشكلات.

ج- مستوى الإبداع الإداري: مقدار الممارسات والعمليات التي يقوم بها مدير المدرسة التي تفضي إلى إيجاد طرق وأساليب أكثر كفاءة وفاعلية في إنجاز أهداف المؤسّسة التعليمية، وذلك من خلال إجابة أفراد عيّنة الدراسة على أداة الدراسة.

دمدير المدرسة: عرّفه عبدو (2000) أنه: “قائد تربوي يتّصف بخصائص ومهارات تتطلبها منه طبيعة الأدوار التي يتوقّع منه ممارستها في إدارته للمدرسة لبلوغ أهدافها المنشودة في أجواء من الأمن والأرتياح” (عبدو، 2000).

وتعرّفه الباحثة إجرائيًّا أنّه الشخص الذي يقوم بالأعمال الإداريّة والفنّيّة في مدرسته، بغرض تطوير معلّميه، ورفع مستوى المتعلّمين وإحاطة موظّفيه بجوّ من الدعم النفسي وحثّهم على كلّ جديد أصيل، وذلك من خلال استثمار الموارد الماديّّة والبشريّة وحسن تنظيمها.

الإطار النظريّ

  1. ماهية الإبداع

     الإبداع اصطلاحًا: هو مزيج من القدرات، والاستعدادات، والخصائص الشخصيّة، التي إذا وُجدت في بيئة مناسبة، يمكن أن ترقى بالعمليات العقليّة لتؤدي إلى نتائج أصليّة، ومفيدة للفرد، أو الشركة، أو المجتمع، أو العامل (خيرالله، 2009).

وفُسّر الإبداع في القرن الثامن عشر على أنّه القدرة الخارقة الغريزيّة الفطريّة التي تشمل الخيال القادر على التوفيق بين الأفكار، والقيم الجمالية. وفي القرن التاسع عشر رُبط الإبداع بالجنون، والخروج عن المألوف، والفوضى الفكرية الخلّاقة. أما التعريف المتّفق عليه اليوم فهو يركّز على عناصر فرديّة، وعوامل خارجيّة محيطة بالمبدع تعطيه القدرة على إنتاج جوانب جديدة، أو حلّ رائد غير معروف سابقًا لمسائل، أو أحجية ينتج عنها تغيير جذري، دون الإخلال بالضوابط الموجودة  (Patillon, 2014). وقد ورد للفظ الإبداع تعريفات جمّة لا تحصى، إلا أنّها كلّها تصبّ في منحًى واحد ألا وهو الجدَّة والخروج عن المألوف. وفي معجم المصطلحات الإدارية يتمثل الإبداع في مقدرة الإنسان على إعادة صيغة خبراته السابقة للوصول إلى تصورات مستقبليّة حديثة (جروان، 2002). هذا ناهيك عن التعريفات التي لا تحصى والتي قدم لها علماء النفس المعاصرون، والتي تباينت من حيث اعتمادها على السمات الشخصيّة، أو إنتاج الشخص، أو العمليّة الإبداعيّة، أو البيئة المبدعة، أو من حيث العمليات العقليّة المكوّنة لهذه القدرة. وبناءً على هذه التعريفات، وبعد الاطِّلاع على كمٍّ كبير من الكتب التي تناولت الإبداع، كان لنا تعريف عن الإبداع، وهو التفكير المثمر الذي يتمخّض عن جديد ذي قيمة في ظل استعدادات شخصيّة وبيئيّة غنية. فمحور الإبداع هو التفكير، ولكن ليس أي تفكير، وإنّما التفكير المثمر الذي ينتج عنه ناتج ابتكاري يتّصف بصفتين أساسيتين ألا وهما الجديّة والمنفعة.

وفي الخلاصة، تكمن العوامل المساعدة والدافعة إلى الإبداع أولًا في شخصية الفرد واستعداداته من ذكاء، وقدرات، وراثية، أو مكتسبة، وثانيًا في البيئة الغنية بمؤثّراتها، ومحفّزاتها بما في ذلك الأسرة، والمدرسة، والمجتمع…

  1. مكوّنات الإبداع

يرتكز الإبداع على عدد من المكوّنات الأساسيّة اتفق عليها علماء النفس ومنها: الطلاقة، المرونة، الأصالة والحساسيّة للمشكلات.

1.2 الطلاقة(Fluency) : “تمثل قدرة الشخص على “إنتاج كمية كبيرة من الأفكار تفوق المتوسّط العام في غضون فترة زمنية محددة” (السويدان، 2002)، وإنتاج “أكبر عدد ممكن من الفقرات، أو الاستجابات البديلة من المعلومات المختزنة في الذاكرة، أو الحلول للأسئلة، أو المشكلات مفتوحة النهايات” (الزيات، 2002)، ويمكن التعبير عن تلك القدرة من خلال عوامل عدة، هي:

  • الطلاقة اللفظيّة Word fluency: التي تعني إنتاج أكبر عدد من الألفاظ أو الكلمات التي تتوافر فيها شروط معيّنة.
  • طلاقة التداعيAssociational fluency: وقد تسمّى أحيانًا الطلاقة الترابطيّة، وهي تعني سرعة إنتاج عدد من الكلمات ذات خصائص وعلاقات محدّدة في المعنى.

ج- الطلاقة الفكريّةIdeational fluency : وهي القدرة على توليد عدد وفير من الأفكار، بغضّ النظر عن نوعية هذه الأفكار.

د- الطلاقة التعبيريّة :Expressional fluency وهي القدرة على التعبير عن الأفكار بسهولة من خلال صياغتها في كلمات وعبارات مفيدة (السويدان، 2002).

2.2 المرونة(Flexibility) : هي التنوع في الأفكار، وعدم الجمود أمام ذهنية واحدة، أو أسلوب ثابت لإيجاد الحلول، فلا بدّ من التغيير، والتجديد، والتطوير، وتقبّل الأفكار المتباينة. وهي قدرة الفرد على التبديل المستمر للأفكار، وعدم النمطية في أفكار مستقرة. وبمعنى آخر تعني قدرته على تغيير الزاوية الذهنية التي ينظر من خلالها إلى الأشياء، والمواقف المتعدّدة، بحيث يستطيع التحرر من القصور الذاتي العقلي بالتحرك بين الفئات المختلفة دون الانحسار في فئة واحدة. ويعدّ الانتقال بين الفئات المتعدّدة تعبيرًا عن مرونة الفرد، وسهولة تغيير الموقف العقليّ (خيرالله، 2009).

3.2 الأصالة (Originality): هي قدرة الفرد على توليد أفكار جديدة، أو مدهشة، أو نادرة لم يسبق إليها أحد، وكلما قلّ شيوع الفكرة زادت درجة أصالتها. ولا شكّ في أن هذا أمر نسبي يعود إلى تقبّل الجماعة له وعدّه منفردًا وذا قيمة، فمقياس الأصالة إذًا يعود إلى أمرين هما: مقياس عدم مألوفيته، ومقياس إتقانه وتقديره. وتعدّ الأصالة من أهم مكوّنات الإبداع، ومن أكثر القدرات ارتباطًا بالتفكير الإبداعي، ولعلّ هذا واضح من خلال تعريفاته، حيث كان التركيز في جلِّها على عنصرَيْ الجِدَّة والأصالة. إنّ هذا الإنتاج الآحادي وغير العادي، أو المتفرّد يتصّف به الشخص المبدع إذا أتى بأفكار أصيلة وجديدة تختلف عما أتى به غيره (الهويدي، 2004).

4.2 الحساسيّة للمشكلات(Problems sensitivity) : ويقصد بها، قدرة الفرد على رؤية المشكلات بشكل واضح وبعمق، وتحديدها تحديدًا دقيقًا، والتّصرّف على حجمها، وجوانبها، وأبعادها، وأثارها (الأقصري، 2002).

كذلك تشمل إدراك ما وراء المشكلات الواضحة من نتائج بعيدة، فالفرد الذي يتّصف بقدرته على الإحساس بالمشكلات هو فرد منفتح غير منغلق، لديه القدرة على رؤية العيوب، والنقائص في الأشياء، والمواقف حين لا يراها الآخرون، ما يدفعه إلى البحث عن الحلول المناسبة لمعالجة مثل هذه المشكلات، واستكمال النقائص في الأشياء، والمواقف التي تحتاج إلى ذلك.

  1. خطوات الإبداع

تسلك العمليّة الإبداعيّة في طريقها إلى الإنتاج أربع مراحل يمكن تناولها على النحو التالي: الإعداد، الحضانة، الإشراق، أو الإلهام، التحقّق.

  1. مرحلة الإعدادpreparation: تمثّل هذه الخطوة الطور التمهيدي لعمليّة الإبداع. وهي تشمل بَدءًا المعرفة الحقيقيّة للواقع، ولقدراتك، والطريق الذي ستنتهجه. فحسن الإعداد يضحي قوّة فعليّة حين يوضع في إطار خطّة معيّنة تهدف إلى تحقيق غاية مقصودة. فالمرء بما يعرف، ولا سيما حين يحسن العمل بهذه المعرفة، إذ إنّ رصيد المعلومات يؤدّي دورًا مُهِمًّا في التفكير الإبداعي (عبدالستار، 2002). فالإبداع لا يمكن أن يأتي من فراغ، وإنما يرتكز على المعرفة الجادّة، وعلى حشد المعلومات المتعلّقة بشكل مباشر، أو غير مباشر بالقضيّة الراهنة.
  2. مرحلة الحضانة Incubation: حينما تبلغ الأفكار في سياق عملية التفكير حدود العقل، يبدو المبدع، وقد طرح المسألة جانبًا، ولم يعد يفكر فيها لبعض الوقت، وذلك يحدث على مستوى دون مستوى الوعي أي دون التحكّم به. فهذه الخطوة هي سلبيّة في حدّ ذاتها، لا يتمّ فيها ثمّة شيء يذكر. وقد يفسّر وجودها “ظاهرة اشتغال المبدعين بحلّ مسائل عدّة في وقت واحد، تكون إحداها ما يشغّل عقله اللّاواعي، بينما يعمل عقله الواعي في حل غيرها” (الأقصري، 2002). لا يمكن تحديد فترة زمنيّة لهذه المرحلة، فقد تطول أو تقصر. وقد يتخلّلها فترات من الاسترخاء حيث تتبلور الكثير من الأفكار. فالمهمّ هنا ترك المجال للفكر بالخلود إلى الراحة، فيصبح الركود الفكري لوهلة أمرًا لازمًا لتجدّد النّشاط الذهني. وعلى أيّ حال، فإنّ لهذه المرحلة أهمّيّة كبرى في طريق الإبداع. إذ تنجم عنها تغيّرات كثيرة، حيث يتخلّص التّفكير من بعض الشوائب التي تعوّقه عن الوصول إلى حلّ المشكلة، ويأخذ الذّهن قسطًا من الرّاحة الضروريّة لتجديد حيويّته بعد الإنهاك الّذي أصابه في خطوة الإعداد، فيبدو الإشراق بنضارته ونقائه. (أبو النصر، 2009) .
  3. مرحلة الإشراق أو الإلهام Illumination or insight: يأتي الإشراق عقب الركود الذي يلي الإجهاد الذهني القابل للمتناقضات من الأفكار الذي يتمخّض فيما بعد – في ومضة خاطفة ومن دون سابق إنذار – عن ظهور فكرة جديدة ناجمة عن قراءات المراحل السابقة المتناثرة. فالإشراق “ليس أكثر من مخطّط حركيّ يوجّه الفكر في لحظة تبلور الفكرة التي لم يعد أمامها إلا مخاض ولادتها الأخيرة، فوراء أيّ إشراق عمليّات فكريّة وجهود ذهنيّة” (الزهري، 2002). لقد أعار علماء النّفس هذه الخطوة الكثير من الأهمّيّة، فهذه المرحلة هي ذروة العمليّة الإبداعيّة حيث تطفو الفكرة فجأة. ويؤكّد التاريخ بأمثلته الواقعيّة هذه المرحلة كما يشهد على أهمّيّتها. ومن تلك الأمثلة قفزة أرخميدس Archimède من حمّامه صائحًا وجدّتها، إلى تفّاحة نيوتن Newton التي بلورت فكرة الجاذبيّة، وغيرها من الأمثلة.
  4. مرحلة التّحقّق Verification: بعد إشراق الفكرة، أو حدوث الإلهام، لا بدّ من التّحقّق من صحّة الفكرة، وملاءمتها للواقع. فالعالم يحتاج إلى تقويمها كما يحتاج الفنّان إلى صقلها وزخرفتها. وفي هذه المرحلة، يقوم الفرد ببلورة الفكرة، أو تجسيد الحلول المبدعة في صورة سلوكيّات، أو أفعال، أو أنشطة مفيدة، يمكن تقييمها، والتّأكد من مصداقيّتها، وإمكانيّة تطبيقها في الواقع العمليّ (الزهري، 2002). وتبعًا لهذه المراحل، يكون الإبداع كعمليّة يجري من خلالها تجريد، أو انتزاع الأشياء المألوفة من علاقتها، والنّظر إليها في ضوء ارتباطات، وعلاقات جديدة غير مألوفة (منسى، 2006).

وأخيرًا، أصبح مفهوم الإبداع الإداري مفهومًا حديثًا وذا أهمّيّة بالنّسبة إلى المؤسّسات الإداريّة على اختلاف أنواعها وتحت أيّ إطار كانت، وفي أيّ بلد من البلدان. “هو يترافق مع عمليّات التّنمية والإصلاح الإداري، بهدف إحداث تغيير نوعي، وجذري في الوسائل، والأساليب الإداريّة بحيث يتجاوز العادات، والتّقاليد التي تعرقل التّنمية الإيجابيّة. ومن أخطر هذه العادات: الفرديّة ووضع جميع السّلطات في أيدي أفراد الإدارة العليا التي قد تهمل فرص المشاركة، وتقلّل الإحساس بالانتماء الروحي للمؤسّسات، وجماعات العمل، وتكبت الأصوات الحرّة، والقدرات الإبداعيّة” (الراوي، 2000).

الإطار الميداني

  • منهج الدراسة

جاءت طبيعة هذه الدراسة وصفيّة إذ إنها تسعى إلى تشخيص مستوى الإبداع الإداري لدى مديري مدارس مدينة طرابلس، ومدى ممارسة المدراء للسلوك الإبداعي في تلك المدارس من وجهة نظر المعلّمين والمعلّمات العاملين فيها. لذا تمّ استخدام المنهج الوصفي التحليلي الذي يقوم على جمع البيانات وتبويبها، مع تفسير النتائج وتحليلها لاستخلاص تعميمات ذات مغزى تؤدّي إلى التقدّم المعرفي.

  • مجتمع الدراسة وعيّنتها

تكوّن مجتمع الدراسة من المعلّمين والمعلّمات العاملين في مدارس مدينة طرابلس للعام الدراسي 2018/ 2019 والبالغ عددهم 2271 معلّمًا ومعلّمة حسب إحصائيات مديرية التربية والتعليم. حيث تمّ اختيار أسماء المدارس التي قامت الباحثة بتطبيق أداة الدراسة فيها بطريقة عشوائية، وعليه بلغ حجم العينة (317) معلّمًا ومعلّمة، التي شكلت ما نسبته (14%) من مجموع الدراسة الكلي.

جدول (1)

التكرارات والنسب المئوية حسب متغيرات الدراسة

  الفئات التكرار النسبة
الجنس ذكر 143 45.1
  أنثى 174 54.9
المؤهل العلمي ثانوي 222 70.0
  جامعي 95 30.0
الخبرة اقل من 5 سنوات 80 25.2
  من 5-10 95 30.0
  اكثر من 10 سنوات 142 44.8
  المجموع 317 100.0
  • أدوات الدراسة

لتحقيق أهداف الدراسة قامت الباحثة بالاستعانة بالأداة التي صمّمها (العنزي، 2008)، وقد تكونت أداة الدراسة من جزأين: يشتمل الجزء الأول على المعلومات الشخصيّة عن المستجيبين وهي: الجنس و المؤهل العلمي والخبرة. ويشتمل الجزء الثاني على أربعة مجالات ذات صلة بموضوع الدراسة وهي: مجال الطلاقة، ومجال المرونة، ومجال الأصالة، ومجال الحساسيّة للمشكلات. تمّ استخدام مقياس ليكرت الخماسي لقياس استجابات المبحوثين على فقرات الاستبانة. وكانت الإجابة عن كل فقرة مكونة من 5 إجابات حيث الدرجة 5 تعني ممارسة كبيرة جدًّا، والدرجة 1 تعني ممارسة قليلة جدًّا كما هو موضح في جدول (2)

جدول (2): درجات مقياس ليكارت الخماسي

الإجابة كبيرة جدا كبيرة متوسطة قليلة قليلة جدًا
الدرجة 5 4 3 2 1
  • الأساليب الاحصائيّة المستخدمة في الدراسة

بناءً على طبيعة الدراسة، وأهدافها التي سعت إلى تحقيقها، تمّ تحليل بياناتها من خلال برنامج الحزمة الإحصائية للعلوم الاجتماعية Statistical Package for the Social Sciences (SPSS).

  • عرض نتائج الدراسة

جدول (3)

المتوسطات الحسابية والانحرافات المعيارية لفقرات الطلاقة مرتبة تنازليًا حسب المتوسطات الحسابية

الرقم الفقرات المتوسط الحسابي الانحراف المعياري الدرجة
6 يسعى لتجاوز العقبات التي تعترض تحقيق الأهداف بمختلف الوسائل الممكنة. 3.98 .99 كبيرة
1 يشجع المعلّمين على المناقشة والحوار لحل المشكلات التعليمية. 3.91 1.03 كبيرة
7 يقنع المعلّمين بوجهة نظره حيال الموضوعات التعليمية المختلفة. 3.82 1.07 كبيرة
2 يطرح أكبر عدد ممكن من الأفكار الجديدة لتطوير الأداء الإداري. 3.69 1.00 كبيرة
3 يعطي أحكامًا موضوعية محددة في المواضيع الفنية والإدارية. 3.66 1.01 كبيرة
5 يطرح أسئلة ذات إجابات مفتوحة النهاية حول المشكلات المطروحة. 3.59 1.11 كبيرة
4 يستخدم العصف الذهني كوسيلة لإثارة التفكير لدى المعلمين. 3.42 1.06 متوسطة

جدول (4)

المتوسطات الحسابية والانحرافات المعيارية لفقرات المرونة مرتبة تنازليًا حسب المتوسطات الحسابية

رقم الفقرة الفقرات المتوسط الحسابي الانحراف المعياري الدرجة
14 يوظف خبراته السابقة لمواجهة حالات ومواقف مشابهة. 4.00 1.00 كبيرة
11 يمتلك القدرة على اتخاذ القرارات الهامة وتحمل مسؤوليتها. 3.97 1.11 كبيرة
15 يوزع المهام على المعلمين وفق تخصصاتهم وقدراتهم. 3.85 1.10 كبيرة
12 يساهم بفعالية في تطوير العمل في المؤسسة التربوية. 3.82 1.03 كبيرة
31 ينظم الأفكار ويربطها وفق خطط استراتيجية معينة. 3.82 1.00 كبيرة
8 يستجيب للمواقف الجديدة في أغلب الأحيان. 3.76 1.11 كبيرة
10 يغير موقفه عندما يقتنع بعدم صحته. 3.69 1.20 كبيرة
9 يهيئ نفسه بأساليب متنوعة لأي نقد يوجه إليه. 3.63 1.17 كبيرة

جدول (5)

المتوسطات الحسابية والانحرافات المعيارية لفقرات الأصالة مرتبة تنازليًا حسب المتوسطات الحسابية

رقم الفقرة الفقرات المتوسط الحسابي الانحراف المعياري الدرجة
20 يوظف تكنولوجيا المعلومات في مجال تطوير العمل الإداري والفني. 3.89 1.04 كبيرة
18 يشجع المبادرات الفردية الرامية إلى تطوير العمل في المدرسة. 3.87 1.10 كبيرة
16 يطلع بكفاءة على جميع أبعاد العمل الإداري والفني. 3.83 1.01 كبيرة
17 يقبل الآراء الجديدة حول القضايا التعليمية المطروحة. 3.79 1.04 كبيرة
19 يعمل على تنمية أساليب الرقابة الذاتية لدى المعلمين. 3.74 1.14 كبيرة
22 يبتعد عن الشائع من الأفكار التقليدية عند التعامل مع المواقف المختلفة. 3.69 1.03 كبيرة
21 يوظف تكنولوجيا المعلومات والاتصالات كوسائل اتصال بين المدرسة والمجتمع المحلي. 3.66 1.12 كبيرة
23 يستطيع إنتاج أفكار جديدة لم يسبق أن تطرق إليها أحد. 3.48 1.12 متوسطة

جدول (6)

المتوسطات الحسابية والانحرافات المعيارية لفقرات الحساسية للمشكلات مرتبة تنازليًا حسب المتوسطات الحسابية

رقم الفقرة الفقرات المتوسط الحسابي الانحراف المعياري الدرجة
32 يرتّب المشكلات حسب أهميتها في أولوية الحلول. 3.91 1.10 كبيرة
24 يلتزم بالموضوعية عند التعامل مع المشكلات التعليمية المختلفة. 3.77 1.13 كبيرة
25 يتلمس مواطن الخلل والضعف لنتائج الأعمال التعليمية. 3.77 1.05 كبيرة
29 يستطيع الربط بين الأشياء المتباعدة لحل المشكلات التعليمية. 3.74 1.01 كبيرة
31 يكثر من طرح الأسئلة عن أسباب المشكلات. 3.74 1.12 كبيرة
28 يستطيع تشخيص مشكلات المستقبل واتخاذ الإجراءات الكفيلة لمواجهتها. 3.69 1.05 كبيرة
30 يبحث عن بدائل جديدة لحل المشكلات بدلا من الحلول المعتادة. 3.67 1.04 كبيرة
27 يعد خطة خاصة لمواجهة العقبات التي قد تعترض العمل. 3.56 1.17 كبيرة
26 يوظف مهارات العصف الذهني في التصدي للمشكلات التعليمية المختلفة. 3.55 1.04 كبيرة

جدول (7)

المتوسطات الحسابية والانحرافات المعيارية لمستوى الإبداع الإداري لدى مديري مدارس
مدينة طرابلس و
مديراتها من وجهة نظر المعلّمين والمعلّمات العاملين فيها مرتبة تنازليًا
حسب المتوسطات الحسابية

الرقم المجال المتوسط الحسابي الانحراف المعياري الدرجة
2 المرونة 3.78 .79 كبيرة
4 الحساسية للمشكلات 3.76 .84 كبيرة
3 الأصالة 3.73 .81 كبيرة
1 الطلاقة 3.72 .84 كبيرة
  الإبداع الإداري ككل 3.75 .78 كبيرة

جدول (8)

المتوسطات الحسابية والانحرافات المعيارية لمستوى الإبداع الإداري لدى مديري مدارس مدينة طرابلس ومديراتها من وجهة نظر المعلّمين والمعلّمات العاملين فيها تبعًا لمتغيرات الجنس، والمؤهل العلمي، والخبرة

      الطلاقة المرونة الاصالة الحساسية للمشكلات الابداع الإداري ككل
الجنس ذكر س 3.88 3.89 3.78 3.89 3.85
    ع .73 .73 .79 .78 .72
  أنثى س 3.59 3.69 3.68 3.65 3.66
    ع .90 .83 .82 .88 .81
المؤهل ثانوي س 3.72 3.78 3.74 3.76 3.75
العلمي   ع .85 .78 .79 .83 .76
  جامعي س 3.72 3.78 3.69 3.75 3.74
    ع .81 .82 .84 .88 .80
الخبرة اقل من 5 سنوات س 3.66 3.82 3.76 3.86 3.79
ع .84 .63 .67 .73 .65
  من 5-10 س 3.54 3.64 3.62 3.61 3.61
    ع .90 .88 .96 .94 .89
  اكثر من 10 سنوات س 3.87 3.84 3.78 3.80 3.82
  ع .76 .80 .76 .83 .75

س = المتوسط الحسابي    ع = الانحراف المعياري

  • تفسير نتائج الدراسة ومناقشتها
  • تظهر نتائج الجدول رقم (7) أن وجهات نظر المعلّمين والمعلّمات العاملين في مدارس مدينة طرابلس حول مستوى الإبداع الإداري لدى المديرين والمديرات فيها وللمجالات العديدة، جاءت بدرجة كبيرة. إذ بلغ المتوسط الحسابي الكلي لجميع المجالات (3.75)، والانحراف المعياري (0.78). ويتبيّن من تلك النتائج أنّ مجال المرونة، جاء في المرتبة الأولى، وبأعلى متوسط حسابي بلغ (3.78)، وانحراف معياري (0.79) ممّا يشير إلى درجة تقدير كبيرة، تلاه في المرتبة الثانية مجال الحساسيّة للمشكلات وبمتوسط حسابي بلغ (3.76)، وانحراف معياري (0.84)، وبدرجة تقدير كبيرة، ثم جاء في المرتبة الثالثة مجال الأصالة، وبمتوسط حسابي بلغ (3.73)، وانحراف معياري (0.81)، وبدرجة تقدير كبيرة، في حين جاء مجال الطلاقة بالمرتبة الأخيرة، وبمتوسط حسابي بلغ (3.72)، وانحراف معياري (0.84)، وبدرجة تقدير كبيرة.
  • تظهر نتائج الجدول رقم (3) أن وجهات نظر المعلّمين والمعلّمات حول مستوى الإبداع الإداري لدى مديري مدارس مدينة طرابلس ومديراتها في مجال الطلاقة جاءت بدرجة تقدير كبيرة. وهذا يشير إلى أن مديري المدرسة في مدينة طرابلس يشجعون المعلّمين على المناقشة، والحوار لحل المشكلات التعليميّة، ويقنعونهم بوجهة نظرهم حيال الموضوعات التعليميّة. وتفسّر الباحثة ذلك بأن تراكم خبرات المدير العمليّة في البيئة المدرسيّة تدفعه إلى الحوار، والنقاش مع فريق العمل المدرسي للحصول على أفضل الحلول، والمقترحات التي من شأنها أن تسهّل حلّ المشكلات، وتحقيق الأهداف بأبسط الطرق وأسرعها. ويعزى ذلك، كما تشير النتائج، إلى قدرة المدير في استخدام العمليات الذهنيّة السريعة، والعصف الذهني كوسيلة لإثارة التفكير لدى المعلّمين، وإنتاج الأفكار الجيدة التي من شأنها أن ترفع من مستوى العمل المدرسي، وتجاوز العقبات، والتحديّات التي تعيق تحقيق الأهداف التربوية. وهذا ما تراه الباحثة مؤشّرًا على وجود تعاون، وتشاور بين مدير المدرسة وفريق العمل المدرسي من معلّمين، ومعلّمات.
  • تظهر نتائج الجدول رقم (4) أن وجهات نظر المعلّمين والمعلّمات حول مستوى الإبداع الإداري لدى مديري مدارس مدينة طرابلس ومديراتها في مجال المرونة جاءت بدرجة تقدير كبيرة، وهي تمثل المجال الثاني من حيث الترتيب. وتعزى هذه النتيجة إلى أن الخبرات التعليميّة التي يمرّ بها مدير المدرسة مسبقًا تساعده في الكشف عن المواقف، والمشكلات المتعدّدة التي قد تتشابه مع المواقف السابقة، وتسهّل عليه عملية تقويمها واتخاذ القرارات المناسبة حيالها بمشاركة فريق العمل المدرسي، مع إتاحة الفرصة لهم للتعبير عن وجهات نظرهم حيال المواقف والمشكلات التي يمكن أن تؤثّر على سير العملية التعليمية. وتفسّر الباحثة ذلك بأن الخبرات التعليميّة لمدير المدرسة عبر مسيرة عمله التربوي في البيئة المدرسيّة قد تشكل لديه حصيلة معرفية كبيرة وإلمام واسع بطبيعة العمل وما تحيط به من ظروف، ومواقف، وقضايا متنوعة تمكنّه من تنظيم، وترتيب العديد من المعلومات الخاصة بطبيعة العمل التربوي، والقضايا التربويّة المستجدّة والمتوقّعة، وتقديم فرضيات متعدّدة حولها. إلا أن حصولها على المرتبة الثانية قد يعزى إلى أنه وعلى الرغم من قدرة المدير، وخبرته التعليميّة في مجال عمله، وموقعه المتميز في البيئة المدرسية، فلا بدّ له من أن يتّسم بسمات قياديّة إبداعيّة فاعلة، الأمر الذي يحتّم ضرورة التأهيل المستمر في جميع المستجدات والقضايا التربوية المعاصرة، خصوصًا أننا نعيش في عصر التغيّر الذي تتزايد فيه الأزمات والظواهر والمتغيرات.
  • تظهر نتائج الجدول رقم (5) أن وجهات نظر المعلّمين والمعلّمات حول مستوى الإبداع الإداري لدى مديري مدارس مدينة طرابلس ومديراتها في مجال الأصالة جاءت بدرجة تقدير كبيرة. وقد تعود هذه النتيجة إلى أن المديرين يوظّفون تكنولوجيا المعلومات في مجال تطوير العمل الإداري والفنّي، ويشجعون المبادرات الفرديّة الرامية إلى تطوير العمل المدرسي، ويتطلّعون بكفاءة إلى جميع أبعاد العمل الإداري والفني. وقد تعزى هذه النتيجة إلى أن عصر اليوم هو عصر تكنولوجيا المعلومات، الذي بات العمل فيه، في جميع المجالات والقطاعات، يعتمد بشكل أساسي على تكنولوجيا المعلومات، خصوصًا أن وزارة التربية والتعليم تسعى بشكل مستمر إلى تأهيل جميع العاملين في المؤسسة التربويّة من مديرين ومعلّمين في مجال تكنولوجيا المعلومات، وكيفية استخدامها وتوظيفها في ممارسة العمل التربوي والنهوض به، الأمر الذي يعزز من قدرات مديري المدارس ومهاراتهم، ويمكّنهم من متابعة سير العديد من الأعمال في البيئة المدرسية والإشراف عليها بشفافية ووضوح. وتفسّر الباحثة ذلك أن البيئة المدرسية قد تواجه ظروف ومواقف تستدعي من مدير المدرسة إعمال الفكر في إنتاج أفكار جديدة غير مألوفة، خصوصًا وأنّ المواقف والظروف التي تواجهها المدارس في الآونة الأخيرة متغيّرة، ومستجدّة في أغلب الأحيان. وتشير الباحثة هنا إلى أهمّيّة تطبيق التجارب التربويّة، والأبحاث في البيئة المدرسية على مستوى عالٍ، مع العلم أنّ القوانين التي تفرضها، وزارة التربية والتعليم على مدير المدرسة تقيّد حرّيّته، وتحدّ صلاحياته، وقدرته على ممارسة الأساليب الإبداعية، ما جعل هذا المجال يحتل المرتبة الثالثة من حيث الترتيب. فقد أظهرت الدراسات أن الحرية، والقدرة على ممارسة العمل هما أبرز العوامل التي تنمي الإبداع لدى مديري المدارس.
  • تظهر نتائج الجدول رقم (6) أنّ وجهات نظر المعلّمين والمعلّمات حول مستوى الإبداع الإداري لدى مديري مدارس مدينة طرابلس، ومديراتها في مجال الحساسيّة للمشكلات جاءت بدرجة تقدير كبيرة. وتعزى هذه النتيجة إلى أنّ المديرين يتعاملون بصبر مع المشكلات التي تواجههم، ويشجعون العمل الجماعي في حل المشكلات، وهم قادرون على التحري، واستكشاف كل ما يدور في البيئة التعليمية من قضايا ومشكلات متنوعة يمكن أن تعترض مسيرة العمل التعليمي، وتستدعي ضرورة الوقوف عليها وإعادة النظر فيها، والكشف عن نقاط القوة، والضَعف فيها ومعالجتها وفق سلم الأولويّات، وذلك بتشجيع التعاون والتكامل بين جميع أعضاء فريق العمل المدرسي. وتفسّر الباحثة ذلك بسبب أنّ المشكلات المدرسية هي مشكلات تكاد تكون روتينيّة بالنسبة إلى مدير المدرسة المبدع، وفي ضوء خبراته المتراكمة فإن الحلول والبدائل لا بدّ من أن تكون متاحة، ولا يخفى عليه إيجاد الحلّ المناسب في الوقت المناسب من خلال إعداده لخطة ذهنيّة مسبقة، وتعاونه مع فريق العمل المدرسي ككلّ. ويعزى حصولها على المرتبة الأخيرة إلاّ أنّ الواجبات التي يقوم بها مدير المدرسة، والقضايا التربويّة التي يواجهها في ميدان العمل تكاد تكون متكررة كما ذكر آنفًا، وتحتاج إلى تعاون مشترك من جميع العاملين، بحيث يكون العمل جماعيًّا وفعالًا لتحقيق الغرض المنشود من العمليّة التعليميّة.
  • تظهر نتائج الجدول رقم (8) تباينًا ظاهريًّا في المتوسّطات الحسابيّة، والانحرافات المعياريّة لمستوى الإبداع الإداري لدى مديري مدارس مدينة طرابلس، ومديراتها من وجهة نظر المعلّمين والمعلّمات العاملين فيها بسبب اختلاف فئات متغيّرات الجنس (ذكر، أنثى)، والمؤهّل العلمي (ثانوي، جامعي)، والخبرة (اقل من 5 سنوات، من 5 – 10، أكثر من 10 سنوات)، في الأبعاد وفي الأداة ككل. ويمكن تفسير هذه النتيجة بأن الذكور يتمتّعون بقدر أكبر من الإناث في مجال التفكير، واستخدام المهارات الذهنية، والربط بين الأفكار، والمواقف، وإعطاء صورة شاملة عنها، ولديهم قدرة أكبر في البحث، والاستكشاف، وتحري المشكلات التي يمكن أن تعترض مسيرة العمل المدرسي.

كما أظهرت النتائج عدم وجود فروق ذات دلالة إحصائية (α0.05=) تعزى لمتغيري المؤهل العلمي والخبرة في جميع المجالات والأداة ككل، ويمكن تفسير ذلك في أنّ المعلّمين والمعلّمات العاملين في مدارس مدينة طرابلس، وفقًا لمؤهّلهم العلمي، أو خبرتهم، هم الأكثر احتكاكًا بمدير المدرسة، وبالتالي فهم يلحظون أن غالبية الممارسات الإدارية الإبداعيّة التي يمارسها مديرو المدارس هي مجرد تطبيق لقوانين وزارة التربية والتعليم، والمديرون عليهم أن يتقيّدوا بها سواء في تعاملهم مع الكادر التعليمي، أو في ممارستهم لنشاطاته، وأدواره الوظيفيّة في البيئة المدرسيّة، لذلك جاءت وجهات نظرهم متقاربة.

توصّلت الباحثة من خلال استعراض النتائج السابقة إلى الاستنتاجات الآتية:

  1. يطبّق مديرو ومديرات المدارس في مدينة طرابلس مهارات الابداع الإداري (الطلاقة، المرونة، الأصالة، والحساسية للمشكلات) بمستوى عال.
  2. يتمتع مديرو ومديرات المدارس في مدينة طرابلس بالمرونة والعمل بروح الفريق مع المعلّمين في تعاملهم مع المواقف، والمشكلات التي تعترض مسيرة العمل التربوي.
  3. تبرز الحاجة لإعطاء الفرصة لمديري المدارس، ومديراتها للعمل بحرّيّة بعيدًا عن قيود القوانين، والأنظمة المفروضة التي تحدّ من فاعليّة القيادة المبدعة.
  • الخاتمة

وفي خاتمة هذه الدراسة، لا بدّ من الإشارة إلى أنّ الإبداع أصبح العنوان الرئيس في كلّ نواحي الحياة ومشاكلها، خصوصًا في المؤسّسات التعليميّة التي أصبحت أكثر حاجة للإبداع من قبل. فالتحديّات المستمرة، والضغوط المتزايدة، والتغيرات الكثيرة التي تتعرّض لها مثل العولمة، والاقتصاد المعرفي، جعلت الإبداع ضرورة ماسة لكلّ المؤسّسات التعليميّة. ويتجلّى ذلك من خلال المدير المبدع القادر على كسر الروتين، وترك الممارسات الروتينيّة التقليديّة المعتادة، ومحاولة إدخال بعض الأفكار التي من شأنها تغيير العمل في المدرسة وتطويره، مع القدرة على البحث عن الأفكار الإبداعية في جميع المصادر التي يستطيع الوصول إليها سواء داخل أسوار مدرسته، ومن العاملين معه، أو من المؤسّسات الأخرى. ناهيك عن الاستفادة من خبرات زملائه من مديري المدارس، أو من خلال نتائج الأبحاث والدراسات. فالإبداع يمثّل سمة أساسيّة من السمات التي لا بدّ من توافرها لدى مدير المدرسة الذي يعدّ المسؤول عن تحقيق الأهداف التربويّة، والتعليميّة، وتوجيه المبدعين في المدرسة، متعلّمين كانوا أم معلّمين، لما يساعدهم في تحسين قدراتهم الإبداعية وتوجيهها إلى المجالات الأكثر أهمّيّة في المدرسة، وجعل الإبداع جزءًا من ثقافة المدرسة.

  • التوصيات

في ضوء النتائج التي توصلت إليها الباحثة، فإنها توصي بما يأتي:

  1. ضرورة التنمية الإدارية المستمرة للقيادات التربوية في البيئة المدرسية، وذلك بعقد دورات، وورشات عمل تحثّ على ممارسة الإبداع بأساليبه المتعدّدة.
  2. تهيئة الظروف الماديّة، والمعنويّة المساعدة على ممارسة الإبداع في البيئة المدرسية، وتشجيع المديرين على ممارسة السلوك الإبداعي في مجالات العمل الإداري المتعدّدة.
  3. توظيف المديرين في مواقعهم بعد إعدادهم، وتأهيلهم، وضمان جاهزيّتهم لممارسة العمل الإداري الإبداعي في البيئة المدرسية.
  4. استثمار المدراء ذوي الخبرة الأكثر في التعاون لإدارة المدارس الجديدة، وتشجيعهم على تطبيق، وتصميم الاستراتيجيات للعمل الإبداعيّ.

المراجع العربية

  1. أبو النّصر، مدحت. (2009). التفكير الابتكاري والإبداعي طريقك إلى التميّز والنجاح (ط 2). القاهرة: المجموعة العربيّة للنشر والتوزيع.
  2. الأقصري، يوسف. (2002). الشخصيّة المبدعة: كيف تصبح مبدعًا في تفكيرك (ط 1). القاهرة: دار الطائف.
  3. جروان، فتحي. (2002). الإبداع، مفهومه، معاييره، نظرياته، قياسه، تدريبه، مراحله، العملية الإبداعية. عمان: دار الفكر للطباعة والنشر.
  4. خير الله، جمال. (2009). الإبداع الإداري (ط 1). الأردن: دار أسامة للنشر.
  5. الراوي، مسارع. (2000). مناقشة في موضوع الأسرة والمجتمع والإبداع في الوطن العربي (ط 2). بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية.
  6. الزهري، رندة. (2002). الإبداع الإداري في ظل البيروقراطية، عالم الفكر، (30)3، ص63-71.
  7. الزيات، فتحي مصطفى. (2002). المتفوقون عقليًّا ذوو صعوبات في التعليم، مصر، دار النشر للجامعات.
  8. السويدان، طارق. (2002). تطبيقات عمليّة في تنمية الفكر الإبداعي (ط 1). الكويت: شركة الإبداع الخليجي.
  9. عبدالستار، إبراهيم. (2002). الإبداع قضاياه وتطبيقاته، القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية.
  10. عبدو، عبد القادر. (2000). إدارة المدرسة الابتدائية (ط. 3). القاهرة: مكتبة النهضة.
  11. العنزي، عويد. (2008). مستوى الإبداع الإداري لدى مديري المدارس في شمال المملكة العربية السعودية من وجهة نظر المعلمين والمشرفين التربويين، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة اليرموك، الأردن.
  12. منسى، محمود عبد الحليم. (2006). الإبداع والموهبة في التعليم العام (د. ط). مصر: دار المعرفة.
  13. المهيري، عبدالله. (2003). الإبداع طريقك نحو قيادة المستقبل، القاهرة: دار المعارف.
  14. الهويدي، زيد. (2004). الإبداع: ماهيته – اكتشافه – تنميته، الإمارات العربية المتحدة: دار الكتاب الجامعي.

المراجع الأجنبية

  1. Guilford, j. p. (1986). Creative talents: Their nature, uses and development, New York: bearly cimited.
  2. Ombille, L. (2004). Innovation in Ekwadoor Schools, Educational Journal, 3(2), pp 66 – 112.
  3. Patillon, T.V. (2014). Créativité, Adaptabilité et Compétences à S’orienter Tout au Long De La Vie (Doctoral dissertation). Conservatoire nationale des arts et métiers, Cnam, Paris.

1- طالبة في المعهد العالي للدكتوراه، جامعة القدّيس يوسف، كليّة العلوم التّربويّة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.