من الإدارة التّقليديّة إلى الإدارة الإنسانيّة: دور مهارات النّاعمة (القيادة والتّواصل والعمل الجماعي) في تطوير العمل الإداري في التّعليم المهني

0

اسم المجلة: مجلة أوراق ثقافية

من الإدارة التّقليديّة إلى الإدارة الإنسانيّة: دور مهارات النّاعمة (القيادة والتّواصل والعمل الجماعي) في تطوير العمل الإداري في التّعليم المهني

From Traditional Administration to Human-Centered Administration:

The Role of Soft Skills (Leadership, Communication, and Teamwork) in Developing Administrative Practice in Vocational Education

Kassem ahmad Nasser  قاسم أحمد ناصر([1])

 Supervising Professor:Youssef Abdel Amir Tabaja الأستاذ المشرف:يوسف عبد الأمير طباجة([2])

تاريخ الإرسال:11-12-2025                                        تاريخ القبول:22-12-2025

turnitin:8%                                                                        الملخص

تتناول هذه المقالة التّحوّل المتزايد من الإدارة التّقليديّة إلى الإدارة الإنسانيّة داخل مؤسسات التّعليم المهني، مع التّركيز على الدّور الذي تؤديه مهارات القيادة والتّواصل والعمل الجماعي في دعم هذا التّحوّل، وتناقش كيف أنّ الإدارة التّقليديّة، بتركيزها على الصرامة والتراتبية، لم تعد قادرة على مواكبة احتياجات البيئات المهنية الحديثة التي تتطلب مشاركة أكبر واهتمامًا بالعاملين بوصفهم فاعلين وليسوا منفذين فقط، ويشير البحث إلى أنّ القيادة التّحويليّة والإنسانيّة قادرتان، بدرجات متفاوتة، على بناء بيئة أكثر دعمًا وتشجيعًا، خاصة عندما يمتلك القائد مهارات التّحفيز ووضوح الرؤية وإدارة العلاقات.

كما يستعرض البحث دور التّواصل الصّاعد والهابط في خلق مسارات واضحة للتفاعل، وكيف يسهم التّواصل البنّاء في الحدّ من النّزاعات وتعزيز جودة الإدارة، ويتناول البحث أيضًا أثر العمل الجماعي في تشكيل ثقافة تعاون داخل المعاهد المهنيّة، إذ تساعد الثقة والمسؤوليّة المشتركة على ترسيخ قيم الإدارة الإنسانيّة، وتخلص المقالة إلى أنّ فعالية هذه المهارات تعتمد بدرجة كبيرة على المناخ النّفسي والاجتماعي السّائد، وأنّ تفاعل المهارات داخل هذا الإطار هو ما يحدد قدرة المؤسسة على الانتقال نحو إدارة أكثر إنصافًا وإنسانيّة.

 

الكلمات المفتاحية: الإدارة الإنسانيّة – مهارات القيادة – مهارات التّواصل – العمل الجماعي – التّعليم المهني – المناخ التّنظيمي – المهارات النّاعمة.

Abstract

This article examines the increasing shift from traditional administration to human-centered management within vocational education institutions, with a focus on the role that leadership, communication, and teamwork skills play in supporting this transition. It discusses how traditional administration—characterized by rigidity and hierarchical control—is no longer able to meet the needs of modern vocational environments, which require greater participation and a view of employees as active contributors rather than mere executors. The study suggests that transformational and humanistic leadership, to varying degrees, can foster a more supportive and encouraging environment, particularly when leaders possess motivational skills, a clear vision, and strong relationship-management competencies.

The article also reviews the role of upward and downward communication in creating clear channels of interaction, and how constructive communication can reduce conflicts and enhance administrative quality. Additionally, it explores the impact of teamwork in building a culture of collaboration within vocational institutes, where trust and shared responsibility help embed the values of human-centered management. The article concludes that the effectiveness of these skills largely depends on the prevailing psychological and social climate, and that the interaction among these skills within this context determines the institution’s ability to move toward a more equitable and human-centered administrative model.

Keywords: Human-centered management – leadership skills – communication skills – teamwork – vocational education – organizational climate – soft skills.

 

1. المقدمة

شهدت مؤسسات التّعليم المهني خلال السّنوات الأخيرة حالة من التّحوّل الملحوظ في طبيعة العمل الإداري، تحوّل لم يكن نتيجة قرار إداري مفاجئ بقدر ما كان استجابة تدريجيّة لتحديات جديدة فرضها الواقع التّربوي والاجتماعي، فمع تنامي المتطلبات التقنية، وارتفاع توقعات المتعلمين، واتساع دور المؤسسات المهنيّة لتشمل الإرشاد والتّوجيه والشّراكات مع سوق العمل، أصبح من الصّعب على الإدارة التّقليديّة بمركزيتها وصرامتها أن تواكب هذا التّعقيد المتزايد، وقد أشار عدد من الباحثين (مثل Rodríguez, 2025؛ Kalashnikova & Nesmeyanov, 2025) إلى أنّ البنى الإداريّة المغلقة تفقد فعاليتها في البيئات التي تتطلب درجة عالية من التّفاعل والتّكيف.

وسط هذا التّحوّل، برزت فكرة «الإدارة الإنسانيّة» أو Human-Centered Administration بوصفها مقاربة أكثر قدرة على احتضان حاجات العاملين والمتعلمين، لأنها تُعلي من قيمة الشّخص، وتولي اهتمامًا للتّفاعل والعلاقات والعوامل النّفسيّة التي تؤثر في جودة الأداء، ويبدو أن مؤسسات التّعليم المهني، بطبيعتها العملية والتشاركية، كانت من أوائل البيئات التي شعرت بالحاجة إلى هذا التّحوّل، فالتّجارب اليوميّة للمعلمين والمرشدين والفنيين تكشف أنّ جودة الإدارة لا تُقاس فقط بالخطط واللوائح، بل أيضًا بمدى دعم القائد، ووضوح التّواصل، وقدرة الفريق على العمل بشكل منسجم.

وقد لفتت النّظر عدة دراسات حديثة ومنها (Westover, 2024؛ Khan et al., 2024؛ Hughes & Hamilton, 2025) إلى دور المهارات النّاعمة في تعزيز هذا التّحوّل، مُشيرة إلى أنّ القيادة التّحويليّة، والتّواصل الفعّال، والعمل الجماعي ليست مجرد مهارات ثانوية، بل محركات أساسية تُعيد تشكيل البيئة الإداريّة من الداخل، فالقائد الذي يتعامل بإنسانيّة، ويستمع لاحتياجات فريقه، ويمنحهم مساحة للنّمو، لا يؤثر فقط في معنوياتهم، بل في طبيعة المؤسسة ذاتها، والتّواصل الذي يجري بانفتاح ووضوح يقلل من الأخطاء وسوء الفهم، ويهيئ بيئة داعمة للعمل، أما العمل الجماعي، فهو الإطار الذي تُترجَم فيه هذه المهارات إلى ممارسات تعاون حقيقية تُحسّن الجودة وتدعم الأداء.

ومع ذلك، فإن هذا التّحوّل نحو الإدارة الإنسانيّة لا يزال في كثير من المؤسسات محاطًا بالتّساؤلات: إلى أي مدى يمكن لهذه المهارات أن تُحدث فرقًا فعليًا؟ وهل هي بالفعل قادرة على تعويض قصور الإدارة التّقليديّة؟ وما الشروط النّفسيّة والاجتماعية التي تجعلها فعّالة؟ هذه الأسئلة لا تأتي من باب الشك، بل من الحاجة إلى فهم أعمق لآليات التّغيير داخل مؤسسات التّعليم المهني، إذ يتداخل البعد الإداري مع البعد التّربوي بشكل يصعب فصله.

وتهدف هذه المقالة إلى تناول هذه الأسئلة من خلال استعراض نظري، وتحليل يُضيء على الدور الذي تؤديه مهارات القيادة والتّواصل والعمل الجماعي في دعم التّحوّل نحو إدارة أكثر إنسانيّة، فالمسألة لا تتعلق فقط بما يجب أن تفعله الإدارة، بل بكيفية ترجمة القيم الإنسانيّة إلى ممارسات يومية تعيد الاعتبار للعاملين والمتعلمين معًا، وتمنح المؤسسة القدرة على التّطور والاستجابة للتّحديات.

2. إشكاليّة الدراسة

على الرغم من أن التّحوّل نحو الإدارة الإنسانيّة أصبح اتجاهًا شائعًا في الأدبيات الإداريّة والتّربويّة، فإن تطبيقه في مؤسسات التّعليم المهني لا يزال يواجه مجموعة من التّحدّيات التي تجعل هذا التّحوّل أقل وضوحًا مما يبدو في النظريات، فبينما تشير الدّراسات الحديثة إلى الدّور المحوري الذي تؤديه مهارات القيادة والتّواصل والعمل الجماعي في إعادة تشكيل البيئة الإداريّة، إلّا أنّ واقع المؤسسات المهنيّة يكشف فجوة ملموسة بين ما يُوصى به من ممارسات وما يحدث فعليًا على الأرض.

ففي كثير من المعاهد المهنيّة، ما تزال أنماط الإدارة التّقليديّة حاضرة بقوة، سواء في طريقة اتخاذ القرارات، أو في الأسلوب الذي تُدار به العلاقات داخل المؤسسة، أو حتى في كيفيّة التّعامل مع النّزاعات والمبادرات، ويبدو أن هذه البنى التّقليديّة تخلق نوعًا من المقاومة الضمنية أمام التّحوّل نحو نماذج أكثر إنسانيّة، خصوصًا عندما لا تكون المهارات النّاعمة جزءًا أصيلًا من ثقافة العمل أو لا تُمارس بشكل منهجي.

وتتمثل الإشكاليّة الأساسية إذن في محاولة فهم كيف يمكن لمهارات القيادة والتّواصل والعمل الجماعي أن تدعم بالفعل تطوير العمل الإداري في التّعليم المهني، وما إذا كانت هذه المهارات قادرة في سياقات واقعية ومتباينة على دفع المؤسسة نحو إدارة إنسانية أكثر مشاركة ومرونة، كما يثار تساؤل آخر لا يقل أهمّيّة: هل تكفي هذه المهارات وحدها لإحداث تحول إداري حقيقي، أم أنها تحتاج إلى شروط نفسيّة واجتماعيّة مؤسسيّة لتفعيل أثرها؟

وبناءً على ذلك، تنطلق هذه الدّراسة من إشكالية محوريّة يمكن صياغتها على الشكل الآتي: توجد فجوة بين الحاجة المتزايدة إلى الإدارة الإنسانيّة في مؤسسات التّعليم المهني، وبين قدرة هذه المؤسسات على تفعيل مهارات القيادة والتّواصل والعمل الجماعي بطريقة تُسهم فعليًا في تطوير العمل الإداري.

 

4. فرضيّة الدراسة

تنطلق الدّراسة من فرضيّة أساسيّة مفادها أنّ: مهارات القيادة والتّواصل والعمل الجماعي تُسهم بشكل فعّال في تعزيز التّحوّل من الإدارة التّقليديّة إلى الإدارة الإنسانيّة داخل مؤسسات التّعليم المهني، شرط توفّر بيئة نفسيّة واجتماعيّة داعمة تُسهِل تفعيل هذه المهارات في الممارسة اليوميّة.

هذه الفرضيّة تفترض وجود علاقة تفاعليّة بين المهارات الناعمة وسياق المؤسسة، فلا تظهر آثار هذه المهارات بصورة كاملة إلّا عندما تتوافق مع مناخ مهني يشجع المشاركة والثّقة والتّعاون.

5. أهمية البحث

يهدف هذا البحث إلى توضيح الكيفيّة التي يمكن من خلالها للقيادة التّحويليّة، والإنسانيّة أن تفتح المجال أمام تطور إداري أكثر مرونة وإنسانيّة في التّعليم المهني، إلى جانب تحليل الدور الذي يؤديه التّواصل الفعّال، بما يتضمنه من وضوح وحوار وحل للنّزاعات في تحسين جودة الإدارة، كما يسعى البحث إلى فهم المساهمة الحقيقيّة للعمل الجماعي في بناء بيئة مهنيّة تعاونيّة، وتحديد الشروط النّفسيّة والاجتماعيّة التي تساعد على تفعيل هذه المهارات واستدامة أثرها داخل المؤسسة.

6. أهداف البحث

يسعى هذا البحث إلى فهم كيف يمكن لمهارات القيادة، والتّواصل والعمل الجماعي أن تعيد تشكيل طبيعة الإدارة داخل مؤسسات التّعليم المهني، وذلك من خلال تتبّع الطرق التي تسمح للقيادة التّحويليّة والإنسانيّة بخلق بيئة أكثر دعمًا ومرونة، ويهدف إلى كشف أثر التّواصل الفعّال في تحسين جودة الإجراءات الإداريّة وتعزيز الانسجام داخل المؤسسة، وفهم الدور الذي يؤديه العمل الجماعي في بناء ثقافة تعاونيّة تُسهِم في دعم التّحوّل نحو إدارة إنسانيّة، وإلى جانب ذلك، يتطلع البحث إلى تحديد الشروط النّفسيّة والاجتماعيّة التي تجعل هذه المهارات قادرة على إحداث تغيير حقيقي في الممارسة الإدارية اليوميّة، فلا تبقى مجرد توصيات نظريّة، بل تتحول إلى ممارسات ملموسة تُسهم في تطوير التّعليم المهني.

7. الفجوة البحثيّة وجديد البحث

على الرغم من كثرة الدّراسات التي تناولت المهارات النّاعمة في السّياقات التّربويّة، يبدو أنّ حضورها داخل مؤسسات التّعليم المهني ما يزال متقطعًا وغير واضح المعالم، فعدد من البحوث ركز على القيادة بوصفها مهارة مستقلة، بينما اهتمت أخرى بالتّواصل أو العمل الجماعي بصورة منفصلة؛ لكن الدّراسات التي تجمع بين هذه المهارات الثلاث وتحلل أثرها التّفاعلي في تطوير الإدارة المهنيّة لا تزال محدودة، بل إنّ بعضها يقدّم نظرة تجريديّة لا تعكس التّعقيد الحقيقي الذي يعيشه العاملون في هذه المؤسسات، يضاف إلى ذلك أن كثيرًا من الأبحاث تناولت المهارات النّاعمة من منظور نظري عام، من دون التّوقف عند الظروف النّفسيّة والاجتماعيّة التي تسمح لهذه المهارات بأن تتحول إلى قوة مؤثرة في الواقع اليومي للمؤسسة، ويبدو أن هذا النقص في الدّراسات التي تربط بين المهارات والسّياق المؤسسي يترك فجوة واضحة تعيق فهمًا أدق لتحول الإدارة من شكلها التّقليدي إلى نهج أكثر إنسانيّة.

ومن هنا تأتي مساهمة هذا البحث، إذ يحاول تقديم قراءة أكثر تكاملًا لهذه المهارات بوصفها منظومة مترابطة تتفاعل مع المناخ المهني وتعيد تشكيله، فجديد البحث لا يكمن فقط في الجمع بين القيادة والتّواصل والعمل الجماعي ضمن إطار واحد، بل في محاولة فهم كيف تعمل هذه المهارات عندما تتوفر أو تغيب العناصر النّفسيّة والاجتماعيّة الضّروريّة لنجاحها، وكما يسعى البحث إلى الاقتراب أكثر من بيئات التّعليم المهني، وهي بيئات غالبًا ما تُهمل في الأدبيات لصالح المدارس والجامعات، على الرّغم  مما تحمله من خصوصيات تتطلب مقاربات مختلفة، وبذلك، يحاول هذا العمل سدّ جزء من الفجوة القائمة عبر تقديم رؤية تحليليّة أقرب إلى الواقع، وأكثر حساسيّة لطبيعة التّفاعل بين الإنسان والمنظومة الإداريّة داخل مؤسسات التّعليم المهني.

8. منهجيّة البحث

يعتمد هذا البحث منهجًا وصفيًا تحليليًا يتيح تتبّع الدور الذي يمكن لمهارات القيادة، والتّواصل والعمل الجماعي أن تؤديه في تطوير الإدارة داخل مؤسسات التّعليم المهني، ويقوم البحث على مراجعة منتقاة للدّراسات الحديثة التي تناولت هذه المهارات في سياقات تربويّة مختلفة، مع التّركيز على البحوث التي تناولت التّحوّل نحو الإدارة الإنسانيّة، وقد اعتُمِد أسلوب تحليل المحتوى لربط المفاهيم النّظرية بالواقع المهني، وفهم كيفيّة تفاعل المهارات النّاعمة مع البيئة النّفسيّة والاجتماعيّة للمؤسسة، ويستند إلى مقارنة بين النّماذج التّقليديّة والإنسانيّة في الإدارة، بهدف استخلاص المؤشرات التي تساعد على تفسير طبيعة التّحوّل الإداري داخل التّعليم المهني.

الإطار النظري

أولاً: التّحوّل من الإدارة التّقليديّة إلى الإدارة الإنسانيّة

من الصّعب اليوم التفكير في المؤسسات التّعليميّة -وخاصة التّعليم المهني- من دون ملاحظة التّحوّلات التي طرأت على طبيعة الإدارة فيها، فبينما كانت الإدارة التّقليديّة تُعدّ النّموذج الأكثر شيوعًا لعقود طويلة، بدأت فجوة واضحة تظهر بينها وبين احتياجات الواقع المعاصر، وقد يكون هذا التّحوّل أشبه بعمليّة نضج مؤسسي، لا تحدث بسرعة، لكنها تتشكل عبر تراكم التّجارب، وتغيّر توقعات العاملين والمتعلمين، وازدياد الوعي بأهمّيّة البعد الإنساني في العمل اليومي.

خصائص الإدارة التّقليديّة

الإدارة التّقليديّة تُبنى غالبًا على مجموعة من المسلّمات التي تبدو بديهيّة: أنّ المدير هو مركز القرار، وأن الانضباط هو الطّريق لتحقيق الجودة، وأنّ الموظفين يؤدون دورهم بشكل أفضل حين تكون مهماتهم واضحة بلا مساحة كبيرة للاجتهاد.

هذا النّموذج قد ينجح في البيئات التي تحتاج إلى تنظيم محكم أو إجراءات ثابتة، لكنّه في التّعليم المهني يخلق فجوة ملحوظة؛ فالمعلم الذي يتعامل مع طلاب لديهم خلفيّات ومهارات مختلفة يحتاج إلى قدر من المرونة، وليس فقط إلى اتباع إرشادات جاهزة، وبالمثل، يشعر كثير من الموظفين في الأنظمة التّقليديّة أنهم يعملون «ضمن تعليمات» لا «ضمن رؤية»، ما يُقلّل من حس المبادرة لديهم ويجعل العلاقات داخل المؤسسة جامدة إلى حد ما.

دوافع التّحوّل نحو الإدارة الإنسانيّة

مع مرور الوقت، بدأ يظهر إدراك متزايد أنّ المؤسسة التّعليميّة ليست مجرد جهاز إداري، بل مكان تُبنى فيه شخصيات، وتُشكّل فيه هويات مهنيّة، وتُخلق فيه علاقات تؤثر في جودة التّعلم، وهنا بدأ الاهتمام يتجه نحو «الإدارة الإنسانيّة» كنموذج يضع الإنسان في قلب العمليّة الإداريّة.

وقد تكون من أهم دوافع هذا التّحوّل حقيقة بسيطة لكن مؤثرة هي أن الإنسان يُنتج أفضل ما لديه عندما يشعر بالأمان والتّقدير والانتماء، وهذا ما تشير إليه دراسات مثل Westover (2024)، التي تبيّن أنّ المناخ الإنساني لا يحسّن فقط الأداء، بل يجعل الأفراد أكثر استعدادًا للتّعاون والتّعلم.

كما أن التّعليم المهني يعتمد بطبيعته على التّفاعل العملي، وهذا التّفاعل لا يمكن أن يُدار بأسلوب ميكانيكي يعتمد فقط على الهيكليّة والتّنظيم؛ بل يحتاج إلى قيادة تلتفت إلى حاجات العاملين النّفسيّة، وإلى ديناميات التّعاون بينهم، وإلى قدرتهم على التّكيف مع المواقف غير المتوقعة.

الأسس النّفسيّة والاجتماعيّة للإدارة الحديثة

الإدارة الإنسانيّة ليست مجرد العمل ب «أسلوب لطيف»، بل تستند إلى مبادئ نفسيّة واجتماعيّة موثّقة، فتشير بعض الأدبيّات (مثل Khan et al.) إلى ثلاث احتياجات أساسيّة يتشاركها العاملين جميعهم مهما اختلفت مناصبهم:

  • الحاجة إلى الاستقلاليّة: أن يشعر الفرد أنّ رأيه وقراراته لها قيمة.
  • الحاجة إلى الكفاءة: أن يحس بأن جهده يثمر، وأنّه قادر على النّمو.
  • الحاجة إلى الارتباط: أن يشعر بالانتماء إلى فريق يحترمه ويدعم مسيرته.

وعندما تُلبّى هذه الاحتياجات، تتحول المؤسسة من فضاء «تنفيذ» إلى فضاء «مشاركة»، ويتغير سلوك الموظف فيصبح أكثر استعدادًا لتقديم أفكار جديدة، وأكثر تقبّلًا للتغيير، وأقل عرضة للاستنزاف النّفسي، ومع الوقت، تنشأ ثقافة عمل أكثر تعاونًا، وأقل صراعًا، وأكثر قدرة على مواجهة التّحدّيات بطريقة جماعيّة، وهذا ما يجعل الإدارة الإنسانيّة ليست فقط خيارًا أخلاقيًا، بل خيارًا عمليًا يقدم فوائد تنظيميّة حقيقيّة.

ثانيًا: مهارة القيادة ودورها في تطوير العمل الإداري

وبعد فهم دوافع التّحوّل نحو الإدارة الإنسانيّة، تبدو القيادة نقطة الانطلاق الطبيعيّة لدراسة هذا التّحوّل، لأنها تمثل الفعل المؤسسي الذي يترجم القيم الإنسانيّة إلى ممارسات يومية داخل المؤسسة، فالحديث عن تطوير العمل الإداري في مؤسسات التّعليم المهني يفقد جزءًا من معناه إن لم نبدأ من القيادة، فالقائد، سواء أحببنا الاعتراف بذلك أم لا، يشكّل «نبرة وروح المكان»، فهو من يحدد ما إذا كانت بيئة العمل متحفزة أم متوترة، منفتحة أم مغلقة، تشاركيّة أم سلطويّة.

ولعل اللافت أن تأثير القائد أحيانًا لا يأتي من القرارات الكبيرة، بل من تلك الإشارات الصّغيرة التي يلتقطها الموظفون من سلوكه اليومي، فكلمة تشجيع، مساحة للإصغاء، اعتراف بجهد شخصي… تفاصيل بسيطة لكنها تُحدث فرقًا حقيقيًا في المناخ العام للمؤسسة.

القيادة التّحويليّة والقيادة الإنسانيّة

تقدّم القيادة التّحويليّة نموذجًا أصبح حاضرًا بقوة في الأدبيات الحديثة حول التّعليم المهني (Sutisna et al., 2024)، وهذا النّموذج لا يكتفي بإدارة المهام، بل يحاول تغيير طريقة تفكير الفريق، وتوسيع طموحاتهم، وبناء رؤية مشتركة تشدّ المؤسسة نحو الأمام.

لكن، من جهة أخرى، ثمة ما يشبه «البعد الإنساني» الذي لا يمكن تجاهله؛ فالقائد قد يكون ماهرًا في التّعبئة والتّحفيز، ولكنه لن يصل بعيدًا إذا لم يحافظ على علاقة إنسانيّة متوازنة مع فريقه، وهنا يظهر التّكامل بين القيادة التّحويليّة والقيادة الإنسانيّة: الأولى تمنح الاتجاه، والثانية تمنح الملمس الإنساني الذي يجعل هذا الاتجاه قابلًا للعيش.

قد لا يصرّح القادة بأنّهم «إنسانيون»، لكنّ سلوكهم يكشف ذلك، فالقائد الذي يسأل موظفه: «كيف يمكنني مساعدتك لتحقق هذا الهدف؟» يمارس قيادة إنسانيّة حتى لو لم يسمّها كذلك، فهذه الأساليب، وتشير بعض الأبحاث، تخلق بيئة يشعر فيها الأفراد بأنهم جزء من المشروع الإداري وليس مجرد منفذين.

أثر القائد في بناء بيئة داعمة:

البيئة الدّاعمة لا تظهر فجأة، ولا يمكن فرضها بلوائح، إنّها نتيجة سلسلة من التّفاعلات اليوميّة التي يقوم فيها القائد بدور حاسم، وقد يبدو هذا واضحًا في المؤسسات المهنيّة أكثر من غيرها، لأنّ العمل فيها يميل إلى أن يكون عمليًا وتعاونيًا بطبيعته، فعندما يشعر المعلم أن مديره يثق بقدراته، يصبح أكثر استعدادًا لتجريب أساليب تدريس جديدة، وعندما يدرك الفريق أن الخطأ يُعامل بوصفه فرصة للتّعلم، يتجرأ أفراد الفريق على الابتكار.

من المحتمل أن بعض القادة عن مدى مدى تأثيرهم الحقيقي على سلوك الموظفين، لكن الدّراسات (مثل Westover, 2024) تبيّن أن مجرد إظهار التّعاطف والإنصات يقلّل من التوتر ويعزز الإحساس بالأمان النّفسي داخل المؤسسة، وفي المقابل، القائد الذي يبالغ في الرّقابة، أو يتجنب الحوار، أو يظهر عدم ثقة مبالغ فيها، يخلق بيئة يغلب عليها الحذر والتّردد، وهذا النّوع من المناخ يعوق التّعليم المهني بشكل خاص، لأن المعلمين يحتاجون إلى مساحة للتّجريب والخطأ والتّطوير.

مهارات القائد (التّحفيز، الرؤية، إدارة العلاقات)

ليس من الضّروري أن يكون القائد خارقًا ليكون مؤثرًا، لكنه يحتاج إلى بعض المهارات الأساسيّة التي تشكّل جوهر القيادة في التّعليم المهني ومنها:

  1. التّحفيز

التّحفيز لا يعني الخطب الكبيرة أو الشّعارات؛ أحيانًا هو مجرد إحساس الموظف بأن القائد يرى جهده ويحترمه، ومثل هذا المناخ يزيد من استعداد العاملين لبذل جهد إضافي حتى من دون طلب مباشر، وقد أشارت دراسات عدة (Iman & Veronica, 2025) إلى أنّ التّحفيز القائم على التّقدير وليس على العقاب هو ما يخلق التزامًا حقيقيًا في البيئة المهنيّة.

  1. الرؤية

القائد الذي يملك رؤية واضحة—ولو بسيطة—يمنح الفريق شعورًا بالاتجاه، ففي التّعليم المهني، يمكن للرؤية أن تشمل تطوير مهارات المعلمين والمتعلمين، أو تعزيز الشّراكات مع سوق العمل، أو تحسين جودة التّدريب العملي، فالرؤية لا يجب أن تكون معقدة؛ يكفي أن تكون قابلة للفهم والتّطبيق، وأنّ يشعر الفريق أنها «رؤيتهم»، لا رؤية تُفرض عليهم.

  1. إدارة العلاقات

هذه ربما هي المهارة الأصّعب، فإدارة العلاقات تتطلب الإنصات، والقدرة على التّفاوض، ومراعاة الفروق الفرديّة، وضبط الإيقاع الاجتماعي للفريق، وقد يواجه القائد فريقًا متنوعًا من شخصيات قويّة، وأخرى خجولة، وثالثة مترددة، فالتّعامل مع هذا التنوع يحتاج إلى ذكاء عاطفي وليس فقط مهارات إداريّة تقنيّة، وبحسب الدّراسات التي تناولت بيئات العمل التّربويّة (Hughes & Hamilton, 2025)، فإنّ القادة الذين ينجحون في إدارة العلاقات يبنون شبكات ثقة تجعل المؤسسة أكثر مرونة وقدرة على مواجهة الأزمات.

ثالثًا: مهارة التّواصل داخل المؤسسات التّعليميّة المهنيّة

ومهما بلغ تأثير القيادة، فإنّ أثرها يظل محدودًا إذا لم تُدعَم بنظام تواصل فعّال، فالتّواصل هو الأداة التي يُترجَم من خلالها توجيه القائد إلى سلوك تنظيمي مشترك، وهو ما يجعل الانتقال إلى هذا المحور خطوة منطقيّة لفهم آليات التّغيير الإداري، وخاصة إذا حاولنا تتبّع جذور أغلب المشكلات الإداريّة في التّعليم المهني، سنجد أن كثيرًا منها لا يرتبط بالموارد أو البنية التّنظيميّة بقدر ما يرتبط بالتّواصل، فالتّواصل، كما تؤكد العديد من الدّراسات (مثل Aljendan, 2025 وManoharan & Ashtikar, 2024)، ليس مجرد تبادل للمعلومات؛ بل هو الطريقة التي يُبنى بها المعنى داخل المؤسسة، وقد يبدو هذا الكلام نظريًا للوهلة الأولى، لكن أي معلم أو موظف عمل في مؤسسة مهنيّة يدرك تمامًا كيف يمكن لجملة غير واضحة، أو قرار لم يُشرح جيدًا، أو سوء فهم بسيط أن يخلق سلسلة معقدة من التوترات.

التّواصل الصاعد والهابط

التّواصل الهابط من الإدارة إلى العاملين غالبًا ما يكون مفهومًا في المؤسسات، لكنّه في كثير من الأحيان يأتي بطريقة أحادية: قرارات جاهزة، أو توجيهات مباشرة، أو تعليمات لا تراعي السّياق، وهذا النّمط قد يؤدي إلى إحساس الموظفين أنهم «مستقبلون» فقط، لا «مشاركين».

أمّا التّواصل الصّاعد، فهو عادةً أصعب وأكثر حساسيّة، فالموظفون قد يترددون في طرح مشكلاتهم أو آرائهم خوفًا من سوء الفهم أو ردود الفعل، وتذكر بعض الدّراسات (مثل Jiménez-de-Petit & Jiménez-García, 2025) أنّ المؤسسات التي تفشل في بناء قنوات آمنة للتّواصل الصّاعد غالبًا ما تواجه مقاومة مبطّنة للتغيير، حتى لو لم تكن هذه المقاومة معلنة، وفي التّعليم المهني، يأخذ التّواصل الصاعد أهمية مضاعفة، لأنّ المعلمين والتقنيين هم الأقرب إلى المتعلمين وإلى تفاصيل العمل اليومي، وتجاهل أصواتهم قد يعني تجاهل واقع المؤسسة ذاته.

التّواصل البنّاء وحلّ النّزاعات

لا يمكن لأي مؤسسة تعتمد على العمل التّعاوني أن تتجنب النزاعات، فهي تظهر في توزيع المهام، وفي أساليب التدريس، وحتى في ترتيب الأولويات، والسؤال ليس: كيف نتجنب النّزاع؟ بل: كيف نتعامل معه بطريقة بنّاءة؟، فالتّواصل البنّاء يعتمد على مهارات بسيطة لكنها صعبة الممارسة ومنها الإصغاء بصدق، إعادة صياغة ما يقوله الطرف الآخر، الاعتراف بالمشاعر قبل الأفكار، والبحث عن نقطة مشتركة مهما كانت صغيرة.

وقد أشارت دراسات مثل Khan et al (2024) إلى أن النّزاع قد يصبح موردًا للتّطوير إذا تمت إدارته بطريقة تراعي الجانب النّفسي قبل التّنظيمي، وفي المقابل، تجاهل النّزاعات أو التّعامل معها بسلطويّة يجعل الفريق يعيش في حالة توتر صامت، وهو ما يقود مع الوقت إلى انخفاض الإنتاجيّة وتراجع المبادرات.

أثر التّواصل الفعّال في تحسين جودة الإدارة

قد يبدو التّواصل الفعّال أمرًا تجميليًا أو «لطيفًا »، لكنّه في الحقيقة عنصر تنظيمي أساسي، فالإدارة التي تنجح في بناء ثقافة تواصل واضحة، صادقة، ومفتوحة، ستلاحظ نتائج ملموسة:

  • انخفاض نسبة الأخطاء الناتجة عن سوء الفهم.
  • قدرة أعلى على تنفيذ القرارات.
  • مشاركة أكبر من فرق العمل.
  • ومناخ نفسي أكثر استقرارًا.

في معهد مهني، قد يظهر أثر التّواصل الفعّال في أبسط التّفاصيل كأن يفهم المعلم بدقة ما هو متوقع منه في مشروع تدريبي، أو أنّ يشعر المتدرب بأن ملاحظاته مسموعة، أو أن يعرف المرشد المهني كيف ينسّق مع القسم الأكاديمي من دون اصطدام، وهذه التّفاصيل اليوميّة التي قد تبدو صغيرة هي في الحقيقة ما يصنع الفرق بين إدارة ناجحة وإدارة مضطربة، ومن المحتمل أيضًا أن التّواصل الجيد يعزز الثّقة، والثّقة بدورها تسهّل التغيير، والتغيير هو جوهر التطوير الإداري، لذلك، فإن مهارة التّواصل ليست مجرد مهارة إداريّة، بل هي البنية التّحتيّة غير المرئيّة التي تقوم عليها الثّقافة المؤسسيّة الإنسانيّة.

رابعًا: مهارة العمل الجماعي ودعم ثقافة التّعاون

 

وبما أن التّواصل الفعّال يشكّل الأساس الذي تُبنى عليه العلاقات المهنيّة، فإنّ العمل الجماعي لا يمكن فهمه دون النظر إلى طبيعة هذا التّواصل، فيُقال كثيرًا إن العمل الجماعي هو «قلب المؤسسة»، لكن في التّعليم المهني تحديدًا يبدو أنّ هذه العبارة ليست مجازًا بقدر ما هي حقيقة عمليّة، فالمؤسسة المهنيّة بطبيعتها تعتمد على التّكامل: بين المدرّس والتّقني، بين المرشد والإدارة، وبين الأقسام المختلفة التي تعمل معًا لتوفير تجربة تعلم متماسكة للمتدربين.

ومع ذلك، فإنّ بناء فريق فعّال لا يأتي تلقائيًا؛ قد يحتاج الأمر إلى وقت وصبر، وربما إلى بعض الإخفاقات قبل أن يصل الفريق إلى الانسجام المطلوب، لكن ما يدفع هذا الجهد هو إدراك بسيط: لا يمكن لأي فرد مهما كان كفؤًا أن يحقق تطورًا إداريًا وحده.

بناء فرق العمل داخل المعاهد المهنيّة

في المعاهد المهنيّة، تتنوع فرق العمل بحسب طبيعة البرامج: هناك فرق تُعنى بالتّدريب العملي، وأخرى بالتّوجيه المهني، وثالثة بالمتابعة الأكاديميّة، هذا التّنوع يمنح المؤسسة ثراءً في الخبرات، لكنّه يضعها أيضًا أمام تحديات في التّنسيق.

وقد لوحظ في العديد من المؤسسات (وتشير بعض الدّراسات مثل Sutisna et al., 2024 وAhumada et al, 2024) أنّ الفريق الذي يملك فرصة حقيقيّة للنقاش وتبادل وجهات النّظر قبل اتخاذ القرار يكون أكثر قدرة على إنجاز المهمات، وأقل عرضة لسوء الفهم، وأحيانًا، قد يبدأ فريق العمل من نقطة بسيطة—مثل إعداد نشاط تدريبي مشترك—لكن هذا التّنسيق الصّغير قد يفتح الباب لتعاون أعمق فيما بعد، فالمهم أن يشعر الأعضاء بأنهم جزء من بناء مشترك، لا مجرد منفذين لقرارات وضعت مسبقًا.

تعزيز الثّقة والمسؤوليّة المشتركة

الثّقة ليست شعارًا تنظيريًا؛ بل هي إحساس يتشكل بالتّراكم، ويتأثر بالطريقة التي يتعامل بها الأعضاء مع بعضهم البعض حين تتعقد الأمور، فمثلًا، عندما يخفق أحد أفراد الفريق في مهمة ما، هناك فريق يلقي اللوم مباشرة، وفريق آخر يحتضن الموقف كفرصة للتّعلم، والفرق بينهما ليس في القوانين، بل في مستوى الثقة.

تذكر بعض الأدبيات (مثل Hughes & Hamilton, 2025) أن الثقة تصبح فعّالة عندما يشعر كل عضو بأن الآخرين يقفون إلى جانبه ويساندونه ليس بمعنى التّغاضي عن الأخطاء بل بمعنى المشاركة في الحلول، ومن المحتمل أن تزداد المسؤوليّة المشتركة حين يدرك الأعضاء أن نجاح المؤسسة لا يعود إلى فرد واحد، بل إلى شبكة العلاقات التي تربطهم ببعض.

هذه المسؤوليّة المشتركة تصبح واضحة في أنشطة التّعليم المهني خصوصًا، إذ يُطلب من الفريق التّنسيق المستمر بين الجانب النّظري والعملي، إنّ أي خلل في هذا التّنسيق ينعكس مباشرة على تجربة المتعلّم، مما يجعل التّعاون ضرورة لا رفاهيّة.

العلاقة بين العمل الجماعي والإدارة الإنسانيّة

العلاقة بين العمل الجماعي والإدارة الإنسانيّة علاقة تبادليّة؛ فالإدارة الإنسانيّة تمنح الفريق المناخ المناسب للتّعاون، والعمل الجماعي بدوره يرسّخ قيم الإدارة الإنسانيّة في الواقع اليومي.

الإدارة الإنسانيّة، بطبيعتها، تعترف بالاختلافات الفرديّة، وتشجع الحوار، وترى أن الموظف ليس كيانًا منعزلًا، بل جزءًا من منظومة اجتماعيّة، وهذه المبادئ نفسها هي ما يقوم عليه العمل الجماعي الذي يعتمد على التّفاعل المستمر وعلى الثقة المتبادلة وعلى الإحساس بأن الجهد الفردي له معنى داخل الجهد الجماعي.

وبينما قد يحدث العمل الجماعي في بيئات تقليديّة، إلّا أنّه يزدهر فعلاً في البيئات التي يشعر فيها الأفراد بالأمان النّفسي، وهي قيمة مركزيّة في الإدارة الإنسانيّة (Westover, 2024؛ Khan et al., 2024)، عندما لا يخشى العضو من النّقد الجارح، أو من فقدان مكانته، يصبح أكثر استعدادًا للابتكار، وأكثر قدرة على التّعاون بصدق.

وفي نهاية المطاف، يمكن القول إنّ العمل الجماعي هو التطبيق العملي لفلسفة الإدارة الإنسانيّة، فالفريق الذي يعمل بانسجام يخلق بيئة يشعر فيها الأفراد بأنّهم جزء من شيء أكبر، وأنّ عملهم اليومي مهما بدا بسيطًا له أثر يتجاوز حدود مهامهم، ومع تكامل هذه المهارات الثلاث داخل بيئة تعليميّة واحدة، يصبح من الممكن تقييم تأثيرها الإجمالي على المنظومة الإداريّة، وهو ما تقودنا إليه الخاتمة لفهم دلالات هذا التداخل.

الخاتمة

يبدو، بعد تتبّع مسار التطوّر الإداري داخل مؤسسات التّعليم المهني، أنّ التّحوّل من الإدارة التّقليديّة إلى الإدارة الإنسانيّة ليس مجرد انتقال في الأسلوب، بل إعادة تشكيل لطبيعة العلاقة بين المؤسسة والعاملين فيها، فالمحاور الثلاثة التي تناولها هذا الإطار-القيادة، والتّواصل، والعمل الجماعي- أظهرت بما يكفي من الوضوح أن الإدارة الإنسانيّة لا تُبنى على مبادئ نظريّة فقط، بل تنمو من خلال ممارسات يوميّة تتجذر تدريجيًا في ثقافة المؤسسة.

وقد أشارت الدّراسات التي عُرِضت إلى أنّ القائد الذي يعتمد نهجًا تحويليًا وإنسانيًا يخلق مناخًا يشعر فيه الأفراد بالأمان، ويمتلكون فيه قدرًا أكبر من الدّافعيّة للمشاركة والتّطوير، ومن المحتمل أن تكون هذه الدّافعيّة هي العامل المحوري الذي يفسّر لماذا ترتفع جودة العمل الإداري عندما تُمنح فرق العمل الثّقة والمساحة الكافية للتّعاون، فالمؤسسة التي تستمع لأصوات العاملين، وتفسح لهم المجال لتبادل الرأي، وتتعامل مع الأخطاء بوصفها فرصة للتّعلم، غالبًا ما تحقق مستويات أعلى من الانسجام والفعاليّة.

أمّا التّواصل، فقد بدا واضحًا أنه يمثّل الرابط الذي يجعل القيادة والعمل الجماعي قابلين للفاعليّة، فالتّواصل الصّاعد يمنح العاملين صوتًا، والتّواصل الهابط يمنحهم وضوحًا، والتّواصل البنّاء يوفّر لهم القدرة على حل النزاعات بطريقة تحفظ العلاقات وتدعم جودة البيئة المهنيّة، وهذا التّكامل في قنوات التّواصل يصنع ما يشبه «نظام دعم داخلي» يجعل المؤسسة أكثر قدرة على مواجهة الأزمات، وأكثر استعدادًا لتبنّي الممارسات الإنسانيّة في الإدارة.

وعند النّظر إلى العمل الجماعي، نجد أنه ليس مجرد نتيجة للقيادة وللتواصل، بل جزء من العملية التجديدية ذاتها، فالفريق الذي يشعر بالثقة والمسؤولية المشتركة يكرّس قيم التعاون، ويُرسّخ توجهات الإدارة الإنسانيّة على أرض الواقع، وبمرور الوقت، تتحول هذه القيم إلى ثقافة مؤسسية تضمن استدامة التّطوير الإداري وتماسكه.

وبناءً على ذلك، يمكن القول إنّ الفرضيّة التي تربط بين المهارات النّاعمة—القيادة، والتّواصل، والعمل الجماعي— وبين إمكانات تطوير العمل الإداري في التّعليم المهني تبدو فرضيّة قابلة للدّعم علميًا، فالمعطيات النّظريّة تشير بوضوح إلى أنّ هذه المهارات تساهم مجتمعة في تعزيز التّحوّل نحو إدارة إنسانيّة أكثر عدلًا ومرونة وفعاليّة، ومع أنّ بعض السّياقات قد تحتاج إلى استثناءات أو تعديلات، إلّا أنّ الاتجاه العام يؤكد أن المؤسسات التي تستثمر في هذه المهارات تمتلك قدرة أكبر على التّطور والاستجابة للتّحديات الحديثة.

وهكذا، تُظهر النّتائج أن المهارات النّاعمة ليست «إضافة اختياريّة» للإدارة، بل ركيزة أساسيّة في بناء نموذج إداري معاصر قادر على دعم العاملين، وتحسين جودة التّعليم، وتوفير بيئة مهنيّة قائمة على الاحترام والتّعاون والمعنى.

المراجع

-1Ahumada, L., Cabrera, Ó. M., & Pino-Yancovic, M. (2024). Formación técnico profesional en Chile: Trabajo colaborativo y liderazgo distribuido. Revista Electrónica de Investigación Educativa, 26, 1-16. https://doi.org/10.24320/redie.2024.26.e17.5757

-2Aljendan, A. Y. (2025). Communicative leadership in a time of transformation: Discourse practices of academic leaders in higher education. Forum for Linguistic Studies, 7 (9), . https://doi.org/10.30564/fls.v7i9.10768

-3Hughes, L., & Hamilton, K. (2025). Compassionate leadership to drive a culture of collaboration and inclusivity. https://doi.org/10.4018/979-8-3373-6960-0.ch001

-4Iman, M. Z., & Veronica, A. R. (2025). Transformational leadership in education: Enhancing teacher performance through effective management. Edu Spectrum, 2 (1), 24-34. https://doi.org/10.70063/eduspectrum.v2i1.92

-5Jiménez-de-Petit, A. M., & Jiménez-García, G. D. C. (2025). De la sistematización a la interpretación crítica de las experiencias en el ámbito gerencial [From systematisation to critical interpretation of experiences in the field of management]. https://doi.org/10.62574/p0ydjb20

-6Kalashnikova, I. V., & Nesmeyanov, D. V. (2025). Issues of human-centricity of the organization’s management culture. Diskurs, 11 (3), 67-78. https://doi.org/10.32603/2412-8562-2025-11-3-67-78

-7Khan, N. N., Zidan, M. A., Inkesar, A., & Mallick, M. F. (2024). Humanizing leadership for effective change management: Exploring the impact of organizational culture as a moderator. Journal of Infrastructure, Policy and Development, 8 (16), . https://doi.org/10.24294/jipd9374

-8Manoharan, G., & Ashtikar, S. P. (2024). Nexus between leadership and effective communication. Advances in Logistics, Operations, and Management Science book series, 274-291. https://doi.org/10.4018/979-8-3693-4350-0.ch015

-9Rodríguez, G. L. L. (2025). Habilidades directivas para una gestión escolar con enfoque humanista en los institutos tecnológicos. https://doi.org/10.46652/religacionpress.293.c511

-10Santana, X. M. I. (2024). La influencia del liderazgo transformacional en el desempeño académico y el clima escolar: Un estudio en instituciones de educación básica. Revista Veritas de Difusión Científica, 5 (3), 791-813. https://doi.org/10.61616/rvdc.v5i3.493

-11Sutisna, A., Khoriah, A., Juhartono, & Norman, E. (2024). Transformational leadership and team synergy in improving communication and collaboration in educational settings. MES Management Journal, 3 (3), . https://doi.org/10.56709/mesman.v3i3.551

-12Westover, J. (2024). Harnessing social psychology and human-centered leadership. Human capital leadership, 16 (1), . https://doi.org/10.70175/hclreview.2020.16.1.9

 

[1] – طالب دكتوراه في جامعة آزاد الإسلامية- فرع علوم وتحقيقات (طهران) – قسم الإدارة التربويّة

PhD student at Azad Islamic University – Science and Research Branch (Tehran) – Department of Educational Administration, Email: Kassem.a.nasser@hotmail.com

[2] – أستاذ في المعهد العالي للدكتوراة في الجامعة اللبنانيّة والجامعة الإسلاميّة في لبنان – وجامعة آزاد

Professor at the Higher Institute for Doctoral Studies at the Lebanese University, the Islamic University of Lebanon, and Azad University, Email: yatabaja@hotmail.com

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.