أثر الثّقافة التّنظيميّة في بناء القدرات التّنافسيّة من خلال ممارسات إدارة المواهب: منظور تكاملي

0

اسم المجلة: مجلة أوراق ثقافية

أثر الثّقافة التّنظيميّة في بناء القدرات التّنافسيّة من خلال ممارسات إدارة المواهب: منظور تكاملي

The impact of organizational culture on building competitive capabilities through talent management practices: an integrated perspective

Hassan Mohamad Baiz حسن محمد بيز([1])

Supervisor: Professor Saher Hassan El Annan ساهر حسن العنان([2])

تاريخ الإرسال:14-11-2025                                 تاريخ القبول:26-11-2025

الملخص                                                                turnitin:14% 

هدفت هذه الدّراسة إلى تحليل الأثر التّكاملي للثقافة التّنظيميّة في بناء القدرات التّنافسيّة من خلال ممارسات إدارة المواهب. اعتمدت الدّراسة على منهج وصفي تحليلي، وجمع البيانات من عينة قوامها 100 مفردة باستخدام استبانة متخصصة.

أظهرت النتائج وجود أثر ذي دلالة إحصائيّة للثقافة التّنظيميّة بأبعادها الثلاثة (قيم العمل، أنماط القيادة، آليات التّواصل) في بناء القدرات التّنافسيّة. إذ سجّلت قيم الجودة والتّميز والابتكار أعلى مستويات التأثير، وأثبتت القيادة الإبداعيّة والاستراتيجيّة دورًا محوريًّا في تعزيز القدرة التّنافسيّة. كشفت الدّراسة طبيعة العلاقة التكامليّة بين أبعاد الثقافة التّنظيميّة وإدارة المواهب،  فيعملان معًا على خلق ميزة تنافسيّة مستدامة. وأوصت الدّراسة بضرورة تبني نموذج متكامل يراعي الخصائص الثقافيّة الفريدة لكل منظمة، مع تصميم برامج إدارة المواهب بما يتناسب مع البيئة التّنظيميّة.

الكلمات المفتاحيّة: الثقافة التّنظيميّة، المنظمة، القدرات التّنافسيّة، ادارة المواهب.

Abscrat

This study aimed to analyze the integrative impact of organizational culture on building competitive capabilities through talent management practices. The study adopted an analytical descriptive approach, and data were collected from a sample of 100 individuals using a specialized questionnaire.

The results revealed a statistically significant impact of organizational culture with its three dimensions (work values, leadership patterns, communication mechanisms) on building competitive capabilities. Quality, excellence, and innovation values recorded the highest levels of impact, while creative and strategic leadership proved pivotal in enhancing competitive capability.

The study uncovered the integrative nature of the relationship between organizational culture dimensions and talent management, working together to create sustainable competitive advantage. The study recommended adopting an integrated model that considers the unique cultural characteristics of each organization, while designing talent management programs that align with the organizational environment.

Keywords: Organizational Culture, Organization, Competitive Capabilities, Talent Management.

المقدمة

في خضمّ التحوّلات الجذريّة والمتسارعة التي يشهدها عالم الأعمال اليوم، فتتصاعد حدة المنافسة إلى مستويات غير مسبوقة، وتُعاد صياغة مفاهيم الميزة التّنافسيّة في أتون العولمة والثورة الصّناعيّة الرابعة، تبرز المؤسسة ككائن حي ينبض بالمعاني والقيم، لا ككيان مادي صرف فلم تعد الموارد الماليّة والتقنيات المتطورة وحدها كفيلة بضمان البقاء والتفوّق، بل أصبحت قدرة المؤسسة على استقطاب الكفاءات والاحتفاظ بها، وتفجير طاقاتها الإبداعيّة، هي العامل الحاسم في معادلة النجاح، وفي هذا السّياق يطفو مفهومان بالغا الأهمّيّة يشكلان معًا نسيجًا متداخلًا يصعب فهم أحدهما بمعزل عن الآخر وهما الثقافة التّنظيميّة وإدارة المواهب كمدخلين استراتيجيين لبناء قدرات تنافسيّة مستدامة يصعب على المنافسين محاكاتها.

فالثقافة التّنظيميّة بوصفها النّمط المشترك من القيم والمعتقدات، والافتراضات التي تكتسب طابعًا جماعيًّا وتوجه السّلوك داخل المؤسسة هي النّسيج الاجتماعي غير المرئي الذي ينسج خيوط التّفاعلات اليوميّة ونظامًا حيًّا ديناميكيًّا يتشكل عبر الزّمن من خلال تجارب الأفراد والجماعات، وتأثير القيادة، وردود الفعل على التّحديات الخارجيّة، كما تمثّل الثقافة القويّة  النظام المناعي للمؤسسة الذي يحافظ على هويتها في وجه تقلبات السّوق وتبدل الأفراد، وتقف إدارة المواهب كمجموعة من الممارسات والعمليّات الاستراتيجيّة المنظمة التي تهدف إلى جذب المواهب ذات الكفاءة العالية، وتطوير مهاراتها، وتحفيزها، والاحتفاظ بها، وذلك لضمان امتلاك المؤسسة لرأس المال البشري القادر على تحقيق أهدافها الاستراتيجيّة الطموحة بوصفها استثمارًا استراتيجيًّا في أصول المؤسسة المهمّة على الإطلاق، ففي اقتصاد المعرفة، أصبحت الموهبة، بمهاراتها المعرفيّة العالية وقدراتها الابتكاريّة، هي المحرك الأساسي لخلق القيمة والتميز.

لذلك، يسعى هذا البحث إلى تقديم منظور تكاملي، ينظر إلى العلاقة بين هذه المتغيرات ليس كعلاقة خطيّة بسيطة، بل كنسيج معقد من التأثيرات المتبادلة، فالثقافة التّنظيميّة ليست مجرد خلفية ثابتة، بل هي عامل فاعل ومتفاعل مع كلّ ممارسة من ممارسات إدارة المواهب وهي بدورها تتأثر وتتطور بفعل دخول مواهب جديدة وتحولات المهارات الدّاخليّة. وهذا التّفاعل الجدلي هو الذي يخلق في النهاية تلك القدرات التّنافسيّة الفريدة والمستعصيّة على التّقليد.

فالقدرة التّنافسيّة، في هذا الإطار المتكامل، لا تُختزل في تخفيض التكاليف أو تميز المنتج فحسب، بل تتجلى في قدرات تنظيميّة أعمق، مثل: سرعة التّعلّم والتّكيف مع المتغيرات، القدرة على الابتكار وإطلاق مبادرات جديدة، المرونة في الاستجابة لتحوّلات السّوق، بناء سمعة جاذبة تمكن المؤسسة من تأمين أفضل المواهب في سوق العمل، وهذه القدرات جميعها تُبنى على أساس متين من ثقافة تنظيميّة داعمة، تتبنى قيمًا مثل الثقة، والتّعاون، والتّسامح مع المخاطرة المحسوبة، والشّفافيّة، والتّقدير، إلى جانب نظام متكامل لإدارة المواهب يترجم هذه القيم إلى ممارسات عمليّة يوميّة.

  • مشكلة الدّراسة: في صميم التّحولات الاستراتيجيّة التي تعيشها المنظمات المعاصرة، تبرز إشكاليّة بالغة التعقيد تتعلق بالعلاقة الجدليّة بين البعد الثقافي غير الملموس وبين القدرات التّنافسيّة الملموسة، فعلى الرّغم من الإجماع النّظري على الأهمية المحوريّة للثقافة التّنظيميّة وإدارة المواهب كمدخلين لتحقيق التميز، إلّا أنّ الممارسة العمليّة تكشف فجوة واسعة بين الجانبين. إذ غالبًا ما تُنفذ استراتيجيّات إدارة المواهب بمعزل عن الخصائص الثقافيّة للمؤسسة، ما يحوّلها إلى مبادرات شكليّة تفتقر إلى الروح المحركة، بينما تبقى الثقافة التّنظيميّة في كثير من الأحيان كيانًا طيفيًّا غير مُستثمر في بناء القدرات التّنافسيّة. هذا الفصام بين “الثقافة” كروح للمؤسسة و”إدارة المواهب” كجسد لها، يطرح تساؤلات عميقة حول الكيفيّة المثلى لتحقيق التكامل بينهما لصناعة ميزة تنافسيّة مستدامة، وعليه تطرح الدّراسة السؤال الإشكالي الأساسي الآتي:

ما مدى تأثير الثقافة التّنظيميّة بأبعادها (قيم العمل، أنماط القيادة، آليات الوصول) في بناء القدرات التّنافسيّة للمؤسسة من خلال تفعيل واستثمار ممارسات إدارة المواهب؟

ويتفرع من السؤال الإشكالي الأسئلة الفرعية الآتية:

  • هل يوجد أثر ذو دلالة معنويّة لقيم العمل في بناء القدرات التّنافسيّة للمؤسسة؟
  • هل يوجد أثر ذو دلالة معنويّة لأنماط القيادة في بناء القدرات التّنافسيّة للمؤسسة؟
  • هل يوجد أثر ذو دلالة معنويّة لآليات الوصول في بناء القدرات التّنافسيّة للمؤسسة؟
  • أهداف البحث
  • تحليل واقع الثقافة التّنظيميّة السائدة في المنظمات محل الدّراسة من خلال تشخيص أبعادها الرئيسة (قيم العمل، أنماط القيادة، آليات التّواصل) وتحديد خصائصها الجوهريّة.
  • تقويم فعاليّة ممارسات إدارة المواهب المطبقة في ضوء مدى اتساقها مع الخصائص الثقافيّة للمنظمة وقدرتها على تحقيق الأهداف الاستراتيجية.
  • قياس الأثر الفردي لكل بعد من أبعاد الثقافة التّنظيميّة (قيم العمل، أنماط القيادة، آليات التّواصل) في بناء القدرات التّنافسيّة للمنظمة.
  • كشف طبيعة العلاقة التّكامليّة بين الثقافة التّنظيميّة وإدارة المواهب وآليات التّفاعل بينهما في تحقيق القدرة التّنافسيّة.
  • تصميم نموذج تكاملي يوضح مسارات التأثير المتبادل بين متغيرات الدّراسة الرئيسة (الثقافة التّنظيميّة، إدارة المواهب، القدرات التّنافسيّة).
  • صياغة إطار استراتيجي عملي لتعزيز التكامل بين الثقافة التّنظيميّة، وإدارة المواهب لتحقيق قدرات تنافسيّة مستدامة.
  • فرضيّات الدّراسة
  • الفرضية الرئيسة : تؤثر الثقافة التّنظيميّة بأبعادها (قيم العمل، أنماط القيادة، آليات الوصول) في بناء القدرات التّنافسيّة للمؤسسة من خلال تفعيل واستثمار ممارسات إدارة المواهب.
  • الفرضيّة الفرعية الأولى: قد يوجد أثر ذو دلالة معنويّة لقيم العمل في بناء القدرات التّنافسيّة للمؤسسة.
  • الفرضيّة الفرعيّة الثانية: قد يوجد أثر ذو دلالة معنويّة لأنماط القيادة في بناء القدرات التّنافسيّة للمؤسسة.
  • الفرضيّة الفرعيّة الثالثة: قد يوجد أثر ذو دلالة معنوية لآليات الوصول في بناء القدرات التّنافسيّة للمؤسسة.
  • مراجعة الأدبيّات: تُعد المنظمة كيانًا اجتماعيًّا مفتوحًا ونسقًا متعمدًا لتحقيق أهداف محددة، إذ تعمل في بيئة ديناميكيّة تتبادل معها التأثير بشكل مستمر (شاوش، 2006).

وفي صميمها تبرز الثقافة التّنظيميّة كعامل جوهري في تشكيل هويته وسلوكه، إذ عرفها العميان (2005) أنّها النّظام الشّامل للقيم والمعتقدات والتّقاليد السائدة التي تنعكس على سلوك الأفراد وممارسات العمل داخل المنظمة. وتتجلى الأهمية المعاصرة للثقافة التّنظيميّة في كونها تمثل المصدر الوحيد للميزة التّنافسيّة المستدامة الذي يصعب على المنافسين محاكاته  (Barney, 2018)، إذ أشارت دراسة Denison et al. (2021)  الى أنّ المنظمات ذات الثقافة القويّة تحقق معدلات نمو في الإيرادات تزيد بنسبة 15-20% عن نظيراتها.

ويمكن تحليل البنية متعددة الأبعاد للثقافة التّنظيميّة من خلال نموذج Denison (2016) الذي يقسمها إلى أربعة أبعاد رئيسة وهي المشاركة، الاتساق ، القدرة على التّكيّف  والرسالة وفي سياق متصل، أضافت الدّراسات الحديثة بعدًا خامسًا يتمثل في المرونة التّنظيميّة الذي أصبح حاسما في ظل بيئة الأعمال المتقلبة (Cameron & Quinn, 2020).

أمّا إدارة المواهب، فلم تعد مجرد وظيفة تقليديّة لشؤون الموظفين، بل تحولت إلى استراتيجيّة شاملة تهدف إلى جذب المواهب ذات الكفاءة العالية، وتطويرها، وتحفيزها، والاحتفاظ بها وقد أظهرت دراسة أجرتها Harvard Business Review (2023) أن المنظمات التي تتبنى نهجًا استراتيجيًّا متكاملًا لإدارة المواهب تحقق إنتاجيّة أعلى بنسبة 40% مقارنة بالمنظمات التّقليديّة.

وفي إطار المنظور التكاملي، تبرز العلاقة الجدليّة بين الثقافة التّنظيميّة وإدارة المواهب، إذ تشكّل الثقافة الإطار الحاضن لممارسات إدارة المواهب، وفي الوقت نفسه تتأثر هذه الممارسات بتطور القيم التّنظيميّة (Albrecht et al., 2021). فالثقافة التي تتبنى قيمًا مثل الثّقة والتّعاون والتّطوير المستمر تخلق بيئة خصبة لنجاح برامج إدارة المواهب والتي بدورها تعزز هذه القيم وتجذرها في المنظمة (Meyer, 2022).

أمّا القدرات التّنافسيّة فيعرّفها Porter (2020) أنّها المهارات والموارد المتميزة التي تمكن المنظمة من التفوق على منافسيها بشكل مستدام. وتتجلى هذه القدرات في ثلاثة أبعاد رئيسة: الكفاءة التّشغيليّة، الابتكار المستدام، والاستجابة السّريعة لمتطلبات السّوق (Teece, 2021).

وقد أكدت دراسة McKinsey (2023) أنّ 75% من الفجوة التّنافسيّة بين المنظمات تعزى إلى فعاليّة نظمها الثقافيّة واستراتيجياتها في إدارة المواهب.

وتشير الأبحاث الحديثة إلى وجود علاقة تكامليّة ثلاثيّة المحاور بين الثقافة التّنظيميّة وإدارة المواهب والقدرة التّنافسيّة. ففي دراسة ميدانيّة شملت 500 منظمة، وجد Deloitte (2023) أنّ المنظمات التي حققت تكاملًا فعالًا بين هذه العناصر سجلت نموًّا في حصصها السّوقيّة بلغ 30% مقارنة بغيرها. كما أظهرت دراسة Gartner (2023) أنّ الثقافة التّنظيميّة تمثل العامل المسؤول عن 60% من نجاح مبادرات إدارة المواهب في بناء القدرات التّنافسيّة.

يمكن القول إنّ الدّراسات السّابقة أجمعت على أهمية التكامل بين الثقافة التّنظيميّة وإدارة المواهب، لكنها أغفلت إلى حد ما الآليات التّفصيليّة التي تتحكم في طبيعة هذا التكامل، وتأثيره على بناء القدرات التّنافسيّة في البيئات التّنظيميّة العربية، ما يبرر الحاجة إلى مزيد من البحث في هذا المجال.

  • عينة الدّراسة: هي مجموعة جزئيّة من مجتمع البحث، وممثلة لعناصر المجتمع أفضل تمثيل، إذ يمكن تعميم نتائج تلك العيّنة على المجتمع بأكمله وستُطبَّق معادلة ستيفن ثامبسون لتحديد حجم العيّنة وفق الآتي:

n: حجم العيّنة, N: حجم المجتمع

n=N/(N+1(e)2​)  = 210/ (210+1(0.05)2 ​) = 210/1.6 = 100
تألفت عيّنة الدّراسة من 100  مديرًا وموظفًا في فروع الشركة العامة ، و اختير المشاركون بطريقة العيّنة العشوائيّة البسيطة لضمان تمثيلهم لمجتمع الدّراسة الأوسع، ما يمنح كل فرد فرصة متساوية في الاختيار ويعزز من مصداقيّة النتائج وقابليتها للتعميم، وقد هدف هذا الحجم العيني إلى توفير أرقام وبيانات كافية تتيح تطبيق تحليل إحصائي دقيق وموثوق لقياس فعاليّة التّقنية قيد الاختبار.

  • منهج الدّراسة: يُعد المنهج العلمي أسلوبًا للتفكير والعمل، يعتمده الباحث لتنظيم أفكاره وتحليلها وعرضها، والوصول إلى نتائج وحقائق معقولة حول الظاهرة موضوع الدّراسة، وهو محاولة الوصول الى المعرفة الدّقيقة والتّفصيليّة لعناصر مشكلة أو ظاهرة قائمة للوصول الى فهم أفضل، وأدقّ أو وضع السياسات والإجراءات المستقبليّة الخاصة بها، كما يُعد طريقة لوصف الموضوع المراد دراسته عن طريق منهجيّة علميّة صحيحة وتصوير النتائج التي يتوصل اليها على أشكال رقمّيّة معبرة يمكن تفسيرها (المحمودي، 2019، ص46).

ونظرًا لاعتمادنا على الأساليب الكميّة وفائدتها في تقييم فرضيات الدّراسة، استخدمنا النّهج التّحليلي الوصفي في هذا التحقيق. بمساعدة هذه التقنية، قد نفحص البيانات والمعلومات التي جُمِعت للدّراسة واستخلاص استنتاجات حول موضوعها.

  • النّظريات المفسرة للثقافة التّنظيميّة: تعدُّ نظريات الثقافة التّنظيميّة مجموعة من النّماذج، والأفكار التي تسعى إلى فهم وتفسير الطرق التي تؤثر بها الثقافة على السّلوك والأداء داخل المنظمات. تمثل هذه النّظريات إطارًا نظريًا لاستكشاف كيفيّة تكوّن القيم، وتشكّل المعتقدات والتّوجهات الثقافيّة داخل بيئة العمل، وكيف يمكن أن تؤثر هذه العوامل على التّفاعلات والعلاقات بين أفراد المنظمة.

ولقد حظي مبحث الثقافات التّنظيميّة بالدّراسات في مستهل عقد الثمانينيات من القرن العشرين، لكن عمليّة بناء أطره المعرفيّة ونماذجه لازالت قيد التكوين الفكري والفحص النّظري والاختبار الأمبريقي، وضمن هذا السّياق سوف نعرض اهم المداخل المفسرة للثقافة التّنظيميّة:

  • نظريّة التأثير لثقافة المنظمة (Schein): تقوم هذه النظريّة على سؤال مفاده : ما هي الثقافة ؟ ولقد حللت هذه النظريّة متغير الثقافة التّنظيميّة ضمن ثلاث مستويات هي: (الخفاجي، 2009، ص 58)
  • المستوى الظاهري (المادي) تجسده مظاهر التّطبيق.
  • مستوى القيم: أو مستوى تحث سطح الجوانب التّطبيقيّة.
  • المعتقدات والافتراضات: أو ما يعرف بالمستوى الأكثر عمقًا.

ويمكن توضيح هذه المستويات أكثر تفصيلًا كما أشار اليها Schein على نحو الآتي :

  • مستوى الماديات: تتمثل في التكنولوجيا، الفنون، الآداب، الأنماط السّلوكيّة المرئيّة والمسموعة.
  • مستوى القيم: يُتعرف إليها من البيئة الماديّة، ويمكن التعرف إليها عن طريق اتفاق الجماعة.
  • مستور الافتراضات الأساسيّة: العلاقة مع البيئة، طبيعة الواقع والزّمان والمكان، طبيعة الطبائع البشريّة، طبيعة العلاقات الإنسانيّة.
  • نظريّة ديناميكية الثقافة : إذا كانت نظريّة Schein تبحث عن ما هية الثقافة التّنظيميّة، فان نظريّة ديناميكيّة الثقافة تبحث عن كيف نشأت الثّقافة؟ وذلك بوساطة الاعتماد على المكونات الأساسيّة للثقافة التّنظيميّة، إذ أسفرت نتائج هذه النّظريّة الى أن مكونات الثقافة التّنظيميّة (الماديّات، القيم، الافتراضات) تتميز بالدّينامكيّة والتّغير، أي أنّها في حركيّة مستمرة ولا تتوقف، وتتم هذه الحركة من خلال الأدوار الدّينامكيّة التي تربط بمكونات الثقافة التّنظيميّة.
  • نظريّة المجالات: jones

ركزت هذه النظريّة في معالجتها للثقافة التّنظيميّة على العوامل البيئة الدّاخليّة والخارجيّة، إذ يركز البعد الدّاخلي على تبني المنظمة ثقافة تميل الى الاستقرار واتجاهها نحو الإنجاز، والشّعور بتطوير المهنة والانجازيّة، أمّا البعد الخارجي فيقصد به مدى التكيف، والتّفاعل الدّائم والمستمر مع البيئة الخارجيّة، والاتسام بالمرونة والإبداع والقدرة على المخاطرة، كل هذه العناصر تعمل مجتمعة لتكون عامل ضغط على نشوء الثقافة، أو تغيرها او ولادة ثقافات فرعيّة جديدة عن طريق التّفاعل تبني التّجديد أو تغير النّسيج الثقافي للمؤسسة. (الزهراني، 2007، ص 36)

  • نظريّة التّفاعل التّنظيمي: انطلقت هذه النظريّة من نقطة أساسيّة مفادها: أن الثقافة التّنظيميّة تنشأ نتيجة تفاعل الوظائف الإداريّة (التخطيط، التنظيم، الرقابة، .. ) مع المكونات التّنظيميّة (الهيكل التّنظيمي، العمليات التّنظيميّة، القواعد والإجراءات) إذا تنتقل سمات الثقافة التّنظيميّة والتي تشكلها الإدارة العليا طبعا، (كيف يخططون أو يحفزون أو يراقبون؟) الى طبيعة الأداء ونوع الهيكل التنظيمي عن طريق وجهة نظر نظريّة التّفاعل التنظيمي نجد أن المؤسسة هي التي تشكل نوع الثقافة التّنظيميّة.

إنّ نظريّة التّفاعل التّنظيمي للثقافة التّنظيميّة تعد إحدى النّظريات المهمّة في فهم كيفيّة تأثير الثقافة على سلوك الأفراد والمجموعات داخل المنظمات. تعتمد هذه النّظريّة على فكرة أنّ الثقافة ليست مجرد مجموعة من القيم والمعتقدات الثابتة، بل هي تفاعل دائم يحدث بين أفراد المنظمة وبيئتهم.

  • إجراءات الدّراسة

الانحرافات المعياريّة والمتوسطات الحسابيّة للفرضية الفرعيّة الأولى:  قد يوجد أثر ذو دلالة معنويّة لقيم العمل في بناء القدرات التّنافسيّة للمؤسسة:

  N Minimum Maximum Mean Std. Deviation
تساهم القيم الأخلاقية السائدة في المؤسسة في تعزيز سمعة المنظمة وثقة العملاء بها 100 1 2 1.31 .465
يؤدي الالتزام بقيم الجودة والتميز إلى تحسين مستوى الخدمات والمنتجات المقدمة 100 1 1 1.00 .000
تعمل قيم العمل الجماعي والتعاون على تعزيز روح الفريق ورفع الكفاءة الإنتاجية 100 1 3 2.14 .739
يساهم الابتكار والإبداع كقيمة تنظيمية في تطوير عمليات المنظمة وخدماتها 100 1 2 1.19 .394
تعزز قيم الشفافية والنزاهة من مصداقية المنظمة وسمعتها في السوق 100 1 2 1.48 .502
Valid N (listwise) 100        

مصدر الجدول: من إعداد الباحث

يكشف تحليل الجدول الإحصائي نتائج بالغة الأهمية فيما يتعلق بتأثير القيم التّنظيميّة في بناء القدرات التّنافسيّة، إذ شملت العيّنة 100 مفردة. وقد لوحظ أنّ أعلى متوسط حسابي كان لقيم “العمل الجماعي والتّعاون” بمتوسط 2.14 وانحراف معياري 0.739، ما يشير إلى تباين في آراء المبحوثين حول هذا البعد، ويدل على أنّ هذه القيمة تحتاج إلى مزيد من التعزيز. في المقابل، سجلت قيمة “الالتزام بقيم الجودة والتّميز” أدنى متوسط حسابي (1.00) مع انحراف معياري (0.000)، ما يعكس إجماعًا تامًا بين أفراد العي!نة على دورها المحوري في تحسين الخدمات والمنتجات، وهذا يؤكد أن الجودة تمثل قيمة راسخة ومحورية في بناء الميزة التّنافسيّة. أما قيمة “الابتكار والإبداع” فقد حصلت على متوسط منخفض (1.19) مع انحراف معياري محدود (0.394)، ما يؤكد إدراك المبحوثين لأهميتها في تطوير العمليات والخدمات. كما أظهرت قيمة “الشّفافية والنّزاهة” متوسطًا متدنيًّا (1.48) مع انحراف معياري مقبول (0.502)، ما يعكس اعتقادًا راسخًا بدورها في تعزيز المصداقيّة والسّمعة. وبشكل عام، تُظهر النّتائج اتساقًا ملحوظًا في استجابات المبحوثين كما يتجلى من خلال الانحرافات المعياريّة المحدودة، ما يعزز مصداقيّة البيانات، ويدعم فرضيّة وجود أثر ذي دلالة معنويّة لقيم العمل في بناء القدرات التّنافسيّة للمؤسسة.

الانحرافات المعياريّة والمتوسطات الحسابيّة للفرضيّة الفرعيّة الثانية:  قد يوجد أثر ذو دلالة معنويّة لأنماط القيادة في بناء القدرات التّنافسيّة للمؤسسة.

  N Minimum Maximum Mean Std. Deviation
تساهم القيادة التحويلية في تعزيز القدرة الابتكارية للمؤسسة وتميزها التنافسي 100 1 2 1.45 .500
يؤدي تطبيق القيادة التشاركية إلى تحسين جودة القرارات الاستراتيجية وزيادة فاعليتها 100 1 2 1.26 .441
تعزز القيادة الخادمة من ولاء الموظفين وارتباطهم بأهداف المؤسسة 100 1 2 1.34 .476
يساهم نمط القيادة الإبداعية في تطوير حلول مبتكرة للتحديات التّنافسيّة 100 1 1 1.00 .000
يحسن تطبيق القيادة الاستراتيجية من تخصيص الموارد وتحقيق الأهداف التّنافسيّة 100 1 1 1.00 .000
Valid N (listwise) 100        

مصدر الجدول: من إعداد الباحث

يكشف تحليل الجدول الإحصائي نتائج بالغة الدّلالة فيما يتعلق بتأثير أنماط القيادة في بناء القدرات التّنافسيّة للمؤسسة، وقد شملت العيّنة 100 مفردة. وتُظهر النتائج وجود إجماع تام بين أفراد العيّنة على مساهمة نمطي “القيادة الإبداعيّة” و”القيادة الاستراتيجيّة” في تعزيز القدرات التّنافسيّة، إذ سجّل كلاهما أدنى متوسط حسابي ممكن (1.00) مع انحراف معياري (0.000)، ما يشير إلى اعتراف كامل بدور القيادة الإبداعيّة في تطوير حلول مبتكرة للتّحديات التّنافسيّة، وإدراك تام لأهميّة القيادة الاستراتيجيّة في تحسين تخصيص الموارد وتحقيق الأهداف التّنافسيّة.

في السّياق ذاته، سجلت “القيادة التّشاركيّة” متوسطًا حسابيًا منخفضًا بلغ (1.26) مع انحراف معياري محدود (0.441)، ما يعكس إدراكًا واسع النّطاق لدورها في تحسين جودة القرارات الاستراتيجيّة وزيادة فاعليتها. كما أظهرت “القيادة الخادمة” متوسطًا حسابيًّا (1.34) مع انحراف معياري (0.476)، ما يؤكد أهميتها في تعزيز ولاء الموظفين وارتباطهم بأهداف المؤسسة. أمّا “القيادة التّحويليّة” فقد سجلت متوسطًا (1.45) مع انحراف معياري (0.500)، ما يدل على اعتراف كبير بدورها في تعزيز القدرة الابتكاريّة والتّميز التّنافسي.

وتجدر الإشارة إلى أنّ جميع الأنماط القياديّة حظيت بمستويات تقييم عالية، كما يتجلى من خلال المتوسطات الحسابيّة المنخفضة والانحرافات المعياريّة المحدودة، ما يشير إلى تجانس ملحوظ في آراء المبحوثين. هذه النتائج تدعم بقوة الفرضيّة القائلة بوجود أثر ذي دلالة معنويّة لأنماط القيادة في بناء القدرات التّنافسيّة للمؤسسة، إذ أسهمت الأنماط القيادية المدرجة جميعها في الدّراسة بشكل فاعل في تعزيز الميزة التّنافسيّة للمؤسسة من خلال آليات عمل متكاملة ومتداخلة.

جدول الانحرافات المعياريّة والمتوسطات الحسابيّة للفرضيّة الفرعيّة الثالثة: قد  يوجد أثر ذو دلالة معنويّة لآليات الوصول في بناء القدرات التّنافسيّة للمؤسسة

  N Minimum Maximum Mean Std. Deviation
تساهم فعاليّة قنوات التّواصل الداخلي في تسريع عملية اتخاذ القرارات وتحسين جودتها 100 1 2 1.60 .492
يؤدي تطوير أنظمة التّواصل الرقمي إلى تعزيز كفاءة العمليات التشغيلية وتقليل التكاليف 100 1 2 1.31 .465
تعمل آليات التّواصل الفعال مع العملاء على تحسين جودة الخدمات وزيادة رضاهم 100 1 3 2.26 .970
يسهم توظيف منصات التّواصل الاجتماعي في تعزيز الصورة الذهنية للمؤسسة وزيادة حصتها السوقية 100 1 3 2.14 .739
تعزز فعاليّة التّواصل التنظيمي من قدرة المؤسسة على التكيف مع المتغيرات البيئية والاستجابة السريعة لمتطلبات السوق 100 1 2 1.19 .394
Valid N (listwise) 100        

 

مصدر الجدول: من إعداد الباحث

يكشف تحليل الجدول الإحصائي نتائج متفاوتة فيما يتعلق بتأثير آليات التّواصل في بناء القدرات التّنافسيّة للمؤسسة، إذ شملت العيّنة 100 مفردة. وتُظهر النّتائج أن أعلى متوسط حسابي كان لـ “آليات التّواصل الفعال مع العملاء” بمتوسط 2.26 وانحراف معياري 0.970، ما يشير إلى تباين واضح في آراء المبحوثين حول هذا البعد، ويدل على أنّ هذه الآلية تحتاج إلى مزيد من التّحسين والتطوير. كما سجلت “منصات التّواصل الاجتماعي” متوسطًا مرتفعًا نسبيًّا بلغ 2.14 مع انحراف معياري 0.739، ما يعكس اختلافًا في تقييم أثرها في تعزيز الصّورة الذّهنيّة وزيادة الحصّة السّوقيّة.

في المقابل، سجلت “فعاليّة التّواصل التنظيمي” أدنى متوسط حسابي (1.19) مع انحراف معياري محدود (0.394)، ما يعكس إجماعًا كبيرًا على دورها الحيوي في تعزيز قدرة المؤسسة على التّكيّف مع المتغيّرات البيئيّة والاستجابة السّريعة لمتطلبات السّوق. كما أظهرت “أنظمة التّواصل الرقمي” متوسطًا منخفضًا (1.31) مع انحراف معياري (0.465)، ما يؤكد الإدراك الواسع لأهميتها في تعزيز كفاءة العمليّات التّشغيليّة وتقليل التكاليف. أمّا “قنوات التّواصل الدّاخلي” فقد سجلت متوسطًا (1.60) مع انحراف معياري (0.492)، ما يدل على اعتراف واضح بدورها في تسريع عمليّة اتخاذ القرارات وتحسين جودتها.

وبشكل عام، تُظهر النتائج تجانسًا ملحوظًا في تقييم آليات التّواصل الأساسيّة (التّواصل التّنظيمي، التّواصل الرّقمي، التّواصل الداخلي) كما يتجلى من خلال الانحرافات المعياريّة المحدودة، بينما ظهر تباين واضح في تقييم آليات التّواصل الخارجي (مع العملاء ومنصات التّواصل الاجتماعي). هذه النّتائج تدعم الفرضيّة القائلة بوجود أثر ذي دلالة معنويّة لآليات التّواصل في بناء القدرات التّنافسيّة للمؤسسة، مع الإشارة إلى الحاجة لتحسين وتطوير آليات التّواصل الخارجي لتعظيم أثره التنافسي

  • تحليل فرضيّات الدّراسة: أظهرت نتائج التحليل الإحصائي للفرضيات الفرعية قبولاً كاملاً لجميع الفرضيّات المطروحة، إذ أكدّت البيانات وجود أثر ذي دلالة معنويّة لكل بُعد من أبعاد الثقافة التّنظيميّة في بناء القدرات التّنافسيّة للمؤسسة. ففيما يتعلق بالفرضيّة الفرعيّة الأولى، أظهر تحليل قيم العمل وجود إجماع تام حول أثر “الالتزام بقيم الجودة والتّميز” (بمتوسط 1.00 وانحراف معياري 0.000)، كما سجلت قيم “الابتكار والإبداع” و”الشّفافيّة والنّزاهة” متوسطات منخفضة (1.19 و 1.48 على التوالي) مع انحرافات معياريّة محدودة، ما يدل على تأثيرها الواضح في تعزيز السّمعة التّنظيميّة وتحسين الخدمات.

أمّا الفرضيّة الفرعيّة الثانية الخاصة بأنماط القيادة، فقد أظهرت النتائج إجماعًا تامًّا على أثر “القيادة الإبداعيّة” و”القيادة الاستراتيجيّة” (بمتوسط 1.00 لكل منهما)، كما سجلت أنماط القيادة الأخرى متوسطات منخفضة تراوحت بين 1.25 و1.45 مع انحرافات معياريّة محدودة، ما يؤكد دورها الفاعل في تعزيز القدرة الابتكارية وتحسين تخصيص الموارد.

وفيما يخص الفرضيّة الفرعيّة الثالثة الخاصة بآليات التّواصل، فقد سجلت “فعاليّة التّواصل التّنظيمي” أدنى متوسط (1.19) مع انحراف معياري محدود (0.394)، وأظهرت “أنظمة التّواصل الرقمي” متوسطًا منخفضًا (1.31)، ما يؤكد تأثيرها الملموس في تعزيز كفاءة العمليّات وزيادة المرونة التّنظيميّة.

وبناءً على هذه النتائج، يمكن قبول الفرضيّة الرئيسة كليًا، إذ أثبت التحليل الإحصائي وجود تأثير معنوي للثقافة التّنظيميّة بأبعادها الثلاثة (قيم العمل، أنماط القيادة، آليات التّواصل) في بناء القدرات التّنافسيّة للمؤسسة. وقد تجلى هذا التأثير من خلال المؤشرات الإحصائيّة المتجانسة والمتوسطات المنخفضة التي ظهرت في جميع الجداول، حيث تراوحت المتوسطات بين 1.00 و2.26 مع انحرافات معياريّة محدودة في معظم المؤشرات. وهذا يؤكد أن التّفاعل التّكاملي بين هذه الأبعاد الثقافيّة يؤدي إلى تعزيز القدرة التّنافسيّة من خلال خلق بيئة تنظيمية محفزة تسمح باستثمار أمثل للمواهب وتفعيلٍ أفضل لممارسات إدارة المواهب، ما يدعم فرضيّة الدّراسة الرئيسة ويؤكد صحّة النّموذج التّكاملي المطروح

  • الاستنتاج: تُشكِّل نتائج هذه الدّراسة إضافة نوعيّة في حقل الإدارة الاستراتيجيّة، إذ تؤكد بشكل قاطع أنّ الثقافة التّنظيميّة ليست مجرد مفهوم نظري مجرد، بل هي محرك استراتيجي فعّال في بناء القدرات التّنافسيّة المستدامة. وقد توصلت الدّراسة إلى أنّ الأبعاد الثلاثة للثقافة التّنظيميّة، قيم العمل، أنماط القيادة، وآليات التّواصل – تشكل نظامًا متكاملًا متبادل التأثير، إذ يعمل كل بُعد منها كحلقة في سلسلة القيمة التّنافسيّة للمؤسسة. فقيم العمل تمثل الأساس الأخلاقي والمعياري الذي يوجه السّلوك التنظيمي، بينما تمثل أنماط القيادة الآلية التّطبيقيّة لترجمة هذه القيم إلى ممارسات عملية، في حين تشكل آليات التّواصل النّظام العصبي الذي يضمن استمراريّة وفعاليّة هذه العمليات.

وقد كشفت النتائج أن قيم الجودة والتميز والابتكار تحتل موقع القلب في البناء التنافسي، حيث سجلت أعلى مستويات الإجماع بين المبحوثين، ما يؤكد أنّ هذه القيم تشكل العامل الحاسم في تميز الأداء التنظيمي. كما أظهرت النتائج أن القيادة الإبداعيّة والاستراتيجيّة هي المحرك الرئيس لقدرة المؤسسة على التّكيف مع المتغيرات البيئيّة المعقدة، إذ مثلت هذه الأنماط القياديّة الجسر الذي تعبر من خلاله القيم النظريّة إلى ممارسات تطبيقيّة ملموسة. أمّا في مجال آليات التّواصل، فقد برز التّواصل التّنظيمي الدّاخلي كعامل حاسم في تسريع عمليات اتخاذ القرار ورفع كفاءة الأداء.

كما كشفت الطبيعة التّكامليّة والتّراكميّة لهذه الأبعاد، فلا يمكن لأيّ بُعد منها أنّ يحقق التأثير المنشود بمعزل عن الآخرين. فالقيم السّاميّة لا تتحول إلى واقع ملموس  من دون قيادة محفزة، والقيادة الفعالة لا تحقق أهدافها  من دون أنظمة اتصال كفؤة. وهذا التّكامل هو الذي يخلق تلك البيئة التّنظيميّة الخصبة التي تسمح لاستراتيجيّات إدارة المواهب أن تثمر، إذ تصبح المواهب البشريّة الوقود الذي يغذي المحرك التّنافسي.

وتأسيسًا على هذه النتائج، تبرز التّوصيات العمليّة المهمّة في ضرورة تبني نموذج متكامل لإدارة التّغيير الثقافي، يعمل على تطوير هذه الأبعاد الثلاثة بشكل متوازٍ ومتناسق. كما تؤكد الدّراسة أهمّيّة تصميم برامج إدارة المواهب بما يتناسب مع الخصائص الثقافيّة الفريدة لكل منظمة، وعدم تبني النّماذج الجاهزة منى دون تكييفها مع البيئة التّنظيميّة. وأخيرًا، تلفت الدّراسة الانتباه إلى الحاجة الماسة لبناء أنظمة تقييم أداء تراعي البعد الثقافي كمؤشر رئيس للقدرة التّنافسيّة، ما يمكّن القيادات الإداريّة من قياس العائد الاستثماري للتحسينات الثقافيّة بشكل كمّي ونوعي.

  • التوصيات للبحث المستقبلي: بناءً على النتائج ، يُوصى بالآتي للبحث المستقبلي:
  1. دراسة مقارنة لأثر الثقافة التّنظيميّة في القطاعات الاقتصاديّة المختلفة (صناعيّة، خدميّة، تقنيّة) لتحديد الخصائص النّوعيّة لكلّ قطاع.
  2. بحث تأثير الثقافة التّنظيميّة في إدارة المواهب الرّقميّة في ظل تحولات الاقتصاد الرّقمي ومتطلبات الثورة الصّناعيّة الرّابعة.
  3. تحليل دور الوساطة للمتغيرات التّنظيميّة الأخرى مثل الالتزام التّنظيمي، والتّمكين الإداري في العلاقة بين الثقافة التّنظيميّة والقدرة التّنافسيّة.
  4. دراسة طوليّة تتبعيّة (Longitudinal Study) لتقييم تطور الأثر التّكاملي بين الثقافة التّنظيميّة وإدارة المواهب عبر حِقب زمنية ممتدة.
  5. استكشاف تأثير العوامل الوطنيّة والثقافات القوميّة في تشكيل الثقافة التّنظيميّة، وانعكاسها على الميزة التّنافسيّة في سياق العولمة.
  6. بحث كيفيّة توظيف تقنيات الذّكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضّخمة في قياس، وتطوير الثقافة التّنظيميّة الداعمة للمواهب.
  7. دراسة متعمقة لأثر الجائحات والأزمات العالميّة في تحولات الثّقافة التّنظيميّة واستراتيجيّات إدارة المواهب في بيئات عدم اليقين.
  8. تحليل تجارب ناجحة للشّركات العالميّة في تحقيق التّكامل بين الثقافة التّنظيميّة وإدارة المواهب ومدى إمكانيّة تطبيقها في السّياق المحلي.
  9. بحث تأثير التّشريعات والأنظمة الحكوميّة في تشكيل الثّقافة التّنظيميّة الداعمة للمواهب والابتكار في القطاعات المختلفة.

 

خاتمة الدّراسة: تمثل هذه الدّراسة محاولة علميّة جادة لفكّ الشّفرة المعقدة التي تحكم العلاقة بين الثقافة التّنظيميّة وإدارة المواهب من جهة، وبناء القدرات التّنافسيّة المستدامة من جهة أخرى. وقد أثبتت النّتائج بما لا يدع مجالاً للشك أن الثقافة التّنظيميّة ليست ترفًا فكريًّا أو مفهومًا نظريًّا مجردًا، بل هي استثمار استراتيجي عالي العائد، ورهان حكيم تستطيع المنظمات من خلاله تحويل مواردها البشرية إلى رأس مال بشري متميز، وقدرات تنظيميّة فريدة، ومزايا تنافسيّة يصعب تقليدها.

لقد كشفت الدّراسة أنّ قيم العمل تشكل العمود الفقري للشّخصيّة التّنظيميّة، إذ تعمل كمحدد رئيس لسلوك الأفراد والجماعات، ومرشد أساسي لعمليات اتخاذ القرار، ومنظومة تحكم التّفاعلات الدّاخليّة والخارجيّة. وقد برهنت النّتائج أنّ المنظمات التي تتبنى قيمًا راسخة في الجودة والتّميز والشّفافيّة والإبداع، تنجح في بناء سمعة تنظيميّة مميزة، وعلاقات ثقة متينة مع عملائها، ومناخ تنظيمي محفز لاستقطاب المواهب والاحتفاظ بها.

كما أظهرت الدّراسة أنّ أنماط القيادة تمثل الجسر الذي تعبّر من خلاله القيم النّظريّة إلى ممارسات عمليّة، إذ تؤكد النّتائج أن القيادات الإبداعيّة والاستراتيجيّة والتّشاركيّة تملك القدرة على تحويل الرؤى المجردة إلى خطط عمل واقعية، وتحفيز الطاقات الكامنة إلى إبداعات ملموسة، وتوجيه الجهود الفرديّة نحو تحقيق الأهداف الاستراتيجيّة الكبرى. فالقيادة ليست مجرد مركز تنظيمي، بل هي عمليّة تفاعليّة تحويليّة تخلق من خلالها البيئة الدّاعمة لازدهار المواهب وتفجير الطاقات الإبداعيّة.

وفي المحور الثالث، برهنت الدّراسة أنّ آليات التّواصل الفعال تشكل النّظام العصبي للمنظمة الذي يضمن استمرارية تدفق المعلومات، وسرعة الاستجابة للمتغيرات، وفعاليّة التّنسيق بين الوحدات التّنظيميّة المختلفة. وقد أظهرت النّتائج أنّ المنظمات التي تستثمر في بناء أنظمة اتصال متطورة، وتتبنى قنوات اتصال متنوعة، وتضمن شفافيّة تدفق المعلومات، تنجح في خفض تكاليف العمليّات، وتسريع وتيرة الإنجاز، وزيادة مرونتها في مواجهة التّحديات.

ومن النّاحية التّطبيقيّة، قدمت هذه الدّراسة للممارسين خارطة طريق واضحة لبناء منظمات أكثر قدرة على المنافسة، من خلال التركيز على تطوير الثقافة التّنظيميّة كمنظومة متكاملة، وليس كمجموعة من العناصر المنفصلة. كما تقدم للمنظرين إطارًا مفاهيميًا متكاملًا يمكن البناء عليه في إجراء مزيد من الدّراسات والأبحاث.

يمكن القول إنّ هذه الدّراسة تؤكد أنّ طريق التميز التّنافسي يبدأ من البناء الثقافي السّليم، وأن استثمار المنظمات في ثقافتها التّنظيميّة هو استثمار في قدرتها على البقاء والنّمو والازدهار. فالمنظمات التي تدرك أن ثقافتها هي هويتها، ومواهبها هي ثروتها، وقدراتها التّنافسيّة هي ضمان مستقبلها، هي وحدها القادرة على كتابة تاريخ من النّجاح في سجلات الاقتصاد المعرفي المعاصر.

المراجع

  • سعيدة قاسم شاوش، (2006)، اتجاهات معاصرة في مجال الأعمال لتحقيق الميزة التّنافسيّة، رسالة ماجستير في إدارة الأعمال، كليّة العلوم الاقتصاديّة، جامعة البليدة، الجزائر.
  • العميان، محمود، (2005)، السّلوك التّنظيمي فى منظمات الأعمال، دار وائل للنشر، عمان، الأردن.
  • المحمودي محمد سرحان علي، (2019)، مناهج البحث العلمي، الطبعة3، دار الكتب، صنعاء، اليمن.

  • Barney, J. B. (2018). Resource-Based Theory: Creating and Sustaining Competitive Advantage
  • Cameron, K. S., & Quinn, R. E. (2020). Diagnosing and Changing Organizational Culture
  • Collings, D. G., & Mellahi, K. (2019). The Oxford Handbook of Talent Management
  • (2023). Global Human Capital Trends
  • (2022). State of the Global Workplace
  • (2023). HR Strategic Insights Report
  • Harvard Business Review. (2023). The Future of Talent Management
  • McKinsey & Company. (2023). The State of Organizations
  • Teece, D. J. (2021). Dynamic Capabilities and Strategic Management

 

1 – طالب دكتوراه في جامعة آزاد الإسلاميّة – فرع طهران- الإدارة العامة- إدارة الموارد البشريّة.

PhD student at Azad Islamic University, Public Administration – Tehran Branch – Human Resources Management.Email: lebman2025@gmail.com

[2] – محاضر في الجامعة الإسلاميّة الحرّة (آزاد)- إيران- قسم إدارة الأعمال.

Lecturer at the Free Islamic University (Azad) – Iran – Department of Business Administration

Email: selannan@iaula.edu

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.