الخطيب القزوينيّ وأثره في البلاغة العربيّة

0

الخطيب القزوينيّ وأثره في البلاغة العربيّة

د. محمّد أمين الضنّاويّ*

علم البلاغة

أخذ العلماء في بحث أصول البلاغة وعناصرها بعد ما نشأت آراء كثيرة أصليّة ومترجمة حول البلاغة، وبعد فساد المَلَكات، فقد دوّنوا آراءهم في معنى كلمة البلاغة والفصاحة، وأهمّها وصيّة أبي تمّام للبحتري: “خير الكلام ما قلّ وجلّ ودلّ ولم يملّ”. والجاحظ أورد في كتابه البيان والتبيين تحديدًا للبلاغة كما يراها حكيم الهند: “وضوح الدّلالة، وانتهاز الفرصة، وحُسن الإشارة، وجماع البلاغة البصر بالحُجّة، والمعرفة بموضع الفرصة”. وجماع البلاغة هو التماس حُسن الموقع، والمعرفة بساعات القول.

ويقسّم الكندي فيلسوف العرب البلاغة إلى ثلاثة أنواع: “فنوع لا تعرفه العامّة ولا تتكلّم به، ونوع بالعكس، ونوع تعرفه ولا تتكلّم به وهو أحمدها”.

لقد أُلّفت الكتب الكثيرة في البلاغة، وقد جُمعت كثيرًا من الآراء والدراسات الموجزة حولها. ومن أشهر هذه الكتب إعجاز القرآن لأبي عبيدة، والبيان والتّبيين للجاحظ، والبلاغة وقواعد الشّعر للمبرّد وصولاً إلى أكثر هؤلاء العلماءأهمّيّة وهو السكّاكيّ الذي ألّف كتابه “المِفتاح” وجعله أقسامًا، وخصّ البلاغة بالقسم الثالث منه، وقسّمها إلى ثلاثة أقسام: المعاني، البيان، البديع، وبذلك تنتهي مراحل التأليف والابتكار في بحوث البلاغة وتدوينها كاملاً.

الخطيب القزوينيّ والبلاغة

جاء بعد ذلك الخطيب القزوينيّ المتوفَّى سنة 739 وألّف في البلاغة كتابيه: “تلخيص المِفتاح” و”الإيضاح”، وقد ألّف “الإيضاح” ليكون شرحًا لتلخيص “المِفتاح” وجمع فيه الكثير من آراء عبد القاهر الجرجانيّ، وأبي يعقوب السكّاكيّ في شيء من التنظيم والشّرح.

ميزات كتاب القزوينيّ (الإيضاح)

يمتاز كتاب الإيضاح للخطيب القزوينيّ بميزات ظاهرة عدّة هي:

1- إنّه أوفى كتاب في بحوث البلاغة.

2- أوضح الكتب المؤلّفة فيها نظامًا وأسلوبًا.

3- كثير البحث والتعمّق والاستنباط لأسرار البلاغة العربيّة.

4- كتاب تطبيقيّ جميل في البلاغة.

5- ينقد القزوينيّ فيه كثيرًا من آراء السكّاكيّ.

6- يجمع الخطيب في هذا الكتاب الكثير من خلاصات لبحوث علماء البلاغة في شتّى العصور حتى عصره.

7- الكتاب غزير بالمادّة.

8- كبير الفائدة في الأدب والنقد والبلاغة والبيان.

ولقد أُلفت بعد ذلك كتب عديدة جاءت مستندة إلى ما سبقها، ولم ينتج ما هو جديد فيها، وبذلك تنتهي مراحل التأليف في البلاغة منذ نشأتها حتّى الآن.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* أستاذ جامعيّ سابق، وأحد رئيسَيْ تحرير مجلّة أوراق ثقافيّة، مجلّة الآداب والعلوم الإنسانيّة، له العديد من المؤلَّفات.

الخطيب القزوينيّ وأثره في البلاغة العربيّة

تدلّ مؤلّفات الخطيب القزوينيّ في البلاغة على ثقافة بلاغيّة وأدبيّة واسعة، وقراءة مستفيضة لأكثر المؤلّفات أهمّيّة في البلاغة وفي مقدّمتها: “أسرار البلاغة” و”دلائل الإعجاز” لعبد القاهر الجرجانيّ، و”المِفتاح” للسكّاكيّ. ألّف الخطيب مختصرًا للقسم الثالث من كتاب “المِفتاح” للسكّاكيّ وسمّاه “تلخيص المفتاح”، فقد لخّص فيه هذا الكتاب، وقدّم وأخّر، وحذف واختصر، وفي رأي الباحثين أنّه تلخيص أيضًا لأسرار البلاغة ودلائل الإعجاز، وقد يكون في هذا الرأي مبالغة، إنّما هو تلخيص لكتاب “المِفتاح” وحده، وما فيه من روح التأثّر بعبد القاهر الجرجانيّ فمرجعه إلى كتاب “المِفتاح” لتأثُّر السكّاكيّ بالجرجانيّ. ثم ألّف الخطيب كتابه “الإيضاح” في البلاغة على ترتيب التلخيص ليكون كالشّرح له، فأوضح مواضعه المُشكلة، وفصّل معانيه المجملة، واعتمد على “المِفتاح” و”الأسرار” و”الدّلائل” وغيرها في بحوثه ودراساته فيه، كما يشير إليه الخطيب نفسه في مقدّمته “للإيضاح”. والكتاب “فيه أمّهات مسائل هذه الفنون بعبارة واضحة فيها روح من أسلوب عبد القاهر الجامع بين التحقيق العلميّ والرصانة الأدبيّة”.

إنّ كتاب “الإيضاح” عمل جليل في البلاغة، سواء في ترتيبه، وتقسيمه، وتنظيم بحوثه، أم في استيعابه، واستقصائه، وتحليله، أم في جمعه واستمداده من شتّى المصادر والمراجع، أم في أسلوبه الأدبيّ وروحه، وكثرة تطبيقاته الأدبيّة، وهو من أهمّ كتب دراسي البلاغة في العصر الحاضر.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.