جمال الدلالة بالصورة الشعرية الشعبية العراقية

0

جمال الدلالة بالصورة الشعرية الشعبية العراقية

صباح محسن كاظم

صباح محسن كاظم([1])

تمهيد

يمثل الأدب الشعبي الذاكرة الحية للموروث، والفلكلور، والتراث الأدبي، بالمخيال الاجتماعي لدى معظم الشعوب، فاللغة المحكية باللغة المحلية الشعبية، الدارجة المتداولة، تعدّ اللغة التواصلية بالمجتمع، يكاد أن يكون شبه إجماع بثقافة الشعوب والأمم إن لغة التداول المحلي تمثل تاريخ المكان والإنسان، فالمفردة خاضعة للمكان الذي تمتح منه دلالاته، ورموزه، وانزياحته وكل المحمولات اللغوية التي تنزاح بدلالاتها على الرسالة التوصيلية العميقة بكل المجالات العاطفية، والتداولية بالأسواق والأزقة لكل قرية أو ريف أو مدينة تسمى عراقيًّا (الحسجة) المغزى المُراد من القصيدة الشعبية والأمثال… تتسم طبيعة الخطاب التواصلي بتلك اللهجات الشعبية بالعفوية والصدق اهتمّ به كثير من الذين يولون للتراث الاهتمام كالأب أنستاس الكرملي حتى العلاّمة الدكتور مصطفى جواد، والفلكلوري عادل العرداوي لدينا من التراث الذي لم يدرس أكاديميًّا يشكل ثروة اجتماعية لذا مثل هكذا مؤتمرات تعزز الاهتمام بهذا الأدب، كذلك مالمسته بمعظم الدول العربية التي زرتها، واقتنيت مؤلفات الأدب الشعبي من تلك الأقطار العربية أجد من يتتبع قصص الريف وحكايا الغرام والأدب الشعبي من، لقد تناولت كثير منها بدراسات للصحف والمجلات، بل كتبت مقدمات للشاعرة الشعبية د. نجلاء نبيل بديوانها السادس وكذلك الشاعرة الشعبية الإعلامية ريهام عبد الله بمصر من غير الذين كتبت لمقدمات دوواينهم بالأدب الشعبي بالعراق هادي الموسوي، عصام الشمري، الشهيد فرقد الحسيني فضلًا عن أجيال من الشعر الشعبي العراقي. أجد أن البناء الشعري الشعبي العراقي أكثر حرارةً، والقدرة البارعة للأجيال الشعرية العراقية من الراحلين أبو معيشي – حسين العبادي – حسين الهلالي – كاظم الركابي – زامل سعيد فتاح وغيرهم الكثير – رحمهم الله – فيما التحديث الجمالي لدى الشاعر الفذ مظفر النواب بقصائدة التي تمزج الحب بالوطن والكفاح من أجل الحرية وكسر أغلال العبودية، جاء البحث بفصله الأول عن الأدب الشعبي العراقي تطبيق وإجراء عن نخبة من الشعراء ..فيما الفصل الثاني مقارنة بين الأدب الشعبي العراقي مع بعض من يكتب الأدب الشعبي المصري والأدب الشعبي اللبناني بمرور على بعض الشعراء.

الفصل الأوّل

المبحث الأوّل: الشاعر حمدي كريم يتغنّى بالمكان والمدينة

المدينة السمراء من الطين والماء والقصب إلى البساتين التي تطوقها كجيد فتاة ممشوقة، المدينة التي إختصت بالولادات الأولى من بواكير الحضارة إلى يومنا الصاخب بالأحداث، وتد التاريخ وخيمة الإبداع، حُرمت من كل شيء بكل العصور والعهود إلا من ألق وجذوة وزهو الإبداع، هي التي تفتقر لكل شيء وتصدر كل الجمال بالتشكيل – والمسرح – والشعر – والقصة – والرواية – والرياضة أي جوّد تجوّد به مدينة الأدب والفن. هذه الولادة التي كتبت عن مبدعيها من 2003 إلى اليوم ولا ينفذ الحبر، بل لا زالت الساحة تلد الشباب الذين يكملون مسيرة الأوائل. الشعر الشعبي عند أهل الناصرية كرغيف الخبز الحار المصحوب بالشاي الساخن.. بكل بيت مع زراعة النخلة يخرج لنا أحد الشعراء، لذا لايمكن إحصاء عدد الشعراء الشعبيين أراهم بكل منتدى، وملتقى يتكاثرون بالناصرية وتخومها من أقضيتها ونواحييها ينمون.. ينشطرون.. يتناسلون لا ينضبون. الشاعر الكابتن الرياضي الخالد مع ذكرى الفتيان والجزائر واللواء وساحات الملاعب بثانوية الجمهورية وخلف الفرع وبالسيف والإدارة المحلية والملاعب بكل الأحياء الشعبية كان يمثل مع نجوم الستينيات رموز الألق الرياضي الشاعر المبدع “حمدي كريم محمد” كانت له صولة بنادي الجزائر مع جيل العمالقة يتوّج معظم قصائد دوواينه الثلاثة بحب الناصرية كحسناء يتغزل بطولها، وشعرها، ورشاقاتها. وقد أهدى مقدمة تلك الدوواين إلى صديقه المغترب الأستاذ جليل زغير الحصونه، المضمون الشعري يشير إلى نسق بمختلف القصائد هو وصف المدينة والأصحاب والإنتماء للوطن، تفاوت صفحاتها فديوان الرياضي الشاعر ب 368 صفحة وديوانه الجزء الثاني ب 279 صفحة وديوان الناصرية حبيبتي ب 167 صفحة كتب مقدمات الدوواين المؤرخ محمد علي جبار عليخ مشيدًا بحب الشاعر “حمدي كريم” بمدينته التي ينهل منها العطاء، والغناء، وشدو الإنشاد من جينات سومر ليومنا الحاضر، في نصه حلم بديوانه ص 7

حلم

ندهني الشوكَ ليلة وبيك حلمان

الوليلك واغنيلك عتابة

ونسيت الذكريات وسود الأيام

وكبر بيه الفرح والبخت جابه

شربتك خمر ليلي ومنسعد بيك

نبع صافي او عسل لذة شرابه

طعم وجنك غلبني أو طوخت بيك

لحد كَطع النفس واشهكَ ابابه

هذا التعلق بالهوى العذري يغزو قلب الشاعر وأحاسيسه الفياضة التي تُعبر عن خلجاته الدفينة عن الحبيبة وهو يتعلق بهواها الذي يفتنه، ويطوّح به، ويترك به جرحًا غائرًا مع ذلك تُغرد الروّح بنشوة فائقة كلما مرّ طيف الحبيبة كما بنصه الآخر غسلت خيوط كَلبي ابصبخت اجروح

عل بيج وصرت واحد أناني

شفت مو كَاف حيلج ضاير كَشور

أو حدر كترج حزن معسر عماني

تعديتي على عمري ونارج تفور

يتغنى بالوطن وبالبصرة الفيحاء مدينة الذهب الأسود.. والنخيل.. والجود تلك المدينة التي لم تستفق من حرب إلا وتلد بحرب أخرى ولادات عسيرة، لكن تلك الشدائد لم تغير من طباعها. نص يضج بالصرخة والإحتجاج على ما يجري بالعراق… آنه البصرة ص 9.

انه البصرة .. انه خدود العراق وشفته وخصره

وانه عيونه او حلاته او صوغته اونذوره

تحت جدمي ذهب تيزاب صافي او مانزل سعره

يمر عمري قهر.. ويميل حملي وماهدل شعره

وفي نصه ما قبل الأخير بهذا الديوان ص 272 باسم الدين يناشد كجميع طلاب الحقوق بإنصاف فقراء الوطن وشاباته وشبابه وكهوله بعد حقب من البعث الفاشستي الدموي والأمل بالرخاء لكن الإحباط بعد تلك الإنتكاسات التي خيبت الآمال .

وانباع الوطن غصبا على الباقين

عصابات أو خطف والذبح بالسجين

واسنين الكحط شكت احلوك الطين

وانته ابلا وجاد الغيث وي مبتدين

وفي ديوانه الثاني الصادر 2020 النص الأول ذكرى مهداة إلى السيد طالب السيد سعد بنيان وهو يرثي والده، حقًا كان التأبين الكبير بجامع السيد سعد وكلفت بإدارة التأبين أنذاك وفاءً لأبناء الناصرية وشخصياتها، أنشد الشاعر الرياضي حمدي كريم يرثي فيها المغفور له بإذن الله.

تذكرني ابسوالف طيب

المحبين

وايهزني الحنين الشوكَ

ابو ابراهيم

علم واضح جبير او جذر حري الطين

وفي نصه عن الوطن يتوج ديوانه بوصف الوطن بالخبز وهل يحيى الإنسان بدونه!؟ ويحث الجميع على خدمته دون تفريط بتربته وسمائه ومياهه فالصلاة حب الوطن.

الوطن

الوطن خبز الفقير او بيته وأغطاه

والماعنده وطن محد يقدره

او سعيد الحظه ابربعه أو عزته أتدوم

يتماهى هذا النص مع قصيدة أخرى بذات الديوان فالعراق المقدس يستحق منا العمل بإخلاص ص 309.

إلى شعبي

نصبولك عزاك أو رادوا اتموت

او صفيت اتراب بس باترابك احساس

… إلى أن يصل بالمقطع الأخير بوصف ما يجري للعراق كما جرى بالطفّ بسمفونية الخلود بتراجيديا الطفّ أو تذكر عطش سكنه أو عيش عبّاس.

وفي ديوانه الثالث (الناصرية حبيبتي) قصائد برثاء من رحلوا من أبناء الناصرية الفيحاء من شخصيات وشعراء كما بمرثيته عن الشاعر المبدع عريان السيد خلف ص 13.

ما ننساك

ما ننساك..

يا مهوال دنية او يارفيج الموت

مرت بينه مده او هاي الك سنتين

دنيانه امحلت والعابرات تفوت

الك خيمة حزن بين الجفن والعين

منصوبة على اطول او حاويتها ابيوت

ياحله ذهب يامطرز بياقوت

انته الموت

ياسيف المنايه الحارب الطاغوت .

كرس هذا الديوان لعشق الناصرية والتغزل بمدينته بين صفحة وأخرى، بالطبع كل علماء النفس والأنثروبولوجيا يؤكدون على تأثير البيئة والمكان بمخيلة المبدع ونتاجه… (شط الناصرية) ص 89

طعم.. برحي.. الجنوب

البيك…

وامتونك… سرج

مهرة

يبو احزام.. الذهب يل

شاطر الصوبين

شايل.. ظيم دنية وعايش

ابقدرة

وفي ص 150 (الناصرية حبيبتي) برّع بوصف فاتنته السمراء التي تغزل بها جميع الشعراء

كحل.. تتكحل.. اعيوني

ابذكر.. طرواج

والم… حسباتي بيج

ابجرة المرود

عزيزة الناصرية او حاضنة

الصوبين

لا ريب في أن حب الأوطان قمة الإيمان، من ينذر نفسه دفاعًا عنه بقلمه، أو بروحه يعد من المخلصين لترابه، ووجوده، ويحترم ذاته، و كلماته، فالوطن ليس الحاكم الذي يمجد.. وأنين الضحايا يفطر القلوب، بل مسؤولية الكلمة وشوفها كما قالها الشرقاوي أما نبي أو بغي.. والشاعر المبدع (عادل العضاض) تولد الناصرية ١٩٤٧، خصص شاعريته لوطنه فهو الحبيبة المشتهاة أكثر من خمسة عقود بكتابة الشعر الجاد، و الهادف، غير المنحاز لسلطة القمع ميز تلك التجربة الأثرية، فضلا إنه تربى في عائلة فاكهتها الشعر الشعبي من والده الراحل المرحوم الحاج هادي العضاض وشقيقيه الشعراء (جليل العضاض، وعبد الأمير العضاض). محاولته الأولى لكتابة القصيدة عام ١٩٦٣ وقد أذيعت من إذاعة بغداد قصائد عدة له بنفس العام وبعدها.. يؤكد الدكتور مصطفى لطيف عارف بمقدمة ديوان – الزمن وسنين العمر- ص٤: (… من أهم نشاطاته الأدبية تأسبسه للمهرجان الأول للشعر الشعبي في العراق عام ١٩٦٩م، الذي أقيم في مدينة الناصرية مع الشاعرين كاظم الركابي، وجبار الغزي حيث شارك في هذا المهرجان جميع الشعراء الشعبيّين من كتاب القصيدة الشعبية الحديثة في العراق…). فيما كتب الشاعر شاكر الخباز ص١٠: (… تلك المفردات التي استجدها الشاعر عادل العضاض ليست مصادفة إنما هي تجذرت معه منذ نعومة أظفاره كجنوبي… قح لأنها لذيذة النطق.. حلوة المذاق.. صافية المنبع). في قصيدته الأولى ص١٤ تضج بحب الوطن، وقصائد الديوان تلتحف رداء الدفء بحضن الوطن، فنصوصه تزهو بحب العراق وطن المقدسات، وطن الحرف الأول، وطن التحدي، والتضحيات، الجبل الأشم رغم العاديات.. إلى وطني العراق الحبيب اعتذار شرد أقدم لك حبيبي من اعتذار/ آمنين ابدي/ إشلون مدخل اعتذاري/ إشلون أجمعلك جمل/ رد اعتبار/ دورت.. كل مفرداتي/ الردت أكتبهن قصيدة/ وسافرت وي جنح طيفي/ الكل محطاتي البعيدة / وباختصار/ مالكيت احجايه حلوة/ التناسب عيونك حبيبي/ إلا أوكف وانحني/ الطولك حبيبي/ إلا أوكف وانحني/ لطولك حبيبي/ وأنا آسف واعتذر/ والصار… صار. وفي نصه معاتبًا الزمن وغدره وتولي من ظلم شعبه ينتفض ويحتج على وباء القمع السلطوي. وتأويلات النص تحمل كل عسف يقع بسبب قسوة الزمن والتحولات ص١٥ يازمن أوكف يازمن…/ الغي المسافات/ ماعنده وكت/ بهم منه انبات / ما محسوب/ عمر الينكظي/ مابيه احلام/ آلام…. … آلام/ كرهنا كل علامات الاستفهام/ نمشي بلا وعي/ وشالتنه الأحزان/ ونرد بلا وعي/ والاسم إنسان… وفي نصه الغنائي الجميل العذب (ماتجينه) الذي غناه المبدع حسين نعمه وكثير من المطربين.. ص٧٨.. ماتجينه/ والعمر خلصن سنينه/ ماعتبنه وياك يوم/ ولاجرحناك بحجينه/ يا وكت… مر.. ماتجينة/ من غيابك/ غابت الدنيا باهله/ ورحوي ضاعت/ وأنت املهه/ وين أدورك؟ وانه يامادورت/ وين ادورك؟ وأنت وي روحي ضعت.. إن تجربة ممتدة لتلك العقود من الستينيّات إلى اليوم اختمرت واكتنزت بجمال المفردة العذبة التي طالما يغرد بها ارتجالاً بمعظم المناسبات التي تقام في مدينة الناصرية التي يتواجد فيها من الشعراء الشعبيّين بعدد نخيلها، لذلك من الصعب أن تتفرد طاقة شعرية لعقود تتربع على منصة الإبداع والتجديد والابتكار، في خمائل الشعر الشعبي التي تزدان بعطر خاص لكل وردة من تلك المائل.. لذلك أعده من الشعراء الذين يستحقون الثناء والتحية في وطن الشعر. تجربة شعرية أخرى تمثل بالشاعر: مهدي صاحب السعدي كتجربة سبعينية مكتنزه بالشعر

على الرغم من أنّ البدايات ستينية بين القصيدة بالفصحى، والشعر الشعبي العراقي بنكهة الطين، والقصب.. عُجن وداف من عبق أريج الحضارة السومرية إلى الأهوار الجنوبية.. قصائد تنطق بالحب وتهمس بالصدق وتضج بالعاطفة.. الحنين.. حرارة اللقاء.. حب الأم والوطن مراثي لفراق الأحبة.. كل عقد تتألق تلك القصائد إلى الوصول للذروة بعد خمسة عقود من الألق الشعري من المعمرين بالنص الشعبي العراقي الأستاذ “مهدي صاحب السعدي” رغم اختصاصه بتدريس اللغة الإنكليزية والأدب الإنكليزي، لكن روحه الشفيفة مالت صوب الأدب الشعبي المرتبط بالناصرية، وتخومها تجدها بتاريخها تطفو بتلك النصوص المُعبرة عن التعلق بالعراق وطن الحضارة والآباء. كزميل بالتعليم كان يقرأ لي مطلع التسعينييات تلك القصائد العاطفية قلت له: يمد الله بعمرك لتطبعها وقد تحقق ذلك فقد طبعها بشباط 2020 بالقاهرة/ مؤسسة النيل والفرات.. وتم به الإحتفاء بحضوره وشعراء من العراق مع نخبة من مبدعات ومبدعين مصريين.. بالطبع للشعر الشعبي العراقي نكهته في مصر مالمسته بزياراتي هناك حتى كُلفت بكتابة مقدّمتين للشاعرة الدكتورة نجلاء نبيل وللإعلامية والمعدة بقناة الثقافية ريهام عبد الله قد نشرت بصحيفة الصباح “ثقافة شعبية ” وقد سرّ الجميع بتوزيع الصحيفة بالقاهرة.. سمعت منهم القول وبمعظم العواصم العربية: كما الشعر العراقي الفصيح له نكهته وخصوصيته، كذلك الأدب الشعبي العراقي له مذاقه ورنينه بالأذن العربية، رغم حلاوة اللهجة العراقية، وعمق المفردة الشعبية والحسجة، التي يتميز بها أدبنا الشعبي التي تحتاج عند فتح مغاليقها لدى الآخر إلى فهم العامية لما لها مدلولاتها العميقة. نصوص بثياب قشيبة نابعة من فيض الوجد وعمق الروّح تتعطر بأريج “الورد” الذي تكرر بمعظم النصوص.. لما للورد من تأثير ونشوة وإنشراح ويبعث السعادة لذلك ترى نصوص “مهدي” تبث عطرها من نثيث رائحة الورد الزكية بين ثنايا تلك النصوص المُبهجة. (ألوان الورد – إمسافر – أشكال البشر – خيط البريسم – اسمع فقط – خلك سيوف – نبع روحي- غريبة الروح – بغداد – بي باي – شمس عمري – همسة – الوردة والندة – عطش – وفاء – أوراق مسافر – حلم وردي – اشتياق – محطات – مرثية الفارس – تمنيات – نبع وشموع – أنا والشعر وأحزاني). كتب بالمقدمة ص 5: (حينما كان عمري خمسة عشر عامًا كتبت أول بيت للشعر الشعبي وفي عام 1967 حينما إلتقيت الشاعر الشعبي الكبير المرحوم عاتي ثامر العكيلي وقرأت له قصيدة رثائية في الفصحى فبادرني بالإعجاب وطلب مني أن أكمل بيتا كتبه لي بالشعبي.. وفي لحظات أجبته بارتجال سريع ببيت آخر.. نشرت بالراصد العدد 69 لسنة 1969…). ألوان الورد (إلى سمراء في ثوب أسود) ص 8 يكولون الورد ألوان/ أبيض.. وأحمر/ ووردي/ وأبد ماكوورد أسود/ ويكولون الندة الريان/ على شفاف الورد ينزل/ ولا مرة نزله بخد/ ويكولون الكمر عالي/ بعيد اهواي عن العين/ وعن الايد بعد أبعد/ ويكولون الشعر ينكال/ بس للروحه ولهانه/ وحزن روحه جزاه الحد… نصوص جذلى بالمحبة كطراوة روحه ونداها، فالشاعر عادة يمتلك التعبير عن الإحساس المُرهف، ووهج العاطفة من مرآة الروح بلغة مُعبّرة عمّا يضمره القلب… الشكوى من السفر، وجحود صديق، ورثاء مبدع عبّر عن ذلك بشعرية مدهشة. نبع وشموع  ص 76: شيمني/ اشبنلك شمع/ حشمني/ افيضنلك دمع/ وادفن حدر كسر الضلع/ كل غنوة كلناها سوة/ وكل ديرم/ وكحلة.. وغوة/ وانشب ضوة/ واطفي ضوة/ وأمشي على دروبك سنة/ ولو ردت تنشد ياهو انه/ امتيم وحك عينك انه/ ووصفوك الي كالو كالو نبع/ كالوا ادواك ابسمته/ كالوا شفاك بضحكته/ كالولي روح الكلته/ وادخل على زلوفه ولك/ وجيتك ادخيلك يانبع.

الأدب الشعبي الحكمة والمقاصد

من تجارب الحياة بأراحها وأتراحها يمتح الشاعر الشعبي تلك القصائد ليغزل منها الحكمة المتعالية، وفي عبق الأبوذية نكهة خاصة للمتلقي، والقارئ يشعر بحرارة المشاعر، وصدقها، وحكمة المواقف، ونبلها، وتجد الشاعر غير متكلّف، بل السياق الشعري والضربة الشعرية بالشطر الأخير تتجلى بها الحكمة الراقية، والمراد من الإلقاء بالهواجس التي ينفثها في الأبوذية، بل تنبثق الحكمة بلا هوادة من المواقف التي يمر بها، أو يصادفها في حياته، والشاعر الشعبي ابن بيئته التي تمده بسجايا، وخصال تديم وهج الحكمة في شعره الشعبي، والجنوب خزان الحضارة والتاريخ والشعر والوجع… لذا تجد أنين العشاق، وصوت المحرومين والمهمّشين، في ثنايا تلك النصوص التي كتبتها الأجيال السابقة وحفظتها اللاحقة، دوّن ذلك الشهيد فرقد الحسيني بكتابه عن (الأدب الشعبي في سوق الشيوخ) (أبو معيشي) كذلك الشاعر الشعبي، والفلكلوري، والتراثي (ماجد السفاح رحلتي مع الأبوذية بجزءين) وكتاب عبق الأبوية الراحلون من شعراء العكيكة سيرة وأبوذية يعرف المتلقي العراقي والعربي ومن يبحث عن الآداب والموروث متعدّد القصص المدونة عبر حكايا شفاهية نقلها معظم المعمرين للأجيال جمعها “رائد الزغيراوي” في بانوراما شعر الأبوذية لشعراء ناحية العكيكة منذ سنين بعيدة والعرب تعد الشعر ديوانها وأريج أحاديثها والسجل الذي يوثق مجريات ما مر من أحداث والأ بوذية أصبحت تشكل واحدة من اروع الفنون الشعبية التي استقطبت جمهورًا واسعًا من المهتمين والمحبين وهو كما نعلم ليس وزنًا أو قافية أو جناسًا، بل هو مجموعة متكاملة من الأحاسيس والمشاعر التي عاشها الشعراء – وفي المقدمة – ص 13 أسماء لامعة وكبيرة احتفت بهم سوق الشيوخ ووضعتهم في سفر تاريخها لتفتخر بهم لأنهم طرزوا ماضيها بذلك الموروث الجميل قسم الكتاب إلى فصول ثلاثة شملت ألوان الأبوذية – أطوار الأبوذية – أصل الأبوذية فيما ركز بالفصل الثاني عن الراحلين من شعراء العكيكة من الشاعر حسن الشيخ موسى – عبيد السعيد – جاسم الموسوي – حواس العفريت – سعود دخيل – نعمة الجابري – عميته ال شهاب – رشيد العامري – صالح آل مغشيش – مزهر الحاج كاصد – خالد العامري – حسين نعمة السعيدي – هاشم السلمان – فيما ركز في فصله الثالث الأخير قصص من الأبوذية خصص الكاتب “الزغيراوي” الفصول الأولى لألوان من الأبوذية… بعض منها دون ذكر القائل ص 20 الهوى ياناس مرمرنا وهدنة وصحنا يا هوى اتركنا وهدنة نريد من السهر راحة وهدنة كال الدمع صار الكم سجية. وفي ص 50 ينشر مقطوعات للشاعر حسن الشيخ موسى من الراحلين من الشعراء بعد استعراض سيرة كل شاعر.. ومساجلاته.. ومواقفه تغير عارضي والشيب بيبان وتمركز هظم بالدلال بيبان اذ جان النذل عنده باب بيبان عند الكريم ايحن عليه، بالطبع كلما يمر الشاعر الشعبي بمعاناة تتفتح القريحة، بقصص مرت على الشعراء في ص131 بالقصة السابعة في صبيحة يوم من أيام 1980 داهمت قوة من أزلام البعث الصدامي دار الشاعر الحاج حواس العفريت، وتم اعتقال أحد أبنائه وهو الشهيد رحيم الذي تم إعدامه بعد اعتقاله فكان وقعًا كبيرًا على الشاعر وما زاده ألمًا هو عدم حصوله على جثمان ولده فكتب في ذلك الكثير، ومما قال: استلذينه ابملذتهم ومرهم عسل شافي لعد جرحي ومرهم لون يحصل مزار الهم ومرهم نصيفه امن الأحزان أطيح إليه.. لقد كان تأثير المكان والبيئة بالتداول الشعبي وشغف أبناء الجنوب بالبساتين والماء تنعكس بتجليات الأدب الشعبي، في المسامرات، المناظرات بالدوواين لذا ينشئ الأديب الشعبي متأثرًا بجماليات المكان الذي يستوحي منه مجمل قصائده التي تنتقل عبر الأجيال، بالرغم من ذلك ضا ع الكثير ..بعدم التدوين أو محاربة السلطة تارة أخرى . حاول الصحفي والباحث حسين العامل بجمع الأمثال الشعبية بعدة أجزاء – تنتظر الطبع – فيها مامتداول وما نسي بالتعامل اليومي.

المبحث الثاني:  ترانيم العشق والصور العاطفية

تتقد حرارة القلوب صوب العاطفة الصادقة حينما تتأطر بأنساق إبداعية تعبر عن صدق العاطفة. وعن المضمر والجوى التحتاني من فيض المشاعر المتوقدة، وقد برّع بذلك معظم الشعراء من ناظم السماوي – عزيز الرسام – زامل سعيد فتاح – مجيد الخيون وغيرهم العشرات، ومن الشعراء الذين تخصصوا بالقصيدة الغزلية الشاعر المبدع “كريم الجنديل” ثمة رؤى ووجدانية تنبثق من ضوء الروح، لدى الشاعر “الجنديل” وهو يشدو للحبيبة بإحساس راق وقد برع بصياغة المفردة الشعبية المحببة لقلوب هواة الأدب الشعبي، حين الإرتقاء بالمنصات يزهو بالشعر كأنه بمشهد تمثيلي، أجد بنصوصه الحنين للمكان – المدينة الوطن – همس العشق الروحي بغزله الجميل، وبوحه الشهي، في ثنايا النصوص الباذخة بعبير الورد، بالطبع سحر الميثولوجيا السومرية بالبحث عن الخلود تسكن أرواح الشعراء في المغامرة الشعرية التي تشدو بترانيم محببة -، خيط شفيف من الحزن، مع موسيقى الألفاظ الشعبية التي يختزنها ديوانه – الندى وشموع دجلة – كتب حسين – نعمة هذه المدينة الدائمة العطاء والإبداع منذ العهد السومري إلى اليوم مدينة ولودة للشعراء والأدباء والفنانين الشاعر كريم الجنديل كان متفضلاً عليّ بالتواصل معي ومراسلتي منذ أكثر من عشرين عامًا ولا زلت احتفظ له بالكثير من قصائده التي تأتيني من طرفه حيث سكن مدينة كركوك – وكتب المقدمة الثانية الشاعر احمد ماضي – مفردته تعود بي إلى رائحة التراب المعمّد بالمطر وطرق على بوابة الذاكرة مالم تستطع ذائقتي ان تنسلخ منها – فيما كتب الشاعر كامل العامري –لون قصائده شفاف كمرايا الموج واسلوبه يحمل ملح الماء الغافي في احضان فرات الناصرية طير لايقبل أقفاص الأوزان يحلق مابين الغيم والنجمات يتأرجح بين ظلال السعف، ويكتب ذكرى عشق القلب على ساق الأشجار المحنية فوق ضفاف العشاق الشعر عنده خيال بعيد القرار تمسكه فيهرب كالزئبق من بين أصابع التشبيه – فيما كانت المقدمة الرابعة للشاعر والناقد يحيى الحميداوي قراءة في قصيدة كريم الجنديل حصاد البوس – عازف جنوبي يحمل قيثارة الحرف تتغنج الكلمات بين شفتيه تعصر احلامها في كاس من السحر لننتشي ونحن نعاقر خمرته بينه وبين القصيدة علاقة عشق صاخب تنهدات وآمال متناثرة بين الأزقة والطرقات الملتهبة بالوجع والأماني نازف لايرهقه النزف لاهثا نحو الجمال تجد بين قصيدة وأخرى إهداء لأحد الشعراء بالأدب الشعبي العراقي الحافل بالرموز الشعرية من نصه دمعة النعناع –المهدى للشاعر الكبير كامل العامري الذي كتب أشهر الأغاني العراقية أفيش – وجاوبني – وكوم انثر الهيل من حر الجنوب أو مذبح الطليع من اسمه فرات أو جان بيه روجات اعله من السموم أو مخابيل الصيف ماعن بيه ورداتك ندى ويفتح اكليبي اعله درب الوادم اكر نفل وخضر يم عطرك هيلك وظل انثر مكاتبيك عله جناح الحمامه البن سجن غنت مواويلك وصيرن ب الحلم مجذاف اغرف من فرات الطين والكيهن تراتيلك وقد تألق الشاعر وقد تالق بنصه الغنائي المهدى للمطرب حسين نعمة رديتلك ياوطن في 31 بيتا فيها لوعة عاشق للمكان واهله والذكريات وسمر الاحبة رديتلك ياوطن حلمان ادك بيبان اوطبيت عكد الهوى ومشيت اوكبران بلناصرية اصبحت ينجمة وينج صحت خطار اجانه الكمر ليش الكمر حزنان رديت الك ياوطن حلمان ادك بيبان تضمن ديوان الجنديل قصائد مهداة لمعظم الشعراء، اخترت للقراء منها الىالشاعر الخالد مجيد جاسم الخيون من احدود مكبرة الشعر ومخانك الجلمات اجيت من كاع بور مانزت ولا ندت شعر ليك اعتنيت ارتوي ابماي الجبايش كاصد البيرغ عمامك وشتكيت الكيت روحك مزهرية اطش عطر لهل الشعر يمها بجيت المجهول من الأبوذية :

 

نكهة خاصة للمتلقي، والقارئ يشعر بحرارة المشاعر، وصدقها، وحكمة المواقف، ونبلها، وتجد الشاعر غير متكلف، لقد جمع الشاعر والباحث عشرات القصائد من المشهورة أو أبيات أبو ذية مجهول القائل بعض ذلك من شعر النساء كما يؤكد ذلك بمقدمةكتابه رحلتي مع الأبوذية الجزء الأول (أن الأبوذية كانت ولا تزال متنفسًا شعريًّا للنساء أيضًا من اللواتي وقع عليهن الحيف والظلم والحرمان، ولكن الفرق في ذلك يكمن بأن الرجال يمكن أن يعبّروا عمّا بداخلهم بطريقة معلنة، ومن خلال جلسات يعقدونها وأكثر ما تكون ليلاً. أمّا النساء فلا يمكن أن يعقدن هكذا جلسات، إلاّ إذا اختلت إحداهن بنفسها أو تكون بعيدة عن أنظار الآخرين وأسماعهم أو جلست خلف المجرشة أو الرحى فتبدأ بإطلاق صوتها المصحوب بالأنّات والزفرات وحشرجة الصوت التي تحدثها العبرة المتكسرة في صدرها…).

يذكر ص 7 من كتابه بالشعر المجهول:

خلوني ابطرف النزل بسيار

عليل او دوب اجر النفس بسيار

جثير الماتريده ايحصل بسيار

اشبصرك بالتريدة اوما تهيّه

كذلك في ص 8

سيف الهجر بالدلال بشّط

عليك ادعي الهدم نصين بشط

ولو ماكو خوي الينفع خويَّة

ص212

حبيبي اعله المسير انويت ويمان

حبيبي اعهود الي وياك ويمان

حبيبي اعله اليسار انجلب ويمان

حبيبي امن المصاب الصار بيه

وفي ص227

الزمان اشكال لبن آدم يراوي

اخذ منه عبر وكتب يراوي

انه الربيتهم طلعو يراوي

اكبروا وتعلموا عضّات بيه

المرأة وتدوين الموروث الشعبي وقصصه لذاكرة الأجيال:

في الريف العراقي كان دور المرأة يقتصر بالعمل، والإنجاب، ووقعت تحت سطوة كبيرة من الجنسانية التي سببت عدم إكمالها التعليم بالعزل، مع ذلك كانت هناك شاعرات كثيرات ينشدن كالمبدعة إيمان الخيون، لميعة عباس عمارة، نوال جويد التي أرشفت نصوص عن حكايا الريف، والأهوار، والقرى، والمدن.. تمثل الموروث الحكائي، بعضه دون وكثيرمنه يتناقل شفاهيًّا وقد بذلت الباحثة بالفلكلور الشعبي بجهد تم توثيقه لكي لا ينساه أبناء الجيل الجديد، الذي حاولت العولمة التغريب واقتلاع الهُوية، تلك الحكايا تمثل الموروث القصصي الشعبي بحكايا الحب الصعب في الظروف القاسية التي لا يسمح لبنت الريف أن تفضح أسرار بوحها للعلن.. وهذا الجهد الكبير والاستثنائيّ والمميز تكفلت بنقله بكتابيها الأول والثاني تحمل بعض الكلمات عمق المحلية، مع الهامش لشروحات اللهجة الشعبية بوضعها لهامش بمعظم صفحات الكتاب الجميل الذي ترويه بعناية بالغة محببة، تفوقت بالسرد واقتباس الشعر الشعبي المرافق لتلك القصص المروية من الأدب الشعبي، لتمنح المتلقّي المتعة – والحكمة من سرد تلك قصص الغرام السري؛ والحرمان.. الذي تختزنه عقول الريفيّات ونساء المدن بأزمنة ماضية في عمق الأهوار ومدننا المكتظة ببساتين النخيل، وبأهوارنا المكتظة بالقصب والبردي حين كانت المرأة نادرًا ما يسمح لها بإكمال التعليم!! بل وظيفتها الرعي.. وإعداد علف الحيوانات.. وجلب الماء من الشريعة.. والخدمة الأسرية التي تحتشد بالأبناء. فالثقافة الذكورية السلطوية مهيمنة بشروطها القاسية كالنهوة، والفصلية، نوال جويد تسرد تلك الحكايا التي تتضمن كل قصة بالشعر الشعبي العراقي، كانت الشاعرات يرتجلن تلك القصائد، وكان العشاق يلتقون بحبيباتهم خلسة من دون علم الآباء وأبناء العم، لكنأغلب الحالات لم تتوج بالزواج. بقى أنين الحب يتكسر بآهاته بصدور المحبين الكتاب الصادر عن دار الرافدين بـ220ـ صفحة كتب مقدمته الأديب رائد مهدي ص5 – ماذا يعني لنا التراث. أو بعبارة أدق ماذا يعنينا منه؟ عبارة ستراود أذهاننا طالما نزج بكل حواسنا للبحث والتنقيب في موروث لا نعلم يقينا إن كنا نحن من وصل إليه أو يكون هو الواصل إلينا عبر الأجيال 83 قصة مشوقة مسبوكة سباكة متجانسة تتسم بالحكمة بانتقاء تلك المخاضات والتجارب بأفراحها وآلامها. مررت تلك الحكايا بعاطفة جياشة لحبها للأدب الشعبي واضح فشخصية الكاتبة تبدو بثنايا سردها في كل صفحة.. حيث كتبت بتلقائية، وعفوية، من نوال جويد” مع جمالية الشعر الشعبي بكل حكاية عشق، أو موقف يستدعى الأبوذية والأهازيج.. قصص العفة المتناهية “المدهشة بسردحكمة الشيوخ، جود أبناء الجنوب والعراق .. مع كل تلك المعاناة التي شكت منها المرأة بالتعبير الصريح عن مشاعرها بسبب التقاليد المحلية المتحكمة بعقول العشيرة غالبا ماتنقل الحكايا – عن (جدها) – أو – (جدتها) – أو ماتوارد من الأحاديث بالدوواين مبتدئة بقصة تسواهن .. العفة المطلقة، والقيم، والمباديء الأصيلة، التي تربت عليها، جمالها المدهش جعل صاحب محل الغذائية استدراجها للغواية بأكوام من الربيات أمام محله.. وقد أكد نفسها الأبية.. لذك نهرته، وأخبرته إنها لم تدخل السوق مطلقا بعد الحادثة.. فيما قصة ابو فائز العابدي حيث كان ضريرا فاقد للبصر وكانت لديه معشوقة وفي أحد الأيام سألته معشوقته كيف عشقتني وأنت لم ترني قط؟ فأجابها بأبيات الشعر التالية آنة المشكيت جرحي من اذاني وعليج ادعي بصلاتي من اذاني عشك مو من اعيوني من ا ذا نيه بسم مو شوف صوتك لعب بيه مشحوف خريبط يمثل ذاكرة الموروث الشعبي : بما قامت به الكاتبة نوال جويد،بجهدها التوثيقي بالإنتقال من الشفاهي.. لحقل، وبستان، ورياض التدوين.. ثم انتقت بجمالية عينات من تلك الشفاهيات المحببة، خصّبت ونشّطت الذاكرة الجمعية، لم تجمل الوقائع، أو تزيفها، ولم تضع أحمر الشفاه على فم القرد لتجمله.. بل قولبت تلك القصص بروح مرحة أحيانا من ألطاف القص، مع المحافظة على روح الحماس، والتوهج، والذروة للشعر الشعبي العراقي بالحسجة والأبوذيات، والأهازيج وحرارتها بتلك القصص الشعبية.. وبالحفاظ على اللهجة المحلية المحكية الريفية التداولية لليوم.. (مشحوف إخريبط): بقصص وغيرها إدانة للزيف وتبجيل الحكمة.. كما بمفتتح الكتاب ص١٦-١٧ تسواهن: حكمتها في التعامل مع الموقف غير الأخلاقي الدنيء من ذلك البقال السيّئ (أربع أكوام من الربيات وكل كوم خمس وعشرين ربية).. تجيبه بحكمة متناهية تنبع من الحفاظ على شرفها والعائلة: بس ذنيّ هواي إنت تكدر تروح (العجد الهوى) وتختار لك وحدة أحلى مني وما تدفع أكثر من ربيتين؟) تسواهن نهرته بخلقها، نسبها،، ومقام والدها في العشيرة ..تنهي قصتها بالقول المؤثر (كفيلك العباس إذا شفتني بسّطت لو دخلت السوك مرة ثانية ذيج الساعة إطيني ربيّة وحدة كافي).. تتدفق الحكمة على لسان تسواهن وهي تعتد/ تعدد مستشاريها عائليًّا (أشير أبوي وهو شيخ عشيرة وأشور أخوتي لأن أمنوني أمانة وإذا قبلوا أنطيك الأمانة وأشير إبن عمي وزوجي اللي عندي منه ثلاث أولاد، لو أهلي يعرفون ما أحفظ أمانتهم ما خلوني أطر الهور..). في قصة شعبية أخرى (طير شلوى) الموروث القصصي الشفاهي، حول الجدة شلوى في تربية أحفادها اليتامى الثلاثة، حيث كانت تستجدي الطعام لهم، وتطلق عليهم (طويراتي)، وتمر الأزمنة يكبر هؤلاء وتشهد لهم المواقف البطولية عند التصدي للأعداء حفاظًا على كرامة النساء من الاغتصاب.. سارت الكاتبة نوال بهذا الاتّجاه بمجمل الكتاب الجميل الذي يتطلب الكتابة عن كل قصة ومحتواها، وما ورد شعرًا شعبيًّا فيها. إن تدوين القصص الشعبية المرفقة بالأبوذية أو قصائد الغرام الشعبي يفضي إلى نصوص تمليء النفس الغبطة والإنشراح هذا مايحسب للأدب الشعبي، ولموروثنا الأدبي الذي تتناقله الشفاه، بالطبع يحتاج إلى تنقيب وتدوين وتحليل ودراسة. فالشعوب تحترم موروثها الحكائي والأدبي.. وفي كتابها الآخر (حكايا بلون القصب سوباط زكيوه) ط1 عن دار المعقدين/ البصرة/ 2020 تستمر نوال جويد بذات المنهج والسياق الثقافي في تدوين حكايا الريف، العشق الممنوع، الزواج القسري، طرائف.. حِكم.. عِبر.. دروس عن: الكرم، السخاء، الجود، النخوة.. سردت ذلك باللغة المحكية الشعبية الدارجة وقد قدم الكتاب محمد غازي الأخرس ص 5: (ليس لدي شكّ في أنّ موروث الشعوب الشفاهي يختصر مخيالًا عريضًا يمتد لآلاف السنوات، بل إن هذا التراث يتجاوز تبدّل اللغات والحضارات، ويصل إلى الأحفاد إرثا يختصر ملامح آبائهم وأجدادهم) .تلك الحكايا الشفاهية التي تتناقلها الدوواين حولتها نوال جويد إلى قصص لتبقى بالذاكرة الشعبية للمجتمع.

المبحث الثالث :بقعة ضوء على نقد الشعر الشعبي

سأخصص فصلًا مهمًّا بموسوعة فنارات في الثقافة العراقية والعربية – دراسات نقدية عن أبرز النقاد الذين كتبوا عن الأدب الشعبي منهم: محمد الخالدي بمؤلفاته المهمة الشعر الشعبي العربي في دراسة معاصرة بجزءين.. عن مؤسسة البلاغ -لبنان.. وكتبه الأخرى أو الكراسات عن الأدب الشعبي.. وكذلك ما كتبه الباحث ماجد كاظم آل شهاب لمحات من تاريخ الشعر العامي في العراق/ مطبعة الثقلين بالنجف الأشرف.. تلك المؤلفات ستأخذ الحيز الأكبر بأحد الأجزاء من الفنارات عن الأدب الشعبي العربي.. النقد والتقوييم يفرز الغث من السمين، وبما أن الأدب الشعبي مليء الخافقين لذلك يحتاج لغربلة، وتنقية، وفرز لأن بعض من الشعراء أما بدافع التناص أو بدافع التلاص يضيع جهد الشاعر الأصلي صاحب الصورة الشعرية المبتكرة لينسفها زورًا إلى نفسه من هنا تأتي أهمية النقد، كما بوظيفته بالنقد الروائي والقصصي والتشكيلي وبكل مجالات الإبداع …

ثمة ضرورة قصوى تستوجب دراسة الشعر الشعبي، فالشعراء بعدد نخيل العراق، لكن ما لا يدرك كله لا يترك جله.. كتاب الناقد (إسماعيل إبراهيم عبد) عن الأدب الشعبي بروح نقدية وثابة، وعميقة، من خلال تحليله، ودراسته الإجرائية تتطلب التوقّف عند كتابه (عصمة اللغة للشعر الشعبي الفصيح الإنجاز – التأصيل) الصادر بدمشق عام ٢٠١٧ عن دار أمل الجديدة ب٣٠٨ صفحات من القطع الوزيري يعد من الكتب النقدية الحديثة في التعاطي مع الأدب بصيغته التعبيرية المتضمنه لنصوص شعراء عدة مر بتجاربهم الشعرية واستلّ من نصوصهم تضمينهم اللغة المحكية الدارجة ضمن أدبهم وفي قصائدهم.. أكد “المؤلف” بمقدمته ص٥: (… الجديد في عملنا هو الدمج بين الشعر الفصيح والشعر الدارج بمتون موحدة، إذ يعمد عدد من الشعراء إلى تعشيق شعرهم بنصوص من القصائد الشعبية الدرجة أو الحكايا أو الحكم أو الأمثال… وقوقد يلجأ الشاعر إلى الغناء الشعبي أو إلى إمتصاص المعلومة الشعبيه شعرًا…)، ويستمر بمقدمته التي يوضح أهمية الأدب الشعبي في التداول المحلي فالثقافة الشعبية واسعة المفردات بالأزياء، الطبخ، وكل المجالات… (يتميز خطاب الأمثال الشعبية بانتشاره السريع بين الفئات الاجتماعية المتعدّدة، لسهولة تمثله واستيعابه ولبنائه التركيبي وقدرته التعبيرية التي تجعله يعكس أنماط السلوك البشري المتعدّدة…) في دراسته المهمة تلك حاول تفكيك نصوص شعراء عدة كل من كزار حنتوش، موفق محمد، سلمان داود محمد، سعد الصالحي، عدنان الصائغ، سلام كاظم وآخرين.. ففي ص٦٤ يحلل نص الشاعر كزار حنتوش: الحلوة/ في بستان الناس وحيدة../ من قلب الدنيا…؟/ والكحل يسيل على الخدين/ من قلب الدنيا..؟/ لم يبتسم الشاعر هذا اليوم/ من شتم الورد..؟/ (العبدو) لن يشرب هذا اليوم/ من شتم الورد.. برأي الناقد (القصيدة أعلاه احتوت ٩ أفعال تدور حول ذاتها، تنغلق على حالة ذاتيه الشاعر،… في مضمار النصية قواعد الخطاب نؤكد ثانية على ظاهرة الموضوع وعلاقته بالقواعد النصية…). إن التواصل باللغة المحكية الشعبية بالتنغيم، والعمق، والحسجة، له دلالات الارتباط بالأرض والموروث.. في ص ١٩١ يؤكد الناقد إسماعيل إبراهيم على (أن النصوص المنحازة إلى الجمال والدلالة والسلوك هي قيمة حضارية تختص بتبديل الفهم من النرجسية الثقافية إلى العمومية الشعبية التداولية). في ص ٢٩٧ تتوضّح جليًّا رؤى، وأفكار، وتمسك الناقد بخلاصة الكتاب والرؤى التي دونها حول الشعبية يرى “المؤلف” (نرى بأن أبلغ طاقة تعبيرية للشعبية تتمثل في الشيوع، فالظاهرة التي تكتسب الشيوع الشعبي ستصير قانونا حتى لو كان غير مقبول منطقيا.. فاعتبار – الطفولة براءة وعفوية، والأشجار والغابة جمالًا، والنهار خيرا وحركة – شعبيًّا، جعلها حُكمًا أبعد أثرًا من القوانين، لذا فهي ستظل قوى جماليّة وثقافيّة لمدى بعيد.

الموروث الشعري الشعبي بالأدب الحسينيّ

لعلّ أكثر الشعراء نظم أجمل القصائد بالرسول وعلي والحسين لذلك تنتشر تلك الدوواين بجميع المكتبات، تردد بالأماسي للولادات والوفيات، يستخدمها الرواديد بمعظم أماسي التأبين كان لكاظم منظر الكربلائي – سعيد الرميثي – جابر الكاظمي -حسين العبودي – إيهاب المالكي وغيرهم العشرات ممن لهم الحضور.

تتميز القصيدة الحسينية بالوله، العشق، الترانيم، بقصائد الشاعر “صبري السعدي” تتعطر بخصال.. وسجايا النبي العظيم وآل البيت كرموز مفعمة بالإنسانية، والصدق، والخير تجلّت بتلك النصوص الشعريّة المغمسة بالولاء، والمدثرة بدثار ورداء الحب، والاتباع، لمن اصطفاهم الله للبشرية، من دعاة الحرية، والرأفة، والعدالة، والزهد وكل صفات البرّ التي تجلّت بأخلاقهم لذلك نرى معظم العلماء، والمفكرين، والباحثين، والشعراء يفتنون بسيرتهم.. ديوان الشاعر”صبري السعدي” (شغف العاشقين)/ الصادر الشهر الماضي بمصر عن مؤسسة النيل والفرات للشاعر ناجي عبد المنعم/ 136/٢٠١٩ صفحة.. كذلك من نفس الدار صدر له بآن واحد ديوان (عشگ شاعر) قصائد غزل لنا وقفة أخرى معه.. تناول الشاعر بديوان شغف العاشقين موضوعات حب الوطن، وصبر العراقيين، ومعظم القصائد بحب آل البيت وجاء بالإهداء ص٣: (إلى أحباب الرسول محمد (ص) إلى أحرار العالم إلى وطني قصائدي).. ذكر بمقدمته بدأ بمواهب عدة في متوسطة الشطرة: (تأثري بوالدي الشاعر ومدينتي التي يتواجد فيها الشعراء عريان سيد خلف وكامل سواري وفائق سعدون ورحيم الغالبي وآخرون). في النص الأول قصيدة الميلاد ص٥ النبي يوم انولد ابمكة ابربيع حصلت اليوم الولادة المعجزات چانت أول معجزة ابحال الأصنام كلها منكبة الوجه ومدنكات وارتجس ايوان كسرى اوي الوليد واقره بالتأريخ اشگد شرفات في هذا النص الجميل سياحة تأريخية بالولادة النبوية الشريفة، و ماحصل من ضوء الرسالة، وإنطفاء، وإنتكاس، وتقهقر الظلم، والشرك، ثم يأتي بنصه الجميل الثاني (فاطمة) واصفًا بنت الطهر الطاهر المطهر بأجمل وصف سيدة الحياء والعفة والعلم أم الحسن والحسين وزينب… فاطمة ص٩ من ابن مكتوم اجه ايزور الرسول وأنت الزهرة اوي ابوها فاطمة عافت المجلس حبيبتنا البتول وهي تدري بلا بصر بيه عالمه اتجالس اعمه مارضت بنت الأصول يستعرض بهذا النص خصال الزهراء الزكية بإنسيابية المفردات الشعرية التي تبحر بسجايا سيدة نساء العالمين، ثم ينتقل بنصه الثالث ص١١ يابو الحسن عن حاضر الشدائد، يعسوب الدين، وإمام المتقين، الذي تغنى بشجاعته، فروسيته، زهده بعدة قصائد بالديوان مُنشدًا بصوت مدوي عن أبلغ وأفصح وأشجع وأعدل مابتأريخ الإنسانية.. يابو الحسن من أول هجوم القاذفة بي تو من أول شظايا الطاحت ابسدي ظلمة الدنية صارت والعيون تدور بس اسمك ضواي او غيرة ماعندي إنته أول فزع يا حاضر الشدات وياهو المندب بإسمك لمن تسدي ويختم نصه الذي يرجو فيه شفاعة ربّه، والاقتداء بعدالة علي وحكمه الراشد، حكم العدالة بين الناس.. نشرت انته العدالة اووحديت اصفوف بسيف إسلامه او للأبد ما يصدي ابشخصك يقتدي ردنه اليجينه ايقود كتاب الله ابيمينه او للعدل يهدي. وفي ص١٤ بقصيدة (شغف العاشقين) التي عنون ديوانه باسم تلك القصيدة التي يصوّر الذوبان، والعشق الصوفي، من كل الشعوب، والقارات زحفًا لعراق الحسين سيد الأحرار، وملهم جذوة الحرية بالنفوس التواقة لرفض القهر، والاستبداد، و التسلط.. كعبة الأحرار مقصدها وشغف عشقها سيد الإباء سيد الشهداء.. للعشك نرسم صور بالحياة وكلمن ايدون الوان الفرشته يرسم ابمحبوبته بأجمل الوان وحتى يكسب شوگها الي حبته ويسترسل بوصف من يتقرب لحبيبته، لِيعرج على العشق الأبدي الحقيقي لسيد الأحرار.. وكيف تهفو له القلوب، وتصدح الحناجر بعشق سيد الحريّة بالإنسانيّة الذي قدم الدرس لجميع البشريّة لتجتمع كربلاء بكل عام وكل يوم من كل أحرار العالم وهي تنادي لبيك ياحسين، وهيهات منا الذلة.. تلك الكلمات المدوية في أحشاء التأريخ صرخة حق يخشاها كل الظالمين والطغاة بكل عصر ومصر.. لكن الحب الحقيقي وحب جنون ابكل حواس البشر أعلن ثورته شفته عد ناس اترست أرض العراق وهامت اتباهت ابشوگ الحملته اتجمعت احرار من كل الأديان وفي جميع احساس عدها عشگته ويستمر الشاعر المبدع “السعدي” بنصوصه الأخرى (القمر الساطع) (دينك ضياء) (الليث الأبيض) (حب الوطن)، وغيرها من النصوص التي يتجلى فيها انثيال الروح بحب العراق المقدس مهد الأنبياء ومآل الأولياء.

عامر عاصي وعذوبة الأدب الشعبي :

ثمة قدرة تعبيرية فائقة الدهشة بالنصوص التي يدونها الشاعر “عامر عاصي” بصفحته الشخصية بالفيس بوك، فالأدب الرقمي التفاعلي له حضوره بالمساحة الزرقاء بمستوى التلقي والاستجابه لشرائح واسعة تتذوقه وتتفاعل مع الصوّر الشعريّة الطرية الندية المُستلة من المحيط الإجتماعي يصيغ مفرادت الحب التي تنفذ للقلب، كما للنص النثري مساحة التلقي أجد أن عامر عاصي كسب الرهان بالأدب الشعبي بمقاصير أدبية كوجبات سريعة تلتهمها الأفواه بإنتشاء، القدرة على التلاعب بمشاعر القارئ يتفنن بها عاصي بشعره، وقدرته الفنية المؤثرة بنسق البناء الشعري المدهش بالقصيدة وتسويقه الأدب الشعبي:

 

گطرة، وملامِح طين، ومراية، وزلوف ..

كلهن شِفِتْهِن بيك، چا مَحَّدْ يشوف؟

/////

وينك؟!!

سِفَحْت الليل كِلّه اعله چَفَّك

.. شو كِرِسْتالِ النوم، باحلامي زَفَّك…

فيما يحذو الشاعر الفذ المتألق “لطيف العامري” نحو بوصلة فقراء الوطن الذي يعد ذكرهم كسجادة صلاة طاهرة للتبتل والذوبان والانقطاع يروّم الرأفة بالفقراء وعدم استغلالهم، تفرد بإسلوبه الشعري المبهر من خلال الصورة الشعرية التي تضع القلائد على جيد الفتاة الممشوقة لتبدو أجمل وأحسن كما بديوانه “نزيف الصوت” إصدار دار سطور ط1 2015 ص9:

آخر أيام الربيع أتنفستهن

والخريف بجنح عزرايين إجه وتضحك لكاك

تضحك من دموعي..

شارب كاس سكرك

ومن برد روحي..

بكت جمرة إلشتاك

ومن دفيت أنته.. عفت روحي إبردها

ودمعة المظلوم..

بعيوني سؤال بلا جواب..

الدمعة بعيوني دعاء

إني لا اسأله رد القضاء

إن الأدب الشعبي يلامش شغاف القلوب الجمعية، حتى من الذين ينظرون من أعلى إنوفهم للشعر الشعبي يرى التفاعل الوجداني من الجميع بالمستويات الثقافية كافة، أجد الصوّرة الشعرية بنصوص “لطيف العامري” كما – بمجتزأ – من نصه الجميل من ترانيم الروّح جنة ملح ص 37:

خضّر العاكول بجفوفي وراك

ومولحت صحراء روحي..

فراكك يمرني عواصف

ريح سودة

ودفنت عيون النبع..

والدمع نفس الدمع..

بس العين تفرق

عين تمساح الشواطي.. مو مثل عين اليتيم

ولاتمر نسمة على صحراء الجروف

الماي ضاع

وضاعت الخضراء.. والوجه الحسن

وخضّر بروحي الملح..

وفي نصه الأخير من هذا الديوان العابق بضوع وأريج وعطر المفردة المنتقاة بطراوة ونداوة “تلمع عيونك” ص 83 ويتطشر ظلامي:

منيلكّ

هذا الضوه

اليرهم الروحي..؟؟

الظلمة توجع…

وانت

من تضحك دفو..

وشوك وأمان..

ومن تمد جفك

على صحراء حزني

تصير حبات الرمل

غنوة وكلايد

أي يبوج فوف القصايد..

أعزف بروحي

شعر

ياخذني يمك..

مثل أي عصفور أطير

أي يبو مكبل حرير

مر علينا بمباحث الفصل الأول عشرات الأسماء الشعرية بالأدب الشعبي، بالطبع القمم الشعرية بالأدب الشعبي العراقي الشاعر الراحل عريان السيد خلف، مظفر النواب، يذكر يوسف عطية منشد الرميض بكتابه الذي قدمته “رموز الشعر الشعبي والغنائي في العراق” في ص 138عن الشاعر عريان السيد خلف: (عملاق الشعر الشعبي أبو خلدون: ولد في مطلع الأربعينيات بمحافظة ذي قار – قلعة سكر أحد رموز الشعر الشعبي البارزين بالعراق… كتب للعديد من المطربين فؤاد سالم – قحطان العطار – سعدون جابر – رياض أحمد – عبد فلك – أمل خضير – كريم منصور وغيرهم من المطربين).. بالطبع قصيدته القيامة كانت هائلة ملحمة عراقية عن الانتفاضة الشعبانية ضد الدكتاتورية بعد أن ثارت 14 مدينة عراقية بسبب هزيمة الكويت في 1991 جسد بها ملحمة الشعب والقمع.. يذكر الرميض هذا النص:

معذورة الدموع عليك ما تنشف

ومعذورة الكلوب تهيم بيكم شوك

وتتعفر جباه الناس بأرض الطف

أجيال وعصور تعاكبت وأزمان

ودمك يا شريف الدم بعد ماجف

يا أول رفض لمصافح العفنين

ويا أول نعم للموت من يحتف

ويا أشرف اسم.. سماك جدك بيه

ويابزغة بدر.. شع بالسمة وشرف

يالموتك.. خلاص من الظلم والحيف

وكبرك باب كعبة وكبتك مصحف

يبن ذاك المغيث الغوث اجيت أنخاك

أريدك بالشديدة وياي تتلطف

مثجل بالهموم الحد كطاع النيط

وطوال الوسيعة أعله الكلب تكطف .

ذلك شاعرنا الخالد مظفر النواب بين الفينة والأخرى تقدم دراسات نقدية من أدباء ونقاد بالعراق والوطن العربي بصحف، ومجلات عن تلك التجربة الثرية، التي تجاوزت أكثر من نصف قرن بالإبداع، ربما لاتوجد دراسة عن الأدب الشعبي بالعراق إلا والنواب بضمنها، رغم قلة المؤلفات الخاصة به نأمل أن يدرس برسائل الدكتوراه بجامعاتنا، بكتاب علي غالي (مظفر النواب في شعره الفصيح والشعبي/ منشورات أحمد المالكي اجتهد المؤلف بجمع نصوص شاعر الكفاح شاعر الحرية الصوت المدوّي بالرفض والاحتجاج على ضياع القدس، والسوط الذي قرع به وجوه الطغاة، نصير جميع الكادحين والفلاحين واليساريين وكل الوطنيين بالأمة.. افتتحه بصفحة إهداء جاء ببعضها ص5 (إلى الشاعر العلم والمعلم الكبير

إلى المناضل الجريء والشجاع المهاب الرهيب

إلى القمة العراقية التي لاتعلوها قمة

في ص 10

أنبيك عليًا

مازلنا نتوظأ بالذل…

ونمسح بالخرقة حد السيف

مازلنا نتحجج بالبرد وحر الصيف

مازالت عورة ابن العاص معاصرة

وتقبح وجه التاريخ

مازال كتاب الله يعلق بالرمح العربية

مازال ابو سفيان بلحيته الصفراء

يؤلب باسم اللات العصبيات القبلية

مازالت شورى التجار ترى عثمان خليفتها

وتراك زعيم السوقية

لو جئت اليوم… لحاربك الداعون إليك وسموك شيوعية.

الفصل الثاني :الأدب الشعبي العراقي والمصري قصائد بالوطن – الريف – الحب

مثلما لدينا هنا الميول بالثقافة المجتمعية نحو الأدب الشعبي بالعراق بكثرة المهرجانات التي تهتم به تنظيمه، و ساعات ببرامج الفضائيات، وتخصص المجلات والصحف صفحات للشعر الشعي .. كذلك في مصر هناك نفس الدور، وفي قراءات نقدية لشعراء العامية المصرية (الكتاب الفائز في مسابقة الحسيني الإبداعية فرع النقد الأدبي 2016) درست الدكتورة أميمة منير جادو بعض شعراء العامية بمصر بقراءة نقدية مميزة كالأبوندي – صلاح فتح – محمد المخزنجي – جلال الصياد – يوسف شتا – ابراهيم رفاعي – عبدة الزراع وغيرهم.. تؤكد ص7 :

((يعد الأبنودي من أهم كبار شعراء العامية في العصر الحديث، وله إسهامات عديدة على مدى أكثر من نصف قرن من العطاء الإبداعي، وهو غني عن التعريف نفسه، على الساحة الإبداعية ويمكن الإشارة الأبنودي 1938/ 2015 مواليد أبنود قنا حاصل ليسانس عربية غنى له عبد الحليم حافظ: (عدى المهار، وأنا كل ما أقول التوبة، أحلف بسماها وبترابها، أحضان الحبايب) ومعظم مطربات والمطربين بمصر…)).

تشير الدكتورة أميمة لا يمكن عزل الكاتب أو الأديب عمومًا عن ظروف عصره ومتغيراته التي أثرت فيه وتأثر بها، ولا سيما العمل السياسي، … لقد حافظ على الزخم الثوري في شعره، كان من المؤيدين بقوة لعبد الناصر رغم إنه سجن مع الشيوعيين، لكنه بقي مؤيدًا له، وفي عهد السادات كان يتنبأ بمقتله ص12 (توترت العلاقة أكثر وأكثر بين السادات والابنودي في 1981 ألقى في عيد الطلاب قصيدته “المدّ والجزر” وكتب “لا شكّ أنك مجنون” صدقت توقعات الأبنودي، وقتل السادات بعدها). ويعد الأبنودي أول شاعر بالعامية يفوز بجائزة الدولة التقديرية عام 2011، وقد أيد ثورة يناير 2011، ثم أشد المعارضين لمحمد مرسي ص16 :

عواجيز شداد مسعورين أكلوا بلدنا أكل

ويشبهوا بعضهم نهم وخسه وشكل

طلع الشباب البديع قلبوا خريفها ربيع

وحققوا المعجزة

صحوا القتيل من القتل

اقتلني قتلي ماهيعيد دولتك تاني

بكتب بدمي حياة تانية لأوطاني

السوس بينخر وسارح تحت إشرافك

واما اهلينا من زرعوا وبنوا وصنعوا

كانوا مدارس ليك ولولادك واحلافك

ده سوس بينخر يا ابويا في جسد دولة..

وحاسبوا اوي من الديابة اللي في وسطيكم..

واالا تبقى الخيانة منك وفيكم.

كما لدينا بنصوص الشاعر المميز الاستثنائي بالمحيط العربي “مظفر النواب” بقصائده التي تنهمك بالسخط، والازدراء، وتوبيخ الطغاة، والقصائد التهكمية وجدت ذلك بالنصوص الشعرية المصرية من خلال تلك الدراسة للقصائد العامية المصرية، فالشعبين لديهم مشتركات خاصة وروح النكته السريعة .

المبحث الثاني: الأنساق المضمرة بالموروث المصري بدراسة مهمة

الموروث الشعبي العراقي أيضًا هناك – بعض – المشتركات مع الريف المصري كما ذكر الدكتور أحمد فاروق حول أرشيف المأثورات الشعبية فقضية المأثورات الشعبية تعكس الأجواء التاريخية لكل شعب ما من خلال الأنساق الثقافية، والفلكلور، والطقوس بالزواج، أو المآتم، بالطبع المرويات الحكائية، أو التقاليد الشعبية تنتقل بين الأجيال إما بطريقة الحكاية، كما مرّ بالفصل الأول بالمرويات الحكائية بالعراق. كذلك بمصر في أرشيف المأثورات الشعبية للدكتور “أحمد فاروق” يدوّن تفاصيل المأثورات الشعبية التي تعكس روحية، وفلكلور، وتراث الشعوب.. هناك تشابه لحد ما بين العادات في قضايا معيّنة وهناك اختلاف بجوانب أخرى بين مصر والعراق.. بالطبع المرويات الحكائية، أو التقاليد الشعبية تنتقل بين الأجيال إما بطريقة الحكاية، أو بالتدوين كما مرّ ذكره بالفصل الأول، كما بالتعاطي بقضية طقوس الاحتفال في الأفراح والأحزان. وفي الكتاب المهم الذي يتناول بشمولية واسعة ما يخص أرشيف المأثورات الشعبية المعالجات الموضوعية باستخدام الماكنز “الدكتور أحمد فاروق” كتاب الهيئة العامة  -2016  – 495 يمثل علامة مهمة في دراسة الموروث الشعبي اعتمدت الدراسة على مكنز الفلكلور كأحد الماكنز المتخصصة في مجال المأثورات الشعبية، ليكون الأداة التي يمكن استخدامها في عملية التوثيق بأرشيف المأثورات الشعبي يعد من الدراسات التي تناولت كرنفالات الفرح، أو طقوس الحزن، أو بالرياضة الشعبية، وكل ما يمت بصلة للأدب الشعبي الذي تتوارثه الأجيال، يعكس روحية الشعوب حتى إننا نشاهد من خلال التلفزة. وقنوات اليوتيوب. عادات الشعوب وممارساتها الشعبية بأوربا، والصين، واليابان، والهند، وغيرها تتوارثها الأجيال في الأزياء، أو الألعاب وبالمناسبات السنوية. تناول “الدكتور احمد فاروق” بخمسة فصول أرشيف المأثورات الشعبية مع مزايا الأرشيف التقليدي، والفصل الثاني نشأة الماكنز، والفصل الثالث التحليل الموضوعي والاستخلاص، فيما الفصل الرابع استخلاص وسائط المعلومات بالأرشيف مثل النصوص – الملفات الصوتية – الصور وغيرها، وفي الفصل الخامس عملية الاسترجاع بأرشيف المأثورات الشعبية، لقد بذل المؤلف الجهد الكبير في الناحية النظرية، والتطبيقية، والبيانات، والصور، لدعم تلك الرؤى والأفكار، بكتابه المتفرد بموضوعه، والشامل لكل الموروث الشعبي المصري شارحًا مزايا نظم الأرشيف التقليدية، ومهتمًّا بالطرق الرقمية الحديثة، في عملية الجمع الميداني، والترتيب، والمعالجة، وتداول المعلومات، مع قلة التكلفة، وقد وضح ذلك بنقاط. اعتمد المنهجية العلمية بكتابه مفصلًا كل موضوعة يتعامل معها حول الموروثات الشعبية بنقاط مبوبة بالبيانات. في ص38 يحدد معنى المكنز (من حيث الوظيفة هوا أداة ضبط المصطلحات، يستخدم للترجمة من اللغة الطبيعية للوثائق أو من لغة المكشفين أو المستفدين إلى لغة نظام أكثر تقييدًا – لغة توثيق، لغة معلومات -). يوضح المفاهيم الشعبية، بامثلة حفلة الزفاف ص87 العناصر التي تشكل الظاهرة *عروسان جالسان بجوار بعضهما البعض كل منهما على على كرسي من هذا المثال ينطلق للتفاصيل الشعبية التي يمارسها الجميع بالاحتفاء أزياء العروسين * زينة العروس * شبكة العروس * إلى آخر الموضوعات الشعبية التي يؤديها من حضر الاحتفاء بالطبع كل منطقة حتى بداخل البلد الواحد لها طقوسها الشعبية بالغناء أو المشاركة في الأعراس وغيرها لتلك المأثورات الشعبية لا يمكن أن تختفي من الطقس المجتمعيّ. الموروث الشعبي تهتم به الشعوب نرى الكرنفالات الاحتفائية التي تقام في الساحات.. الحدائق.. القاعات.. بإعلانات الفضائيات.. أو باليوتيوب فالموروث الشعبي تتناقله الأجيال من الأكلات الشعبية إلى الأزياء، وكل ما يمت إلى الفلكلور بصلة.. مثلما بالعراق لكل منطقه الزي الخاص بالجبال والأهوار، والبادية كذلك بمصر أيضًا نجد ذلك .

 المبحث الثالث :شاعرتان مصريتان ومقدمتان عراقيتان

الادب الشعبي يمثل صوت الجمهور، والشعب، وعامة الناس، ومن يتذوق الأدب.. وينتشر في أرجاء الوطن العربي من الخليج إلى المحيط، وكل بلد طريقة الأداء التي يتميز بها شاعرات وشعراء العامية، من الدارمي، الأبوذية، الزجل، البدوي، الشروقي.. بالطبع للشعر الشعبي العراقي نكهته الخاصة باعتراف معظم الشعراء الشعبيين في العالم العربي، سمعتها في معظم العواصم حتى إن شاعر المليون التونسي منير بن نصر المرزوقي بمؤتمر الحضارة العربية بتونس عام 2013 بجربة وتطاوين نطق بها أمام الحضور العرب، وفي أمسية للزجل العربي والأدب الشعبي في الأردن أكدها 4 من شعراء الأدب الشعبي في عمان 2015، وبزيارتي لمصر في 2017. وتبادل الإهداءات مع أديبات وأدباء مصر من مؤلفات، ودواوين للشعر أكدت 3 من شاعرات مصر د. نجلاء نبيل، وريهام عبد الله والشاعرة السورية د. عبير العطار هناك عشرات يكتبون.. أهمية الشعر الشعبي ونكهته الخاصة في العراق فاسم مثل مثل الشاعر مظفر النواب يتردد على شفاه الجميع.. باللهجة الدارجة الشعر الشعبي المصري لكثيرة الإعلامية و الشاعرة ريهام عبد الله لها الحضور في الأدب الشعبي المصري.. تحاكي نصوصها البيئة المحكمية المصرية سواء بالريف أو المدينة في ديوان (حبة تفاريح ) و(دندنة ) و(أحلام دندونه مسرح للطفوله) صدرت دواوينها في 2016 عن دار شعلة الإبداع – المعبر الثقافي الأول ب119 صفحة والثاني103 من القطع المتوسط.. تميزت الشاعرة ريهام بإلتقاطاتها للصور المحلية بلغة تنساب كغدير ماء عذب لتروي رياض غنّاء بالخضرة ..شعر بلا تكلف، صوّر موحيّة،مُعبرة عن روح شفيفة .. في نصها ص4 (ف الصبحية ) دعوة للأمل وتجاوز الألم في ظروف متشابهة يعيشها معظم العرب.. (ف الصبحية افتح شباكك/ وارمي همومك كده على بابك/ أول حاجة هتجي ف بالك/ ازاي تسعد قلب ف ثانية/ خد م الدنيا اجمل احلامك/ غصبن عنها هتلقي مكانك/ مستنيك.. وتفوت احزانك/ وارمي وراك الذكرى المره/ ف الصبحية صبح يا للا/ تلقى السعد يقول ماشاء الله/ اجمل ضحكة شفتها عيونك/ ضحكة رضا كده من عند الله…). تتفاعل مع كل موضوعات الحياة بروح مُشرقة، تكتب عن الوطن، حضارته، والفقراء، والإنوثة، والبراءة بالطفولة، وعن محنة سوريا، وابتهالات للنبي.. موضوعات روحية واجتماعية في نصوص تشي بقدرة “ريهام” على تطويع المفردة المحلية المصرية لتقرأ بكل بلداننا العربية. بالطبع المفردة المحلية المتداولة في قطر ما ليس بالإمكان وصولها لأبعد جغرافية، لكنها تمكنت بالعبور بها مسافات مترامية.. (كل حكاية مصرية) ص 32 تُجسد عشق المصريين لآثارهم وحضارتهم (كل حكاية مصرية/ مرسومة على الجدران/ وموجودة ف كل مكان/ بتحكي تاريخها وآثارها/ هنا الأقصر هنا طيبة/ دي قصة الدنيا تحكيها/ وشمس تعيد وتحييها/ بكل حروف اساميها/ طريق مفتوح لاسرارها/ ولسه يا بكرة تختارها/ ونمشي ف خير يخضرها/ ونيلها يعيش بعمرها…) تميز الشعب المصري بالبساطه، والسخرية، وسرعة البديهة، والميل نحو القفشات التي تزي الأحزان وقد جسدت الشاعرة ريهام عبد الله ذلك بنصوص بدوواينها عدة ياللي الضحكة ص 102 (ياللي الضحكة ف وشك عادة/ أضحك تاني وزيد بزيادة/ وأملي الدنيا فرح كالعادة… وزع كده ف الابتسامات/ وأنس الماضي وكل مافات/ فوت أحزانك والحكايات/ خليها تعدي مفيش حاجة…)/ (يا سيدى… يا سيدى) يا من قولت أمتى/ قبلى أنا/ يا من جعلت شفاعتك/ دربًا لنا/ يا من وعدت بجنه/ سكنًا لنا/ يا سيدى… طاب لنا/ دين السماحه والرضا/ دمت له دمت لنا/ يا سيدى…/ يا نور شمسى والقمر/ يا رحمه طول الدهر/ انت الصدوق فى دنيتى/ لك يا حبيبى محبتي…) وتستمر بالإنثيالات الروحية، الصوفية، في تعالق، وذوبان بالنبي الأعظم الذي يقصده كل العالم بالولاء، والمحبة، والرجاء رسول السلام.. كما في نصها مولد النبي ص115 (أجمل ذكرى ف الكون/ يوم ما اتولد اللي يصون/ ويحافظ على القرآن/ سمو وصلو على رسوله/ ذكراك يارسول الله/ حب منعرفش مداه/ يحييها الكون بسماه…). وفي نصوصها العاطفية التي تضج، وتطفح، يكتظ بها ديوان دندنة، فيه خلجات الروح، والبوح، تُعبر فيها عن وله الروح، وتوقها للحب، ظفائر من النصوص بأبهى حلة شعرية.. عواطف ومشاعر سكبتها على بياض الورق (صبرك ياحب) ص 7: صبرك ياحب علي… دنا قلبي ماله زيّ لو حاشوا عنه المي… اهون من الفراق حقك حبيبي علي… يا عيون ما ليها الضيّ استنى حتى شوي… واسمع كلام الأشواق العلم عند الله… وأنا اللي دقت الآه وفين ألاقي دواه… يمكن في بكرة الجيّ صبرك ياحب عليّ كما بنصوص زي كل البنات – شباك مدرستي – بتسأل ليه – إحييني النهرده يمكن ص95: يمكن نعشق كده مرة مرة ف وسط المرات ماهو مر علينا ف مرة ورانا الدنيا وفااات يمكن يستنى شويه ويورينا الأمنيات مين فينا عشق وأتمنى وعاش فرحان كل الأوقات يمكن مش عاجبه غرامنا شايفه مابيننا وبس آهاتالله، اليوم.. بعد تلك القراءة النقدية التي كتبتها عن شعرها بثقافة شعبية الصباح طلبت أكتب مقدمة ديوانها الأخير كما فعلت د. نجلاء نبيل. ثمة روح وطنية وثابة في شعر د. نجلاء نبيل وهي تطارد المفردات في الفيافي، والبحار، والقفار وتصطاد الكلمات لتروضها شعرًا أنيقًا جميلًا يخوض غمار المحبة لمصر، نصوص مترعة بالولاء، والحب لتأريخها، وحضارتها، وإنسانها، تشي بتعلق المبدعة “نجلاء” بالوطن، وحب الأوطان من الإيمان.. كيف بمصر عبق، وأريج، وشموخ الحضارة! بين منارة مسجد، ومكتبة، وحديقة هناك الإنسان.. لذلك الحب يتدفق بثنايا تلك النصوص، نعم هناك بعض نصوصها الوجدانية.. العاطفية التي تعكس نقاء روحها، وطهرها تعبر عن عواطفها الذاتيه تسكبها بقارورة تلك القصائد، لقد قدمت دراسة نقدية بدوواينها السابقة ثقافة شعبية وحللت تلك النصوص المكتظة بالعاطفة، وحين طلبت مقدمة لهذا الديوان وجدت أن النسق الشعري المتصاعد بروح النصوص المتوهجة بالحرارة، وصدق المشاعر، والإحساس تنم عن قابلية الشاعرة ببوحها بصور جديدة عبر لغة الحكاء.. والتدوال.. والتواصل الشعبي القريبة من الشارع المصري.. كما في نصها عن لاجيء سوري تجد الروح الوطنية بالتعاطف العربي في ظل المأساة التي تمر بها الأمة بسبب الإرهاب، والعنف، والضحايا، والمهجرين الذين فقدوا الأوطان بحثًا عن الملاذات الآمنة التي يجبر المواطن بالقبول بالبديل لحين السلام بالأوطان.. “أنا مش نبي” تفتتح تلك النصوص بحكم العودة للروح والنقاء والصفاء مهما إقترف الإنسان من ذنوب، أذنب أتوب وأنا صبي / فكري سليم ومش غبي/ منا عابد بروح إنسان/ وأنا زاهد منيش نبي.. وأنتقلت بنا إلى الابتهال لمصر وأبناء النيل في نص “خدلك تغفيلة” لطفك يارب بولدنا/ وهاتها سلام/ وألف بين قلوبنا/ بروح الإنسان/ ورجع لنا الغايب/. أما في نص “طاير ورجع” التي تنسجها كقصة واقعية وليست رواية خيالية بموسيقى شعرية، وصور مدهشة امتازت بها معظم قصائد الديوان تركز فيها على التعلق بين الوطن الأم والابن بمحبة/ ينادي بأعلى الصوت/ العدل ياخلق الكون/ رد زمانه عليه/ الرحمة مابتكون/ الا بقلوب نقية/ والحلو ما بيدوم/ أصبر على وجعك/ لو كان دواك محتوم… كما تتألق بنصوصها الشعرية المشبعة بالإحساس الوطني.. فالقصيدة لديها وطن، وحب، وانتصار، وتفوق، وصبر، وإرادة، وعزيمة، وروح وثّابة نحو الشمس.. “قبل التأريخ”.. ونص “كل الحروف”.. ونص “أسمع بقى” والمحاكاة لهموم المجتمع في نصها “كباية شاي”.. وفي نصها “حي على الفلاح” قال الإله كلمته/ وكتب لها الفلاح/ قبل التاريخ بتأريخ/ كتبها في الألواح/ مصر بلد آمنه/ ولها متين مفتاح/ جنودها خير الجنود/ يحاربوا بالسلاح/ الخير هي أساسه/ والنور هي الصباح… نصوص تشي بالحكمة المتناهية وهي ضمن خطاب المثقف الحقيقي صانع الجمال، وناصح الأوطان، وصوت الشعب.. فالمثقف، الشاعر، الفنان، بوصلة الحق والمضيء بالعتمة والجامع لكل خير كما يقولها غرا مشي المثقف الفاعل، بالطبع هو المرآة العاكسة للهم المجتمعي في نصها حي على الفلاح. تروم الشاعرة د. نجلاء نبيل نحو زرع الخير كزرع وردة في الرياض النضرة.. حي حي على الفلاح/ ابني وعمر اوعى تدمر/ أزرع شجرة تطرح فكرة/ بين عقول الناس لبكرة/ ترفع راية تلون بيها/ خلي اللون الفاتح فيها/ فيها شعار الأسد الغاضب/ يحمي عرينه بكل جسارة نصوص تمجد الشهيد المدافع عن ثرى الوطن، المضحي من أجل أن يحيى الآخر بكرامة مرفوع الراس، الشهيد القيمة العظمى للشعوب والذي يحفر أسمه بتأريخ الأوطان.. وتختتم ديوانها بآكاليل الورد على الشهداء.. وسعوا الحواري.. والشوارع.. والنجوع للشهيد مشهد مهيب بيتكرر كل يوم احفروا قبر الولاد قبل مايجي الميعاد حطموا كل القيود وافتحوا كل السدود واعبروا بحر الظلام بالشهيد يبقى الخلود عطروا الرمل بدمه وطبطبوا على قلب أمه قولولها ان الحياة بالشهادة طوق نجاة.. كما يضمن شعراء العراق الدعم للحشد الشعبي وجيشنا المظفر أجد أن شاعرات وشعراء مصر يتعاملون بذات التعامل .

  • المصادر
  • حمدي كريم، ديوان الناصرية حبيبتي، 2020.

2- حمدي كريم، ديوان الرياضي الشاعر ج2، ج3، 2020 طبعات محلية.

3- عادل العضاض، الزمن وسنين العمر، طبع الشرارة 2015.

4- مهدي صاحب السعدي، شراع وسفر ودموع، دار الفرات والنيل، مصر، 2020.

5- ماجد السفاح، رحلتي مع الأبو ذية، مطبعة المروءة بغداد، 2012.

6 2018 – رائد الزغيراوي، شعر الأبوذية لشعراء ناحية العكيكة.

7- إسماعيل إبراهيم عبد، عصمة اللغة للشعر الشعبي الفصيح الإنجاز – التأصيل، دمشق، عن دار أمل الجديدة، 2017 .

8- صبري السعدي،شغف العاشقين، مصر مؤسسة النيل والفرات للشاعر ناجي عبد المنعم، ٢٠١٩.

9- يوسف عطية منشد الرميض، رموز الشعر الشعبي والغنائي في العراق، دار الفرات – بابل، 2019.

10- نوال جويد، مشحوف خريبط، دار الرافدين بغداد، بيروت.

11- نوال جويد، سوباط زكيوة، دار المعقدين ط1، 2020.

12- لطيف العامري، نزيف الصوت، دار سطور ط1 2015.

13- غالي الخزعلي، مظفر النواب في شعره الفصيح والشعبي، منشورات أحمد المالكي 2019.

14- د. أميمة منير جادو، قراءات نقدية لدى بعض شعراء العامية المصرية، إصدار مهرجان الحسيني الثقافي 2016.

15- د. أحمد فاروق، أرشيف المأثورات الشعبية المعالجات الموضوعية، دار الهيئة العامة الكتاب المصرية، 2016.

16- ريهام عبد الله، دندنة، وأحلام دندونه، مسرح للطفوله، دار شعلة الإبداع – المعبر الثقافي، 2016.

17- د. نجلاء نبيل، بحر الوطن، شعلة الإبداع، 2018.

 

[1]– صباح محسن كاظم، ناقد ومؤرخ عراقي مواليد الناصرية 20-2-1960، صدر لي 15 كتابًا بين التاريخ والنقد، كتب 45 مقدمة ودخّل دراستي ومؤلفاتي بأكثر من 60 كتابًا ورسائل عدة للدكتوراة والماجستير.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.