التّعب المزمن وعلاقته ببعض اضطرابات القلق لدى النازحين السّوريين والفلسطينيين في مدينة طرابلس

0

عنوان البحث: التّعب المزمن وعلاقته ببعض اضطرابات القلق لدى النازحين السّوريين والفلسطينيين في مدينة طرابلس

اسم الكاتب: ثروة فايز شمسين

تاريخ النشر: 2026/01/15

اسم المجلة: مجلة أوراق ثقافية

عدد المجلة: 41

تحميل البحث بصيغة PDF

التّعب المزمن وعلاقته ببعض اضطرابات القلق لدى النازحين السّوريين والفلسطينيين في مدينة طرابلس

Chronic Fatigue and Its Relationship with Some Anxiety Disorders among Syrian and Palestinian Refugees in Tripoli

Dr. Saroite Fayez chamsine د. ثروة فايز شمسين)[1](

تاريخ الإرسال:27-10-2025                              تايخ القبول:10-11-2025

الملخّص 3%                                                      :turnitin

هدفت هذه الدّراسة إلى التعرّف بالتّعب المزمن وعلاقته ببعض اضطرابات القلق لدى عيّنة من النّازحين السّوريين والفلسطينيين في مدينة طرابلس، في ضوء متغيري الجنس والجنسيّة.

تكوّنت العيّنة من 420 نازحًا (178 ذكرًا و242 أنثى) اختِيروا عشوائيًا. استخدمت الدّراسة مقياس التّعب المزمن العربي لعبد الخالق والزيب، ومقياس اضطرابات القلق من إعداد الباحثة.

أظهرت النتائج وجود فروق في مستوى التّعب المزمن تبعًا للجنس، وعدم وجود فروق تبعًا للجنسيّة أو لتفاعل الجنس والجنسيّة. كما وُجدت فروق في اضطرابات القلق وفقًا للجنس والجنسيّة، إضافة إلى وجود علاقة ارتباطية موجبة بين التّعب المزمن وبعض اضطرابات القلق.

توصي الدّراسة بالاهتمام بالدّعم النّفسي للنّازحين السّوريين والفلسطينيين، وزيادة عدد الأخصائيين النّفسيين العاملين معهم لتخفيف الضغوط النّاتجة عن النزوح.

الكلمات المفتاحيّة: التّعب المزمن – اضطرابات القلق – النّازحون السّوريون – النّازحون الفلسطينيون – طرابلس – الضّغوط النّفسية.

Abstract:

This study aimed to identify chronic fatigue and its relationship with certain anxiety disorders among Syrian and Palestinian refugees in Tripoli, Lebanon, in light of gender and nationality factors.

The sample consisted of 420 refugees (178 males and 242 females). The Arab Scale for Chronic Fatigue Syndrome by Abdel-Khalek & Al-Zeeb and the Anxiety Disorders Scale prepared by the researcher were used.

Results revealed gender-based differences in chronic fatigue but not in nationality, and significant differences in anxiety disorders by both gender and nationality. A positive correlation was found between chronic fatigue and some anxiety disorders.

The study recommends providing psychological support and counseling for Syrian and Palestinian refugees and increasing the number of psychologists assisting them.

Keywords: Chronic fatigue – Anxiety disorders – Syrian refugees – Palestinian refugees – Tripoli – Psychological stress.

 

أولاً – تمهيد

شهدت السّنوات الأخيرة بروز قضية النّازحين السّوريين ، إذ إنّهم يشكّلون الآن أكبر مجموعة نازحة في العالم . ونتيجةً لزيادة أعدادهم ، فقد فرض ذلك تحديًا خطيرًا على كل الأطراف المعنيّة ، سواء أكانت الدّول المستقبلة للنازحين ، أو حتى المنظّمات الدوليّة المعنيّة بالتعامل مع قضاياهم.

ومنذ بداية الحرب الأهليّة في سوريا ، شُرّد ملايين السّوريين ، داخليًّا وخارجيًّا، ووفقًا للمفوضيّة العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ، تجاوز عدد الفارين من سوريا منذ العام ألفين وأحد عشر، أربعة ملايين شخص ، بالإضافة إلى خمسة ملايين ، ونصف مليون من المشرّدين داخليًا في سوريا ، ويعيش نحو مليون ونصف سوري من الذين اضطروا للعيش خارج بلادهم – تقريبًا – في لبنان الآن وفق الأرقام الرّسميّة ، لكن الأرقام غير الرّسميّة أعلى من ذلك بكثير ( المفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ، 2019 ، أ ).

ومن ناحية أخرى ، انتقل بعض النازحين الفلسطينيين إلى لبنان بعد نكبة العام 1948 ، وهم يشكّلون ما نسبته 10 % من المجموع العام للنازحين الفلسطينيين ، وما نسبته 10,5 % من مجموع سكان لبنان ،  وعددهم ( 400 ) ألف نازح . ويوجد في الأراضي اللبنانية حاليًّا 12 مخيمًا فلسطينيًا هم : المية مية ، البص، برج الشّمالي ، الرّشيديّة ، شاتيلا ، مار الياس ، برج البراجنة ، عين الحلوة ، نهر البارد ، البداوي ، ويفيل ، ضبيّة ( وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى ” الأونروا ” ، 2017 )

وتوفّر خطة لبنان المتعدّدة الشراكة للإستجابة للأزمات ( 2017 – 2020 ) إطارًا لاستجابة تنمويّة متكاملة ، إذ يُتصدى من خلالها لاحتياجات النّازحين قدر الإمكان – استنادًا إلى القوانين والسّياسات الوطنيّة – عن طريق تعزيز قدرة المؤسسات الوطنيّة ومنظمات المجتمع المدني المحليّة لتقديم الخدمات ، وبالتالي التّخفيف من تأثير وجود النازحين، من خلال دعم المجتمعات المضيفة واللبنانيين من الفئات الأشد ضعفًا ( المفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين،  2019 ،  ب ) .

وأشارت منظمة أطباء بلا حدود ( 2013 ) إلى أنّ الشّروط الحياتيّة للنازحين السّوريين والفلسطينيين المقيمين في لبنان داخل المخيمات وخارجها سيئة ، كما أنّهم يعيشون تحت ظروف اقتصاديّة واجتماعيّة وصحّيّة وتعليميّة صعبة، إضافةً إلى أنّ أكثر من 50 في المئة من النازحين، سواء أكانوا مسجلين رسميًا أم لا ، يعيشون في أماكن غير ملائمة، مثل الملاجئ الجماعيّة، أو المزارع ، أو المرائب ، أو بنايات غير مكتملة الإكساء، أو مدارس قديمة، ومعظم هذه الأماكن لا تحمي سكانها النّازحين من العوامل الطبيعيّة .

ونتيجة لهذه الضغوط الاقتصاديّة والاجتماعيّة والمهنيّة التي تواجه النازحين السّوريين والفلسطينيين،  وزيادة المسؤوليّة، ومشاكل الحياة اليوميّة، فإنهم أكثر عرضةً لما يسمّى بمتلازمة التّعب المزمن ، وما قد يكون له من تأثير على خصائصهم الشّخصيّة، والنواحي النّفسية والصّحيّة والمهنيّة لهم، بالإضافة إلى عدم الشّعور بالراحة ، والتّعب الدائم ، ما قد يؤدي إلى تعرّضهم لأعراض نفسية كالتوتر والقلق .

والتّعب المزمن هو اضطراب يتصف بالتّعب الشّديد المعجز لمدة ستة أشهر أو أكثر ، ويصاحبه وجود أربعة أعراض أو أكثر من الأعراض الآتية :  ضعف أساسي في الذّاكرة قصيرة المدى وضعف التّركيز ، التهاب في الحنجرة، آلام ليفيّة، آلام في العضلات، آلام متعدّدة في المفاصل من دون تضخّم ، صداع شديد ، اضطراب النّوم، وتعب بعد أي إجهاد يستمر لمدة 24 ساعة أو أكثر . (Reynolds,et al (2014), p275,409-417).

وحدّد التصنيف العاشر لمنظمة الصحة العالميّة ( WHO, 1993 ) مجموعة من الأعراض لتشخيص متلازمة التّعب المزمن ، وتشمل: شكاوى مستمرة من الشّعور بالإنهاك بعد أي مجهود بسيط، الشّعور بألم وأوجاع في العضلات، دوار وصداع توتري واضطراب النوم، عدم القدرة على الاسترخاء، الاستثارة والتهيّج.

كما أنّ متلازمة التّعب المزمن من الأمراض الطبيّة المعقّدة في تشخيصه، ولها عدة تفسيرات،  فمنها ما يتعلّق بالعوامل الوراثيّة والهرمونات ، ومنها ما يتعلّق بالعوامل البيئيّة، وأخرى تتعلّق بالعوامل العضويّة ، إلّا أنّه لا تزال أسباب متلازمة التّعب المزمن غير واضحة ، فهو اضطراب غير محدّد المصدر، وأسبابه غامضة ( Ranjith, 2005,p 45 ) .

وبعد أن يئس الأطباء والباحثون من إمكانيّة تحديد سبب عضوي يؤدي إلى الإصابة بمتلازمة التّعب المزمن ، ذهب بعضهم إلى الاعتقاد أنّ هذا المرض سببه وجود اعتلال جسدي ناجم عن حالة نفسيّة، ويستدلون على ذلك أنَ حالة الاكتئاب يعانيها الكثير من المصابين بهذا المرض، ويرون أنّ متلازمة التّعب المزمن ذات منشأ نفسي، إذ يتوهّم الفرد أنّه مصاب بالمرض، فتظهر عليه أعراض المرض الحقيقيّة ( سلامه ، 2008 ، ص 45 ).

وتشترك مع متلازمة التّعب المزمن عدد من الأعراض والاضطرابات ، ومنها الاضطرابات الجسديّة ، واضطرابات النوم ، والاضطرابات المعرفيّة ، واضطرابات الشّخصيّة ، والضغوط ، والاكتئاب ، واضطرابات القلق ( علي ، 2016 ، ص 79 ) .

ويُعد القلق من الأمراض العصابية المحدّدة ، إلا أنّه يُعدُّ سمة رئيسة في معظم الاضطرابات ، إذ يوجد بين الأسوياء في مواقف الأزمات ، ويوجد مصاحبًا لكل الأعراض العصابيّة والذّهانيّة على السواء، ويرى كثير من المفكرين أنّ القلق هو سمة العصر الحديث بأزماته وطموحاته ومنافساته الحادة (الميلاوي ، 2008 ، ص 57 ) .

والقلق خبرة غير سارة يعاني منها الفرد عندما يشعر بخوف، أو تهديد من شيء من دون أن يستطيع تحديده تحديدًا واضحًا، وغالبًا ما تصاحب هذه الحالة بعض التغيّرات الفسيولوجية ، أو التوتّر العضلي ، وفقد القدرة على السّيطرة ، وعدم القدرة على التّفكير بصورة مناسبة ( غريب ، 2007 ، ص 68 ) .

وتصنف اضطرابات القلق على النحو الآتي :

  • اضطراب القلق المعمَم : ويتميّز بقلق حاد غير واقعي، وتوقّعات تشاؤميّة باعثة على الخوف حول ظرفين على الأقل من ظروف الحياة، ويستمر هذا الاضطراب لمدة ستة أشهر أو أكثر، يكون الشخص قد عانى خلالها من القلق في أغلب الأيام، وقد يستمر مدى الحياة ( الحجاوي ، 2014 ، ص 58 ) .
  • الفوبيا الاجتماعيّة : وهي مخاوف مرضيّة مستمرة وحادة ولا عقلانيّة ، وتحدث للمريض الإرتباك والشّعور بالإحراج من تلك المواقف ( Bruce & Saeed, 1999,p 57 ) .
  • المخاوف المحددة : وتتمثّل في اضطراب القلق المتميّز بالخوف، والتجنّب لمواقف أو أشياء محددة   ( بقيون ، 2017 ، ص 80 ) . وذكر بريت وتيرنر ( Barrett & Turner, 2001,p

8) عددًا من أسباب القلق منها :  الاستعداد النّفسي ، والضعف النّفسي ، والأزمات والمتاعب والصدمات النّفسيّة ، والشّعور بالتهديد الداخلي والخارجي الذي تفرضه بعض ظروف البيئة ، والتوتّر النّفسي الشديد ، والشّعور بالعزلة ، وفقدان المركز أو الصّحة ، وخبرات الطفولة المؤلمة ، وتكرار تعرّض الطفل لمواقف الخوف والقسوة والعنف والتهديد المستمر ، والمخاوف الشّديدة في الطفولة المبكرة .

ولكون الهجرة هي ملاذ الكثيرين من أبناء الشّعبين السّوري والفلسطيني ، نتيجة ما تعرّضا له من تشريد وتعذيب وانتهاكٍ لحقوق الإنسان ، وعجز عن توفير مرتكزات الحياة ، لذا لجأ العديد منهم إلى النزوح إلى البلدان المجاورة ، ومنها لبنان ، للحفاظ على حياتهم ، والبحث عن مأمن لأطفالهم وأعراضهم . ونتيجة للظروف الاقتصاديّة والاجتماعيّة والصّحيّة التي يعاني منها هؤلاء النازحون، فقد جاءت هذه الدّراسة للتعرّف إلى التّعب المزمن ، وعلاقته ببعض اضطرابات القلق لدى عيّنتي الدّراسة من النازحين السّوريين والفلسطينيين في مدينة طرابلس .

ثانيًا –  مشكلة الدّراسة وتساؤلاتها :

تُعدّ الحروب وما ينتج عنها من تشرّد وتهجير قسري من أقسى أشكال العدوان على الإنسان، وكما هي الحال في كل الحروب والنزاعات المسلّحة، والثورات، يتعرّض النّازحون لظروف معيشيّة صعبة ، وخبرات مؤلمة ، مِمّا يجعلهم فريسة سهلة للتعب والقلق والاضطرابات النّفسية الأخرى .

وقد تبلورت مشكلة الدّراسة في ذهن الباحثة بعد اطلاعها على الأدب النّفسي، والدّراسات التي تناولت التّعب المزمن واضطرابات القلق ، كدراسات أحمد عبد الخالق وسماح الذيب ( 2009 ) ، وضمرة ( 2013 )، وعلي وعبد الهادي وعبد الخالق ( 2016 ) ، واتفاق أغلبيّة هذه الدّراسات على أهميّة دراسة هذين المتغيرين في بيئة النّزوح ، ومن مبرّرات تناول الباحثة المهمّة لمتغيّرات الدّراسة، هو تأكيد كل من ( علي ، 2016 )  وبريت وتيرنر ( Barrett & Turner, 2001 ) أنّ التّعب المزمن قد يؤدي في حالات معيّنة لدى الأفراد إلى معاناتهم للعديد من الأعراض والاضطرابات ، وخاصةً اضطرابات القلق . وتأكيد ( الميلاوي ، 2008 ) أنّ القلق هو سمة العصر الحديث بأزماته وطموحاته ، وخاصة لدى الأفراد في البيئات المضطربة .

ويُعدّ النازحون من أكثر الفئات تعرضًا للآثار السلبيّة الناتجة عن التعرّض لمواقف الاعتداءات والحروب والآثار المترتبة عنها، وبسبب الأوضاع الصعبة التي يعيشونها، والتعرّض لمواقف صعبة ومأساويّة ، ولا سيما عند إعادة التوطين ، وغيرها من المشكلات .

وفي ضوء ما سبقَ ذكره ، وبعد اطلاعِ الباحثة ومراجعتها للأدب المتعلّق بمعاناة النازحين، وغياب المعلومات حول معاناتهم ومشكلاتهم ، والاضطرابات النّفسيّة التي يعانون منها ، يمكن تحديد مشكلة الدّراسة

      في التساؤلات الآتية :

1-2- هل توجد فروق ذات دلالة إحصائيّة لدى عيّنتي الدّراسة من النّازحين السّوريين والفلسطينيين عند    أيٍ من المستويات، في كل من التّعب المزمن، وبعض اضطرابات القلق ؟ 

2-2- هل توجد علاقة ارتباطيّة بين التّعب المزمن وبعض اضطرابات القلق في ضوء عامليّ الجنس والجنسية لدى عيّنتي الدّراسة من النازحين السّوريين والفلسطينيين في مدينة طرابلس ؟

ثالثًا: أهداف الدّراسة :  

هدفت هذه الدّراسة إلى ما يلي :

3-1- كشف الفروق في التّعب المزمن في ضوء عامليّ الجنس والجنسيّة لدى عيّنتي الدّراسة من النازحين السّوريين والفلسطينيين في مدينة طرابلس .

3-2- كشف الفروق في بعض اضطرابات القلق  في ضوء عاملي الجنس، والجنسيّة لدى عيّنتي الدّراسة من النازحيين السّوريين والفلسطينيين في مدينة طرابلس .

3-3- التعرّف إلى العلاقة الارتباطية بين التّعب المزمن وبعض اضطرابات القلق لدى عيّنتي الدّراسة من النازحين السّوريين والفلسطينيين في مدينة طرابلس .

رابعًا – أهمية الدّراسة : إن أهمية الدّراسة الحالية تتمثّل في الجوانب الآتية :

الأهميّة النّظريّة:

يتمثّل الجانب النظري في توفير إطار نظري حول التّعب المزمن وبعض اضطرابات القلق لدى  النازحين ، مبنيٌّ على أساس البحث العلمي والدّراسة الموضوعيّة ، ويتوقّع الإستفادة من نتائج هذه الدّراسة الباحثين والمرشدين والاختصاصيين النّفسيين. ومن المتوقع أن تفيد هذه الدّراسة وزارة شؤون النّازحين والمنظمات الدّوليّة والمؤسسات المحليّة المختلفة المهتمة بالنازحين ، وكذلك تكمن أهمية الدّراسة في تقديم بيانات كمية ، ومعلومات حول طبيعة العلاقة بين التّعب المزمن وبعض اضطرابات القلق لدى عيّنتي الدّراسة من النازحين السّوريين والفلسطينيين ، إضافةً إلى أنّ الدّراسة الحالية توفّر مقياس للتعب المزمن ، ومقياس لاضطرابات القلق من الممكن استخدامهما بالدراسات المستقبليّة .

الأهمّيّة التّطبيقيّة :

تكمن الأهمّيّة التّطبيقيّة للدراسة في ضوء ما توفّره من نتائج ومعلومات حول التّعب المزمن ، وبعض اضطرابات القلق ، والعلاقة بينهما ، ما يساعد في فهمهما وإمكانيّة التّعامل معهما ، سواء أكان ذلك علاجيًا أم إرشاديًا ، كذلك ستساعد هذه الدّراسة العديد من الباحثين الآخرين من مختلف الجامعات لإجراء بحوث ودراسات أخرى مختلفة . وتأمل الباحثة أن تؤدي نتائج وتوصيات هذه الدّراسة إلى فتح آفاقٍ بحثية عديدة للمهتمين في هذا المجال .

خامسًا – تعريف المصطلحات ،والتّعريفات الإجرائيّة :

5-1- التّعب المزمن : ” حالة من التّعب الجسمي العقلي ، والشّعور بالضعف والإرهاق والإجهاد نتيجة أقل مجهود يصيب الفرد لفترة لا تقل عن ستة أشهر ، وتؤثر سلبيًا في كل من التركيز والتذكّر والعمل ، يصاحبها أعراض محددة أهمها : اضطراب النوم والمزاج ، وألم العضلات والمفاصل ، وانخفاض الحيوية والنشاط ” ( الذيب ، سماح وعبد الخالق ، أحمد ، 2009 ، ص 351 ) . ويُعرّف إجرائيًّا أنّه الحالة الوظيفيّة المرتبطة بنقص الطاقة في الجسم ، ما يؤدي إلى انخفاض القدرة الجسميّة والعقليّة للنازح السوري أو الفلسطيني ، مع وجود مظاهر انفعاليّة وسلوكيّة أخرى ، لمدّة لا تقل عن ستة أشهر والتي يمكن تقويمها من خلال إجابة عيَنتي الدّراسة على فقرات مقياس التّعب المزمن الذي ستطوّره الباحثة لأغراض الدّراسة .

5-2- الاضطراب : ” الانحراف الواضح والملحوظ في مشاعر وانفعالات الفرد حول نفسه وحول بيئته ”            ( حافظ ، 2018 ، ص 15 ) .

5-3- اضطرابات القلق : حالة انفعاليّة مركبة غير سارة تمثل ائتلافًا أو مزيجًا من مشاعر الخوف المستمر والفزع والرعب والانقباض والهمّ نتيجة توقّع شرٍّ وشيك الحدوث ، أو الإحساس بالخطر والتهديد من شيء ما مبهم وغامض يعجز المرء عن تبيّنه أو تحديده على نحو موضوعي . (Cartwright-Hatton, McNicol & Doubleday, 2006,pp 817-833 ،  ) .  ويعرّف إجرائيًا أنّه خبرة وجدانيّة غير سارة يمكن وصفها أنّها حالة من التوتّر والضيق والكدر والترقب وعدم الاستقرار ، ويصاحبها أعراض جسمية متباينة ، وتشمل اضطرابات القلق في هذه الدّراسة ( اضطراب القلق المعمَم ، والفوبيا الاجتماعيّة ، والمخاوف المحدّدة ) ، والتي يمكن تقويمها من خلال إجابة عيّنة الدّراسة على بنود مقياس بعض اضطرابات القلق الذي ستطوّره الباحثة لأغراض الدّراسة من خلال الاستعانة بال DSM-5  .

5-4- النازحين السّوريين : ويقصد بهم في هذه الدّراسة النازحين السّوريين الذين دخلوا إلى مدينة طرابلس وقراها كنازحين مسجلين لدى وزارة شؤون النازحين في لبنان .

5-5- النازحين الفلسطينيين : ويقصد بهم في هذه الدّراسة النازحين الفلسطينيين الذين دخلوا إلى مدينة طرابلس وقراها كنازحين مسجلين لدى وزارة شؤون النازحين في لبنان ، بعد نكبة فلسطين العام 1948.

سادسًا- أدوات الدّراسة :

من أجل تحقيق أهداف الدارسة ، وبعد الرجوع إلى الأدب النّفسي السابق المتعلّق بموضوع التّعب المزمن وعلاقته ببعض اضطرابات القلق لدى عيّنـتي الدّراسة من النازحين السّوريين والفلسطينيين في مدينة طرابلس ،  اعتُمِد المقياس العربي لزملة التّعب المزمن من إعداد الاستاذ الدكتور أحمد محمد عبد الخالق وسماح أحمد الذيب عام 2006 ، ومقياس بعض اضطرابات القلق من إعداد الباحثة .

سابعًا- حدود الدّراسة : 

  • الحدود المكانيّة : ستقتصر الدّراسة على مدينة طرابلس ، شمال لبنان ، في الجمهوريّة اللبنانيّة .
  • الحدود الموضوعيّة : ستقتصر الدّراسة على التعرّف إلى التّعب المزمن وعلاقته ببعض اضطرابات القلق لدى عيّنتي الدّراسة من النازحين السّوريين والفلسطينيين في مدينة طرابلس .
  • الحدود البشرية : ستقتصر عيّنتي الدّراسة على النازحين السّوريين والفلسطينيين في مدينة طرابلس.
  • الحدود الزمانية : العام 2020 – 2021 .

الإطار النّظري

تُعدّ الظواهر النفس- جسميّة من أبرز مظاهر التّفاعل بين النّفس والجسد، إذ تتجسّد المعاناة النّفسية في أعراض جسديّة ملموسة. ومن بين هذه الظواهر يبرز التّعب المزمن بوصفه نموذجًا واضحًا لتأثير العوامل النّفسية والاجتماعيّة في صحّة الفرد العامة، خاصة لدى الفئات التي تعيش في بيئات ضغط وتوتر مستمر، كحال النازحين واللاجئين في مناطق النزاع.

يتناول هذا الإطار المفاهيمي مفهوم التّعب المزمن وخصائصه، ويحلّل علاقته باضطرابات القلق في ضوء أبرز النظريات النّفسية الحديثة.

أولًا: مفهوم التّعب المزمن وأبعاده النّفسية

يُعرّف التّعب المزمن  Chronic Fatigue Syndrome ) ) أنّه حالة من الإرهاق الجسدي والنّفسي المستمر الذي يدوم لأكثر من ستة أشهر من دون سبب عضوي محدّد. تظهر الأعراض في شكل ضعف الطّاقة، اضطراب النّوم، آلام عضليّة ومفصليّة، ضعف في التّركيز، وانخفاض الدّافعيّة.

تُشير الدّراسات الحديثة إلى أنّ التّعب المزمن يرتبط بخلل في المحور الوطائي – النّخامي – الكظري

(HPA Axis  )المسؤول عن تنظيم الاستجابة للضغوط النّفسيّة، ما يؤدي إلى اضطراب في مستويات الكورتيزول وتراجع القدرة على المقاومة.

ويرى كلٌّ من عبد الخالق والذّيب (2009) أنّ التّعب المزمن هو انعكاس لحالة نفسيّة عميقة من الإرهاق الذّهني الناتج عن الضغوط الممتدة، وهو أقرب إلى استجابة استسلاميّة للجهاز العصبي تجاه الإجهاد المتكرر. من النّاحية السّريريّة، يتميّز المصابون بالتّعب المزمن بما يلي:

  • شعور دائم بالإنهاك لا يتحسّن بالرّاحة أو النّوم.
  • ضعف في القدرة على التّركيز واتخاذ القرار.
  • تراجع في الأداء الاجتماعي والمهني.
  • أعراض جسديّة متكرّرة من دون أساس عضوي واضح.

ثانيًا: اضطرابات القلق – المفهوم والأنماط

يُعدّ القلق من أكثر الاضطرابات النّفسية انتشارًا عالميًا، إذ تشير تقديرات منظمة الصّحّة العالميّة .

( WHO, 2021) إلى أنّ ما يقارب 301 مليون شخص يعانون من أحد أشكال اضطرابات القلق.

ويُعرّف القلق وفق DSM-5 (2013) ) أنّه حالة من الترقّب المفرط والخوف من المستقبل، تترافق بأعراض جسديّة مثل تسارع نبض القلب، ضيق النّفس، الدّوار، التعرّق، واضطراب النّوم.

تتفرّع اضطرابات القلق إلى فئات عدّة:

اضطراب القلق المعمّم (GAD): قلق دائم غير محدّد المصدر.

اضطراب الهلع (Panic Disorder): نوبات خوف مفاجئة وشديدة.

الرهاب الاجتماعي (Social Phobia): خوف من المواقف الاجتماعيّة.

القلق الانفصالي (Separation Anxiety): قلق من الانفصال عن الأشخاص أو الأماكن المألوفة.

يرى Beck (2012) في نموذجه المعرفي أنّ القلق ينتج عن تشوّهات معرفيّة في طريقة إدراك الفرد للمواقف، إذ يبالغ في تقدير الخطر ويُقلّل من قدرته على المواجهة، ما يؤدي إلى سلسلة من التوترات الانفعاليّة والجسديّة.

ثالثًا: العلاقة بين التّعب المزمن واضطرابات القلق.

تُظهر العديد من الدّراسات تداخلًا واضحًا بين التّعب المزمن واضطرابات القلق. فالإجهاد النّفسي الطويل يؤدي إلى فرط استثارة الجهاز العصبي الذاتي، ما يسبّب خللًا في التنظيم الهرموني والعصبي، وينتج عنه ضعف في المناعة واضطراب في النّوم، وهي أعراض شائعة لدى المصابين بالتّعب المزمن.

من جهة أخرى، يؤدي الشّعور المستمر بالإنهاك إلى تدهور الثقة بالذات، ما يفاقم حالات القلق والخوف من الفشل أو المرض.

وقد أظهرت أبحاث (Ali, 2016؛ Hime, 2017؛ Barrett & Turner, 2001) ) أنّ العلاقة بين التّعب المزمن والقلق علاقة تبادليّة دائريّة؛ فكلٌّ منهما يعزّز الآخر، إذ يؤدي القلق المزمن إلى إنهاك الجهاز العصبي، بينما يكرّس التّعب المزمن حالة القلق عبر الشّعور بالعجز وعدم القدرة على التحكّم.

أمّا في السّياق العربي، فقد كشفت دراسة الحجاوي (2014) أنّ القلق المزمن لدى الأفراد الذين يعيشون ضغوطًا اقتصاديّة، واجتماعيّة عالية يرتبط بظهور أعراض جسدية متكرّرة تشبه متلازمة التّعب المزمن.

رابعًا: النظريات المفسِّرة للتعب المزمن واضطرابات القلق.

  1. النّظريّة التّحليليّة (Freud)

ترى هذه النّظريّة أنّ التّعب المزمن هو نتيجة لصراع لاشعوري بين الرّغبات المكبوتة والمعايير الأخلاقيّة الدّاخليّة، ما يؤدي إلى تفريغ الطاقة النّفسية في الجسد على شكل إنهاك عضوي.

أمّا القلق، فهو إشارة من “الأنا” بوجود تهديد داخلي ناتج عن هذا الصراع، لذلك يُعدُّ التّعب المزمن أحد أشكال التحويل الجسدي للقلق.

  1. 2. النّظريّة السّلوكيّة Skinner, 1953))

تفترض أنّ التّعب المزمن هو سلوك مكتسب نتيجة التعزيز غير المناسب، إذ يتعلّم الفرد أن التّعب يمنحه إعفاءً من المسؤوليات أو تجنّب المواقف المجهدة. ويمكن معالجة هذه الأنماط من خلال إعادة التّعزيز السلوكي وتعليم مهارات المواجهة الفعّالة.

  1. النّظريّة المعرفيّة السّلوكيّة (Beck, 2012)

تُبرز هذه النّظريّة الدور المركزي للأفكار السّلبيّة في نشوء التّعب المزمن والقلق، إذ يميل الأفراد إلى تفسير المواقف اليوميّة على أنّها تهديدات مستمرة تتجاوز قدراتهم، ما يؤدي إلى إنهاك نفسي وجسدي متواصل.

  1. النّظريّة الوجوديّة (Frankl, 2012)

تربط هذه النّظريّة التّعب المزمن بفقدان المعنى في الحياة، فيشعر الفرد بالعجز واللاجدوى في مواجهة الصّعاب، فينعكس هذا الفراغ الوجودي في صورة تعب روحي وجسدي مزمن.

أمّا القلق، فهو هنا قلق وجودي ناتج عن فقدان الهدف والاتجاه في الحياة، ويُعدّ طبيعيًا إلى حدٍّ ما، لكنه قد يتحوّل إلى اضطراب عندما يتفاقم الإحساس بالعبثيّة والضياع.

  1. النّظريّة الإنسانيّة Rogers, 1980))

تنظر إلى التّعب المزمن كإشارة إلى غياب التّوافق بين “الذّات الواقعيّة” و”الذّات المثاليّة”. وكلما زاد هذا التباين، زاد الإحباط النّفسي والقلق، وظهر التّعب كاستجابة دفاعيّة للضغوط.

خامسًا: الإطار المفاهيمي للعلاقة بين المتغيرين.

تُشير النّماذج التّفسيريّة الحديثة إلى أنّ العلاقة بين التّعب المزمن، واضطرابات القلق تقوم على ثلاثة محاور رئيسة:

  1. المحور البيولوجي: يرتبط بخلل التّنظيم العصبي الهرموني النّاتج عن التّوتر المستمر.
  2. المحور النّفسي: يتمثل في أنماط التّفكير السّلبيّة والتّأويل الكارثي للأحداث.
  3. المحور الاجتماعي: يتعلّق بضعف الدّعم الاجتماعي، العزلة، والظروف الاقتصاديّة القاسية.

يُظهر هذا النّموذج أن التّعب المزمن ليس مجرد حالة طبيّة، بل هو نتيجة تفاعل دينامي بين العوامل النّفسية والاجتماعيّة والجسميّة.

وعند تطبيق هذا النّموذج على فئة النازحين، نجد أن هذه العوامل جميعها متوفّرة بكثافة: ضغوط المعيشة، انعدام الأمان، فقدان العمل، والقلق المستمر حول المستقبل، ما يجعلهم بيئة خصبة لظهور التّعب المزمن والاضطرابات القلقة.

المنهج

اعتمدت الدّراسة الحاليّة على المنهج الوصفي التّحليلي، نظرًا لملاءمته لدراسة العلاقات بين المتغيرات النّفسية كما تظهر في الواقع الميداني، خاصة في بيئات النزوح التي يصعب فيها تطبيق المناهج التّجريبيّة.

ويُتيح هذا المنهج توصيف الظاهرة المدروسة بدقّة، وتحليل العلاقة بين التّعب المزمن واضطرابات القلق لدى النازحين السّوريين والفلسطينيين في لبنان.

  1. مجتمع الدّراسة وعينتها

تكوّن مجتمع الدّراسة من النّازحين السّوريين والفلسطينيين جميعهم المقيمين في مدينة طرابلس، والمناطق المحيطة بها (القبة، جبل محسن، التبانة، البداوي، نهر البارد).

أمّا العينة، فقد بلغت (420) مشاركًا اختيروا بطريقة عشوائيّة طبقيّة لضمان تمثيل الجنسين والجنسيتين:

(178) من الذكور

(242) من الإناث

(260) سوريون

(160) فلسطينيون

تتراوح أعمار المشاركين جميعهم بين 18 و55 سنة، ويقيمون في لبنان منذ أكثر من ثلاث سنوات على الأقل.

  1. أدوات الدّراسة: استخدمت الباحثة أداتين أساسيتين:
  • المقياس العربي لمتلازمة التّعب المزمن من إعداد عبد الخالق والذيب (2009)، ويتكوّن من 30 فقرة تقيس مظاهر التّعب الجسدي، النّفسي، والإدراكي، وتمتاز بدرجة ثبات مرتفعة (α = 0.892).
  • مقياس اضطرابات القلق من إعداد الباحثة، والمبني على التّصنيف التّشخيصي DSM-5، ويقيس القلق العام، القلق الاجتماعي، نوبات الهلع، والمخاوف المحددة، وقد بلغ معامل الثّبات الدّاخلي له (α = 0.87)

3.إجراءات الدّراسة

طُبِّقت الأدوات ميدانيًا بعد أخذ موافقة الجمعيات المحليّة في المناطق المذكورة، مع احترام مبدأ السّريّة والرضى الحر للمشاركين.

أُجريت المقابلات الفردية في قاعات مخصصة داخل مراكز الدّعم النّفسي، والاجتماعي التابعة لجمعيّات محليّة في طرابلس.

استغرق جمع البيانات نحو شهرين، وأُدخِلت وحُلِّلت باستخدام برنامج SPSS الإحصائي (الإصدار 25).

4.الأساليب الإحصائيّة: استخدمت الباحثة ما يلي:

– المتوسطات الحسابيّة والانحرافات المعياريّة.

– اختبار T) لدراسة الفروق بين الجنسين).

– تحليل التباين الثنائي (Two-way ANOVA لدراسة أثر الجنس والجنسيّة والتّفاعل بينهما).

ومعامل ارتباط بيرسونearson Correlation) ) لتحديد العلاقة بين التّعب المزمن واضطرابات القلق.

النتائج: أظهرت نتائج التّحليل الإحصائي ما يلي:

النتيجة الأولى: وجود فروق ذات دلالة إحصائيّة في درجات التّعب المزمن تبعًا للجنس (t = 3.91, p < 0.01)، وجاءت الفروق لصالح الإناث، ما يعني أن النّساء النازحات يعانين من مستويات أعلى من الإرهاق المزمن مقارنة بالذكور.

النتيجة الثانية:عدم وجود فروق ذات دلالة تبعًا للجنسيّة (سوري/ فلسطيني) (F = 0.72, p > 0.05)، ما يشير إلى أن الظروف المعيشيّة والنّفسية الصّعبة متشابهة إلى حدٍّ كبير بين المجموعتين.

النتيجة الثالثة: وجود فروق ذات دلالة في اضطرابات القلق تبعًا للجنس والجنسيّة مع وجود تفاعل بين المتغيرين (F = 4.83, p < 0.01).، وقد سجّلت الإناث السوريات أعلى متوسط في درجات القلق العام والقلق الاجتماعي.

النتيجة الرّابعة: وجود علاقة ارتباط موجبة قوية بين التّعب المزمن واضطرابات القلق (r = 0.61, p < 0.01)، ما يدل على أنّه كلما زاد الشّعور بالتّعب المزمن، ارتفع مستوى القلق النّفسي لدى الأفراد.

النتيجة الخامسة (ميدانيّة):من خلال المقابلات الفرديّة، لاحظت الباحثة أن نسبة كبيرة من المشاركين يشكون من أعراض جسديّة (ألم الرأس، ضيق النّفس، ضعف الذاكرة، اضطراب النوم)، من دون أن يكون هناك سبب طبي واضح، وهي مؤشرات تؤكد الطبيعة النّفس- جسميّة لمتلازمة التّعب المزمن.

المناقشة

تتّفق نتائج هذه الدّراسة مع ما توصّلت إليه أبحاث سابقة مثل Hime, 2017) ) و (Ali, 2016) والتي أكدت وجود علاقة وثيقة بين التّعب المزمن واضطرابات القلق في البيئات المعرضة للضّغوط المزمنة.

ويُفسَّر تفوّق الإناث في معدلات التّعب المزمن والقلق بالاستناد إلى الدّور الاجتماعي المزدوج الذي تؤدّيه المرأة النازحة، فهي تتحمّل مسؤولية الأسرة ورعاية الأبناء إلى جانب ضغوط الفقر والتشرّد، ما يضاعف من إجهادها النّفسي والجسدي.

أمّا عدم وجود فروق تبعًا للجنسيّة، فيُشير إلى أنّ الظروف المعيشيّة في لبنان تُنتج نمطًا موحّدًا من الضّغوط النّفسية بصرف النّظر عن الخلفيّة القوميّة أو الثقافيّة، ما يعكس الأثر العميق للبيئة الاجتماعيّة اللبنانيّة الحاليّة على النازحين جميعًا.

تؤكد العلاقة الارتباطيّة الموجبة بين التّعب المزمن، والقلق ما أشارت إليه النّظريّة المعرفيّة السّلوكيّة من أن تراكم الأفكار السّلبيّة حول الذات والعجز يولّد دوّامة من القلق المستمر والإنهاك.

كما تدعم هذه النتيجة التفسير الوجودي القائل إن فقدان الإحساس بالمعنى في الحياة يولّد نوعًا من “الفراغ النّفسي” الذي يتحوّل إلى تعب وجودي مزمن.

من جهة أخرى، توضح المقابلات الميدانيّة أنّ كثيرًا من النازحين يعانون من تجارب صادمة مثل فقدان أفراد الأسرة أو فقدان المسكن، ما يجعلهم يعيشون حالة يقظة نفسيّة دائمة، تتجلّى في اضطرابات النوم، فرط الحساسيّة، وضعف التركيز،  وهي أعراض مشتركة بين التّعب المزمن والقلق.

يمكن القول إنّ النازح يعيش تحت ضغط دائم بين الحاضر والمستقبل: الحاضر المثقل بالحرمان، والمستقبل المجهول. هذه الازدواجيّة تشكّل بيئة خصبة لولادة التّعب النّفسي المزمن.

تنسجم نتائج هذه الدّراسة مع واقع المجتمع اللبناني الذي يشهد بدوره أزمة اقتصاديّة ومعيشيّة خانقة، ما يجعل الضّغط النّفسي ظاهرة شائعة تتعدّى حدود فئة النازحين لتشمل شرائح واسعة من المجتمع.

غير أنّ معاناة النازحين تبقى أكثر حدّة بسبب هشاشة وضعهم القانوني والاجتماعي، ما يضاعف خطر تحوّل التّعب النّفسي إلى اضطراب مزمن يهدّد صحتهم النّفسية والجسدية على المدى الطويل.

الخاتمة والتوصيات

أظهرت الدّراسة الحالية أنّ التّعب المزمن يُعدّ أحد المؤشرات النّفسيّة المهمّة الدالّة على عمق المعاناة الإنسانية لدى النازحين السّوريين والفلسطينيين في لبنان، وأنّ هذا التّعب يتداخل بصورة وثيقة مع اضطرابات القلق.

يعيش النازح في دائرة مغلقة من الإرهاق الجسدي والذّهني الناتج عن الحرمان، الخوف، والضغوط المستمرة، ما يؤثر سلبًا على أدائه النّفسي والاجتماعي. وقد بيّنت النتائج أنّ الإناث أكثر عرضة لهذا النوع من الإنهاك، وأنّ العلاقة بين التّعب المزمن والقلق علاقة طردية قوية، ما يعني أنّ ارتفاع أحدهما يرافقه ارتفاع الآخر.

تُظهر هذه النتائج الحاجة الماسة إلى تدخلات نفسيّة واجتماعيّة شاملة تُعنى بالفئات النّازحة، ولا سيما النساء والأطفال، عبر برامج دعم مستمرة. كما تكشف ضرورة إدماج مفاهيم الصّحّة النّفسية في سياسات المؤسسات العاملة في مجال الإغاثة.

أولًا: دلالات نظرية

تبرهن هذه الدّراسة أهمية إدماج العوامل النّفسية والاجتماعيّة في فهم ظاهرة التّعب المزمن، التي لم تعد تُفسَّر طبيًا فحسب، بل تُفهم بوصفها استجابة تكيفية فاشلة لظروف ضاغطة طويلة الأمد.

وتؤكد أنّ معالجة اضطرابات القلق لا يمكن أن تكون فعالة من دون معالجة جذور الإجهاد النّفسي المتراكم لدى الأفراد المتضررين من النزوح.

ثانيًا: توصيات عمليّة

  1. تعزيز خدمات الدّعم النّفسي الاجتماعي في مخيمات ومراكز النّزوح بالتّعاون بين وزارة الشّؤون الاجتماعيّة والمنظمات الدّوليّة.
  2. تنظيم ورش عمل تدريبيّة للعاملين في المجال الإنساني حول التعرف المبكر إلى أعراض التّعب المزمن والقلق.
  3. تطبيق برامج وقائيّة تعتمد على الإرشاد النّفسي الجماعي وتقنيات الاسترخاء والتّعبير الانفعالي.
  4. تطوير سياسات تعليميّة وصحيّة تراعي الصّحّة النّفسية للنازحين والأطفال المتأثرين بالنزوح.
  5. تشجيع البحث العلمي المحلي حول التأثيرات النّفسية للنزوح في لبنان لتوفير بيانات دقيقة تساعد في صياغة تدخلات مستدامة.

ثالثًا: اقتراحات لأبحاث مستقبلية

دراسة العلاقة بين التّعب المزمن والاكتئاب في بيئات النزوح الممتدة.

بحث دور الدّعم الاجتماعي والأسري كعامل واقٍ من الإرهاق النّفسي.

إجراء دراسات مقارنة بين النازحين المقيمين داخل المخيمات وخارجها لقياس الفروق في مستوى القلق والتّعب.

ختامًا، تبرز هذه الدّراسة أهمية المقاربة الإنسانية في علم النفس، إذ لا يمكن فصل الأرقام والإحصاءات عن الواقع اليومي للنازحين، إذ تتجسّد الأزمات في أجسادهم وعقولهم. ومن هنا تأتي أهمّيّة أن يكون العلاج النّفسي ليس فقط علاجًا للأعراض، بل ترميمًا للكرامة الإنسانيّة في ظلّ واقع اجتماعي قاسٍ.

المراجع:

1-عبد الخالق، أحمد محمد، والذيب، سماح أحمد. (2009). المقياس العربي لمتلازمة التّعب المزمن. القاهرة: دار المعرفة الجامعية.

2-علي، محمد. (2016). الاضطرابات النّفسية لدى اللاجئين والنازحين: دراسة في ضوء الضغوط الاجتماعيّة. عمان: دار الفكر.

3-الحجاوي، إبراهيم. (2014). القلق النّفسي في ضوء النظريات الحديثة. عمان: دار صفاء للنشر والتوزيع.

-4Beck, A. T. (2012). Cognitive Therapy and Emotional Disorders. New York: Penguin Books.

-5Barrett, P., & Turner, C. (2001). Anxiety Disorders and Stress in Refugee Populations. Journal of Mental Health, 10(2), 45–53.

 

-6Frankl, V. (2012). Man’s Search for Meaning. Boston: Beacon Press.

-7Hime, K. (2017). Childhood Trauma and Chronic Fatigue Syndrome. Journal of Psychosomatic Research, 92(3), 1387–1395.

-8Lawrie, S. M. (2015). Behavioral Patterns of Fatigue and Learned Helplessness. Clinical Psychology Review, 29(4), 233–246.

-9Reynolds, K. (2014). Chronic Fatigue and Anxiety Symptoms among Displaced Populations. Journal of Behavioral Science, 275(4), 409–417.

-10World Health Organization. (2021). Global Report on Mental Health and Anxiety Disorders. Geneva: WHO Press.

 

 

 

-[1] أستاذة محاضرة في الجامعة اللبنانيّة – بيروت- لبنان-كلية الصّحة – قسم علم النّفس

Lecturer at the Lebanese University – Beirut – Lebanon – Faculty of Health – Department of Psychology. E-mail: Saroite.chamsine@hotmail.com

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.