فلسفة اللغة والتأويل

1

فلسفة اللغة والتأويل

معنى المعنى وفهم الفهم

  • د حبيب فيّاض[1]

نتيجة تطوُّرات خاصّة داخل نطاقي فلسفة اللغة وفلسفة التأويل، بات المعنى، في سياق الفهم الفلسفيّ، حالة قيميّة ومعياريّة ضابطة لحركة اللغة في اتّجاهاتها وحيثيّاتها المتعدّدة، وبات فهم الفهم، بما هو موضوع التأويل الفلسفيّ، حالة مراجعة دائمة متلائمة مع حركة وسيولة المعنى، ورافضة للمنهج المؤدلج، والمشبع بإسقاطات صاحبه. على إثر التحوّلين، ونتيجة لاجتماع الفلسفتين على خلفيّة فلسفيّة واحدة، انبثقت فلسفة اللغة والتأويل كمحاولة متقدّمة للربط بين الفهم والمعنى، فيما يعد باستبدال الفلسفة التقليديّة.

تخرج الفلسفة المضافة إلى كلِّ من اللغة والتأويل البحث الفلسفيّ من معالجاته التقليديّة المتمحورة حول الوجود وماورائيّاته النظريّة إلى آفاق جديدة تتجاوز التجريد الذي وسم المسار التاريخيّ للفلسفة، ولترتقي بهذا المسار نحو موضوعات أكثر راهنيّة وحيويّة يمكن معها تعميق الفهم المعرفيّ الإنسانيّ، وتجديده حيال الحياة والعالم، وذلك انطلاقًا من الرؤية التي اصطنعتها لنفسها فلسفة اللغة والتأويل، حيث تخلع اللغة، إذ ذاك، عن نفسها ماهيّتها الآليّة والأداتيّة، وتنتسب إلى ماهيّة غائيّة تحاكي، في آن، الفكر والواقع على حدّ سواء. كما يتخلّى التأويل، والحال هذه، عن منهجيَّته التفسيريَّة الناظرة إلى فهم النصِّ اللغويّ، ليتحوّل إلى قراءةٍ فلسفيّة تنبذ المنهج، ويستحيل فيها الوجود نصّا يستدعي فهما جديدًا لكلِّ فهم يتحصّل إزاء الكون بتعدّد ظواهره وتجلّياته.

أوّلاً: فلسفة اللغة

ثمّة ضرورة منهجيّة للتفريق بين لغة الفلسفة وفلسفة اللغة، على الرّغم من تقاطعهما الواضح. الحالة الأولى ليست سوى محاولات قام بها فلاسفة لغويّون عن طريق المنهج التحليليّ بغية إصلاح لغة الفلسفة وبلورتها، وجعلها ملائمة للبحث الفلسفيّ من خلال ربط مصطلحات هذه اللغة وتعبيراتها بمسمّياتها ومصاديقها الحقيقيّة التي تعبّر عنها، وهذا ما قام به تحديدًا أتباع مدرسة كمبردج في الفلسفة التحليليّة، حيث حاولوا التمييز على مستوى الكلمات بين ما له معنى، وما لا معنى له، وحسبوا أنَّ مشكلة الفلسفة إنّما هي، بالدرجة الأولى، لغويّة. وبالتالي، لا جدوى من أيّ جهد فلسفيّ لا يكون مصحوبًا بإصلاح لغويّ. أمّا الحالة الثانية (فلسفة اللغة) فهي عبارة عن فلسفة لغويّة تستند إلى اللغة ذاتها في سبيل استخراج منظومة فلسفيّة متكاملة، وبلورة رؤية كونيّة إزاء الحياة والإنسان والوجود، بحيث لا يقتصر البحث، في هذا المجال، على دراسة اللغة من وجهة فلسفيّة كما هو الحال في الفلسفات الخاصّة والمضافة (الأخلاق، العلم، التاريخ…)، بل ينظر إلى اللغة بوصفها المجال المعرفيّ الأشمل والأعمق، في آن، على أساس تشكيلها للإنسان ونيابتها عن الوجود وملازمتها لهما وتماهيها معهما. وهذا، بالتحديد، ما دفع بعض الفلاسفة اللغويّين إلى عدّ فلسفة اللغة وريثًا شرعيًّا للفلسفة التقليديّة، بل بديلاً ضروريًّا عنها، بخلاف الفلسفات المضافة التي لا تعدو كونّها من فروع الفلسفة وتحت مظلّتها.

إذا، ليست فلسفة اللغة مجرّد التعامل فلسفيًّا مع اللغة بمقدار ما هي فلسفة مستقلّة ومنبثقة من اللغة ذاتها، حيث لا يعود التفلسف ههنا سمة ملازمة للذات – المدرك – فحسب، بل يتعدّى ذلك إلى الموضوع – المدرك – نظرًا للغنى الفلسفيّ الذي تتّسم به اللغة، والذي يتجلّى من خلالها التماثل بين الإنسان والعالم. وبحسب تعبير هايدغر، فإنّ اللغة تنطق الوجود، بمعنى كونها تسمّي الأشياء والموجودات وتعطيها ماهيّتها وحيّزها في الوجود[2]. فاللغة مساوقة للعالم، وحيث يوجود عالم يوجود لغة، وربَّما يصحّ العكس أيضًا؛ العالم يكشف عن ذاته أو ينكشف من خلال اللغة[3]. وهذا ما يبرر لنا توزّع اهتمامات فلسفة اللغة في مجالين:

الأوّل: هو الفكر باعتبار اللغة تجسيدًا ذاتيًّا له إلى حدّ قد يجوز القول معه، إنّ الفكر لغة معقولة، واللغة فكر منطوق.

والثاني: هو الواقع نظرًا لكون اللغة تمثّلاً موضوعيًّا له بنحو ما عبّر عنه هايدغر بالقول، “إنّ اللغة بيت الوجود، وهي التي تكشف عنه وتظهره”.

لقد شهدت اللغة من خلال فلسفتها تحوّلات عميقة على مستوى خصائصها وأبعادها، بنحو باتت فيه اللغة، فلسفيّا، مختلفة من حيث البنية والماهيّة والوظيفة، وهذا ما سنتطرق إلى بعض معالمه تاليًا:

  1. ليست اللغة، في سياق الفهم اللغويّ الفلسفيّ، مجرّد وسيلة من خلالها إيصال مراد المتكلّم إلى المخاطب، بل هي غاية مطلوبة بذاتها. وبدلاً من أن تكون أداة في الاتّصال والتبليغ، تصبح أمراً من المطلوب الوصول إليه والإبلاغ عنه. فاللغة كما يقول تشومسكي، ليست عنصراً في خدمة العقل، بل هي والعقل متساويان، ولا يختلفان وظيفيًّا على الرّغم من اختلافهما ماهويًّا. واللغة، والفكر أيضًا، بحسب ما يرى فتغنشتاين، وجهان لعملة واحدة، إذ عنده ليست وظيفة اللغة الوحيدة التعبير عما في الذات، أو إيصال المعلومات للآخرين، إذ التفكير لا يسبق التعبير، بل هما متلازمان، فلا إدراك أو تصورات عارية عن اللغة، بل لا يمكن إدراك شيء، أو فهمه، أو تصوّره إلاّ في قالب لغويّ[4]، هذا فضلاً عمّا يقوله هايدغر من المساوقة بين اللغة والوجود، بنحو لا يصبح الواقع ما هو عليه إلاّ باللغة التي لا تقوم علاقتها به على انتمائها إليه، بل الواقع واقع باللغة وفيها[5]. وبالتالي، اللغة ذات ماهيّة غائيّة تتّصف بالموضوعيّة – نسبة إلى الموضوع – من خلال اتّخاذها موضوعًا للفلسفة يصار فيه إلى البحث عن عوارضها الذاتيّة.
  2. استكمالاً لما سبق، يتجاوز دور اللغة، من جهة الفلاسفة اللغويّين، حدود “الاتّصال” إلى حيّز “الإبداع”، بمعنى كونها حاجة يجب الكشف عن مكنوناتها الإبداعيّة بمعزل عن كونها حاجة اتّصاليّة، ذلك أنّ الخطاب على نوعين[6]:

الأوّل: اتّصاليّ يراد منه التواصل مع الآخر، وإيصال مؤدّى الكلام إلى المتلقّي، كما هو مؤدّى الآيات القرآنيّة التي ترمي إلى إيصال تعاليم محدّدة إلى مخاطبي الوحي ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾[7].

والثاني: إبداعيّ يراد منه الإلفات إلى القدرة على التعبير، وقابليّة اللغة لتكون موضوعًا مبدعًا، كما هو حال الشاعر الذي ينشد قصيدة من أبيات عديدة يصف فيها وردة في حديقة، إذ هو هنا لا يريد إبلاغنا بمواصفات الوردة، بمقدار ما يريد الكشف عن قدرته الإبداعيّة في التعامل مع اللغة. ولقد وصل الخطاب الإبداعيّ في القرآن إلى ذروته من خلال التّجلّي الإعجازيّ للتعبير بنحو لا يمكن الإتيان بمثله. هذا المسار يمكن ملاحظته في مسار التعامل النحويّ مع اللغة والانتقال من النحو التقليديّ المتعارف عليه، والذي يدور أساسًا حول أواخر الكلمات، إلى النحو التوصيفيّ عند سوسير، حيث انتقل من التعامل مع الكلمة من موقع ما يجب أن تكون عليه – عند النّحاة التقليديّين – إلى ما هي عليه بالفعل بوصفها علامة في سياق بنيويّ متكامل، وصولاً إلى النحو التوليديّ عند تشومسكي[8] الذي بلور نظريّة تقوم على فكرة أنّ اللغة حدس إبداعيّ، يتوالد من خلاله الكلام اللامتناهي من اللغة المتناهية، وأنّ كلّ جملة فيها بنية عميقة تتّصف بنحو توليديّ متّسق مقابل بنيتها السطحيّة الخاضعة للنحو التقليديّ.

  1. تذهب النظرة التقليديّة إلى اللغة إلى احتسابها مجموعة من العناصر المادّيّة التي يمكن أن تسمع وتنطق من دون التأمل في هذه العناصر، ودراسة العلاقات التي تربط بينها، إلى أن جاء فريناند دي سوسير صاحب المنهج البنيويّ في الدراسات اللغويّة، وقام بتجسير العلاقة معرفيًّا بين اللغويّات وفلسفة اللغة، فعدّ أنّ موضوع علم اللسان هو اللغة منظورٌ إليها في ذاتها ولذاتها، وبمعزل عن كل ما سواها، فذهب أوّلاً إلى التمييز بين “اللغة” التي هي حالة عامّة وتقنين اجتماعيّ، أو مجموعة من القواعد، وبين “الكلام” الذي هو أمر متعيّن يقوم به شخص محدّد من خلال فعل فرديّ[9]. ثمّ ميّز سوسير بين “اللغويّات الداخليّة” التي تعدّ بمثابة دراسة محايثة للغة بوصفها بنية قائمة بذاتها ومستقلّة، و”اللغويّات الخارجيّة” بما هي دراسة للعلاقات القائمة بين اللغة والدوائر التاريخيّة والحضاريّة والمجتمعيّة والنفسيّة والجغرافيّة المؤثّرة عليها، وصولاً إلى تمسّكه بضرورة استبعاد المنهج التعاقبيّ (التاريخيّ) في دراسة اللغة واستبداله بالمنهج التزامنيّ (البنيويّ)، حيث يقوم الأوّل على تتبع رأسيّ وأفقيّ لتحولاّت اللغة تاريخيًّا. في حين يتمحور الثاني على دراسة أفقيّة للعلاقات بين مكوّنات اللغة بوصفها نظامًا منجزًا وراهنًا، لأنّ التعاقب الزمنيّ – كما يقول سوسير – لن يفيدنا في فهم المشهد اللغويّ الراهن فضلاً عن أنّه لن يفيدنا في فهم معنى كلمة ما. لقد انطلق سوسير من كلّ ذلك للتّأسيس لنظريّته “البنيويّة اللغويّة” فحسب أنّ اللغة عبارة عن نسق لا يعرف سوى نظامه الخاصّ، بمعنى كون اللغة كلاًّ منظّمًا يتشكّل من عناصر تعمل كمجموعة، ولا يكون لأيّ عنصر في النظام دلالة إذا أُخِذَ بحدّ ذاته، وبشكل منفرد، وبمعزل عن سواه، بل إنّ دلالته تقوم من خلال ارتباطه بجميع العناصر الأخرى أوّلاً، وبالنظام الذي ينتمي إليه ثانيًا. البيت، مثلاً، لا يمكن تعريفه بأنّه أكوام من الحجر والخشب والطين والإسمنت و… بل هو عبارة عن تناسق وترابط منتظم بين هذه العناصر[10].  لهذا يشبّه سوسير اللغة بلعبة الشطرنج التي لا يستطيع اللاعب أن يحصر تركيزه واهتمامه في مربّع واحد من دون المربّعات الأخرى، كما لا يجب عليه أن يكون معنيًّا بتاريخ اللعبة وتطورّها. أمّا ما هي العناصر الأساسيّة التي تشكّل منها النظام اللغويّ، فهي العلامات، وهي ما سنتحدّث عنه تاليًا.
  2. العلامة في الفهم اللغويّ الكلاسيكيّ هي مجموع ما ينجم عن العلاقة بين اللفظ والمعنى، بينما ينظر إلى العلامة اللغويّة فلسفيًّا، وبالإجمال، على أنّها مجمل الارتباط بين الدال والمدلول، علمًا أنّ الدالّ ههنا أعمّ من اللفظ، والمدلول أعمّ من المعنى. وفي هذا السّياق لا تعود العلامة مجرّد حالة معجميّة تدلّ على معنى معجميّ، أو قواعديّة تشير إلى معان صرفيّة أو نحويّة محدّدة، بل تتجاوز ذلك إلى الحالة الدلاليّة، بحيث تشير إلى أمور خارج اللغة قد تكون تداعيات ذهنيّة، وانعاكسات نفسيّة، ورموز إيحاءات، واستكمالات لما يبدأ مع المعنى من دون أن ينتهي عنده[11]. فالعلامات وفق هذا المعنى تتحرّك إلى ما وراء ذواتها، وهي ذات وجهين، إذ في الوقت الذي تقول لنا عن نفسها شيئًا، هي تقول شيئًا ما عن شيء آخر، وبالتّالي هي إحالة حقيقيّة لا يمكن الشكّ فيها[12]، وتتكفّل بحلّ مشكلة الإنسان واللغة من جهة، واللغة والعالم من جهة ثانية، انطلاقًا من كون الإنسان كائنًا لغويًّا، والعالم كينونة لغوية[13]. وهذا الاختلاف الجهويّ انعكس تباينًا في رواية كلّ من البنيويّة اللغويّة، وفلسفة الظاهرات إلى الدور الوظيفيّ للعلامة، حيث ذهبت الأولى إلى حصر هذا الدور بتحديد العلاقة بين اللغة والفكر. فيرى سوسير أنّ العلامة اللغويّة لا تربط شيئًا ما باسم ما، وهي ليست مجرّد تحويل أو نقل للواقع، وإنّما هي مزدوجة، وذات وجهين، وكلاهما ينحصر بين الإنسان وفكره، وهما اتّحاد بين الدالّ الذي هو الصورة الصوتيّة، والمدلول الذي هو الصورة الذهنيّة، وهذان الأمران متلازمان ولا يمكن فصلهما كوجهي الصفحة[14]. بينما ذهبت فنمنولوجيا اللغة إلى تحديد وظيفة العلامة بدراسة العلاقة بين اللغة والواقع، وعدّت أنّ العلامة إحالة إلى الخارج وإشارة إلى الواقع، وهي وسيط تلتقي الذات من خلاله مع العالم كبديل عن العلامة المنغلقة على الذات كما هو الحال في البنيويّة، وبذلك يتعمّق تأصيل العلامة في الوجود، وتستحيل اللغة إلى تجلّ للذات والعالم، فلا كينونة بمعزل عن اللغة، ولا هوّة بين العلامة والشيء الخارجيّ المرتبطة به، وبالتالي العلامة، وفق هذا التفكير، أكثر انحيازًا إلى الواقع وتعبيرًا عن الموضوع من انحيازها إلى الفكر وتعبيرها عن الذات. أخيرًا، تجدر الإشارة إلى أنّ العلامة في الفهم اللغويّ الفلسفيّ – وسواء ارتبطت بالفكر أو الواقع – إنّما تنتقل من كونها مفردة إلى التركيب بمختلف صيغه (الإضافيّ، الوصفيّ، البدليّ، الإسناديّ…)، على أنّ التركيب ههنا لا ينحصر بالجملة، بل من الممكن أن يكون النصّ برمّته علامة أصليّة رغم ما يتضمّنه من علامات فرعيّة[15].
  3. المعنى، في المباحث اللغويّة، هو أحد طرفي معادلة يشكّل اللفظ طرفها الآخر، بينما “المعنى” في إطار فلسفة اللغة هو أكثر الموضوعات تداولاً وأهمّيّة، بل إنّ البعض ذهب إلى حدّ القول، إنّ المعنى هو الموضوع الذي تتمحور حوله مسائل هذه الفلسفة[16]. الأمر الذي فتح الباب على مصراعيه أمام الخوض في تحديد معنى المعنى وماهيّته، فشغلت هذه المسألة الحيّز الأوسع من مباحث الفلسفة اللغويّة تاريخيًّا وراهنًا، بَدءًا من أفلاطون الذي رأى أنّ المعاني هي الأمثل، أو النماذج الخالدة، مرورًا بـ(لوك Locke) الذي قال إنّ المعاني هي الأفكار التي تدلّ على الكلمات، ومور Moore الذي حسب أنّ المعنى هو التصوّرات الترادفيّة، وصولاً إلى فتغنشتاين Wittgenstein الذي ذهب إلى احتساب معنى الكلمة هو استخدامها، وفريغه Frege حيث تبنّى مقولة إنّ معنى الشيء هو المشار إليه (في فلسفة اللغة، المصدر نفسه، الصفحتان 96 و97)، هذا فضلاً عن رأي العرفاء والمتصوّفة الذين عدّوا المعنى الحقيقيّ للمعنى هو التجلّي الوجوديّ. ومهما يكن من أمر، فإنّ التحوّل الذي طرأ على مفهوم “المعنى” في سياق الفهم الفلسفيّ للغة من حيث دلالاته ووظائفه أخرج هذا المفهوم من كونه تحت سقف اللغة إلى كونه معيارًا وضابطًا لحركة اللغة في مختلف اتّجاهاتها وحيثيّاتها[17]، وبالتالي تحوّله إلى حالة قيميّة ومعياريّة تتحكّم بمعياريّة الصدق – الكذب، وأكثر أهمّيّة منها، ذلك أنّ الجملة الخبرية في اللغة العادية تخضع في معناها لمعيار الصدق والكذب لناحية صحّتها وانطباقها على الواقع، بينما يتحوّل “المعنى” ذاته في سياق البحث الفلسفيّ اللغويّ إلى معيار لديه صلاحيّة البتّ في مدى أهليّة اتّصاف الجملة – القضيّة بالصدق والكذب. إذ إنّ إطلاق حكم الصدق أو الكذب على الجملة متوقف على كونها ذات معنى. بمعنى أنّ افتقداها للمعنى يوازي عدم وجودها، بحيث يغدو في هذا السياق أيّ كلام عن الصدق والكذب ضربًا من العبث واللهو، وبدلاً من أن يجرّنا مفهوم الصدق إلى صحّة المعنى، بات مفهوم المعنى هو الذي يقودنا إلى صحّة الصدق[18]. هذا مع الغضّ عن غلوّ البعض في تضييق المؤشّر الذي يتمّ على ضوئه التمييز بين ما له معنى، وما لا معنى له، وتحديدًا أتباع النزعة التجريبيّة في الفلسفة التحليليّة، وحلقة ڤيينا والوضعيّة المنطقيّة.

ثانيًا: فلسفة التأويل

لقد أخذ التأويل منحنى فلسفيّا يتبع النزوع اللغويّ نحو التفلسف، الأمر الذي أخضع المسار التاريخيّ للتأويل لتحوّلات مفهوميّة هائلة بَدءًا من الحكمة اليونانيّة التي اشتقّ من لغتها لفظ هرمنوطيقا (التأويل)، مرورًا بالتراث الفلسفيّ الإسلاميّ والمسيحيّ الذي شهدت محاولات للتعمّق في فهم النصوص الدينيّة وعقلنتها، وصولاً إلى عصرنا الراهن، حيث شكّل التأويل الفلسفيّ، من جهة، امتدادًا للتأويل التقليديّ بوصفه ذروة التطوّر التأويليّ من خلال إقحامه في مجالات المعرفة شتّى، ومن جهة ثانية، شكّل انقلابًا عليه وخروجًا على ماهيّته بوصفه فلسفة تتطلّع إلى بلورة رؤية شاملة إزاء الكون والوجود وضاربة عرض الحائط الهُويّة المنهجيّة التي يقوم عليها الفهم الكلاسيكيّ للهرمنوطيقا، ومهما يكن من أمر، فإنّ التأويل بحلّته الجديدة قد أصبح أمرًا لا غنى عنه في حياتنا الفكريّة الراهنة بسبب كثرة الالتباسات والتعقيدات في الفهم، والاختلاف المفهوميّ في بنية النصّ ودلالاته، الأمر الذي جعل من التأويل – كما يقول غادامر – عرفًا في الفلسفة المعاصرة تتمسّك به كلّ الاتّجاهات الفلسفيّة السائدة[19].

وسوف نحاول هنا مقاربة الإطار العامّ لفلسفة التأويل من خلال تناول المفاهيم الأساسيّة المكونة له وهي الفهم، فهم الفهم، المنهج، النصّ، ومستويات التأويل.

  1. “الفهم” موضوع التأويل بوصفه حالة واسطيّة تصل بين الذات التي ينوب عنها والموضوع التي يتلبّس به. على هذا، يلاحظ بأنّ “الفهم” متضمّن في مختلف التعريفات المتداولة حول التأويل، يقول جون مارتن كلادنيوس (1710 – 1759) إنّ التأويل فنّ التفسير مقابل احتمال سوء الفهم. ويعرّفه فريدريك أوغست وولف (1785 – 1807) بأنّه فهم مراد صاحب النصّ، بينما يُعدّ شلايرماخر (1768 – 1834) بأنه فنّ الفهم والاستيعاب لمنع سوء الفهم. أمّا هايدغر فيرى أنّ التّأويل ليس سوى دراسة الفهم بشكل تتجاوز فيه هرمنطيقا النصّ عمليّة فهم النصّ إلى فهم ماهيّة اللغة ذاتها[20]. من هنا، وانطلاقًا من هذه التعريفات، لا يبتعد التأويل من كونه عقلاً يهدف إلى البحث عن العنصر المشترك بين كلّ أنماط الفهم[21]، فتصبح عمليّة الفهم ممكنة من خلال العلاقة بين طبيعة الفهم المتغيّرة تبعًا لتغيّر التجارب وثبات النصّ من حيث شكلانيّته، فيكون المطلوب من الفهم، في هذه الحالة، الظّفر بالمعنى في إطار تفاعل متبادل بين الذات والموضوع. ذلك أنّ العمل التأويليّ يقوم على المزاوجة بين إمكان الفهم وكيفيّة حصوله. الإمكان هذا متوقّف على وجود شيء يتحدّث إلينا، أمّا الكيفيّة هذه فمرتبطة بوجود شيء نتحدث عنه، والتأويل ليس سوى تفاعل بين حكايتنا عن الشيء وحكايته إلينا، لهذا، كلّ عمليّة فهم تتضمّن في طيّاتها عمليّة تأويليّة من خلال تمثّل المدلولات القصديّة الأساسيّة بالنسبة إلى النشاط التاريخيّ والعينيّ للإنسان كما يقول دلتاي Dilthey.
  2. وإذا كان الفهم موضوع التأويل بمعناه الكلاسيكيّ، فإنّ التأويل الفلسفيّ موضوعه فهم الفهم بشكل يدخل فيه مفهوم الفهم دائرة أكثر تعقيدًا من خلال استحالته إلى موضوع يستدعي ذاتًا مغايرة من أجل إدراكه والتأمل فيه بعدما كان ذاتًا محايثة وتتأمّل. التركيب هذا “فهم الفهم” يهدف إلى استبدال العقل القديم بآخر جديد لديه قابليّة الانسجام مع روح العصر وتمحيص اليقينيّات والتثبّت من المسلّمات وبقائه في حالة مراجعة دائمة للمفضيات التي لا ينتهي إليها، وهذا ما عبّر عنه نيتشه من خلال قوله، “ليس هناك حقائق، هنالك فقط تأويلات”[22]، ذلك أنّ طبيعة التماثل الجذريّ بين اللغة والعالم سيّالة غير ثابتة، الأمر الذي يبيّن أنّ المعنى – نظرا لارتباطه بالفهم – لديه طبيعة متحوّلة جوهريًّا على الرغم من حفاظه على وحدة هُويّته. على هذا الأساس يخرج الفهم من حالته الأداتيّة الفاهمة إلى حالته الموضوعيّة المطلوب فهمها. هذا أوّلاً، وثانيًا، يتخلّى عن ثباته المفضي إلى اليقين لصالح تحرّكه الذي يبقى في حالة بحث دائم عن الحقيقة والكشف عنها من خلال تحديد ما هو داخل المعنى، وما هو فائض عنه، لأنّه كما أنّ طبيعة الأشياء تجعل من حركة الفهم ممكنة، فإنّ حركة الفهم تجعل منه أمرًاأكثر ضرورة للفهم مجدّدًا، بل أساسًا موجوديّة الشيء تعني قابليته للفهم، بمعنى أنّ الفهم وجود يستدعي الفهم كغيره من الوجودات، فوجود الفهم هو وجود الوجود، وبالتالي هو الفهم وفق الفهم الفلسفيّ للتأويل، ليس سلوكًا أو منهجًا، بل هو وجود للفهم.
  3. يرفض التأويل الفلسفيّ الوظيفة الدلاليّة للغة، فاللغة ليست آداة اتّصال وتبليغ، بل إنّ العالم برمّته يكتسي بنية لغويّة، والتأويل على هذا الأساس يهدف إلى تحويل اغتراب الإنسان إلى علاقة إلفة بالعالم من خلال البحث عن التماثل الجوهريّ بين الإنسان والعالم. وما تقدّم يقودنا على مستوى التأويل الفلسفيّ إلى رفض للمنهج (بصيغته التقليديّة)، وتمسك بتحليل الفهم ذاته، حتّى لا تعود إسقاطاتنا الذاتيّة، كما يقرّر ريكور، تخاطبنا من خارج على أنّها آخر، وكما يرى غادامر بأنّنا لا يمكن أن نقرأ النّصّ إلاّ بتوقّعات معيّنة وإسقاطات مسبقة، حيث يأتي دور التأويل الفلسفيّ في مراجعة هذه الإسقاطات باستمرار في ضوء ما يمثل أمامنا، وبإمكان كلٍّ مراجعة لإسقاط مسبق أن تضع أمامها إسقاطًا جديدًا من المعنى، حتّى تبزغ الإسقاطات المتنافسة جنبًا إلى جنب فتغدو وحدة المعنى أكثر وضوحًا، ويتبيّن كيف يمكن أن تترابط الرموز والعالم[23]. رورو

فالمنهج غالبًا ما يقودنا إلى ما يريده صاحبه، وليس إلى الحقيقة المنفصلة عنه، وهذا ما يفسّر لنا تقديم غادامر للحقيقة على المنهج في كتابه الشهير. وبالعموم يمكن القول، إنّ التأويل الفلسفيّ يساوي بين العمل المنهجيّ والنزعة الأيديولوجيّة التي تقوم أوّلاً على اعتقادات مسبقة وراسخة، ويصار ثانيًا إلى البحث عن الأدلّة المثبتة لها والمقدّمات المفضية إليها.

  1. يدعونا التأويل الفلسفيّ إلى الانسياق خلف النصّ – بعيدًا من المنهج المسبق – حتّى يخبرنا هو عن نفسه بمعزل عن سوء الفهم، فنتخلّص من الفهم المسبق ونستبدله بالإصغاء إلى صوت الآخر، على أنّ النصّ في النظرة الفلسفيّة ذو ماهيّة متافيزيقيّة، والعكس صحيح، أي المتافيزيقيّات كلّها نصوص. والتماهي بين النصّ والمتافيزيقا يعطينا القدرة على الاستمرار في تجديد نظرتنا إلى الأشياء، بحيث يجعلنا نكشف عنها كأنّنا نشاهدها أوّل مرّة حتّى لو كنّا شاهدناها من قبل. إنّ أهمّ ما في فلسفة التأويل هو الخروج على المعنى التقليديّ للنصّ، وتوسيع مفهومه ليطال العالم برمّته، بحيث يصبح العالم نصّا والنصّ عالمًا. وفي هذه الحالة ينظر إلى النصّ وهو في وضعيّة من الحركة والتحوّل. وبالتالي، النظرة المتعدّدة إليه تستدعي فهمًا متواصلاً له استنادًا إلى ما يشتمل عليه من وجوه وطبقات. بخلاف النظرة الأحاديّة غير المتكرّرة التي تعني ثباته وجموده. وهذا بالضبط ما يؤدّي إلى التناصّ من خلال الالتقاء بين أفق القارئ، وأفق النصّ من طريق فهم يبلغ منتهاه مرحليًّا لتتحوّل بذلك كلّ قراءة إلى تأويل[24]. وأيّ معنى من الممكن أن يبزغ في مثل هذه الحالة سيكون بمثابة التجلّي الوجوديّ للشيء، هذا التجلّي الأكثر اقترابًا من الحقيقة التي لا تقفل على نهائيّة دائمة بحكم لزوم الترابط بين الصيرورة بما هي بديل عن الماهيّات وحدودها العدميّة، والوجود من حيث هو ثابت ويعطي كلّ معنى تحقّقه ومعناه. ومن خلال هذا المسار يمكن للعقل التأويليّ العبور نحو الكلّيّات النصّيّة – كما هو شأن أيّ عقل فلسفيّ – من أجل فهم البنية اللغويّة لعالم، لأنّ الفلسفة – في أيّ مجال كانت – تتجاوز الجزئيّ والتاريخيّ إلى الكلّيّ والعامّ والإنسانيّ.
  2. استنادًا إلى كلّ ما تقدّم من كلام حول التأويل وفلسفته بَدءًا من تحديد الفهم وفهم الفهم وصولاً إلى بيان المنهج والنصّ، يمكن بلورة المسار العامّ والتدريجيّ للتأويل والتحوّل المفهوميّ الذي طرأ عليه من خلال ثلاثة مستويات تأويليّة:

المستوى المنهجيّ (المثودولوجيّ)، المستوى المعرفيّ (الإبستمولوجيّ)، والمستوى الفلسفيّ[25].

المستوى الأوّل، يراد به منهجًا معيّنًا يتمّ اعتماده من أجل فهم النصّ ويستمدّ نموذجه من قوالب محدّدة أو أشكال متعدّدة لتأويل النصوص. ويتقاطع التأويل بحسب هذا المعنى إلى حدّ بعيد مع التفسير من خلال اشتراكهما غائيًّا بالفهم والإفهام، ووظيفيًّا بالبحث عن مدلول الشيء بما هو أظهر منه حتّى يصبح المجهول معلومًا والخفيّ واضحًا، غير أنّ التفسير أكثر تعاملاً مع الظاهر والمفهوم، بينما التأويل أكثر توجّهًا نحو الباطن والمصداق وطبقات المعنى. هذا المستوى يعكس الرؤية التقليديّة للتأويل كما هو الحال عند معظم الفلاسفة والمفكرين الذين اشتغلوا في هذا المجال بَدءًا من أفلاطون وصولاً إلى شلايرماخر الذي، على الرّغم من حفاظه على المفهوم التقليديّ للتأويل، فإنّه، ربّما، أوّل من فتح الباب أمام التحوّل الماهويّ للتأويل من خلال نقده لماهيّة التأويل المنهجيّة وسعيه إلى توسيع دائرة العمل التأويليّة لتطال النصوص غير الدينيّة وتفريع الهرمنوطيقا العامّة إلى هرمنوطيقا فيلولوجيّة ولاهوتيّة وقانونيّة[26].

المستوى الثاني، يأتي في سياق إنضاج عمليّة الفهم التأويليّ وتطويرها، والتمهيد لإخراجها من الحالة المنهجيّة إلى الحيّز الفلسفيّ، وذلك من خلال، أوّلاً، محاولة الربط بين المجرّد العقليّ والمحسوس الوجوديّ، وحلّ التعارض بين العقل الاستدلاليّ والحدس التعاطفيّ، وثانيًا، الارتقاء بموضوع الفهم من خلال عدم كونه كافيًا للتأويل على الرّغم من كونه لازمًا له، إذ إنّ فهم القضيّة لا بدّ من أن يكون متبوعًا بخطوتين ضروريّتين هما صدقها وتبريرها. ولعلّ فلهالم دلتاي – الفيلسوف الألمانيّ – أوّل من أسّس للتأويل المعرفيّ عبر توسيعه مجالات عمل التأويل لتطال العلوم الإنسانيّة العديدة، ومحاولة تأسيسه علاقة معرفيّة بين التأويل والعلوم الإنسانيّة تناظر العلاقة القائمة بين التفسير (بمعناه العلميّ) والعلوم الطبيعيّة[27] بهدف الوصول إلى مفضيات أكثر دقّة ويقينيّة في مجال العلوم الإنسانيّة موازية لدقّة ويقينيّة نتائج العلوم الطبيعيّة، بمعنى أنّه حاول عبر التأويل صياغة أساس إبستمولوجيّ للعلوم الروحيّة والإنسانيّة[28]، وبذلك يكون لدتاي قد أنسن التأويل ليتعلّق بكلّ اهتمامات الإنسان الفهميّة، وأدخل قضيّة المعنى في الإنسانيّات على إطلاقها من دون أن تبقى حكرًا على الجانب اللغويّ منها. ومهما يكن، فإنّ التأويل المعرفيّ متقدّم على التأويل المنهجيّ لكونه نمط تفكير يمارس رقابته على المناهج التأويليّة من أجل تأسيسها وتبريرها وتحديد مبادئها العامّة، وهو من جهة أخرى، متأخّر عن التأويل الفلسفيّ لكون شموليّته تتعلّق بالإنسانيّات من دون الوجود وماورائيّاته.

المستوى الثالث، أي التأويل الفلسفيّ، تبلور من خلال مسار فلسفيّ طويل، يعود الفضل في بلوغه الذروة إلى الجهود الثنائيّة المتكاملة التي بذلها كلّ من الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر، وتلميذه جورج هانس غادامر. الأوّل ذهب إلى كسر ثنائيّة الفلسفة التقليديّة الوجود – الماهيّة، واستبدالها بثنائيّة الوجود – اللغة. حيث رأى أنّ اللغة، لا الماهيّة، هي المشترك بين الذات والموضوع، لأنّ اللغة أمر وجوديّ بينما الماهيّة حدّ عدميّ، وبالتالي اللغة هي المشكّلة لمتن الوجود في الواقع، وفي الوقت نفسه، هي ما يستقرّ في الفكر من خلال حصول المعرفة. وهذا عبّر عنه هايدغر من خلال مقولته الشهيرة، “اللغة تنطق الوجود“، و”هناك فحسب حيث توجد لغة يوجد عالم[29].

وبمعنى آخر، يمكن القول إنّ هايدغر يخرج سؤال الأصالة من إطار الوجود والماهيّة ويزج به بامتياز في إطار الوجود واللغة. فهو يقول ما مؤدّاه، إنّ اللغة لا تشير إلى الأشياء، بل الأشياء تفصح عن ذاتها من خلال اللغة. إذ عنده، كلّ ما هو موجود يعبّر عن نفسه لغويًّا، وكلّ ما هو لغويّ يعبّر عن وجود ما. ويبدو أنّ المنظور اللغويّ عند هايدغر يقودنا إلى استنتاج أصالة اللغة عنده، لأنّه يؤمن أنّ اللغة لا يقتصر دورها على تسمية الأشياء والموجودات، بل تمنحها ذاتها وحيّزها من الوجود، ما يعني أنّ العالم يكشف عن ذاته باللغة وينكشف من خلالها. بل أكثر من ذلك، يستشفّ من كلامه أنّ الإنسان منفعل أمام اللغة الفاعلة، إذ يقول، “إنّ الإنسان ليس هو الذي ينطق اللغة، بل اللغة تنطق وتتحدّث من خلاله”[30]. وهذا أشبه بالانقلاب على الفلسفة التقليديّة التي لا ترى في اللغة سوى أداة يستخدمها الإنسان للتواصل والتعبير، ليصبح المشهد هنا مقلوبًا من خلال الادعاء بأنّ اللغة تستخدم الإنسان لتكشف عن ذاتها ووجودها. وفي هذا الخضمّ يتمّ تجاوز ثنائيّة الفكر والواقع إلى أحاديّة اللغة الساكنة في موطني الفكر والواقع.

أمّا غادامر فقد انطلق من معادلة أستاذه التي تقوم على ثنائيّة اللغة – الوجود ليبلور التأويل الفلسفيّ أو فلسفة التأويل في إطار نظريّة متكاملة، فإذا كانت دراسة الوجود تحتاج إلى فلسفة (باعتبار الوجود موضوعًا للفلسفة)، ولا يمكن فهم الوجود من دون اللغة (على أساس أنّ اللغة بديلاً عن الماهيّة لفهم الوجود)، فإنّ دراسة اللغة التي لا بدّ منها لفهم الوجود تحتاج إلى التأويل، الأمر الذي يحتّم ارتباط الفلسفة بالتأويل في إطار معرفيّ محدّد بشكل يناظر الترابط الموضوعيّ بين اللغة والوجود. بمعنى أنّ الماهيّة التي كان يتوقّف عليها فهم الوجود – وفق الفهم الفلسفيّ التقليديّ – لم تعد أمرًا مجرّدًا واعتباريًّا، بل الماهيّة هنا هي ماهيّة اللغة، إذا صحّ التعبير، التي تحتاج بدورها إلى جهد فلسفيّ تأويليّ في سبيل إصابة الهدف المنشود الذي هو الوجود. على هذا الأساس تتعلّق اللغة بثلاث مجالات: مسألة الكينونة وارتباط اللغة بالكينونة، مسألة العدم وارتباط اللغة به، مسألة وجود اللغة ذاتها وارتباطها بكينونة الأنا الإنسانيّ[31]. فإذا كانت اللغة متداخلة إلى حدّ التماهي مع ثلاثيّة الوجود، العدم، الإنسان التي تعدّ الأكثر تعقيدًا وعمقًا بين موضوعات الفلسفة، فهل يمكن تصوّر حصول الفهم فلسفيًّا من دون تأويل؟

إنّ اجتماع اللغة والتأويل على خلفيّة فلسفيّة يفضي إلى انبثاق فلسفة متكاملة موازية للفلسفة التقليديّة إن لم تكن بديلة عنها. ذلك أنّ الهرمنوطيقا ليست مجرّد مجال من مجالات العلوم الإنسانيّة، بل هي تحصيل الفهم إزاء انطلوجيّة الإنسان والعالم. فالفهم ههنا ليس شيئا يفعله الإنسان، بل شيء يكوّنه وهو أمر ممكن، بل ضروريّ عبر لغويّة الفهم الإنسانيّ ولغويّة الوجود نفسه[32].

كذلك فإنّ اللغة أمر مشترك بين الفهم والوجود، لأنّ اللغة لا يمكن أن تنفصل عن الفكر، وهي مصنوعة لتلائم العالم وتعبّر عنه رغم تعبيرها عن ذاتيّتنا وانسجامها معها، إذ اللغة في الخارج وجودات تعبّر عن ذاتها، وفي الذات هي تعبيرات عن وجودنا.

والنتيجة من كلّ ذلك أنّ كلّ موضوع معرفة مشمول باللغة، كما أنّ كلّ موضوع خارجيّ ماهيّته لغويّة. من هنا يتسنّى للإنسان في اللغة وعبرها أن يمتلك عالمًا على الإطلاق، والقول فيها يكشف العالم، وربّما يخلقه، بينما شمولها يسمح بفهم العوالم والوجودات[33].

بالجملة، يمكن القول، إنّه إذا كان موضوع التأويل هو الفهم، فإنّ موضوع فلسفة التأويل هو فهم الفهم، وإذا كانت اللغة تبحث عن المعنى، فإنّ فلسفة اللغة تبحث عن معنى المعنى، ومن بين هاتين الفلسفتين تنبثق فلسفة اللغة والتأويل ذات المسالك الوعرة والاتّجاهات المتعدّدة، لكنّها، على الرغم من ذلك، تبشّر ببلورة فهم ومعنى جديدين للإنسان والعالم من خلال التأمّل في فهمنا لكلّ فهم، وبحثنا الدؤوب عن ماورائيّات المعاني المنغرسة فينا والمحيطة بنا.

إنّ فلسفة اللغة والتأويل ليست سوى محاول متقدّمة للربّط بين الفهم والمعنى[34] وإدراجهما في بوتقة وجوديّة واحدة. فيكون الفهم متماهيًا مع كينونة الإنسان، وليس ناتجًا عنها، كما يكون المعنى أعلى درجات التجلّي للموجودات من خلال موجوديّتها اللغويّة، وليس من خلال معدوميّتها الماهويّة.

وبكلمة أخيرة، فلسفة اللغة والتأويل هي عقل تأويليّ يتطلّع إلى فهم العالم بوصفه كينونة لغويّة… هذا الفهم الذي يتقوّم في جانب كبير منه على خضوعها للكلمات، وليس إخضاعها لنا، وربّما هذا هو الفرق بين فلسفة اللغة والتأويل وغيرها من الفلسفات التقليديّة.

[1]  أستاذ فلسفة اللغة والدين في الجامعة اللبنانيّة.

[2]  توفيق سعد، في ماهيَّة اللغة وفلسفة التأويل (بيروت: المؤسّسة الجامعيّة للدراسات والنشر والتوزيع، 2002)، الصفحة 130.

[3]  المصدر نفسه، الصفحة 130.

[4]  محمود فهمي زيدان، في فلسفة اللغة (بيروت: دار النهضة العربيّة، 1985)، الصفحة 60.

[5]  سامي أدهم، فلسفة اللغة (بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 1993)، الصفحة 137.

[6]  منذر عياشي، اللسانيّات والدلالة (حلب: مركز الإنماء الحضاريّ، 1996)، الصفحات 10 إلى 21.

[7]  سورة البقرة، الآية 43.

[8]  حسام البهنساويّ، أهمّيّة الربط بين التفكير اللغويّ عند العرب ونظريّات البحث اللغويّ الحديث (القاهرة: مكتبة الثقافة الدينيّة، 1994م).

[9]  فرديناند سوسير، محاضرات في علم اللسان العامّ، ترجمة عبد القادر قنيني (أفريقيا الشرق: الدار البيضاء، 1987)، الصفحة 23.

[10]  محمّد يونس عليّ، مدخل إلى اللسانيّات (بيروت، دار الكتاب الجديد المتّحدة، 2004)، الصفحة 28.

[11]  المصدر نفسه، الصفحة 27.

[12]  مصطفى ناصف، اللغة والتفسير والتواصل (الكويت: المجلس الوطنيّ للثقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، 1995)، العدد 193، الصفحة 251.

[13]  المصدر نفسه، الصفحة 254.

[14]  زكريا إبراهيم، مشكلات فلسفيّة، مشكلة البنية (القاهرة: مكتبة مدبولي، دون تاريخ)، الصفحة 49.

[15]  اللغة والتفسير والتواصل، مصدر سابق، الصفحة 253.

[16]  في فلسفة اللغة، مصدر سابق، الصفحة 95.

[17]  انظر، لودفيك فتغنشتاين، تحقيقات فلسفيّة (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربيّة، 2007)، الصفحة 34، الصفحات 60 إلى 62.

[18]  حسن عجميّ، مقام المعرفة، فلسفة العقل والمعنى (بيروت: دار كتابات، 2004) الصفحتان 227، 228.

[19]  في ماهيّة اللغة وفلسفة التأويل، مصدر سابق، الصفحة 9.

[20]  المصدر نفسه، الصفحة 126.

[21]  نبيهة قارة، الفلسفة والتأويل (بيروت: دار الطليعة، 1998)، الصفحة 57.

[22]  عادل مصطفى، مدخل إلى الهرمنوطيقا، نظريّة التأويل من أفلاطون إلى غادامر (بيروت: دار النهضة العربيّة، 2003)، الصفحة 15.

[23]  المصدر نفسه، الصفحة 12.

[24]  مدخل إلى الهرمنوطيقا، مصدر سابق، الصفحة 14.

[25]  انظر، الفلسفة والتأويل، مصدر سابق، الصفحتان 60 و 61.

[26]  مدخل إلى الهرمنوطيقا، مصدر سابق، الصفحة 66.

[27]  الفلسفة والتأويل، مصدر سابق، الصفحة 61.

[28]  مدخل إلى الهرمنوطيقا، مصدر سابق، الصفحة 79.

[29]  Martin Heidegger. The Origin of the Work of Art, trans. And introd. by Albert Hofstadter (New York: Harper and Row Publishers, 1975). نقلا عن، في ماهيّة اللغة وفلسفة التأويل، مصدر سابق، الصفحة 128.

[30]  المصدر نفسه، مصدر سابق 128.

[31]  فلسفة اللغة، تفكيك العقليّ اللغويّ، مصدر سابق، الصفحة 298.

[32]  مدخل إلى الهرمنوطيقا، مصدر سابق، الصفحة 251.

[33]  مدخل إلى الهرمنوطيقا، مصدر سابق، الصفحة 247.

[34]  بول ريكور، نظريّة التأويل، الخطاب وفائض المعنى، ترجمة سعيد الغانميّ (بيروت: المركز الثقافيّ العربيّ، 2003)، الصفحتان 144 و145.

تعليق 1
  1. علاء الكناني يقول

    وفقكم الله لما يحب ويرضى

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.