حضورُ المرأةِ في الأعمالِ التَّشكيليَّةِ اللّبنانيَّة المعاصِرة

0

حضورُ المرأةِ في الأعمالِ التَّشكيليَّةِ اللّبنانيَّة المعاصِرة

سوزان العتري([1])

مقدّمة

الحياةُ ــــ في كنهِها ــــ تقوم على ثنائيَّة الرّجل والمرأة. إنّهما قوامُ العيش، وبهما تكتملُ السَّعادة، ويستقران معًا تحت سقف واحد ليشكلا أسرة صالحة، فهما كالسيّارة من دون أن يكون واحدهما مع الآخر لا تكتمل الحياة ويحصل فيها خللٌ ونقصانٌ، وبعدٌ من التّوافق عبر الأزمان. الرّجل سندٌ للمرأة، والمرأةُ دعامةٌ له. إذ لم يكُن الأمر وقفًا على المادّيّات، وقضاء الحاجات، بل تعدَّتهما إلى السَّكينة والرّاحة النَّفسيَّة، يعزِّزه قوله عزّ وجلّ: ﴿ومِنْ آياتِه أنْ خَلَقَ لكم من أَنْفُسِكم أزْوَاجًا لِتَسْكِنُوا إليْها وَجَعَلَ بيْنَكم مَّوِدّةً وَرَحْمَةً…﴾([2]). وأطلق على اقتران الرَّجل بالمرأة اسم «الزّوج» دليلاً على اكتمال الهيئات والأمور؛ لأنّ الأشياء كلّها مركَّبة من جوهر وعرض، ومادَّة وصورة([3]).

يشعر الرجل قرب الأنثى بالرِّضا والأنس، وإشباع لذّة الحسّ والنّفس. إن اقترب منها، نال الرّاحة، وإن ابتعد عنها حَلُمَ بها بكل صراحة، وفي اليقظة والحلم ثنائيّات تكتمل، وعند فراقها الجرح لا يندمل. وشواهد الحياة تفوه بالقول، وقد رُوِيَ أنّ جميل بثينة أنشد يصف حاله في حلمه من الحبيبة وترِحاله: [من الطَّويل]

فَما غابَ عَن عَيني خَيالُكِ لَحظَةً           وَلا زالَ عَنها وَالخَيالُ يَزولُ([4])

ومن جهةٍ أخرى، مثّلت المرأة دور المثير والدّافع إلى العمل المُبدع، والفنّ المخترع. ليس القول بدعًا في مقامه؛ بل أكّدت المسلّمات المتداولة، على نحو قولهم: «وراءَ كُلِّ رجلٍ عظيمٍ امرأة». ولم تكُن بيئة الشّعراء والأدباء بعيدةً من الحافز السّابق. وقد عُرِفَ عند الشّعراء المُبدِعين أنّ وراءهم أنثى تدفع، وترتقي بالإبداع وترفع. ألم يكن تفسير الموهبة الشعريَّة قائمًا فيمن يحرِّض الشّاعر على فنّ القول، ويشحذ لسانَه على استدرار الأبيات الأجمل؟! وقد قال أبو النَّجم العجلي موضِّحًا القضيَّة: [من الرّجز]

إِنِّي وكُلُّ شَاعِرٍ من الْبَشَرْ          شَيْطَانه أنثى وشيطاني ذكر

فَمَا رَآنِي شَاعِر إِلَّا استتر          فعل نُجُوم اللَّيْل عاين الْقَمَر([5])

و«شَيْطَانه أنثى» غاية ما يُقال ونهايته.

فإذا كانت الأنثى تدفع الشّاعر لنظم الشعر، فالفنّان التَّشكيلي رسّامًا كان، أو نحّاتًا، أو مصوّرًا، يتمتّع بحساسيّة مفرطة، وذوق فنّيّ زائد، يرى ما لا يراه الإنسان العادي، ويتخيَّل ما لا يتخيَّله الآخر. يجسِّم المناظر المعنويَّة، ويبرز المجرَّد في أثواب حسِّيَّة مادّيّة. تمدّه رؤيته بخامات ويصقله ذوقه فيجعله فتنة في المرئيّات. فكيف عبّر الفنّان التَّشكيلي عن المرأة؟ كيف حضرت الأنثى في أعماله الفنِّيّة؟ ما الهُويَّة التي اتَّسمت بها المرأة؟ وما الصُّورة التي برزت في اللَّوحة؟؟

المرأة في الأعمال التَّشكيليَّة اللُّبنانيَّة: البدايات

للإجابة عن الاستفهامات السّابقة، يقتضي المنهج القويم، والتَّفكير المستقيم استعراض أعمال بعض الفنّانين التَّشكيليّين المُعاصرين، والانطلاق منها؛ للحكم عليها. المُتابِعُ لنشأة الفنّ التَّشكيليّ في لبنان، يُلاحِظُ أنّ بواكيره انطلقَت من الكنائس والأديرة([6])؛ غايتها تزيين الأماكن المقدَّسة بالصُّور واللّوحات الجميلة. أمّا حضور المرأة فكان مقتصرًا على رسومات السيِّدة العذراء مريم تبرُّكًا وقدسيّة. وقد خلا الفنّ التَّشكيليّ يومها من أيِّ حضورٍ للمرأة سواء أكان رمزًا للخصوبة أم للأمومة. وفي المقابل لم تكُن الصُّور والرّسومات موجودة في المساجد لتحريمها([7])، وقد استُعيض عنها بالخطوط واللَّوحات المتضمِّنة بعض الآيات القرآنيَّة. واستمرَّ الأمر على حاله حتّى النِّصف الثّاني من القرن التّاسع، وصولًا إلى القرن العشرين، الذي نبغ فيه عددٌ من الفنّانين التَّشكيليّين، منهم: حبيب سرور، وداود الغرم، وجبران خليل جبران، وخليل الصَّليبيّ… وسواهم. وقد تميَّز الفنّ التشكيليّ في لبنان يومذاك بالتنوُّع الكثيف([8]) الذي يعكس المجتمع اللّبناني المُكوَّن من مزيج من الأديان والطَّوائف. في ظلِّ التنوُّعِ الكثيف، بدت المرأة ــــ الأم وخصوبتها حيَّة في أعمالهم ولوحاتهم، قياسًا بمرحلة البدايات. في هذه المرحلة، أو ما يُسَمّى بمرحلة الروّاد، تُطالعنا صورة مبكرة لوالدة حبيب سرور، وكذلك برز جليًّا أسلوب جبران خليل جبران([9])، الذي رسمَ بأسلوبه الرّمزيّ الأمومة المُعَذَّبَة، من وحيّ الشَّقاء وآلام الهجرة التي عاشَتها أمُّه «كاملة رحمة» في بوسطن؛ فكان يبحث في وجوه كلّ النِّساء عن ظلال والدته. والمتأمِّل في لوحات جبران خليل جبران وغيره، يُلاحِظُ بَدء ظهور «العارية» بجرأة تمكِّنه من فعله. والأمر نفسه برز عند خليل الصَّليبيّ في لوحته المرسومة «عارية 1922م»، الذي أخذت تعبِّر عن تطلُّعاته الجديدة، وتقنيّاته المتحوِّلة، وقد كان «شديد الهيام بالجمال عند المرأة، أو في المنظر الطَّبيعي والأشياء، فقد ظلَّت هذه المناحي عناصر من مقوّمات العمل الفنّيّ الذي بقي بالنِّسبة إليه عملاً تشكيليًّا جماليًّا تأليفيًّا تلوينيًّا في المقام الأوَّل… لقد حوَّل المرأة، والمنظر الطَّبيعي، والأشياء، والوجوه إلى حقائق لونيَّة جماليَّة تشكيليَّة»([10]).

دلَّت صورة «العارية» في فنِّ الصَّليبيّ على التحوُّل الفنِّيّ التَّشكيليّ، الذي جاء قريبًا من تجارب داود القرم، وحبيب سرور، وجبران… والذي كان منطلقًا ومنارة تشير إلى «الحداثة في الفنّ التَّشكيليّ اللّبنانيّ».([11])

لقد حمل جبران بفنِّه التَّشكيلي بداية حقيقيَّة للمرأة العارية، التي تمثَّلت في لوحة «الحوريَّة العارية»([12]) وهي تُعَدّ أوّل لوحة رسمَها بشكل مباشر من النّموذج، مجسِّدًا تمثال الحوريَّة الّذي يزيّن مدخل بوسطن. إنَّها كناية عن حوريَّة تحمل عناقيد عنب بيد، وتحمل في الأخرى طفلًا صغيرًا. هكذا شغلت المرأة في حياة جبران حيِّزًا كبيرًا، أملت على فنّه صورًا وإيحاءات تخطَّت الواقع الملموس، إلى الخيال الموهوم، فأكسبَته جرأة رسم العارية بكل صراحة وبساطة. إذًا؛ هي بتعرّيها رمز لخلاص الأمومة المُعَذَّبَة، والمرأة المُضطَهَدَة، ولم تكن غايةً في حدِّ ذاتها، وخروجًا عن العادات الشرقيَّة، بل غدَت رغبةً مكبوتةً، يريد أن يعوِّض بها عن رغبتَه المكبوتة. يقع الدّارس والباحث المتابع مبدأ «الهجس بالأنثى» خلال استعراض التّجارب التَّشكيليَّة اللّبنانيَّة، عند الفنّانين اللّبنانيّين. وهو موضوع يتّسع البحث فيه ويطول؛ أنّ حضور الأنثى في التّجارب التَّشكيليَّة غدا ضربًا لازمًا، عن قصد ووعي، أو في ساعات اللّاوعي.

المرأة جسدًا في أعمال التَّشكيليّين اللُّبنانيّين: مرحلة المُعاصِرين

تحقيقًا لما تقدَّم من مقولة «الهجس بالأنثى»، يمكن معاينة مجموعة من الأعمال التَّشكيليَّة اللّبنانيَّة المعاصرة، التي تفصح عن حضور المرأة في تجارب الفنّانين، وتُظهِر مقدار جرأتهم في تصويرها، والصَّراحة في خطابها. وإن غضَّ أحدهم الطَّرْف عنها، أو حاول المواراة بصورتها، إلّا أنّ التّعبير غير الصّريح يظهر بين خطوط ألوانه، ومداد تشكيلاته ظهور التّورية والكناية([13]) في الخطاب اللّغويّ الإعلاميّ. من الأمثلة ما رُوِيَ عن الفنّان محمد الروّاس، تعليقًا على أعماله: «إنّ افتتان الروّاس بالطَّبيعة يصل إلى الإنسان، ويمرّ عبر صورة المرأة فيوكل إليها في غالب الأحيان دور البطولة في أعماله» ([14]). تبدو المرأة عنده جسر عبور للمقصود الفنّيّ، تضفي الإثارة من ناحية على الفنّان، وجمالًا على اللّوحة، تجذب المتلقّي، وتثير فضوله للتأمُّل والمتابعة. وهو أمر يشدّ أزره تصريح الفنّان محمد الرّواس نفسه، عند وصفه كيفيّة إخراج اللّوحة، وأسلوبها الفنّي فيها، قال: «أبدأ اللّوحة بصورة امرأة، وتكون هذه الصّورة قد جذبتني… أشدّد على صورتها تلك بالتَّحديد، وليس على المرأة نفسها. إنّ منهجيّة تداعيات الأفكار والأحاسيس تبدأ كضابط أساسي لبناء اللَّوحة انطلاقًا من تلك الصّورة… تتجلّى الإسقاطات التي تضع المرأة في موقع بطل اللّوحة. ما حوّلها معه إلى علاقة بها، هو حاضرها أو ماضيها أو مستقبلها أو حتّى أحلامها. وأعني بذلك أنّ المرأة بطلة لوحتي التي أرسمها».([15]) وبتصريحه تتجلّى قيمة المرأة المركزيّة في بناء اللّوحة، كأنّها النّقطة المركزيّة لدائرة الصّورة، تتفرّع على جنباتها التّفاصيل الأخرى التي تظهر معالم مقصود الفنّان وغاية مطافه. هكذا تتجلّى صورة المرأة في التَّشكيل اللّبناني المعاصر، غير متوقّفة عند حدّ؛ لأنّ توقُّفَها يعني توقُّف التَّعبير والإبداع. إنّها العين الثرّة التي ينهل من معينها الفنان؛ فيصبح على ضوئها رُبّان يندفع إلى فنِّه بجرأة الشّجعان. وترتقي صورة المرأة، من عفويَّة وحشمة، إلى جرأة خطاب من دون خوف ووجل.

يقول أمين الباشا، واصفًا مسيرته الفنّية في رحاب المرأة، التي لا يطيق فراقها، وهي ملهمته، مؤكِّدًا حضور الجسد في الفكر وانعكاسه في التَّصوير: «لا أستطيع أن أذكر الجسد من دون ذكر الحبّ، ولا أستطيع ذكر الحبّ إذا لم أشعر بحيويّة جسدي».([16]) وبهذا القول يتعانق المحسوس بالمحسوس والمادّي بالمادّي: المرأة الجسد ولوحة الألوان والخطوط والأشكال. وخطاب الفنّانين التَّشكيليّين طويل، لتعدُّدِهِم، وكثرة أعمالهم. في سعيّ لاتّباع المنهج الأكاديمي القويم، سأتوقف عند بعضهم: استقراء أعمالهم، تحليل صورة المرأة جسدًا… بدلًا من الجوهر، وهي التي تشكِّل الحضن الدّافئ للفنّان، والسّياق المثير بما تضفيه عليه من أمان؟! أليست الملهمة الأولى للفنّانين سواء أكانت صديقة أم حبيبة أم جليسة؟

يطالعنا من الفنّانين التَّشكيليّين مارون حكيم، الذي انطبعت في خياله، منذ نعومة أظفاره صورة السيِّدة مريم في كنيسة قريته. إنّها الأنثى الأولى التي ألهبت مشاعره، وأثارت حفيظة إزميله، وهي ترفع يدها اليمنى إلى أعلى وتحتضن باليسرى هامات الملائكة وأجسادها المنتشرة حول جسدها وتحت رجلَيها. ولا أدلّ على هذه الإثارة الأولى للفنّان، من تصريحه قائلًا: «الوجوه العُليا للملائكة مكتملة الملامح بوضوحِها الشَّكلي لم تبدأ الوجوه بالامِّحائي، رويدًا رويدًا؛ لتصير في النِّهاية كتلًا غامضةَ المعالم كالأجنَّة في بداية تكوينها. هذا المشهد شدَّني إليه في كلِّ مرَّة كنت أحضر القدّاس. وكبرتُ فلاحَ حضور هذا المشهد في مجمل أعمالي النّحتيَّة التي عالجتُ من خلالها مواضيع الأمومة والقداسة والتّوالد».([17]) وتصريحه السّابق، يشكِّل نقطة انطلاق مارون الحكيم الفنّية، وأثر المرأة فيها. في أعماله كلّها كانت المرأة تطلُّ حاضرةً من زوايا ثلاث: أمًّا و”موديلًا” وعشيقة، مفصحةً في كلّ حضور أعمال مارون الحكيم التَّشكيليَّة «الأنوثة المُطلَقَة»، إنّها تحمل صفاتها الطّبيعيّة، من أمومة وخصوبة، وهي في أعماله تتجلّى في صورة: الأمّ والمثال والعشيقة. وتعدّد صورها، ومقامها في أعماله بحيث لا ينفكّ عنها، لم يكن فقط تحقيقًا لرغبة جنسيَّة مكبوتة، بل غدت مثيرةً لكلِّ موضوع، ومفتقة مواهب لكلِّ عملٍ خلّاق. أليس قوله شهادة في ذلك: «من أعمالي الفنِّية، لم تكن المرأة يومًا بتفاصيل جسدِها متنفّسًا جنسيًّا محضًا، بل كانت ولا تزال الرَّمز المتعدِّد المعاني والأهداف. وتكاد تكون النَّبع الأوَّل والأخير مع الطّبيعة لانطلاقة أعمالي في الرَّسم والنَّحت أو في المزج بينهما. جسدها رمز الأمومة الخصبة والوطن ووحيّ لإيقاعات بشريّة تشي بالجمال والرّغبة والإثارة. تفاصيل جسد المرأة قد تكون أحيانًا هدفًا بحدّ ذاتها لاعتباري هذه التّفاصيل مفاصل حقيقيَّة حيّة تصدم وتستفزّ، ولكنَّها تغني العمل، وتحمّله عصبًا إنسانيًّا لا يمكن لأيّ موضوع آخر أن يؤمنه».([18])

على ضوء تصريحه السّابق، يرسم الفنّان منهجه والحضور النّسوي في أعماله، والمفهوم الجديد للعمل الفنّي، ويعلّي إيقاع نهجه الجديد عند حديثه عن المرأة الأم، شفافيّتها ورقّة جوهرها، بطولتها وجرأتها، حنوّها بحيث لا يحاربها أحد، يقول: «ربَّتنا أمّي، كما تحضن الدّجاجة صيصانها، وكما تصون اللّبوة أشبالَها. حمَتنا بغريزة المحافظة على الوجود وحكمة العقلاء… وفي شخصيَّتها “كاريزما” القائدة… كانت تذبح الدِّيك وتخلّف العنزة وتقتل الحيّة والواوي والضّبع… تضمّد الجراح، تداوي الأمراض».([19]) يشهد لذلك منحوتته، التي تشير إلى الحنو بضمّ يرميها إلى ابنها (ينظر الشكل رقم ــــ 2 ــــ، ملحق الصّور واللّوحات). ووصف أم مارون الحكيم مُفعَم بالعاطفة الأمويَّة الإنسانيَّة الصّادقة؛ ما جعل عشرات اللّوحات التي عملها تحتفي بالمرأة الأمّ. والمُستعرِض لأعمال مارون الحكيم النَّحتيَّة، يطّلع على جرأته في معالجة الأنثى: الأم أو المعشوقة، إذ يتعامل مع رسم أو نحت الجسد والأنثوي بحرّيَّة مُطلَقَة، ومن دون تحفُّظ. المرأة بالنِّسبة إليه «رمز متعدِّد المعاني والأهداف. المرأة وحضورها ليس مدعاة خجل ــــ عنده ــــ أو وجل، بل وسيلة إلهام حتى تكاد تكون النّبع الأوّل والأخير مع الطّبيعة (ينظر الشّكل ــــ 3 ــــ ملحق الصّور واللّوحات). يبدو في الشَّكل المذكور، التَّخطيط السّريع للفنّان رسمًا عاريًا لامرأة/ أم، إذ بدا اهتمام الفنّان بإظهار المبالغة في تضخيم الأعضاء الخصوبيّة والأموميّة عندها. الثّديان مكتنزان للإرضاع، والبطن كبير بعلامة الحمل، وكذلك الأرداف. ولم يتوانَ الفنّان في إظهار الفرج في حالة انفتاح بسيط وكأنّ رأس الطّفل البادي في الرَّسم يخرج منه للتَّو. والمرأة بجسدها العاري في اللّوحات التَّشكيليَّة والمنحوتات الفنِّية، جاءت لتحكي التَّعويض عن رغبة مكتومة بطريقة عفويَّة أو قصديَّة، يعزّزه قول مارون الحكيم: «لم تكن المرأة يومًا بتفاصيل جسدِها متنفّسًا جنسيًّا محضًا».([20]) إذ يحسب إبراز جسد المرأة عارية لا خطأ فيه. ويتابع مارون الحكيم منهجَه في أعماله الأخرى، التي احتلّت فيها المرأة بجسدِها مساحة كبيرة منها. وفي معرضه «عاريات الطّبشور الملوَّن» (Nus Pastels)، الذي أُقيمَ في صالة (Epreuve d’artiste) في بيروت ما يؤكِّد منهجه وأسلوبه، الذي لم يتوقَّف فيه الفنّان عن خوضه في عالم المرأة وأنوثتها. ولعلّ بين الجسد والفنّان وشائج خربى لا تنفك عراها، قديمة قدم حياة الإنسان الأولى، يوم كان آدم وحوّاء؛ وهذا ما عبّر عنه الفنّان عمران القيسيّ، في معرض مارون الحكيم، قال: الجسد والرسام، علاقة وثنيَّة بين طاقتين: إحداهما تنبعث نحو العالم الخارجي لتفرض قوانينها الجماليَّة، فيما الثّانية هي التي سوف تحوّل القوانين والثّنايا والإشارات والإضاءات في الجسد إلى تجلِّيات بصريَّة؛ تدفعنا لأن نرى في الجسد الأنثوي أكثر ممّا تراه عين الرّجل عادةً. الرسّام لا يتعامل مع جسد المرأة كونه وعاء للرّغبة، بل كهيكل متكامل لرؤية فنِّية ما برحت منذ أقدم الأزمنة تعمل قابليّتها للتطوّر والتَّفسير».([21]) تغيّرت مع مرور الزّمن، بعض تقنيّات مارون الحكيم، إلّا أنّ الهاجس بالأنثى بقي ثابتًا، واستحال أكثر نضوجًا وعمقًا، وهو ما يفسّره كتيّب «لا خطيئة في الفن». وبقيت أعماله، بعد تحليلها والتّفكير في مضامينها واستقراء أبعادها، من عمق الأمومة والخصوبة. وقد تفوه أسماؤها بمقاصد صاحبها، ومنها: «قبلة توقظ المفاتيح»، و«نفحة الحياة»، و«ما وراء المظهر»، و«بحر الرّغبات»، و«أنغام الجسد»، و«أصل الحياة»، وسواها من الأعمال الفنِّيّة. ومعلوم مدى العلامة بين الاسم والمُسمّى([22]). وللتوضيح، يمكن التوقُّف عند عمله المرسوم أصل الحياة (L’origine de la vie) (ينظر اللّوحة رقم 5)، حيث يبرز جسد أنثوي بعريه مخترقًا الجدار المانع، وقد صوّر الرسّام الخرق نفسه بما يشبه الفرج النّسوي. والأسلوب نفسه يبدو عند الفنّان مارون الحكيم في عمله «ما وراء المظاهر» (Derrière les apparences) (ينظر الشّكل رقم ــــ 6 ــــ)، الذي يتجلّى فيه تكوين لجسد امرأة من ربطات عنق ورأس استعيض عنه بملونة (palette)، والملوّنة شكّلت وحدة تشكيليّة ثابتة في كلّ اللّوحات المنفَّذَة بتقنيَّة الموادّ المتعدّدة، غير أنّ حضورها البيضاوي في كلّ الأعمال، حضور رمزي للبيضة([23]) ذاتها باعتبارها رمز الخلق والتَّجديد، كما تمثّل الدّائرة([24]) رمز الكمال التي تتجسّد في العالم الثّلاثي الأبعاد بالكرة الكونيَّة وأبعادها الروحيَّة. أمّا التّأليف المبني على عنصر ربطات العنق، فإنّه يُدخِلنا في عالم من الجنسائيّة المتمثّل بالحضور القضيبي.

ويشارك جسد المرأة في الحضور الفنّي عند مارون الحكيم الطَّبيعة، التي غدت ملهمًا آخر إلى جانب المرأة. ولا ضير في ذلك، فقد رأى فيها مرادفًا للأنثى في الخصوبة والإنجاب، وكأنّ الاندماج في واحدة اندماجٌ بالأخرى، وكأنّهما: المرأة والطَّبيعة عضوان لجسمٍ واحد، يوضِّح ذلك لوحته «نساء الأرض والغيوم» (ينظر اللوحة رقم ــــ 7 ــــ)، وفيها بدت الجبال والسّهول والسّماء والغيوم توكينات نسائيَّة، تطلق خطابًا تشكيليًّا واضحًا: «أنا الأمّ الكبرى فأدركوني». هكذا بدت الأنوثة، بجسدها وأعضائها مادة الفنّ الأساسيَّة عند مارون الحكيم، وغيرها من الموادّ رمز لها، ومرادف إليها». في المقابل، حاول بعض الفنّانين الهروب من رسم الجسد العاري، أو ما يشبهه، متسلِّحًا بنوع من حشمة الكناية والتّورية، التي تشير ولا تفصح، تومئ ولا تفصح، مثل هؤلاء الفنّانين تعاملوا مع الجسد بتحفُّظ، متلهّين بقضايا مصيريَّة أخرى، بعيدة من هواجس الأنثى والأحاسيس بها. ولكنّ المظهر يفشي بالمخبر، مؤكِّدًا حضور المرأة وأمومتها وخصوبتها في تجاربهم الفنِّيّة، إعلانًا أو إيحاءً. من هؤلاء الفنّانين الفنّان حسن الجونيّ. ومن يستقرئ لوحاته يعلم أنّه مجدٌّ مجتهد، يتعرَّض إلى مواضيع مرنة ليِّنة، يعرف كيف يلوِّن وكيف يندفع في بنية تكوينيَّة لها ما يميِّزها، ولها خلفيّاتها وتعبيراتها الحيَّة وتجريدات ألوانها. في مناظر الطَّبيعة تراكم القرميد المنزلي المشبَّهة بتدافع الأغنام، التي تبحث عن الأمان بتلاحمها. التزامه بقضايا الجنوب حيّ في لوحاته: «الجنوب حسٌّ اختباريٌّ في لوحتي، حاولتُ استحضارَ كلّ خبراتي التَّشكيليَّة… كلُّ ما تعلَّمتُهُ في مدريد هو مخزون بين إصبعيْ هاتين… يبقى الموضوع… مضمون اللّوحة والموضوع هو الجنوب».([25])

الجنوب خصوصًا، وقضايا الوطن التزامات من التزامات حسن الجونيّ؛ لذلك تبدو التمثّلات الأنثويَّة قليلة في أعماله، ويجد الباحث أنّ الحضور النّسائي في أعماله متساوٍ مع حضور بقيّة الأشخاص من ذكور، أو أجيال، أو حتى أشياء ومخلوقات أخرى. فالأنوثة في أعماله لا توجد في خطاب صريح معلن فصيح، بل يحتاج معها الدّارس إلى آليَّة البحث والاستنباش والحفر من جهة، وإلى التّأويل والتّفسير والتّحليل من جهة أخرى. ولعلّ اليقين يكون في قراءة بعض لوحاته التي تُنسَب إلى مسألة الأنوثة. في لوحة «أحلام أسرة جنوبيّة» (ينظر اللّوحة رقم ــــ 8 ــــ)، تبدو النِّساء فيها وصدورهنَّ عارية. المرأة في هذا الخطاب التَّشكيلي هي قائد يحتضن طفلًا في طور الرِّضاعة، يرنو إلى ثلاث إناث بصدور عارية يؤكِّدون استعدادَهنّ لتأدية الدَّور الأموميّ. فدورهنُّ مقدَّس، فيه استمرار التَّجديد، والحياة، ودوام الغذاء الضَّروري لها. إنَّه فعل مقاومة أنثويّ أموميّ وخصوبيّ بامتياز، وهو خطاب يتوازى مع قول الشّاعر الفلسطينيّ يوسف الخطيب، الذي يصوِّر اغتيال ثلاثة من القادة الفلسطينيّين في بيروت سنة 1972م، قال:

أنتنَّ الآن نساء العرب، الوحدة، والحب

وأنتنَّ الأرحام الأثلامُ وأنتنَّ الخصب

وأنتنَّ كروم البعث

الواعدة خلاص الإنسان… خلوص الإنسان

أنتنَّ الآن ــــ نساء العرب ــــ حليب الثَّورة

لدنَ ذكورًا

أرضعنَ ذكورًا

ودَّعنَ إلى الحرب ذكورًا([26])

إلى جانب التزام قضايا أهلية في الجنوب، واتّخاذه المرأة رمزًا للمقاومة والأمل، بصدرِها العاري وقامتها المنتصبة الثّابتة اشتقّ من الطّبيعة مواضيع للوحاته. وفيها يبدو الخطاب المعلن؛ لأنّ في الطّبيعة الكمال الذي يعطي الفنّان الأجوبة عن تساؤلاته الخطابيّة والتّكوينيّة. واللّوحة، بأبسط قول: «… تحمل لك إحساسًا معيّنًا محدَّدًا، فهي لوحة لها مكوّنات التّأليف والتّكوين والتّعبير».([27])

الإحساس بالطَّبيعة عند حسن الجونيّ نابع من الشّعور الأموميّ، والطَّبيعة هي الملجأ والملاذ والحضن الدّافئ، ومنها الإجابات عن الارتباكات التّكوينيَّة عند الضَّرورة، وعندما يفقد الفنان العناصر التَّشكيليّة الضّروريّة لخطابه، يقفل راجعًا إلى الطّبيعة، التي تمدّه بخاماته وأدواته: «لا بدَّ إذًا من العودة إلى المصادر، والطَّبيعة في معطياتها تحمل لي الإشارات التي أحتاجُها».([28]) وبأبسط قول: الطّبيعة هي الأم بكلّ المفاهيم الإنسانيَّة والدّينيَّة والميثولوجيَّة. وللمكان حيِّزٌ كبير في أعمال الجوني، وتعدّده إشاره إلى تنقّله في حياته الاجتماعيَّة، وفيض في الإيحاء والعطاء، أشار إلى سلوكه المتنقّل منذ طفولته، قال: «عشتُ طفولتي في زقاق البلاط شتاءً ورومين صيفًا، تحسَّستُ الرّومنسيَّة باكرًا، ولو أنّ المراهقة تدفع إلى الرومنسيَّة كما تدفع إلى التّعاطي الحسِّيّ البيولوجيّ مع الجنس الآخر… لكنِّي كنتُ غارقًا في الأحلام؟ ما دفعني إلى التّعبير مبكّرًا… كأنّي مخلوقٌ من طفولة تكبر ولا تنتهي…».([29]) إنّ تعلُّق الجونيّ بالمكان، يرتبط بالأمن والأمان، الذي كان يشعر به في زمن النّشأة، فمكان الطُّفولة الذي يختزن في ذاكرته آمن؛ لشعور الأمان في كنف العائلة. والشّعور بالأمان نابع من العيش في القلب الذي يحمينا، قلب البيت. حقيقة أشار إليها غاستون باشلار (G. Bachelard): «… أصبح ــــ البيت ــــ الوجود الحقيقيّ للإنسانيّة الخالصة التي تدفع من نفسها من دون أن تهاجم هذا البيت هو المقاومة الإنسانيّة، إنّه الفضيلة الإنسانيّة، وعظمة الإنسان».([30]) ونظرًا إلى هذا الترابط مع البيت، القلب الدّافئ الذي يفيض حنانًا ويلهب عاطفةً، كانت المزاوجة مع صورة الأمّ إلى حدِّ التوحُّد معها، يدعم ذلك ما أورده غاستون باشلار. جاء في جماليّات المكان البيتان:

أنادي يا أمّي وأفكاري منـــصرفة إليـــك أيُّها البيــت

بيت فصول الصَّيف الظّلمة الحلوة، بيت طفولتي([31])

هكذا يبدو المكان، البيت، الأم مصدرًا من مصادر الصور، التي تتحوَّل عند الفنّان تكاوين تعبيريَّة جديدة. والشّعور المكثَّف في المكان، وقدسيّته في تعبير الفنّان ينبع متفجّرًا من أروحة الحماية الأموميَّة الأنثويَّة تجاه الشّعور بالمكان.

والمتأمّل الواعي للوحات الفنّان حسن الجونيّ يقع على ما فيها من رسم الحمام (ينظر اللّوحة رقم ــــ 9ــــ)، الذي غدا في لا وعي الفنّان رمزًا للخصوبة والأمومة وهو كذلك في الميثولوجيا والأديان. وقد اقترنت الحمامة أو اليمامة في أساطير الشّعوب القديمة بالمرأة، أو الرّحم، والقمر، والماء. وهي بجملتها ترمز إلى الخصب والتّناسل، والتكاثر، و«اليمام كثير الولادة، ويبقى دائمًا رمز الخصوبة منذ العصور القديمة حيث كانت في ما سلف رمزًا لربّة الخصوبة».([32])

وعلاقة حسن الجونيّ بالجنس الآخر دفعه إليه تحسّسه الرّومانسيّ المبكّر، إلى جانب المراهقة التي عاشها، ولهذا يتشابك الفنُّ بالغريزة عند الفنّان، الذي لا ينفكّ عنها، مهما جدّ وحاول: «… وهذا يحمل مشهدية معاناته المفردة. وهذا يحمل تأويلًا جوهريًّا مؤدّاه أنّ الفنّ ظاهرة تتشابك جذورها الروحيَّة ــــ بالذهنيَّة ــــ والغرائزيّة إذا جاز لي».([33]) وتداخل الفنّان مع الذّات الأنثويّة ليس وهمًا، بل هو تداخل في حالة من الاشتهاء، والاشتباه والمماثلة والظّنون (ينظر الشّكل رقم ــــ 10 ــــ)، يقول مؤكّدًا ذاك التراث بين الجسد الأنثويّ والفنّ الإبداعيّ: «وإن أنثى ما في لوحةٍ ما تنتظرنا ولا شيء يمنعنا سويّة من نعمة الانتظار الأجمل على بوابات الحسِّ الأنثوي. وكلّما أجاد الفنّان عمله، تألّق ضوء الجسد وارتفع إيقاع المتعة وتسارع النّبض الذّكوري استجابةً لأدقّ المؤثّرات والتّلميحات الأنثويّة ــــ الشبقيّة وأرقّها وألطفها. وكلّ ذلك يرفع فينا وتيرة الكوامن الغرائزيّة كردّة فعل منتَظَرَة ومستَلَذَّة».([34]) وعلى ضوء شهادته السّابقة الذّكر في أقواله، تتجلّى الأنثى في جلّ أعماله، التي لم تظهر جليّة مباشرة، تتجلّى غير مباشرة عبر الرّموز والعناصر والمواضيع التي تمثّل الأنوثة بكلِّ أبعادِها. تبدأ من أنسنة المكان ــــ قلب البيت قلب الأم ــــ وأنوثته إلى إحساس الطّبيعة الأنثى، إلى أنثويَّة اليمامة وأموميّتها… إنَّها بالجملة رموز وإشارات لم تخلُ أعمال الفنّان منها. ومهما يكن من أمر فإنّ أعمال حسن الجونيّ: «… مستويات تعبيريَّة ليست دراميَّة كلّيّة، وجانب من جاذبيتها المقيمة إنّها نوافذ جريئة، وعالمه ليس من المخيّلة البعيدة، بل عالم الجسد للإنسان الحنون. ولوحاته ليست غريبة فهي تجمع بين تلك الشّخصيّة التّصويريّة، والتّجريديّة، وتلك الكلاسيكيَّة المتقنة، والمتماسكة، وبُنى تأويليَّة غير سهلة وليست معقَّدة، فهي تكمن في عمق السّهل الممتنع».([35])

وخلاصة القول: إنّ سلطان الأمومة والخصوبة استقرّ في أعماق الفنّانين التَّشكيليّين اللّبنانيِّين تجلَّت حقيقته في ما سبق من نماذج عند كلٍّ من مارون الحكيم، وحسن الجونيّ خصوصًا، وغيرهم من الفنّانين عمومًا. ولقد حضر الجسد الأنثويّ موضوعًا وتمثيلًا في أعمالهم، إيحاءً ورمزًا ودافعًا وحسًّا؛ فبرز في الطّبيعة، والمكان، والماء، والسّماء، فضلًا عن التّمثيل الحسِّيّ الحقيقيّ للأنوثة في العمل الفنِّيّ.

الجسدُ بين الرَّمزِ والقَصد

من خلال ما تقدَّم، ظهر جسد الأنثى في أعمال التَّشكيليّين اللّبنانيّين، ظهورًا واضحًا بأمِّ العين. وقد تمتَّع الفنّان بجرأة متقدِّمة، ومَن خشي البوح عمد إلى الرّمز وعدم التَّصريح. وفي كلٍّ من السياقين حضرت الأنثى حضورًا مكثّفًا، لم يردع الفنّان رادع، ولم يكفّه عن عمله وازع. كيف تطوّر السّلوك التّعبيري من الأدوات والخامات إلى الأجساد العاريات؟؟ ما المقصد والدّافع وراء تلك الإحداثيّات؟! مثّل جسد المرأة عاريةً أو متستّرةً قطب رحى الأعمال التَّشكيليّة. لم يكُن التّمييز بين صورها أمًّا كانت أو أختًا… في عرض جسدها. لقد كانت الفاعلة والمثيرة في الفنّ والإبداع. ومع هذا السّلوك الفنّيّ تطوّرت تقنيّات التّعبير من خامات طبيعيّة مصنوعة، إلى آليّات محسوسة تتمثّل بجسد الأنثى. والمدقِّق الواعي، يبحث عن الأسباب الكامنة وراء ظهور جسد المرأة في اللّوحة، أو الصّورة، أو المنحوتة. لعلّ من أجلها، ما يلي:

قد يكون مقصد الفنّان رمزيًّا، إذ هي رمز الخصب والنّموِّ والتكاثر والأمومة. إنَّها مصدر حنان واطمئنان لاذ إليها الفنّان؛ ليذوق حلاوة الإبداع وما يولّده في النّفس من أمنٍ وأمان. وهو أمرٌ يصحّ في وصف بنية صورة المرأة في تاريخ الفنّ ككلّ وكأنّ صورة المرأة كالجوهر الكائن والصّادر عن اجتماع الصّورة، والهيولى، أو الفكر، والجسد. والفرق بين المادّة والصّورة هو مخطَّط مفهوم بالنّسبة إلى النّظريَّة الفنِّية وعلم الجمال بأكمله.([36]) وعليه كانت المفجّرة لطاقات الفنّان الكامنة، وما صورة الأم المختصرة في جسدها إلّا رسم صورة المجتمع كاملًا؛ ولهذا قال جبران خليل جبران مقولته المشهورة: «وجه أُمّي وجه أمَّتي»([37]). والاحتمال الثّاني أنّ الفنّان ضمّن رسوماته، أو حمّل منحوتاته جسد المرأة عامّة، والعارية خصوصًا من باب لفت أنظار المتلقّي. إذ صورتها تثير مكامن النّفس وتبعث الشّهوة في الحسّ؛ فكان عمله جذبًا للآخرين، حالها في ذلك حال الإضاءة المميّزة، والكلمة الحلوة اللّذيذة التي تلفت النّظر، وتشدّ الانتباه، وتدعو إلى المتابعة والاستمرار. وهل رؤية العين للجسد إلا مثيرٌ حقيقيّ يقوم مقام الفعل الحسّيّ؟! إنّ الرّؤية والوصف والسّماع وغيرها من آليّات الحواس تؤدّي الفعل الحقيقي، يعزّز ذلك قول ابن حزم: «ومن غريب أصول العشق أن تقع المحبّة بالوصف دون المعاينة. وهذا أمرٌ يرتقي منه إلى جميع الحبّ، فتكون المراسلة والمكانيّة والهم والوجد والسّهر على غير الإبصار؛ فإنّ الحكايات ونعت المحاسن ووصف الأخيار تأثيره في النّفس ظاهرًا».([38]) وبهذا تطوَّر التّعبير في الفنّ التَّشكيلي من الأدوات إلى الأجساد، ومن الأشكال الطبيعيَّة إلى الأجسام الإنسانيَّة. لقد أدّى الزّمن المعاصر فعله، كما أدّى ذلك الزّمن الغابر. فيه ارتفع حساب المحرم (Taboo)([39])، وغدا التّعبير الحر سيِّد الموقف الخطابي فنًّا أو قولًا. والمُطالع لدواوين الشّعراء المعاصرين يقع على الشّاهد والدّليل. من ذلك نزار قبّاني الذي راح يجرّد المرأة ممّا يسترها، عادًّا إيّاها أسيرة موقعة حربيَّة، مضى ينزع من جسدِها تذكارات انتصاراته. أنشد في قصيدة: «الرَّسم بالكلمات»:

لا تطلُبي منّي حسابَ حياتي

إنَّ الحديثَ يطولُ يا مولاتي!

تَعِبَتْ من السَّفر الطَّويل حقائبي

وتَعِبَتْ من خيلي ومن غزواتي

لم يبقَ نهد… أسود أو أبيض

إلّا زرعتُ بأرضِه راياتي…

لم تبقَ زاويةٌ بجسمِ جميلةٍ

إلّا ومرَّت فوقَها عرباتي…

فصّلتُ من جلدِ النِّساء عباءةً

وبنيتُ أهرامًا من الحَلَماتِ…([40])

هكذا أفصَحَ كلٌّ من الفنّانين التَّشكيليّين، أو الشّعراء المعاصرين عن مكنونات نفوسهم، وسرائر ضمائرهم كلّ حسب آليّاته وتقنيّاته؛ فكانت المرأة بجسدِها الملاذ الأمين، والحضن المكين للفنّ والتّعبير عن عصارة الذّهن.

اتّضح مما تقدَّم معالم صورة المرأة جسدًا وأعضاءً… فكانت رمزًا للخصوبة والأمومة من جهة، ومثيرة للإبداع والفن. على ضوء ذلك يمكن تقديم توجيه للمتلقّي وقارئ اللّوحة والنّاظر إلى الصّورة أو المنحوتة، يتمثّل بعدم تفسيرها بكيفيّة بعيدة من السّياق والظّروف المحيطة بالعمل الفنّي. علينا معرفة الفنّان، والمناسبة التي نفذت فيها للوصول إلى الفهم المكين لمقاصد الفنّانين. فالعلَّة تكمن في أنّ التّعبير الفنّي لغة رمزيَّة مركَّبة متعدّدة الخيوط محبوكة في نسيجها؛ الأمر الذي يقتضي من المتلقّي التمهّل والتّفكُّر؛ لأنّ «المضمون يأتي نتاجًا لكيفيّة معالجة الشّكل والموضوع المطروح معًا، ومن هنا فإنَّ المضمون ليس ما يقدّمه الفنّان، بل أيضًا كيف يقدِّمه، في أيّ سياق وأيّ درجة من الوعي الاجتماعي والفردي، وبكيفيّة امتلاكه لأدواته الأدائيَّة ودرجة سيطرته عليها، بحيث تصبح التقنيّة والفكر شيئًا واحدًا له هيئة منفردة».([41])

هكذا كان حضور المرأة في الأعمال التَّشكيليَّة اللّبنانيّة المعاصرة، تأرجحت فيها بين الرّمز والفكر، وتلوَّنت بصور متعدّدة بين الجسد العاري، والصّورة المحتشمة، يملي ذلك موضوع اللّوحة من ناحية، وقدرة الفنّان على استثمار الخامات من ناحية أخرى. اكتسبت اللّوحة الحياة بعناصرها المكوِّنة لها، وازدادت حيويَّة بمَن تهب الحياة، وتبني المجتمعات، وتبلسم الجراح في المسلمات، إنّها المرأة بأبسط قول، وأبلغ الكلمات.

المصادر والمراجع

([1]) سورة الرّوم: الآية 21.

(2) الرّاغب الأصفهانيّ: مفردات ألفاظ القرآن، تحقيق صفوان عدنان داوودي، دار القلم، دمشق، ط5، 1432ه-2011م، ص385.

(3) الأصفهانيّ: كتاب الأغاني، دار الثقافة، بيروت، لا. تا، مج8، ص110.

(4) أبو النجم العجليّ: ديوان أبي النّجم العجليّ، جمعه وشرحه وحقّقه د. محمد أديب عبد الواحد جمران، مطبوعات مجمع اللّغة العربيّة، دمشق، 1427ه-2006م، ص161-162.

(5) الدّافع إلى ذلك وجود الخامات والأدوات التي تلزم لأداء فنّ الرّسم، وقد كانت المواد موجودة عند الرّهبان في الأديرة، جلبوها يوم سافروا إلى الخارج لتحصيل العلم، أو من الرّهبان المبعوثين من روما، وقد حملوا الصّور لتوضَعَ في الأديرة والكنائس. يراجع، سيزار نمور: أمام اللّوحة، كتابات في الرّسم، دار الفنون الجميلة للاستشارات والنَّشر، لبنان، ط1، 2003م، ص13.

(6) جاءت الأحاديث الصّحيحة الصّريحة بالنّهي عن صناعة التّماثيل، وعن تصوير ما فيه روح سواء أكان إنسانًا أم حيوانًا أم طيرًا. ينظر تفصيل الأحاديث مع بيان معناها، الشيخ علي أحمد عبد العال الطنطاويّ: حكم التّصوير من منظور إسلاميّ، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1426ه-2005م، ص53 وما بعدها.

(7) John Craswell: Le Regard des peintres, 200 ans peinture Libanaise, Institute de monde arabe, 1989, p: 23.

(8) جبران خليل جبران: الأجنحة المتكسّرة، لا. نا، بيروت، لا. تا، ص65-66، فيها يقول: إنّ أعذب ما تُحدثه الشّفاه البشريّة هي لفظة «الأم» وأجمل مناداة هي: «يا أمّي… كل شيء في الطّبيعة يرمز ويتكلّم على الأمومة، فالشّمس هي أمّ هذه الأرض…، وجبران خليل جبران: النّبي، اللّوحات في الصّفحات 27-31-37-53-69-89-102-107-113، وينظر: اللّوحة رقم 1 في ملحق الصّور والرّسوم.

(9) حليم جرداق: تحوّلات الخط واللّون، الدّوافع النّفسية الفكريّة وراء الاتّجاهات الفنِّية الحديثة، دار النّهار، بيروت، ط2، 2000م، ص155.

(0[1]) إلياس ديب: كتابات نقديّة، مطبعة الحرية، بيروت، 2010م، ص15.

(1[1]) فيصل سلطان: تحوّلات المراحل، سكون الموت والولادة، ملحق النّهار، 31 كانون الأوّل، 1999م، ص10.

(2[1]) التّورية من البديع المعنوي، وتسمّى الإيهام أيضًا، وهو أن يضع القائل في كلامه كلمة لها معنيان: أحدهما قريب ظاهر الكلام يدلّ عليه، والآخر بعيد، وهو الذي يقصده القائل. أمّا الكناية فهي لفظ أطلق لا يقصد معناه الأصلي بل معنى آخر مرتبط بالمعنى الأصلي. يراجع، محمد سعيد إسبر وبلال حنيدي: الشّامل، دار العودة، بيروت، ط2، 1985م، ص369و717.

(3[1]) إلياس ديب: محمد الرواس مهندس مساحات القلب، ملحق النهار، 20 كانون الأوّل، 1997م.

(4[1]) إلياس ديب: محمد الرواس مهندس مساحات القلب، ملحق النهار، 20 كانون الأوّل، 1997م.

(5[1]) أمين الباشا: المرّة الأولى، مجلة جسد، العدد 1، كانون الأوّل، 2008م، ص63.

(6[1]) مارون حكيم: المرايا الخفيّة، مكتبة بيشان للنّشر والتّوزيع والإعلان، بيروت، ط1، 2013م، ص57-59.

(7[1]) علي العلي: مقابلة مع الفنّان مارون الحكيم، جرت يوم الثّلاثاء، الواقع فيه 1-7-2014م.

(8[1]) مارون حكيم: المرايا الخفيّة، ص17.

(9[1]) يراجع، علي العلي: الأنثى نواة الفنّ الأوّل، داؤر سائر الشّرق للنّشر والتّوزيع، جديدة المتن (لبنان)، ط1، 2015م، ص232.

(20) عمران القيسي: هذه العلاقة… بين طاقتين، نص في كتيّب معرض مارون الحكيم، 10-8-1999م، (Nus pastels)، في صالة prevue d’artisteé.

(21) أكثر التّسميات نابعة من مقصد المسمي؛ فيكون الاسم منصفًا عن المضمون، ووظيفة من وظائفه الكبيرة. يعزّز ذلك قول الشّاعر: [من الطّويل]

وسمَّيْتُهُ يحيى ليحيا فلم يكُن    لأمرٍ قضاهُ الله في النّاس من بُدِّ

وقولهم: «لكلّ مسمّى من اسمه نصيب». يراجع، ابن هشام: شرح شذور الذّهب، تحقيق محمد محيي الدّين عبد الحميد، المكتبة التجاريَّة الكبرى، مصر، ط10، 1385ه-1965م، ص374.

(22) تعدّ البيضة رمزًا كونيًّا درجت على استعماله الحضارات المختلفة؛ وإنّ ولادة العالم من بيضة لهي فكرة مشتركة بين الشّعوب السلقية واليونانية والمصريّة والفينيقيّة… وهي تحتوي على بزرة تنوّع الكائنات، إذ فيها قسمان ظاهران بوضوح: الأبيض والأصفر اللّذان يعبّران عن الثّنائيّة الموجودة في كلّ شيء… يراجع، ناصر الجميل: الرموز المسيحيَّة، لا. نا، بيروت، 2011م، ص166.

(23) تعبّر الدّائرة عن الكون، وعن الفكر المحض. فالشّريعة هي المحيط وهي قطر الدّائرة والحقيقة هي المركز. ينظر، د. عفيف البهنسي: النّقد الفنّي وقراءة الصّورة، دار الكتاب العربي، القاهرة، لا. تا، ص51.

(24) فيصل سلطان: كتابات مستعادة من ذاكرة فنون بيروت، دار الفارابي، بيروت، ط1، 2013م، ص168.

(25) ينظر، قصي الحسين: الموت والحياة في شعر المقاومة، دار الرائد العربي، بيروت، 1982م، ص294.

(26) فيصل سلطان: كتابات مستعارَة من ذاكرة الفنون، ص169.

(27) فيصل سلطان: كتابات مستعارَة من ذاكرة الفنون، ص169.

(28) أحمد ياسين: حسن الجونيّ، أنا الطّفل الذي استبدل بالرّسم كلّ أحلامه، مقابلة أُجرِيَت في 16-8-2011.

(29) غاستون باشلار: جماليّات المكان، ترجمة غالب هلسا، المؤسّسة الجامعية للدّراسات والنّشر، بيروت، ط6، 2006م، ص66.

(30) غاستون باشلار: جماليّات المكان، ص66.

(31) فيليب سيرنج: الرّموز في الفنّ والأديان والحياة، ترجمة عبد الهادي عبّاس، دار دمشق، 1992م، ص202.

(32) حسن الجونيّ: إشكاليات العربي وأسرار الذّات، كتاب باحثات الثاني عشر، المركز الثّقافي العربي، بيروت، 2006م، ص325.

(33) حسن الجونيّ: إشكاليات العربي وأسرار الذّات، ص326.

(34) عليّ العليّ: الأنثى نواة الفنّ الأولى، ص249.

(35) مارتن هيدجر: أصل العمل الفنّيّ، ترجمة د. أبو العبد دودو، منشورات الجمل، كولن (ألمانيا)، 2002م، ص74.

(36) جبران خليل جبران: البدائع والطّرائف، لا. نا، بيروت، لا. تا، ص46.

(37) ابن حزم: طوق الحمامة، المكتبة التوفيقيّة، القاهرة، 1976م، ص25.

(38) التابو (Taboo) أصله بولينيزي (Polynesian) يتضمّن دلالتين متضادتين: دلالة الشّيء المندس مقابل الشّيء المدنس، المقلق، الخطر، المحظور… The New Encyclopedia Britannia, Volume IX, p: 756.

(39) نزار قبّانيّ: ديوان الرّسم بالكلمات، منشورات نزار قبّانيّ، بيروت، لا. تا، ص11-12.

(40) د. فاروق بسيونيّ: قراءة اللّوحة في الفنّ الحديث، دار الشّروق، القاهرة، ط1، 1416ه-1995م، ص21.

ملحق الصُّور والمُلحَقات

 

(([1] طالبة في المعهد العالي للدكتوراه الجامعة اللبنانية الآداب والعلوم الإنسانيّة، قسم الفنون التشكيلية.

([2]) سورة الرّوم: الآية 21.

([3]) الرّاغب الأصفهاني: مفردات ألفاظ القرآن، تحقيق صفوان عدنان داوودي، دار القلم، دمشق، ط5، 1432ه-2011م، ص385.

([4]) الأصفهاني: كتاب الأغاني، دار الثقافة، بيروت، لا. تا، مج8، ص110.

([5]) أبو النجم العجلي: ديوان أبي النّجم العجلي، جمعه وشرحه وحقّقه د. محمد أديب عبد الواحد جمران، مطبوعات مجمع اللّغة العربيّة، دمشق، 1427ه-2006م، ص161-162.

([6]) الدّافع إلى ذلك وجود الخامات والأدوات التي تلزم لأداء فنّ الرّسم، وقد كانت المواد موجودة عند الرّهبان في الأديرة، جلبوها يوم سافروا إلى الخارج لتحصيل العلم، أو من الرّهبان المبعوثين من روما، وقد حملوا الصّور لتوضَعَ في الأديرة والكنائس. يراجع، سيزار نمّور: أمام اللّوحة، كتابات في الرّسم، دار الفنون الجميلة للاستشارات والنَّشر، لبنان، ط1، 2003م، ص13.

([7]) جاءت الأحاديث الصّحيحة الصّريحة بالنّهي عن صناعة التّماثيل، وعن تصوير ما فيه روح سواء أكان إنسانًا، أم حيوانًا، أم طيرًا. ينظر تفصيل الأحاديث مع بيان معناها، الشيخ علي أحمد عبد العال الطنطاوي: حكم التّصوير من منظور إسلامي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1426ه-2005م، ص53 وما بعدها.

([8]) John Craswell: Le Regard des peintres, 200 ans peinture Libanaise, Institute de monde arabe, 1989, p: 23.

([9]) جبران خليل جبران: الأجنحة المتكسّرة، لا. نا، بيروت، لا. تا، ص65-66، فيها يقول: إنّ أعذب ما تُحدثه الشّفاه البشريّة هي لفظة «الأمّ» وأجمل مناداة هي: «يا أمّي… كل شيء في الطّبيعة يرمز ويتكلّم عن الأمومة، فالشّمس هي أمّ هذه الأرض…، وجبران خليل جبران: النّبيّ، اللّوحات في الصّفحات 27-31-37-53-69-89-102-107-113، وينظر: اللّوحة رقم 1 في ملحق الصّور والرّسوم.

([10]) حليم جرداق: تحوّلات الخطّ واللّون، الدّوافع النّفسيّة الفكريّة وراء الاتّجاهات الفنِّيّة الحديثة، دار النّهار، بيروت، ط2، 2000م، ص155.

([11]) إلياس ديب: كتابات نقديّة، مطبعة الحرّيّة، بيروت، 2010م، ص15.

([12]) فيصل سلطان: تحوّلات المراحل، سكون الموت والولادة، ملحق النّهار، 31 كانون الأوّل، 1999م، ص10.

([13]) التّورية من البديع المعنوي، وتسمّى الإيهام أيضًا، وهو أن يضع القائل في كلامه كلمة لها معنيان: أحدهما قريب ظاهر الكلام يدلّ عليه، والآخر بعيد، وهو الذي يقصده القائل. أمّا الكناية فهي لفظ أطلق لا يقصد معناه الأصلي، بل معنى آخر مرتبط بالمعنى الأصلي. يراجع، محمد سعيد إسبر وبلال حنيدي: الشّامل، دار العودة، بيروت، ط2، 1985م، ص369 و717.

([14]) إلياس ديب: محمد الرواس مهندس مساحات القلب، ملحق النهار، 20 كانون الأوّل، 1997م.

([15]) إلياس ديب: محمد الرواس مهندس مساحات القلب، ملحق النهار، 20 كانون الأوّل، 1997م.

([16]) أمين الباشا: المرّة الأولى، مجلة جسد، العدد 1، كانون الأوّل، 2008م، ص63.

([17]) مارون حكيم: المرايا الخفيّة، مكتبة بيسان للنّشر والتّوزيع والإعلان، بيروت، ط1، 2013م، ص57-59.

([18]) علي العلي: مقابلة مع الفنّان مارون الحكيم، جرت يوم الثّلاثاء، الواقع فيه 1-7-2014م.

([19]) مارون حكيم: المرايا الخفيّة، ص17.

([20]) يراجع، علي العلي: الأنثى نواة الفنّ الأوّل، دار سائر الشّرق للنّشر والتّوزيع، جديدة المتن (لبنان)، ط1، 2015م، ص232.

([21]) عمران القيسي: هذه العلاقة… بين طاقتين، نص في كتيّب معرض مارون الحكيم، 10-8-1999م، (Nus pastels)، في صالة prevue d’artisteé.

([22]) أكثر التّسميات نابعة من مقصد المسمي؛ لذا يكون الاسم أكثر إنصافًا عن المضمون، ووظيفة من وظائفه الكبيرة. يعزّز ذلك قول الشّاعر: [من الطّويل]

وسمَّيْتُهُ يحيى ليحيا فلم يكُن        لأمرٍ قضاهُ الله في النّاس من بُدِّ

وقولهم: «لكلّ مسمّى من اسمه نصيب». يراجع، ابن هشام: شرح شذور الذّهب، تحقيق محمد محيي الدّين عبد الحميد، المكتبة التجاريَّة الكبرى، مصر، ط10، 1385ه-1965م، ص374.

([23]) تعدُّ البيضة رمزًا كونيًّا درجت على استعماله الحضارات المتعدّدة؛ وإنّ ولادة العالم من بيضة لهي فكرة مشتركة بين الشّعوب السلقية واليونانية والمصريّة والفينيقيّة… وهي تحتوي على بزرة تنوّع الكائنات، إذ فيها قسمان ظاهران بوضوح: الأبيض والأصفر اللّذان يعبّران عن الثّنائيّة الموجودة في كلّ شيء… يراجع، ناصر الجميل: الرموز المسيحيَّة، لا. نا، بيروت، 2011م، ص166.

([24]) تعدُّ الدّائرة عن الكون، وعن الفكر المحض. فالشّريعة هي المحيط وهي قطر الدّائرة والحقيقة هي المركز. ينظر، د. عفيف البهنسي: النّقد الفنّي وقراءة الصّورة، دار الكتاب العربي، القاهرة، لا. تا، ص51.

([25]) فيصل سلطان: كتابات مستعادة من ذاكرة فنون بيروت، دار الفارابي، بيروت، ط1، 2013م، ص168.

([26]) ينظر، قصي الحسين: الموت والحياة في شعر المقاومة، دار الرائد العربي، بيروت، 1982م، ص294.

([27]) فيصل سلطان: كتابات مستعارَة من ذاكرة الفنون، ص169.

([28]) فيصل سلطان: كتابات مستعارَة من ذاكرة الفنون، ص169.

([29]) أحمد ياسين: حسن الجونيّ، أنا الطّفل الذي استبدل بالرّسم كلّ أحلامه، مقابلة أُجرِيَت في 16-8-2011.

([30]) غاستون باشلار: جماليّات المكان، ترجمة غالب هلسا، المؤسسة الجامعية للدّراسات والنّشر، بيروت، ط6، 2006م، ص66.

([31]) غاستون باشلار: جماليّات المكان، ص66.

([32]) فيليب سيرنج: الرّموز في الفنّ والأديان والحياة، ترجمة عبد الهادي عباس، دار دمشق، 1992م، ص202.

([33]) حسن الجونيّ: إشكاليّات العربيّ وأسرار الذّات، كتاب باحثات الثاني عشر، المركز الثّقافي العربي، بيروت، 2006م، ص325.

([34]) حسن الجونيّ: إشكاليّات العربيّ وأسرار الذّات، ص326.

([35]) عليّ العليّ: الأنثى نواة الفنّ الأولى، ص249.

([36]) مارتن هيدجر: أصل العمل الفنّيّ، ترجمة د. أبو العبد دودو، منشورات الجمل، كولن (ألمانيا)، 2002م، ص74.

([37]) جبران خليل جبران: البدائع والطّرائف، لا. نا، بيروت، لا. تا، ص46.

([38]) ابن حزم: طوق الحمامة، المكتبة التوفيقيّة، القاهرة، 1976م، ص25.

([39]) التابو (Taboo) أصله بولينيزي (Polynesian) يتضمّن دلالتين متضادتين: دلالة الشّيء المندس مقابل الشّيء المدنس، المقلق، الخطر، المحظور…

The New Encyclopedia Britannia, Volume IX, p: 756.

([40]) نزار قبّانيّ: ديوان الرّسم بالكلمات، منشورات نزار قبّانيّ، بيروت، لا. تا، ص11-12.

([41]) د. فاروق بسيونيّ: قراءة اللّوحة في الفنّ الحديث، دار الشّروق، القاهرة، ط1، 1416ه-1995م، ص21.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.