عن السّببيّة والنسق الفكريّ لدى ابن رشد

0

عن السّببيّة والنسق الفكريّ لدى ابن رشد

د. محمد عبد العزيز([1])

مقدمة البحث

قد لا نكون مبالغين في القول إنّ ابن رشد يقف على قِمّة عصر الفلسفة العربيّة لأسباب عديدة، قد يكون على رأسها ما تميّز به من حسّ نقديّ، حيث تبرز أهمّيّة هذا الفيلسوف في تاريخ الفكر الفلسفيّ العربيّ، هذه الأهمّيّة التي ترجع إلى هذا الحسّ النّقديّ من جهة، ومواكبة فلسفته للعقل من جهة، حتّى إنّ فلسفته تُعدُّ تعبيرًا عن ثورة العقل وانتصاره، ولهذا نقول عنه إنّه فيلسوف العقل في الإسلام. هذه العقلانيّة تتجلّى في إحدى أشكالها في مسألة من أكثر المسائل أهمّيّة التي تناولها فيلسوفنا، وذلك فالخصومة المزعومة بين الأدلّة النقليّة، والبراهين العقليّة، وتأكيد إمكانيّة وجود رابطة قويّة بينهما،عرفت هذه المسألة عند ابن رشد بـ: مسألة “الحكمة والشّرعيّة”، وقد انطلق ابن رشد من حقيقة علمية مفادها أنّ الشّرع يوجب النّظر العقليّ، ويوجب استعمال البرهان لمعرفة الله تعالى وموجوداته. وإشكاليّة أخرى قرنت بفيلسوف قرطبة، هي “السّببيّة” إذ كان ابن رشد رائد الدّعاة إلى الإيمان بها كمبدأ عقليّ. وأكّد ضرورة التّلازم بين السبب والمسبب، أو العلة والمعلول، لأنّ ذلك يقتضي الحكمة أو إحكام النّظام، والتّرتيب في الموجودات، وبين الأشياء وبعضها الآخر. وفي صراعه مع المتكلمين حول مبدأ السّببيّة، لعل ابن رشد أشار في غير موضع إلى رفضه التأويل في الشرائع، والمعجزات، وغير ذلك من الغيبيّات، لأنها أمور إلهيّة لا يرقى العقل الإنسانيّ إلى إدراكها، وهذا هو مفهوم “الظاهر من العقائد” الذي تمسك به. وبعد، إن ما يدور في صفحات هذا البحث يدور حول محور واحد هو “تصحيح” صورة ابن رشد في الفكر المعاصر: تصحيح التّصور السّائد، والضّبابيّ حوله، وتصحيح الصّورة الغامضة التي في أذهان الكثيرين عن عمله العلميّ، وعقلانيته ونسقه الفكريّ والنّقديّ.

  • أوّلًا: ابن رشد في سطور

في قرطبة، إحدى عواصم الفكر الأندلسيّ، “ولد محمّد بن أحمد بن محمّد ابن رشد (1126-1198م)”([2])، وقد ورث من أسرته تراثًا ضخمًا، “فقد كان جدّه قاضيًا في قرطبة، ومن أشهر قضاة عصره، وأبوه قاضيًا فيها أيضًا، وكان الاثنان من أئمة المذهب المالكيّ، مذهب أهل المغرب العربيّ والأندلسيّ”([3]). درس فيلسوفنا الطّبّ على يد أبي جعفر هارون، إذ لازمه مدّة وأخذ عنه الكثير من علوم الفلسفة، التي كان قد أولع بها فقاده ولعه بها إلى الانقطاع إليها حتّى أبدع فيها، فكانت مصدر شهرته وذيوع صيته. زار ابن رشد مدينة مراكش عاصمة دولة الموحّدين فقد كان صديقًا للفيلسوف ابن طفيل، وهذا الأخير يعرف مكانة ابن رشد في الفلسفة، ومدى اطّلاعه على علوم الأوائل فيها. فـ”كان معجبًا به وبعلمه حتى أدّى إعجابه إلى تقديمه إلى الأمير أبي يعقوب بن عبد المؤمن، سلطان دولة الموحّدين، وأوصى بأن يتولّى ابن رشد تفسير كتب أرسطو للسلطان الموحّديّ، لما عُرف عن هذا السّلطان من حبّه للعلماء، والفلاسفة وتقريبهم إليه”([4]).

يقول جورج دوميزيل (جورج دوميزيل (1898 – 1986): مؤرخ فرنسي، اختصّ في المقارنة بين الميثولوجيّات، والتنظيم الاجتماعي للشعوب الهندو – أوروبية): “إنّ السّيّدة هي الصّقالة التي تقام لبناء صرح، فمتى اكتمل هذا الصّرح أزيلت الصّقالة، ووحده يبقى ما هو مهمّ، أعني العمل ذاته”([5]). المهندس نفسه؟ إنّ أَخْذَ هذه الثوابت بالحسبان لا يعوّض تأمل المعمار، وإنّما يُمكّن من تفهم طبيعته وبنيته. إذا كان لنا أن نستخلص نتيجة ما ورد أعلاه، فإنّ الواقعة التي تفرض نفسها هي أنّه لا شيء يُحكى عن حياة ابن رشد غير ما يتّصل بمسيرته العلميّة. والحقّ أنّ الأمر لكذلك بالفعل، فليس هناك ما يُحكى عن فيلسوف قرطبة خارج حياته العلميّة، ليس لأنّنا نفتقد معلومات عن جوانب أخرى من حياته، بل لأنّ حياته لم تكن تعرف جوانب أخرى منفصلة عن نشاطه العلميّ. فعلًا، لقد عاش الرّجل في بلاط الموحّدين كمرجعيّة علميّة، وكطبيب مستشار، وأحيانًا كقاضٍ. إلا أنّ كل ذلك لم يطغَ على حياته العلميّة، بل لقد عبّر مرارًا عن تضايقه من كون عمله في القضاء، وكأحد رجالات البلاط الذين يفرض “البروتوكول” عليهم ولأنّ التنقّل مع الخليفة يزاحم انشغالاته العلميّة. فكان يعوّض بعض ذلك بالعمل ليلً،ا أو على ظهور مراكب السفر. والحقّ أنّ المتتبّع لوقائع حياته لا يملك إلّا أن يأخّذ مأخذ الجِدّ ما قيل عنه من أنه “عُنيَ بالعلم من صغره إلى كبره، حتى يُحكى عنه أنّه لم يدع النّظر ولا القراءة منذ عقل، إلّا ليلة وفاة أبيه، وليلة بنائه على أهله، وأنّه سوّد في ما صنف، وقيَّد، وألَّف، وهذَّب، واختصر نحوًا من عشرة آلاف ورقة”([6]). لذلك، إنّ حياة ابن رشد غير معروفة إلا من خلال نتف، وما نعرفه عنها يخلو تمامًا من كلّ ما هو جذّاب. إذ ليس في تقلّبات حياة ابن رشد ما هو قصصيّ، ولا فيها موضوع تسلية حالمة إن كل ما نطرحه من إشارات في هذا السّياق تخلو من كل طابع رومانسيّ.

فلن نتحدث عن ابن رشد كما واشنطن إيرفنغ (إيرفنغ (1783 – 1859): كاتب أميركي، يعدّ من أوائل الرّوائيين في أمريكا الشّماليّة)، إو شاتو بريان (شاتو بريان (1768 – 1848): سياسي وكاتب فرنسي من زعماء الرّومانسيّة) عن آخر سلالات إسبانيا المسلمة.

على المستوى الأدبيّ، يُروى لنا أن ابن رشد حفظ عن ظهر قلب ديوان المتنبيّ، وأبيّ تمام. وهما، في الواقع مرجعان مفضّلان لديه إلى جانب الشّعراء الجاهليّين والأمويّين. وبالإضافة إلى هذا، فقد عاصر مفكّرُنا تيّارًا أدبيًّا سيكون له حظ هائل: هو الشكّل ذو الأصل الأندلسيّ الخاص الذي هو الموشح وامتداده الشّعبيّ الذي هو الزّجل. غير أنّ هذا لم يترك أيّ أثر في تراث ابن رشد، على الرّغم من أنّ الممثل الرئيس لهذا الجنس وهو ابن قزمان (ابن قزمان: محمد بن عبد الملك بن قزمان، مولود عام 1078م في قرطبة وتوفى بها العام 1160م. أشهر شعراء الأندلس) قد ألف فيه موشحًا مدحيًّا. قرض ابن رشد الشّعر، شأنه شأن الكثير من مؤلفيّ عصره، وقد “حفظ لنا ابن سعيد المغربيّ بعض النّماذج من إنتاجه”([7]). و”يقدم مخطوط بالمكتبة العامة بالرّباط على أنّه ديوان شعره، وهو مرتب بحسب أبجديّة القافيّة، غير أنه بقيّ غير منشور مثلما بقيت قطعتان تعليميتان له: “أرجوزة في قواعد الإسلام الخمس، وقصيدة في المذهب المالكي”([8]). وفي الفقه، كان ابن رشد ضليعًا كأبيه وجدّه، كان يفزع إلى فتواه في الفقه كما يفزع إلى فتواه في الطّبّ. كما ألّف في الفقه كتاب “الكلّيّات” فيه، أعني “الضّروريّ في أصول الفقه”.

وإذا كان الزمان لم يسمح له بتأليف كتاب في جزئيّات الطّب، ما عدا رسائل وتلاخيص لكتب جالينوس، فإنّه ألف في جزئيّات الفقه ما عدَّه “بداية المجتهد ونهاية المقتصد”، في الفقه الإسلاميّ، فجاء كتابًا فريدًا في ميدانه.

ليس هذا وحسب، بل إنّ هذا الكتاب هو، كما يشير إلى ذلك اسمه – بداية المجتهد – خطوة عملية نحو فتح باب الاجتهاد الذي يدخل ضمن المشروع العامّ لفيلسوف قرطبة: مشروع “التّصحيح” في المجالات الفكريّة كافّة في عصره، بل يُمكن القول إنّ تفكير ابن رشد في ضرورة فتح باب الاجتهاد يرجع إلى المرحلة الأولى من نشاطه العلميّ إلى “الضروري في أصول الفقه”. فعند الحديث عن الاجتهاد في هذا الكتاب يُلاحظ أنّ فقهاء زمانه هم مقلّدون في منزلة العوام لا في منزلة المجتهدين. يقول: “ولأن ههنا طائفة تشبه العوام من جهة، والمجتهدين من جهة، وهم المسمّون في زماننا هذا بالفقهاء، فينبغي أن ننظر في أيّ الصنفين أولى أن نلحقهم؟ وهو ظاهر من أمرهم أنّ مرتبتهم مرتبة العوام، وأنّهم مقلّدون. والفرق بين هؤلاء وبين العوام، أنّهم يحفظون آراء المجتهدين فيخبرون بها العوام من غير أنّ تكون عندهم شروط الاجتهاد، فكانت مرتبتهم في ذلك مرتبة الناقلين عن المجتهدين”([9]). فالكتاب – بداية المجتهد – إذًا يشتمل على ما يكفي المقتصد في المعرفة بالفقه الإسلامي، أي الشخص الذي يقتصر غرضه على معرفة ما قرّره الفقهاء من الأحكام الشرعية، باتّفاق، أو مع وجود خلاف بينهم فيها، مع شرح أصولهم ومرجعيّاتهم. وبذلك يشكّل هذا الكتاب، في الوقت نفسه، البداية التي لا بدّ منها للمجتهد الذي يطمح إلى استخراج أحكام شرعيّة لما عسى أن يعرض عليه من المسائل، والنوازل المستجدّة التي لم يسبق أن تقرر حكم الشّرع فيها. وإذا كان ابن رشد قد اقتصر في “بداية المجتهد” على تعبيد الطّريق لاستئناف الاجتهاد النّظريّ في الفقه، فلا شكّ في أنّه مارس الاجتهاد العمليّ يوم كان قاضيًا في إشبيلية أولًا، ثم في قرطبة ثانيًّا. وقد شهد له المترجمون لحياته بحسن السيرة، وسعة النظر، والاستقلال في الرأي، والاهتمام بالصّالح العام.

وعليه، إنّ فكر فيلسوف قرطبة لا ينحصر في ما كتب، وسنظلمه إن نحن حصرنا مشروعه التّصحيحيّ التّجديديّ في ما أنجز. ذلك أنّه على الرّغم من كثرة ما ألف وغِنى ما أنتج فهو لم يحقق جميع ما كان يصبو إلى تحقيقه، فلقد كان فكره فكرًا متحركًا يسابق خطاه، فما أن يبدأ العمل في كتاب حتى تتراءى أمامه ميادين وموضوعات تستحثه على الكتابة فيها، فلا يملك إلا أن ينبه عليها ويعد بالتأليف فيها، “إن أنسا الله في العمر”، وهي عبارة يكاد لا يخلو منها كتاب من كتبه. ولكن العمر مهما طال – وقد تُوُفِّيَ في الخامسة والسبعين – لا يمكن أن يتسع لكل ما يطمح إليه فكر يشعر، ويعي بعمق مدى حاجة عصره إلى التّصحيح، والتوضيح والتّجديد في العديد من ميادين المعرفة. سيرة ابن رشد إذًا، هي مسيرته العلميّة، وبالتالي فإذا كان لم يترك أيّ نصّ في السّيرة الذّاتيّة، فإنّ نصوصه كلّها سيرة ذاتيّة: تحكي مسيرته نحو الحصول على الكمال الإنسانيّ، وهي وحدها مسيرة الفيلسوف، المسيرة التي يعترف بها ابن رشد، والتي اهتمّ بها اهتمامًا زائدًا يتفحص مراحلها وطرق تمامها. وعلى أيّ حال فالباحث يستطيع من خلال النّظر في مؤلّفات فيلسوفنا، بأنواعها المتعدّدة، أن يشيد لنفسه صورة واضحة، ليس فقط عن تطوّر فكر هذا الرجل، الذي عاش لفكره وحده، بل أيضًا عن أحواله الوجدانيّة، ولكن لا العائليّة، أو العاطفيّة، فهذا غائب تمامًا في النّص الرُّشْديِّ، بل أحواله النّفسيّة التي تعكس، إمّا حالة الرّضى من ظروف عمله، ولم يكن له عمل آخر غير البحث العلميّ والتأليف، وإمّا حالة الشّعور بالمضايقات التي تعرض لها كمفكّر حرّ. أخيرًا، لقد توصل ابن رشد على مستواه الشّخصيّ إلى توازن في ما يخص التوفيق بين العقل والإيمان، وعبّر عنه من خلال نظام (أو نسق) فكريّ شديد الاتقان والبلورة. وهضم داخل هذا النّسق المعارف العقلانيّة (أيّ الفلسفة)، ثم القانون الدّينيّ (أيّ الشّريعة). ما هو هذا النّظام الفكريّ الذي عبّر عن فرادة ابن رشد في شتّى الميادين؟ هذا ما سوف نحاول قراءته في المحور الآتي من الدّراسة.

ثانيًا: النّسق الفكريّ لدى ابن رشد

قد لا نكون مبالغين في القول: إنّ ابن رشد يقف على قِمّة عصر الفلسفة العربيّة لأسباب عديدة، قد يكون على رأسها ما تميّز به من حسّ نقديّ. إنّنا لا نجد حسًّا نقديًّا في هذه الصّورة الشّاملة، والدّقيقة عند الفلاسفة العرب الذين سبقوه وسواء عاشوا في المشرق العربي كالفارابي، وابن سينا، أو وجدوا في المغرب العربيّ قبله كابن باجة وابن طُفيل. إنّ دراسة هؤلاء الفلاسفة تعدّ دراسة جزئيّة لفيلسوف معيّن من دون غيره، أو لاتجاه فكريّ فلسفيّ محدد، دون الفلاسفة والاتجاهات الأخرى.

أمّا بالنسبة إلى ابن رشد، فقد توافر له الحسّ النّقديّ الشّامل والدّقيق. ودليلنا على ذلك أنّنا لا نجد فيلسوفًا من الفلاسفة، أو اتّجاهًا من الاتّجاهات التي سبقت ابن رشد، إلا وقام فيلسوفنا العملاق ابن رشد بتوجيه سهام النّقد إليه، نقد للمتكلّمين، ونقد لأهل الظّاهرة، ونقد للفارابي، وابن سينا، ونقد للصّوفيّة… إلى آخر الاتّجاهات الفكريّة والفلسفيّة. إنّ أهمّيّة هذا الفليسوف في تاريخ الفكر الفلسفيّ العربيّ، ترجع إلى بروز الحسّ النّقديّ عنده من جهة، ومواكبة فلسفته للعقل من جهة، حتى إنّ فلسفته تعدّ تعبيرًا عن ثورة العقل وانتصاره، ولهذا نقول عنه إنّه فيلسوف العقل في الإسلام. لقد وُهب فيلسوف قرطبة عقلًا موسوعيًّا شاملًا، فضلًا عن تنوع مراكز الاهتمام لدى ابن رشد، فإنّه كان قادرًا في بعض الحالات على تجاوز مرحلة مجرّد الهواية، ليسموَ نحو التّخصّص، والممارسة المحترفة. وإذا كنّا نجد عند ابن رشد منهجًا نقديًّا، فإنّ هذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على تمسّكه بخصائص الفكر الفلسفيّ. فابن رشد يجسّد النّقد متحرّكًا لا ساكنًا، ومجدّدًا لا مقلّدًا، ومعبّرًا عن الثّورة لا الجمود. كما نجد الفلاسفة الّذين يتميزون بالحسّ النّقديّ والشّكيّ، يحتلون مكانة كبيرة في تاريخ الفلسفة قديمًا ووسيطًا وحديثًا وابن رشد في طليعتهم. احتل تلك المكانة السوفسطائيون لحسّهم النّقديّ الشّكيّ، واحتلها أرسطو بنقده لكلّ الآراء والاتّجاهات التي سبقته من آراء فلاسفه المدرسه الأيونيّة حتّى آراء أستاذة أفلاطون، واحتلها أيضًا كانت kant الفيلسوف الألمانيّ حتّى إنّ فلسفته تشطر الفلسفة الحديثة شطرين: الفلسفة قبل كانت Kant، والفلسفة بعد كانت Kant، واحتلّها المعتزله لروحهم النقديّة واحتلها فليسوفنا ابن رشد إذ نقد أكثر الاتّجاهات التي سبقته كما أسلفنا.

وإذا أردنا أنّ نصف إنسان بالفيلسوف، فإنّ فكره لا بدّ أن يكون مبتعدًا من التّقليد والسّكون، والجمود وملتزمًا التزامًا تامًّا بالتجديد، والحركة وإلا كيف نفرق بين المعرفة العاديّة والمعرفة الفلسفيّة؟ إنّ معرفة عامة النّاس تجيء من التّقليد إلى أكبر حدّ. أمّا المعرفة الفلسفية فلا تحمل في طيّاتها متابعة للآخرين مهما بلغوا من الشّهرة. لقد اتخذ فيلسوفنا منهجًا أصيلًا في فلسفته فقد اكتشف – على سبيل المثال – أنّ المترجمين العرب الذين نقلوا فلسفة أرسطو، ولخّصوها تصرّفوا كثيرًا في كتاباتهم، ما أدى إلى تشويه بعض آراء المعلّم الأوّل، أمّا ابن رشد فقد أثبت بجدارة على أصالته الفكريّة في ذلك أقبل الكثير من النّاس على فلسفته، وكادوا يتناسون شروحات الآخرين. ومن القضايا المُهِمَّة التي تشهد على عبقريّة ابن رشد أنّه “حين شغل مفكّرو الإسلام بالتوفيق بين العقل والوحيّ، وبين ما جاء في الفلسفة اليونانية القديمة وبين الدّين الإسلاميّ، كان ابن رشد أول فيلسوف أتمّ محاولة التّوفيق بين الحكمة والشّرعية”([10]). ومع ذلك أنّ أبا الوليد لم يكن متزامنا في رأيه أن يعترف بعجز العقل أمام بعض الحقائق الآلهية. لقد تصدى المتكلمون واللاهوتيون للآراء الرّاميّة إلى عقلنة الشّريعة غير أن العقلانيّين وعلى رأسهم ابن رشد، لم يقصدوا تجريد رجال الدّين من سلطتهم، بل كانوا يسعون من وراء أفكارهم إلى تنوير عقول النّاس، واعتماد التّأويل من أجل تحرير الإنسان. فالعقلانيّة غايتها الاعتدال في كلّ الظّروف.

وعليه نطرح السّؤال الآتي: كيف تجلّى النّسق الفكريّ الرّشديّ في قراءته لثنائيّة الحكمة والشّريعة أو ثنائيّة العقل والنّقل؟

إن الإحساس بالحاجة إلى التّوفيق بين الفلسفة، والحكمة والشّريعة عاطفة طبيعيّة يحسّ بها كل من عُني بالبحث في هاتين النّاحيتين، ومحاولة هذا التّوفيق تعدُّ إلى حد ما واجبًا لازم الأداء، وأمرًا ينساق إليه الفليسوف المتدين صاحب العقيدة التي لها قادتها في رأيه، وذلك لأكثر من عامل واحد:

أولًا: ليحقق الانسجام بين ما وصل إليه بعقله وبين معتقده الموروث عن الآباء والأجداد العامر في قلبه، الذي يراه فوق كلّ شك، وإن عزّ عليه أحيانًا أن يفهم بعض ما جاء به أو بعض ما يستلزمه.

ثانيًّا: ليتجنب غضب الفقهاء الذين يرون كل تفكير عقليّ حرّ ضربة موجهة للدين الذي لم يأتِ عن طريق العقل، بل عن طريق الوحي، وليكونَ كذلك بمأمن من غضب العامّة وتعصّبهم، العامّة الذين يشعرون بمَيْل طبيعيّ للذورة على الممتازين بأيّ نوع من أنواع التّمييز وخصوصًا إن دفعوا لذلك التّعصّب من رجال الدّين الذين يرون لأنفسهم فضلًا في العقل والتّفكير، ويزعمون أنّهم قادرون على فهم ما تحسبه العامّة أسرارًا، وأمورًا فوق طاقه الإنسان إدراكها.

– واذا كانت محاولة التّوفيق بين الوحيّ، والعقل ما لا يجد منه بدًّا كل من يشتغل بالفلسفة بصفة عامة فهي كذلك بالنسبة إلى فلاسفة الإسلام للأسباب المتقدمة.

–  من أجل ذلك نرى اليونان، وقد عرف ما يجب أن يكون من علاقة بين “الفلسفة والتّقاليد”، أو “الأساطير الدّينيّة”، كما نجد للمسائل الدّينيّة حظًّا لدى كل المدارس الفلسفيّة ورجالها، وخصوصًا سقراط، وأفلاطون، والرّواقيّين، وفلاسفة الإسكندرية، فإنّهم جميعًا يحرّمون تفويض الدّين الذي يوفون له جدواه الأخلاقيّة والاجتماعيّة.

أمّا بالنسبة إلى المسلمين فإن الذي يفهم الإسلام وروحه وتعاليمه التي تدعو إلى الأخذ بالوسط في كلّ الأمور، وتوجب الإصلاح بين المتخاصمين، والتّوفيق بين المتنازعين، الّذي درس تاريخ الإسلام، لا سيما النّاحية العلميّة نقول: إن من كان هذا حاله يرى أن روح التّوفيق بصفة عامّة كان طابعًا للمسلمين في النّواحيّ النّظريّة كلّها تقريبًا فكلّما وجدت مذاهب متعدّدة، أو متعارضة كانت توجد مذاهب تحاول التّوفيق بينها باتّخاذ موقفًا وسطًا، تؤلّف به بين أطرافها.

  • فاذا كانت نزعة التّوفيق من النّزاعات الغالبة على مفكّري الإسلام بصفة عامّة في جميع أنواع التفكير، فأولى ثم أولى للفلاسفة أن يعملوا على التّوفيق بين الدّين الذي يعتقدون صحّته، والفلسفة التي عمادها النّظر الصّحيح، والمنطق السّليم.

على أنه كانت هناك عوامل أخرى، تجعل لزامًا عليهم محاولة الوصول إلى التوفيق بينها هذه العوامل ترجع إلى:

١-  بعد المسافة الفكريّة بين الدّين وفلسفة أرسطو في كثير من المسائل، كمسألة الألوهيّة، وتحديد صفات الله وخصائصه وخلق العالم، وقدّمه وحدوثه، والصلة بينه وبين الله والنّفس وخلودها.

٢-  مهاجمة كثير من رجال الدّين للبحوث العقليّة الحرّة التي لا تتقيد في نتائجها بأيّ عقيدة مقرّرة مسبقًا، ويضاف إليها تعصّب العامّة والأمراء أحيانًا ضدّ المفكرين الأحرار مدفوعين بدوافع لا تتصل بالدّين في الحقيقة في أكثر من الأحيان.

3- وأخيرًا، الرّغبة في أن يكونوا – الفلاسفة – بنجوة من هذا التّعصب وآثاره، ليستطيعوا العمل في هدوء، ولئلا يتحاماهم النّاس حين يرون أو يظنون أنّهم على غير وفاق مع الشّريعة والدّين.

من أجل ذلك كلّه نجد فلاسفة الإسلام جميعًا حاولوا التّوفيق سواءً منهم من تقدّم به الزّمن ومن تأخّر، مع اختلاف في المناهج التي اصطنعوها، والجهود التي خاضوها لبلوغ الغاية المرجوّة منهم جميعًا، ومع تفاوت في مبلغ قدر لهم النّجاح.

كانت تلك من أكثر المسائل أهمّيّة التي تناولها ابن رشد، وذلك لتفتيت الخصومة المزعومة بين الأدلة النقليّة والبراهين العقليّة، والتّأكيد على ضرورة وإمكانيّة وجود رابطة قويّة بينهما، وتجدر الإشارة في هذا المقام إلى أن فلسفة ابن رشد وأفكاره بقيت في سياق الثقافة العربيّة الإسلاميّة في العصور الوسطى من دون أثر يذكر، بينما كان لها الأثر البالغ في الفكر العربيّ فقد ظهر هنا اتّجاه فكريّ وفلسفيّ يعرف في تاريخ الفلسفة الوسيطة باسم الرّشديّة خصوصًا في دعوته إلى الاعتماد على العقل والتّجربة، ما مهّد السبيل إلى الثوّرة العلميّة في عصر النهضة الأوروبيّة. لقد تجلت أهميّة ابن رشد في نظرته إلى المعرفة على إنّها نسبيّة غير مغلقة، وهو يرى أنّ العلوم الإنسانيّة ما هي إلاّ علوم نسبيّة تبدأ بالإحساسات، ثم إلى الصورة والخيال وصولا إلى المعانيّ الكلية. ونلاحظ أن ابن رشد لم يعط أهميّة مطلقة للأحكام العقليّة وتجريدها من إحساسات الإنسان بواقعه ومحيطه، بل أدرك أن الإنسان يبدأ بإدراك هذا الواقع عن طريق الحواس، ومن ثـــَــمَّ تنبيه إلى أهمّيّة العقل في إدراك الموجودات ومعرفه أسبابها، فالعقل الذي يدرك أسباب الموجودات يستطيع أن يدرك الموجودات، والمعرفة لتلك الموجودات لا تكون كاملة إلا بمعرفة أسبابها. ومن الملاحظ أن ابن رشد يستخدم الأدلة الشّرعيّة لبيان أهمّيّة الفلسفة فيقول: “إنّ الغرض من هذا القول أن نفحص، على جهة النظر الشّرعيّ هل النّظر في الفلسفة وعلوم المنطق مباح بالشرع”([11])، وبالتّالي فهو يؤكّد على ضرورة النّظر العقليّ كوسيلة لدراسة الموجودات. في كلّ هذا ينطلق ابن رشد من حقيقة علميّة مفادها أنّ الشّرع يوجب النّظر العقليّ، ويوجب استعمال البرهان لمعرفة الله تعالى موجوداته. كما صرح ابن رشد الآخر، والاستعانة بما قاله الفلاسفة السابقون حتّى ولو كانوا على غير ملتنا وديننا. وهكذا فإنّ الاطّلاع على كتب الفلسفة، والعلوم الأوائل واجب بالشّرع. فكما أنّه لا حرج علينا في استعمال إله القدماء التي هي المنطق في عصمة أذهاننا الخطأ، فكذلك لا ضير علينا في الرّجوع إلى حكمتهم، والفحص عما انتهوا إليه خصوصًا في نظرتهم إلى الموجودات، و”لسنا ملزمين بأخذ كل العلوم التي أتى بها الفلاسفة اليونان، بل علينا أن ننظر في الّذي قالوه في كتبهم، فما كان منها موافقًا للحقّ قبلنا، وما كان منها غير موافق للحقّ حذرنا، وهذا ما أوجبه الشّرع”([12]). لقد أراد ابن رشد في مناقشته لقضية الحكمة والشّريعة (العقل والنقل) إثبات العديد من الأمور منها: أنّ النّقل والعقل ليس بخصمين، وأنّه لا تعارض بين التّسليم بظاهر النّصوص، والتأكيد على فكر أعمق مستتر وراءها، وأنّ أخطاء بعض من تعاطى الفلسفة لا يرد إلى الفلسفة ذاتها، وأنّ التّلويح بسيف التّكفير، يؤدي إلى جمود الفكر ويؤذن بأفول وانحدار الحضارات، ويقول في ذلك: “إنّ الغرض من هذا القول هو أن نفحص على جهه النّظر الشّرعيّ. هل النّظر في الفلسفة وعلم المنطق مباح بالشّرع؟ أم محظور؟ أم مأمور به أما على جهة النّدب – أي الاستحباب – وأمّا على جهة الوجوب؟ فنقول إنّ كان فعل الفلسفة ليس شيئًا أقصر من النّظر في الموجودات وعدّها من جهة دلالتها على الصانع، أعني من جهة كونها مصنوعات، فإنّ الموجودات إنّما تدلّ على الصانع لمعرفه صناعاتها، وأنّه كلما كانت المعرفة بصناعتها أتمّ، كانت المعرفة بالصانع أتمّ، وكان الشّرع قد ندب إلى اعتبار الموجودات، وحثّ على ذلك. فبيّن أنّ ما يدلّ عليه هذا الاسم، إما واجب بالشّرع، وإمّا مندوب إليه، فأمّا أنّ الشّرع دعاء إلى اعتبار الموجودات بالعقل وتطلب معرفتها به فذلك تبيّن في غير ما آية من كتاب الله تبارك وتعالى مثل قوله: (فاعتبروا يا أُولي الأبصار…)”([13]). وهنا نجد أنّ ابن رشد يسارع في خطبة كتابه “أصل المقال” بالإفصاح عن غايته مؤكّدًا على أنّ مطلبه مستمدّ من سلطة النّص القرآنيّ الأمر الذي يصبغه الصّبغة الشّرعية، وعلى هذا النّحو، وقد جاءت المقدمة الأولى للخطاب نقليّة لتقييد سلطة الخصوم، وإقناعهم بالنتيجة البرهانيّة التي انتهى اليها ألا وهي، النّظر العقليّ واجب على اُولي الأبصار ومندوب للجمهور. ويقول مبررًا لدعوته للنّظر العقليّ وتأويل النّص القرآنيّ” “إذا كانت هذه الشّريعة حقًّا وداعية إلى النّظر المؤديّ إلى معرفة الحقّ، فإنّ معشر المسلمين، نعلم على القطع أنّه لا يؤدي النّظر البرهانيّ إلى مخالفة ما ورد به الشّرع، فإنّ الحقّ لا يضار الحقّ، بل يوافقه ويشهد له”([14]). إنّ فيلسوف قرطبة وقاضي قضاتها، يتحدث في هذا الكتاب – فصل المقال – لا من موقع الفيلسوف الذي يلتمس وسيلة للدّفاع عن الفلسفة، والتّوفيق بينها وبين الدّين، بل بالعكس، هو يطرح المسألة على صعيد نظر الشّرع، صعيد الاجتهاد الفقهيّ فالكاتب، إذًا؛ فتوى استئناف أو نقض في موضوع شرعيّة الفلسفة يصدرها قاضٍ متمرس ومجتهد. أمّا المخاطبون المعنيون الأوائل بهذه الفتوى فهم من دون شك الفقهاء والمتكلمون، خصوصًا منهم من نهى عن النّظر في كتب القدماء – ومنها كتب الحكمة – وحكموا بالكفر على المشتغلين بها، لا إسنادًا إلى نص صريح. وليس هناك نص في الموضوع، بل بدعوى أنّ الفلاسفة خرقوا الإجماع بتأويلهم أشياء في الشّرع قيل عنها: “أجمع المسلمون على حملها على ظواهرها”([15]). كما وجّه ابن رشد خطابه – بالدّرجة الثّانية – إلى الجمهور وكأنّه يدعوهم برفق إلى التّفسير العقليّ مع علمه بأنّهم من أهل الظاهر، ويؤكّد أنّ التّأويل العقليّ الذي يدعو له لا يناهض المعنى الظّاهر، بل يزيده وضوحًا، ويكشف عن المعانيّ الكامنة وراء النّص. ويفصح ابن رشد في تذييل خطابه عن صدق نيته في توضيح طبيعة العلاقة بين الحكمة، والشّريعة مبيّنًا أنّ دربه وهو السّبيل الذي يجب أن يسلكه من بعده كلّ حريص على سلامة الشريعة ويقول: “وبودنا لو تفرغنا لهذا المقصد وقدرنا عليه وأن أنشأ الله في العمر، فسنثبت فيه قدر ما تيسر لنا منه، فعسى أن يكون ذلك مبدأ لمن يأتي بعدنا”([16]). ويضيف: “إنّ الحكمة هي صاحبة الشّريعة والأخت الرّضيعة فالأذيّة ممن ينسب إليها هي أشد الأذية، مع ما يقع بينهما من العداوة والبغضاء والمشاجرة، وهما المصطحبتان بالطبع،المتحاجبتان بالجوهر والغريزة”([17]). لقد حسم ابن رشد القضيّة في عنوان خطابه (فصل المقال في ما بين الحكمة والشّريعة من الاتصال) أي صفوة القول في توضيح الرّابطة بين الفلسفة والدّين. إن إزالة الفرق بين المنقول والمعقول هي المقدمة التي يجب على من يشهد الإصلاح عملها، ويقع من يلقي عليهم خطابه بصدقها.

لذلك فإنّ النّموذج الذي يجب أن يحتذى في سبيل التّوفيق بين النقل والعقل هو ابن رشد. وأنّ أفول نجم الثقافة الإسلامية، يرجع في أحد أسبابه إلى إخفاق أبي الوليد في الذّود عن العقل ضد هجمات الرّجعيين الذين أنكروا تلك الرّابطة الوثيقة، والتي تربط بين النّقل والعقل ويقول الدكتور زكيذ نجيب محمود في هذا السّياق: “فقد يجد الفيلسوف المسلم أنّه دين -يقصد الإسلام – لا يتناقض مع العقل، إلى الحدّ الذي يمكن معه أن نرى الحقيقة الواحدة، قد وردت في فلسفة اليونان بلغة الفلسفة، وفي نصوص الإسلام بلغة الشريعة ما يدل على أنّ خط الشّريعة وخط العقل الخالص متوازيان”([18]).

وهكذا كانت مَهَمَّة ابن رشد على الرّغم من الصّعوبات، والمعوّقات الأساسيّة هي ارتباط المنقول بالمعقول. لقد قال فليسوف قرطبة العصمة المطلقة للقرآن في الوقت نفسه أمر بوحدة الحقيقة وتكافئها بين الفلسفة والشّريعة. وهنا تظهر إحدى ميزات النّسق الفكريّ لدى ابن رشد، حين استخدم التأويل كآليّة فاعلة لتحقيق التّوافق والوحدة بين معانيّ النّصوص الشّرعية والفلسفة العقليّة. سعى ابن رشد إلى تأصيل العقيدة تأصيلًا عقلانيًّا وفي الوقت نفسه، وسعى إلى إيجاد تأسيسات عقيديّة لبنائه المعرفيّ الفلسفيّ. وغذا كانت الفلسفة قائمة على الاستدلال والبرهان، فإنّ الدّين قائم على الاستدلال الخطابيّ، خصوصًا أن الكثير من دلالاته ومعانيه رمزية. ولهذا السّبب يرى ابن رشد أنّ حلّ هذه الإشكاليّة يكون في تجريد الدّين من الرّمزية بواسطة التأويل. فليس هناك تناقض بين الوجهة الدّينيّة، والوجهة الفلسفيّة، لكن كلّ ما في الأمر أنّ الدّين عبّر عن بعض الحقائق في صورة تمثيليّة لتقريبها من أذهان النّاس، والفلسفة ترجع بنا إلى حقائق هذه المثالات. ننتهي من هذا إلى القول إنّنا لو أردنا البحث في الأسس والجذور للنّسق الفكريّ أو المنهج النّقديّ عند ابن رشد، نرى أنه لا بدّ من أن نضع في الحسبان عوامل ساعدت ابن رشد على تكوين هذه الذّهنيّة منها اشتغاله بالقضاء، ودراسته في المسائل الفقهيّة الخلافيّة، وخصوصًا إذا لاحظنا أنّ ابن رشد يلجأ إلى القياس – كما سبق وذكرنا – والاجتهاد سواء في المسائل الفقهيّة الخلافيّة، أو في الموضوعات والمشكلات الفلسفيّة التي بحث فيها سواء في كتبه المؤلفة، أو كتبه الشّارحة. كلّ هذه العوامل ساعدت فيلسوف قرطبة على بلورة رؤية عقلانيّة في قراءة الظواهر، تتجلّى هذه العقلانية في إيمان فيلسوفنا، بأن الله وضع نواميس لهذا الكون، ونشأتنا تشهد بحكمته، وقدرته. وهنا إشارة إلى مبدأ كرّسه ابن رشد في قراءاته ومؤلَّفاته: هو مبدأ السّببيّة.

  • ثالثًا: السّببيّة عند ابن رشد

السّببيّة هي تلك العلاقة بين السّبب والمسبّب، أي الصّلة بين حادثتين مطّردتين بانتظام. ومقتضاه أنّه “لا يمكن أن يحدث شيء من دون أن يكون هناك سبب، أو علّة محدّدة تصلح تفسيًرا لحدوثه، وتكون هذه العلّة كافية إذا كانت قادرة على التّفسير الحقيقيّ الكامل لذلك الحدوث”([19]). لقد آمن فلاسفة الإسلام أشدّ الإيمان بالسّببيّة، فما في الكون مرتبط بعضه ببعض ارتباط العلّة بالمعلول، ورأوا في ذلك مظهرًا من المظاهر الدّالة على الله سبحانه وتعالى وتدبير. يقول الكندي: “إنّ في نظم العالم وترتيبه، وفعل بعضه ببعض، وانقياد بعضه لبعض، وتسخير بعضهم لبعض، واتقان هيئته على الأمر الأصلح، في كون كل كائن، وفساد كل فاسد، وثبات كل ثابت، وزوال كل زائل لأعظم دلالة على أتقن تدبير”([20]). ويعبّر الفارابيّ عن ذلك أيضًا فيقول: “كل ما لم يكن فكان له سبب، ولم يكن العدم سببًا لحصوله في الوجود، والسبب إذا لم يكن سببًا ثم صار سببًا فالسبب صار سببًا، ولن تجد في عالم الكون والفساد طبعًا حادثًا، أو اختيارًا حادثًا إلا من سبب، ويرتقي إلى مسبب الأسباب”([21]). وكذلك ابن رشد ذهب أيضًا إلى القول بتلك العلاقة، وانتقد المتكلمين في نفيهم العلاقة الضروريّة بين الأسباب والمسبّبات، وقولهم بإرجاعها إلى العادة. وفي ذلك “يقول إنكار وجود الأسباب الفاعلة التي تشاهد في المحسوسات قول سوفسطائي، والمتكلم بذلك أما جاحد بلسانه لما في جنانه، وأمّا منقاد لشبهة سوفسطائيّة عرضت له في ذلك. ومن ينفي في ذلك الشّاهد فليس يقدر أن يعترف أن كل فعل لا بد له من فاعل”([22]). إذًا، فالسّببيّة تُعدّ من الأفكار البديهيّة التي لا سبيل إلى إنكارها، فالتّعاقب المنظم في الطبيعة، والاعتقاد بأنّ لكل شيء سببًا قد جعلنا نتساءل عن السبب الكامن وراء كل الظواهر. فالقرآن الكريم يدعو الناس إلى النظر في العالم، وما فيه من مخلوقات، وهي ما لا شك فيه تعد دعوة إلى إرجاع الأشياء إلى أسبابها. فالزرع مثلًا لا يطلع من الأرض إلا بسبب نزول المطر الذي يكون السبب في نماء الزّرع، ولو انقطع المطر لأجدبت الأرض. “ولا تقف دعوه القرآن الكريم عند هذا الحد بل تمتد إلى البحث في ما وراء تلك التي يمكن أن تعدها أسبابًا قريبة لحدوث الأشياء ووجودها إلى ما هو بعيد – إلى العلّة الأولى – إلى الله تعالى سبب الأسباب جميعًا، وعلّة العلل وليس وراءه علّة، وهو علّة نفسه”([23]). لا شكّ في أن فيلسوفنا ابن رشد كان رائد الدّعاة إلى الإيمان بالسّببيّة كمبدأ عقليّ، وفي فكره لا بدّ من التمييز بين نوعين من السّببيّة: “السّببيّة الإلهية، وهي تتمثل في الفعل الذي يدخله الإله على المادة الأولى، أيّ أنّها تكون مباشرة”([24])، والسّببيّة الطبيعيّة (الحسيّة) وهي كون الشيء ما في العالم يكون سببًا لآخر. السّببيّة عند ابن رشد اتّصاليّة، ومثال ذلك أنّ الله خلق آدم، وآدم أصبح سببًا لكلّ البشر، وهذه هي عين السّببيّة الطبيعيّة. إنّ القول بالأسباب الطبيعيّة، في فكر ابن رشد لا يمسّ الإرادة الإلهيّة، بل من شأنه أن يثبت صانع العالم وحكمته، أمّا نفيها فهو يسقط جزء من الاستدلالات على الصانع، بخلاف ما ذهب إليه البعض، إذ “لو علموا أنّ الطبيعة مصنوعة، وأنّه لا شيء أدلّ على الصّانع من موجود بهذه الصّفة في الإحكام، لعلموا أنّ القائل بنفي الطبيعة قد أسقط جزءًا عظيمًا من موجودات الاستدلال على وجود الصانع بجهده جزءًا عظيمًا من موجودات الاستدلال على وجود الصّانع بجحده جزءًا من موجودات الله”([25]).

إلى جانب ذلك أيّد ابن رشد فكرة السّببيّة، واقتران الأسباب بمسبّباتها عن طريق دليل العناية، وهو الوقوف على العناية بالإنسان، وخلق جميع الموجودات من أجله، وعن طريق دليل الاختراع فاللّه تعالى هو المخترع لجواهر جميع الأشياء التي تقترن بها أسبابها التي جرت العادة أن يقال: إنّها أسباب لها. فهذا الوجه المفهوم من أنه لا فاعل إلا الله، هو مفهوم يشهد له الحسّ، والعقل، والشّرع.

ولهذا أكد ابن رشد ضرورة التّلازم بين السبب، والمسبب، أو العلّة والمعلول لأنه في ذلك يقتضي الحكمة، أو أحكام النّظام والتّرتيب في الموجودات، وبين الأشياء وبعضها من الأخرى، وكذلك يدلّ على حكمة الله تعالى في خلقه وموجوداته، يضاف إلى ذلك أنّ المنطق والعقل يقتضيان بالتّتابع، والتلازم بين الأسباب والمسببات في إشارة إلى السّببيّة الطبيعيّة الحسّيّة. لقد أكد فيلسوفنا في غير مناسبة عدم وجود تعارض بين الإرادة الإلهية وبين السّببيّة الطبيعيّة التي نادى بها. ويقرر ابن رشد أنّه على الرّغم من وجود الخاصيّة الطبيعيّة لكلّ شيء ولكلّ موجود، وكذلك لكل موجود فعل فاعل معين، لكنه يؤكد أن الفعل الذّاتي يكون بإذن الله تعالى، وإنّه يمكن أن يعطّل هذه الخاصيةّ أو الطبيعيّة الخاصة بالأشياء وأفعالها كما أنّها تسير طبقًا لطبيعتها وفعلها، فالنّار إلى جوار القطف ولا يحترق، وأيضًا المعجزة الإلهية الخاصة بسيدنا إبراهيم عليه السّلام حين ألقى به في النّار لم تتجنب هذا السّياق”([26]). ويعزو ابن رشد التّعارض الذي يقيمه خصومه بين القول بتاثير الأسباب الطبيعيّة وبين إثبات الإرادة الإلهية، ويرجع هذا الأمر إلى فهم غير دقيق، ولا صحيح لمفهوم الإرادة. ويؤكد ابن رشد أنّ الذي قاد خصومه من المتكلمين إلى إنكار التّعاقب الضروريّ بين الأسباب ومسبباتها، هو الهروب من القول بفعل. القوة الطبيعيّة التي ركّبها الله في الموجودات التي في هذا العالم، كما ركّب فيها النفوس، وغير ذلك من الأسباب المؤثرة فهربوا من القول بالأسباب لئلا يدخل عليهم القول إنّ هناك أسباب فاعلة غير الله، فهذا خطأ، لأنّ الله سبحانه وتعالى هو الخالق للأسباب والعالم بها، الأسباب مؤثرة في مسبّباتها بإذنه تعالى وحفظه. وحول صراعه مع المتكلّمين في مسألة السّببيّة، لعلّ ابن رشد أشار في غير موضع إلى رفضه التّأويل في الشّرائع، والمعجزات وغير ذلك من الغيبيّات، لأنّها أمور إلآهيّة لا يرقى العقل الإنسانيّ إلى إدراكها، وهذا هو مفهوم “الظاهر من العقائد” الذي تمسّك به ابن رشد، بديلًا عن تأويلات المتكلّمين التي اتّخذت شكلًا وثوقيًا منغلقًا، مفهوم يدعو إلى الاقتصار في فهم النّصوص الدّينيّة على ما كان يقام بها زمن النّبوة بوصفها تقصد أوّل ما تقصد إلى العمل إلى غرس الفضيلة، وليس إلى إعطاء تصوّر نهائيّ للكون وظواهره. إن ظواهر الكون يدرسها العلماء من أجل تحصيل معرفه برهانيّة بها. أمّا الدّين فهو يتخذ منها وسيلة لتنبيه العقول والفطرة إلى أنّها، وهي تجري بنظام وترتيب، آية أو علامة على أنّ هناك صانعًا صنعها وبالتالي العمل على أن تجري الحياة البشرية هي الأخرى بنظام وترتيب فلا تصادم ولا فوضى ولا جور ولا ظلم. وبعد، إنّ المعرفة تستحيل من دون مبدأ السّببيّة لكونها معرفة الأسباب، وقوانين الموجودات، والظواهر، كذلك يستحيل التّقدم العلميّ القائم على البحث المتواصل عن الأسباب كما أنّ الفكر التّصوريّ الفلسفيّ، والعلميّ ينطلقان من مبدأ البحث عن الأسباب كل ضمن سياق نهجه ومثاله الخاصّ. من هذه الذّهنيّة جاء ابن رشد للعالم كخاتمة لعصر ازدهار الفلسفة العربيّة الإسلامية، وحيث أعطى هو نفسه هذه الفلسفة دفعة من الازدهار لم تشهدها من قبل، وقد استوعب عقله كلّ الأعمال الفلسفيّة للذين سبقوه في هذا الميدان. وهو الشّارح الأكبر لأرسطو، والمفكر الذي تصدى بالنقد، والتحليل لمشكلات الفلسفة الإسلاميّة وقضاياها، وتكمن أهمّيّته الفلسفيّة أنّه بنهجه الفلسفيّ المؤسّس على مبدأ السّببيّة، والقياس البرهانيّ، قام بما يمكن تسميته في حينه بانقلاب معرفي مُهمّ، حيث قلب المعادلة السّائدة عند علماء الكلام، وهي الانطلاق من الصّانع الفاعل للبرهنة على الموضوع الفعل، ووجب معرفه الصّانع أوّلًا أي استنباط المعلوم من المجهول، أو الشّاهد من الغائب، وأصبحت المعادلة عكسيّة مع ابن رشد أي الانطلاق من المصنوع للبرهنة على الصّانع، واستنباط المجهول من المعلوم، يضاف إلى ذلك تأسيسه لبناء معرفي قائم على التمييز بين مراتب الوجود، والمعرفه وعلى القول بالأسباب المادّيّة، والوجود الموضوعيّ المستقلّ للأشياء والموجودات. وتتعدّى السّببيّة عند ابن رشد بُعدها النّظريّ، وتتميّز بأهمّيّة خاصة في مجال التّجربة، والتّطبيق العلميّ، فمعرفة الأسباب عنده لا تنحصر بمجرّد معرفة الظّواهر، واستنتاج الرّوابط والعلاقات السّببيّة، بل إن للتّطبيق العمليّ دوره في اكتشاف السّبب، والتحقق من خلال تدخل العمل الإنسانيّ لاستحداث أشياء، أو لعلاج عوارض الأمراض، فالمعرفة النّظريّة بمبادئ علم وظائف الأعضاء والتّشريح والأمراض المتعدّدة لا تكفي لعلاج أيّ مرض إذ لا بدّ من التّدخل بالعقاقير، أو الجراحة من أجل إتمام العلاج: وهنا يصبح التّطبيق في هذا المجال وسيلة ضرورية لمعرفة الأسباب والتّحقق التّجريبيّ من صحتها. فابن رشد يؤكّد إذًا الجانب التّطبيقيّ في مفهوم السّببيّة لذلك لم يضع مسبقًا المقدّمات، أو الافترضات لكي يأتي بعد ذلك بفلسفة تنسجم معها، فهو بذلك وضع مرحلة للعمل سابقة على مرحلة النّظر، ذلك أنّ التّطبيق العمليّ هو الذي يكشف لنا مدى صدق مقدّمتنا، أو افتراضاتنا، بل يغنيها، ويطوّرها، أو قد يغير أحيانًا من هذه المقدمات والافتراضات. وعليه إنّ عقلانيّة ابن رشد، ونزعته المادّيّة القائلة بالوجود المستقلّ للموجودات، وضرورة معرفتها انطلاقًا من مبدأ السّببيّة والقياس البرهانيّ، وإسهاماته الفلسفيّة الإبداعيّة، والنّقديّة، والعلميّة في العديد من المجالات جعلته يحتلّ المكان الأبرز في تاريخ الفلسفة العربيّة الإسلاميّة.  ليست هذه خلاصة بالمعنى الاصطلاحيذ للكلمة،فموضوع ابن رشد يجب أن يبقى مفتوحًا. لقد حاولنا في الصفحات الماضية جعل الحديث عن ابن رشد يدور حول محور واحد هو “تصحيح” صورة ابن رشد في الفكر المعاصر: تصحيح التّصور السّائد والضبابيّ حوله، وتصحيح الصّورة الغامضة التي في أذهان الناس عن عمله العلميّ، وعقلانيّته ونسقه الفكريّ النّقديّ.

 خاتمة البحث

لقد وُهب ابن رشد عقلًا موسوعيًّا شاملًا، كان قادرًا في بعض الحالات على تجاوز مرحلة مجرّد الهواية، ليسمو نحو التّخصص والممارسة المحترفة مكوّنًا لنفسه منهجًا، أو لِنَقُل نسقًا خاصًّا قرن باسمه مدى الحياة.

واعتمادًا على هذا النّسق في قراءة الإشكاليّات العلميّة توصل ابن رشد إلى توازن حقيقيّ في ما يخصّ التّوفيق بين العقل، والإيمان مستوعبًا المعارف العقلانيّة (أي الفلسفة)، ثم القانون الدّينيّ (أي الشّريعة).

وقد أراد فيلسوفنا في مناقشته لقضيّة الحكمة والشّريعة (العقل والنّقل) إثبات العديد من الأمور منها: أن النقل والعقل ليسا بخصمين، وأنّه لا تعارض بين التّسليم بظاهر النّصوص والتأكيد على فكر أعمق مستتر ورائها. وأن خطأ بعض من تعاطى الفلسفة لا يُرد إلى الفلسفة ذاتها، وأن التلويح بسيف التّكفير يؤدّي إلى جمود الفكر، ويؤذن بأفول الحضارات وانحدارها. ويسارع ابن رشد في خطبة كتابه “فصل المقال” بالإفصاح عن غايته، مؤكّدًا أنّ طلبه مستمدّ من سلطة النّص القرآنيّ الأمر الذي يصبغه بالصّبغه الشّرعيّة. كما قال بالعصمة المطلقة للقرآن، وفي الوقت نفسه آمن بوحدة الحقيقة، وتكافئها بين الفلسفة، والشّريعة. وعن مبدأ السّببيّة فإنّ القول بالأسباب الطبيعية في فكر ابن رشد لا يمسّ الإرادة الإلهيّة، بل من شأنّه أن يثبت صانع العالم، وحكمته أمّا نفيها فهو يسقط جزءًا من الاستدلالات على وجود الصانع. إن المعرفه تستحيل من دون مبدأ السّببيّة لكونها معرفة الأسباب مقابلين الموجودات والظواهر، كذلك يستحيل التّقدم العلميّ القائم على البحث المتواصل عن الأسباب كما أن الفكر التّصوريّ الفلسفيّ، والعلميّ ينطلقان من مبدأ البحث عن الأسباب، كل ضمن سياق نهجه ومثاله الخاصّ. كما تعدّدت السّببيّة عند فيلسوفنا ببعدها النّظريّ فهي تتميّز بأهمّيّة خاصّة في مجال التّجربة والتّطبيق العمليّ.

أخيرًا، لقد انتصر ابن رشد للعقل، وتميّز بنزعته التّنويريّة وخصوصًا حين دعا إلى الانفتاح على كلّ الثّقافات، والتّيارات الأجنبية الخارجيّة. وذلك حين اتّجه إلى شرح أرسطو وقال: “فلنضرب بأيدينا إلى كتبهم (فلاسفة اليونان) فإن كان فيها شيء يُعدّ صوابًا قبلناه منهم، وشكرناهم عليه، وإن كان فيها شيء يُعدّ خطأ نبّهنا إلى هذا الخطأ”.

المصادر والمراجع

1- يوحنا قمير، فلاسفة العرب (ابن رشد)، دار المشرق، ط4، بيروت، 2007، ص7.

2- محمد يوسف موسى، بين الدين والفلسفه، في رأي ابن رشد وفلاسفه العصر الوسيط، العصر الحديث للنشر والتوزيع، ط2، بيروت، 1998، ص27.

3- فؤاد كامل، الموسوعة الفلسفية المختصرة، منشورات مكتبة النهضة، بغداد، (د.ت)، ص12.

4- دومينيك أوروفو، ابن رشد: طموحات مثقّف مسلم، ترجمة: محمّد البحريّ، مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، بيروت، 2011، ص16.

5- ابن الأبار: التكلمة لكتاب الصلة، تحقيق: عزت العطار الحسيني، طبعة القاهرة، 1956، ص74.

6- نور الدين أبو الحسن علي بن محمد سعيد المغربي، المغرب في حلى المغرب، دار المعارف، 120، القاهرة، 1955، ص104.

7- الضروري في أصول الفقه: مختصر كتاب المستصفى، تحقيق: جمال الدين العلوي، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1994، ص124.

8- محمد عباسة، الفلسفة العقلانية عند ابن رشد، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، العدد الحادي عشر، 2011، ص12.

9- ابن رشد، فصل المقال في ما بين الشريعة والحكمة من الاتّصال، دراسة وتحقيق: محمّد عمارة، دار المعارف بمصر، القاهرة، 1972، ص22.

10- زكي نجيب محمود، رؤية إسلامية، دار الشروق، ط2، القاهرة، 1993، ص162.

11- محمد باقر الصدر، فلسفتنا، دار التعارف، ط10، بيروت، 1980، ص72.

12- رسائل الكنديّ الفلسفية، تحقيق: محمّد عبد الهادي أبو ريدة، دار الفكر العربي، القاهرة، 1950، ص215.

13- كتاب الملّة، تحقيق: محسن مهدي، دار المشرق، ط2، بيروت، 1991، ص79.

14- محمد عابد الجابري، تهافت التهافت، انتصارًا للروح العلمية وتأسيسًا لأخلقيات الحوار، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، (د.ت)، ص74.

15- إبراهيم محمد صقر، قضايا في الفلسفة الإسلامية، دار الهداية للطباعة والنشر والتوزيع، ط1، القاهرة، 2007، ص292.

16- محمد بن أحمد بن رشد، تفسير ما بعد الطبيعة، تحقيق: موريس بويج، المطبعة الكاثولوكية، بيروت، 1948، ص694.

17- محمد محمود عبد الحميد أبو قحف، مذهب التأويل في فلسفة ابن رشد، دار الحضارة للطباعة والنشر والتوزيع، طنطا، 1999، ص162.

[1]– دكتوراه في التاريخ من الجامعة اللبنانيّة المعهد العالي للدكتوراه.

[2] – يوحنا قمير، فلاسفة العرب (ابن رشد)، دار المشرق، ط4، بيروت، 2007، ص7.

[3] – محمد يوسف موسى، بين الدين والفلسفة، في رأي ابن رشد وفلاسفة العصر الوسيط، العصر الحديث للنشر والتوزيع، ط2، بيروت 1986، ص27.

[4] – فؤاد كامل، الموسوعة الفلسفية المختصرة، منشورات مكتبة النهضة، بغداد، (د.ت)، ص 12.

[5] – دومينيك أورفوا، ابن رشد: طموحات مثقّف مسلم، ترجمة: محمّد البحريّ، مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، بيروت، 2011، ص16.

[6] – ابن الأبار: التكملة لكتاب الصلة، تحقيق: عزت العطار الحسيني، طبعة القاهرة، 1956، ص74.

[7] – نور الدين أبو الحسن علي بن محمد بن سعيد المغربي، المغرب في حلى المغرب، دار المعارف، القاهرة، 1955/ 126، ص104.

[8] – دومينيك اورفوا، المرجع السابق، ص46.

[9] – ابن رشد، الضروريّ في أصول الفقه: مختصر كتاب المستصفى، تحقيق: جمال الدين العلويّ، دار الغرب الإسلاميّ، بيروت، 1994، ص 124.

[10] – محمد عباسة: الفلسفة العقلانية عند ابن رشد، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، العدد الحادي عشر، 2011، ص12.

[11] – ابن رشد، فصل المقال في ما بين الشريعة والحكمة من الاتّصال، دراسة وتحقيق: محمّد عمارة، دار المعارف بمصر، القاهرة، 1972، ص 22.

[12] – ابن رشد، المصدر نفسه، ص28.

[13] – ابن رشد، المصدر نفسه، ص43.

[14] – المصدر نفسه، ص51.

[15] – ابن رشد، المصدر نفسه، ص62.

[16] – ابن رشد،المصدر نفسه، ص71.

[17] – ابن رشد المصدر نفسه، ص71.

[18] – زكي نجيب محمود، رؤية إسلامية، دار الشروق، ط2، القاهرة، 1993، ص162.

[19] – محمد باقر الصدر، فلسفتنا، دار التعارف، ط15، بيروت، 1980، ص72.

[20] – رسائل الكندي الفلسفية، تحقيق: محمد عبد الهادي أبو ريدة، دار الفكر العربي، القاهرة، 1950، ص 215.

[21] – كتاب الملة، تحقيق: محسن مهدي، دار المشرق، ط2، بيروت،1991، ص79.

[22] – محمد عابد الجابري، تهافت التهافت، انتصارًا للروح العلمية وتأسيسًا لأخلاقات الحوار، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، د.ت، ص74.

[23] – إبراهيم محمد صقر، قضايا في الفلسفة الإسلامية، دار الهداية للطباعة والنشر والتوزيع، ط1، القاهرة، 2007، ص292.

[24] – محمد بن أحمد بن رشد، تفسير ما بعد الطبيعة، تحقيق موريس بويج، المطبعة الكاثوليكية، بيروت، 1948، ص694.

[25] – ابن رشد، فصل المقال، المصدر السابق، ص63.

[26] – محمد محمود عبد الحميد أبو قحف، مذهب التأويل في فلسفة ابن رشد، دار الحضارة للطباعة والنشر والتوزيع، طنطا، 1999، ص162.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.