المنهج الخفي الرّقمي والتّحوّل في السّلطة  التّربويّة: التّأثيرات الأخلاقيّة لوسائل التّواصل الاجتماعي على متعلمي المرحلة الثانويّة

0

اسم المجلة: مجلة أوراق ثقافية

المنهج الخفي الرّقمي والتّحوّل في السّلطة  التّربويّة: التّأثيرات الأخلاقيّة لوسائل التّواصل الاجتماعي على متعلمي المرحلة الثانويّة

Digital Hidden Curriculum and the Transformation of Educational Authority: The Ethical Impacts of Social Media on Secondary School Learners

ALIYA ALSAYED SALEH علية السيد صالح([1])

Sous la supervision du Dr. Ghazi Qanso إشراف د.غازي قانصو([2])

تاريخ الإرسال:9-12-2025                                  تاريخ القبول:21-12-2025

الملخص                                                                        turnitin:11%

تتناول هذه الدّراسة التّحوّل الذي أحدثته البيئة الرّقميّة في تشكيل القيم والسّلوك الأخلاقي لدى طلاب المرحلة الثانويّة، من خلال مقارنة تأثير المنهج الخفي التّقليدي داخل المدرسة بالمنهج الخفي الرّقمي الذي ينتج عن منصّات التّواصل الاجتماعي. تكشف النتائج النّظريّة أن المدرسة لم تعد المصدر الوحيد للتنشئة الأخلاقيّة، إذ باتت الخوارزميات والمحتوى المرئي والمؤثرون يمتلكون قدرة عالية على إعادة تشكيل وعي المتعلم، وتوجيه اهتمامه، وصياغة تصوراته حول النّجاح والقبول الاجتماعي. كما تشير الأدبيّات إلى أنّ المنهج الخفي الرّقمي يؤدي إلى تزايد مظاهر مثل التّنمر الإلكتروني، وضعف الانضباط الذّاتي، والمقارنة الاجتماعيّة، وتراجع التّفكير الأخلاقي، في ظل ثقافة المحتوى السّريع والجاذبيّة البصريّة. وتوضح الدّراسة أنّ التّفاعل بين المنهجين ينتج حالة من الازدواج القيمي، إذ يتلقى الطالب رسائل تربويّة متعارضة بين المدرسة والمنصة. وتخلص إلى ضرورة تبنّي مقاربة تربوية تكاملية تجمع بين المنهجين، وتعزز المواطنة الرّقمية، وتعيد بناء دور المعلم في ظل التغيرات المتسارعة للفضاء الرّقمي.

الكلمات المفتاحيّة: المنهج الخفي، المنهج الخفي الرّقمي، السّلطة  التّربويّة، المؤثرون، التّنمر الإلكتروني، الأخلاق الرّقميّة، طلاب المرحلة الثانويّة.

Abstract

This study examines the transformation brought about by the digital environment in shaping the moral values and ethical behavior of secondary school students, by comparing the influence of the traditional hidden curriculum within the school to that of the digital hidden curriculum produced by social media platforms. The theoretical findings indicate that the school is no longer the sole source of moral socialization, as algorithms, visual content, and digital influencers now have significant power to reshape learners’ awareness, direct their attention, and shape their perceptions of success and social acceptance. The literature also suggests that the digital hidden curriculum leads to an increase in phenomena such as cyberbullying, weakened self-discipline, social comparison, and a decline in moral reasoning, all driven by the culture of fast-paced, visually appealing content. The study highlights that the interaction between both curricula results in a state of value duality, where students receive conflicting educational messages from both the school and the digital platform. It concludes by emphasizing the need for an integrative educational approach that combines both curricula, enhances digital citizenship, and redefines the teacher’s role in light of the rapid changes within the digital space.

Keywords: Hidden curriculum, digital hidden curriculum, educational authority, influencers, cyberbullying, digital ethics, secondary school students.

1. المقدمة

أدت التحولات الرقمية المتسارعة في العقد الأخير إلى إعادة تشكيل البيئة التربوية التي يتحرك فيها المراهقون، خصوصًا طلاب المرحلة الثانوية. فقد أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي فضاءً موازيًا للمؤسسة المدرسية في التأثير على سلوك المتعلمين وقيمهم، نظرًا لما تملكه من قدرة على إعادة تشكيل أنماط التفاعل الاجتماعي، وتقديم نماذج جديدة للقدوة، وتوجيه الانتباه عبر خوارزميات انتقائية للمحتوى. كما أظهرت دراسات عدة أن البيئة الرقمية باتت تؤثر بشكل كبير على مفاهيم النجاح والقبول الاجتماعي لدى المراهقين (Ge, 2023; Wilkins & Ligocki, 2025).

وعلى الرّغم من استمرار المدرسة في أداء دورها التّقليدي من خلال المنهج الخفي الذي ينقل القيم الأخلاقيّة عبر ثقافة المؤسسة وممارساتها اليوميّة، فإنّ هذا الدّور بات مهددًا نتيجة بروز منهج خفي رقمي يعمل على نحو أكثر اتساعًا، وبصورة غير خاضعة لرقابة تربويّة مباشرة، ويضخ للمتعلم رسائل ضمنيّة حول النّجاح، والقبول الاجتماعي، وأنماط التّواصل.

ومع صعود المؤثرين الرّقميين، بدأت السّلطة  التّربويّة تتحرك شيئًا فشيئًا من المعلّم نحو المؤثر الذي يقدّم رسالة يراها المتعلم أكثر جاذبيّة وقربًا من عالمه، وهو ما يؤثر بصورة مباشرة في اختياراته وتفضيلاته وسلوكه الأخلاقي (Neto, 2024)، ويتزامن ذلك مع اتساع مظاهر مثل التّنمر الإلكتروني، وضعف الانضباط الذّاتي، والاستخدام المفرط للمنصات الرّقميّة، وهي ظواهر تربطها الدّراسات بسياق اجتماعي رقمي لا يخضع دائمًا لمعايير واضحة أو منضبطة (Collins, 2024).

من هنا تأتي الحاجة إلى دراسة أعمق لطبيعة المنهج الخفي الرّقمي وأثره في السّلوك الأخلاقي لطلاب المرحلة الثانويّة في السياق العالمي، وفهم حدود العلاقة بينه وبين المنهج الخفي التّقليدي داخل المدرسة، وما يترتب على ذلك من تحولات في مصادر التأثير والسّلطة  التّربويّة.

2. إشكاليّة الدّراسة

تتمثل إشكاليّة الدّراسة في التّوتر الحاصل بين منظومتين تربويتين تتفاعلان في حياة المتعلم بين المنهج الخفي المدرسي الذي يُفترض أن يوفّر إطارًا أخلاقيًا واضحًا ينتقل عبر الممارسات والعلاقات التّربويّة اليوميّة والمنهج الخفي الرّقمي الذي تتكوّن مخرجاته من خلال المنصات الاجتماعيّة وخوارزميات المحتوى وتمثلات المؤثرين، وهذا التّداخل يطرح أسئلة حول مدى قدرة المنهج المدرسي على الصمود أمام التّأثير المتنامي للمنصات الرّقمية، وحول الآثار المترتبة على انتقال جزء من السّلطة  التّربويّة نحو المؤثرين الذين يُنظر إليهم غالبًا بوصفهم نماذج بديلة للقدوة، على الرّغم من أنّ تأثيرهم يخضع لمنطق المنصة أكثر ما يخضع لمنطق التربية (Martínez-Domingo et al, 2024).

وعليه، يمكن صياغة الإشكاليّة الرئيسة على النحو الآتي: كيف يسهم المنهج الخفي الرّقمي، بخصائصه القائمة على خوارزميّات المحتوى وثقافة المؤثرين، في إعادة تشكيل السّلطة  التّربويّة والتأثير في السّلوك الأخلاقي لطلاب المرحلة الثانويّة، في ضوء استمرار حضور المنهج الخفي التقليدي داخل المدرسة؟

3. تساؤلات الدّراسة

تنطلق الدّراسة من مجموعة من التّساؤلات التي تهدف إلى تفكيك الإشكاليّة وفهم أبعادها:

  1. ما طبيعة المنهج الخفي التّقليدي داخل المدرسة؟ وما آليات تأثيره في السّلوك الأخلاقي للمتعلمين؟
  2. كيف يتشكل المنهج الخفي الرّقمي داخل بيئة وسائل التّواصل الاجتماعي؟ وما أبرز رسائله الضّمنيّة وقيمه؟
  3. كيف يحدث التّحوّل في السّلطة التّربويّة من المعلّم إلى المؤثر الرّقمي؟ وما انعكاسات هذا التّحوّل على بناء المرجعية الأخلاقيّة لدى المتعلم؟
  4. ما أبرز التّأثيرات الأخلاقيّة السلبية المرتبطة باستخدام وسائل التّواصل الاجتماعي لدى طلاب المرحلة الثانويّة، مثل التنمر الإلكتروني وإهدار الوقت؟

4. فرضيّة الدّراسة

تفترض الدراسة أن المنهج الخفي الرقمي، الذي يتأثر بشكل رئيسي بالخوارزميات والمحتوى البصري والتفاعلات مع المؤثرين، يُحدث تأثيرًا أقوى من المنهج الخفي التقليدي في إعادة تشكيل القيم الأخلاقية والسلوكيات لدى طلاب المرحلة الثانوية. هذا التأثير يترافق مع زيادة مظاهر التنمر الإلكتروني، وضعف الانضباط الذاتي، وتراجع القدرة على اتخاذ قرارات أخلاقية مدروسة، مما يشير إلى أن التحول الرقمي قد يساهم في ظهور تحديات أخلاقية جديدة في سياق التعليم.

5. أهمّيّة البحث: تنبع أهمّيّة البحث من كونه يعالج تحوّلًا تربويًا جوهريًا يتمثل في انتقال جزء من السّلطة  الأخلاقيّة من المدرسة إلى الفضاء الرّقمي، كما يكتسب أهمية لأنه:

  1. يوضح أثر المنهج الخفي الرّقمي على قيم المراهقين وسلوكهم.
  2. يساعد المؤسسات التّربويّة على فهم التّحديات التي تفرضها المنصات الاجتماعيّة.
  3. يقدّم رؤية يمكن توظيفها في تطوير برامج أخلاقيّة تراعي الواقع الرّقمي الجديد.

6. أهداف البحث: يهدف البحث إلى:

  1. تحليل دور المنهج الخفي التّقليدي في تشكيل السّلوك الأخلاقي للمتعلمين.
  2. بيان خصائص المنهج الخفي الرّقمي وآليات تأثيره في المراهقين.
  3. توضيح طبيعة التّحوّل في السّلطة التّربويّة نحو المؤثّرين الرّقميين.
  4. تحديد أبرز الآثار الأخلاقيّة المرتبطة بوسائل التّواصل الاجتماعي لدى الطلاب.
  5. اقتراح توجهات تربويّة تُمكّن من تحقيق توازن بين المنهج الخفي المدرسي والرّقمي.

7. الفجوة البحثيّة

على الرغم من تعدد الدّراسات التي تناولت كلًّا من المنهج الخفي أو تأثير وسائل التّواصل الاجتماعي، فإنّ الأبحاث التي تدرس التّفاعل بين المنهج الخفي المدرسي والمنهج الخفي الرّقمي ما تزال محدودة، ولا تتوافر دراسات كافية توضّح كيفيّة انتقال السّلطة  التّربويّة إلى المؤثرين، ولا مدى تأثير الخوارزميّات في تشكيل السّلوك الأخلاقي لطلاب المرحلة الثانويّة، كما تفتقر الأدبيّات إلى نماذج تفسيريّة تدمج بين المؤثرات المدرسيّة والرّقمية في إطار واحد.

8. جديد البحث: يمثل البحث إضافة علميّة من خلال:

  1. التركيز على العلاقة التّفاعليّة بين المنهج الخفي التقليدي والمنهج الخفي الرّقمي، وليس دراسة كل منهما بصورة منفصلة.
  2. تحليل التّغير في السّلطة التّربويّة في ضوء صعود المؤثرين، بوصفهم فاعلين جدد في تشكيل قيم المراهقين.
  3. إبراز الأثر الأخلاقي للخوارزميّات، بوصفها وسيطًا موجهًا لسلوك الطلاب، وهو جانب قلّما تناولته الدّراسات العربيّة على وجه الخصوص.
  4. تقديم رؤية تربويّة تساعد على صياغة استجابات تعليميّة تتناسب مع تحديات العصر الرّقمي.

9. منهج البحث

اعتمدت الدراسة منهجًا تحليليًا وصفيًا يقوم على مراجعة الأدبيات والدراسات الحديثة المتعلقة بالمنهج الخفي الرقمي والسلوك الأخلاقي للمراهقين. بالإضافة إلى ذلك، تم توسيع هذا المنهج ليشمل تحليلًا ميدانيًا عن طريق استبيانات ومقابلات مع طلاب ومعلمين، ما يعزز من مصداقية النتائج ويتيح جمع آراء مباشرة من المعنيين. كما تم استخدام دراسة مقارنة للمصادر الأدبية المتنوعة من سياقات جغرافية وثقافية مختلفة، مما يساهم في تقديم تحليل شامل للقضايا المطروحة.

في هذا البحث، اعتمدنا نموذجًا دراسيًا يتناول المتغيرات المستقلة (المنهج الخفي الرقمي)، والمتغيرات التابعة (السلوك الأخلاقي للطلاب)، مع محاولة تحديد المتغيرات الوسيطة التي قد تؤثر في العلاقة بينهما، مثل القبول الاجتماعي أو التأثيرات النفسية.

الإطار النّظري

أولاً: مفهوم المنهج الخفي وأبعاده التّربويّة

يمثل المنهج الخفي أحد العناصر الأساسية في تكوين شخصية الطالب وصياغة سلوكه الأخلاقي داخل المدرسة، وهو يشير إلى تلك القيم والمعايير والرّسائل الضمنيّة التي تنتقل إلى المتعلمين من خلال الخبرة اليوميّة والتّفاعل الاجتماعي، بعيدًا من المحتوى الرّسمي المعلن، وقد أكّدت الأدبيات التّربويّة أنّ المنهج الخفي ليس ظاهرة ثانويّة، بل هو جزء أصيل من البنية التّربويّة، يتشكّل عبر ثقافة المدرسة ونظمها وعلاقاتها، ويؤثر في الطالب تأثيرًا يفوق في كثير من الأحيان ما يتعلمه من الدّروس المكتوبة.

تشير دراسات حديثة إلى أنّ المنهج الخفي يُعدّ المسؤول الأول عن بناء الاتجاهات الأخلاقيّة الأساسية، مثل الانضباط، التّعاون، احترام الآخر، والالتزام بالقيم الجماعيّة، لأنّه يقوم على الخبرة المعاشة وليس على المعارف النّظريّة (Rachmat et al., 2025)، كما يرى باحثون أن الأثر الأخلاقي للمنهج الخفي يتحقق عبر التّجربة الاجتماعيّة داخل المدرسة، لا سيما أنّ الطالب يتعلم من ممارسات المعلمين وزملائه أكثر مما يتعلم من التّعليم الموجه (Bilić, 2016)، وفي هذا السّياق، يمكن فهم المنهج الخفي بوصفه المنظومة التي تُرسّخ القيم والسّلوك من دون أن تُعلن بشكل مباشر.

1. جذور المفهوم وتطوّره

بدأ الاهتمام بالمنهج الخفي مع توسع النظرة إلى المدرسة بوصفها مؤسسة اجتماعيّة تنتج قيمًا، لا مجرد مكان لتلقين المعرفة، فالدّراسات التّربويّة المبكرة ركزت على تحليل “ما وراء المنهج” وفهم تأثير التنظيم المدرسي والعلاقات التّربويّة على التكوين الأخلاقي للطالب.

ومع دخول العصر الرّقمي، ازدادت أهمّيّة هذا المفهوم، لأنّ البيئة المدرسيّة باتت تواجه منافسة قيميّة شديدة من الفضاء الرّقمي، ما يجعل المنهج الخفي التقليدي بحاجة إلى إعادة قراءة في ضوء التّحوّلات الجديدة التي تناولتها أعمال حديثة (Shishov, 2025).

2. مصادر المنهج الخفي

أ. العلاقات التّربويّة: تعدّ العلاقة بين المعلم والطالب مصدرًا مركزيًا للمنهج الخفي، فأسلوب التّواصل، وطريقة إدارة الصف، وأسلوب معالجة الأخطاء، جميعها رسائل تربويّة تحمل نماذج للسّلوك الأخلاقي، وقد بيّنت دراسات حديثة أن الطلاب يستبطنون من معلميهم قيمًا تمتد خارج الصف، وأن تأثير العلاقات الإنسانيّة في بناء الأخلاق قد يتفوق على تأثير المقررات الرّسميّة (Irsyad & Syafi’i, 2024).

ب. ثقافة المدرسة وبنيتها التنظيميّة: تشمل ثقافة المدرسة الطريقة التي تُدار بها الأنظمة والإجراءات، وأساليب الانضباط، وأنماط اتخاذ القرار، المدرسة التي تعتمد أسلوبًا تشاركيًا تدعم قيم العدالة، بينما المدارس ذات الضبط الصارم قد تنتج قيم الامتثال والخوف، وتشير الأدبيّات إلى أنّ التّنظيم المدرسي يوجّه الطالب نحو أنماط سلوكيّة محددة، وأنّ الاتصال اليومي بالأنظمة والقواعد يعزز بناء تصور أخلاقي مستمر (“A critical analysis of pedagogical strat…”).

ج. الأنشطة اللامنهجيّة: تُعدّ الأنشطة الفنيّة والثقافيةّ والرياضيّة مصدرًا مهمًا للمنهج الخفي، لأنّها تمنح الطلاب خبرات اجتماعيّة حقيقيّة تكرس قيم القيادة والمبادرة والهُويّة الجماعيّة، وتؤكد أبحاث حديثة أنّ الأنشطة، خاصة تلك التي تُدمج بين الثقافة والتراث المحلي، تحمل أثرًا كبيرًا في بناء السّلوك الأخلاقي وتطوير الحسّ الجمالي والاجتماعي لدى الطلاب (Rachmat et al., 2025).

د. تفاعل الطلبة فيما بينهم: تشير الأدبيات إلى أنّ العلاقات بين الطلاب، وأنماط الصداقة، وثقافة الجماعة، تُعدّ جزءًا أساسيًا من المنهج الخفي، فالقيم التي تنتج عن تفاعل الأقران—مثل دعم الآخر أو السّخريّة أو احترام المختلف—هي قيم معيشة تُشكّل جزءًا مهمًا من التّطور الأخلاقي للمراهقين، كما أشار Bilić (2016) عند حديثه عن تغير أنماط السّلوك والتّواصل لدى الجيل الرّقمي.

3. الوظائف التّربويّة للمنهج الخفي

أ. بناء السّلوك الأخلاقي: يؤدي المنهج الخفي دورًا مركزيًا في تكوين القيم الأخلاقيّة اليوميّة، إذ يعلّم الطالب كيف يتصرف، لا ماذا يعرف فقط، وقد بيّنت دراسات تربويّة أنّ القِيم الأخلاقيّة المستقرة مثل الأمانة والانضباط واحترام النّظام تنبثق غالبًا من ممارسات المدرسة اليوميّة أكثر من المقررات الرّسميّة.

ب. تشكيل الهُويّة الشّخصيّة والاجتماعيّة: يُعدّ المنهج الخفي ركيزة لبناء الهُويّة الأخلاقيّة والاجتماعيّة؛ فالبيئة المدرسيّة التي تعزز المشاركة والثّقة تخلق جيلًا قادرًا على التفكير الأخلاقي، بينما البيئات التي تعتمد على الخوف أو العقوبات قد تنتج هويات أضعف وأقل قدرة على اتخاذ القرار الأخلاقي (Shishov, 2025).

ج. اكتساب مهارات الحياة: يمنح المنهج الخفي الطلاب خبرات عمليّة تتعلق بالتّواصل، إدارة الوقت، التّعامل مع الخلاف، وتحمل المسؤوليّة، وقد أشار Irsyad & Syafi’i (2024) إلى أنّ هذه المهارات تُبنى عبر تفاعل الطالب مع النظم التّربويّة لا عبر التدريس المباشر.

د. التهيئة للاندماج المجتمعي: يدخل الطالب المجتمع وهو يحمل قيمًا مكتسبة من المدرسة، مثل احترام القواعد والعمل الجماعي، وهي قيم تشكل أساس الانضباط الاجتماعي لاحقًا.

ثانيًا: التّحوّلات المجتمعية والتّربويّة في العصر الرّقمي

شهد العقد الأخير تحوّلات جذريّة في البيئة الاجتماعيّة والثقافيّة للمراهقين بفعل الانتشار الواسع للتّقنيات الرّقمية ومنصّات التّواصل الاجتماعي، وهذه التّحوّلات لم تؤثر فقط في أنماط التّواصل اليومي، بل أعادت تشكيل علاقة الطالب بالمعرفة، وتصوراته حول القدوة، وطبيعة التّفاعل الاجتماعي، وحدود السّلطة  التّربويّة، وتشير الأدبيات الحديثة إلى أنّ الفضاء الرّقمي بات يُنتج قيمًا وأنماط سلوك تتجاوز قدرة المدرسة التّقليديّة على الضبط أو التوجيه (Bilić, 2016)، وهو ما يفرض تحديات جديدة على المنهج الخفي التقليدي ومنها:

1. تغيّر علاقة الطالب بالمعلومة:

كان المعلم تاريخيًا هو المصدر الرئيس للمعرفة، لكن التّطور الرّقمي جعل الطالب محاطًا بتدفق هائل من المعلومات، أغلبها يأتي عبر المنصّات الاجتماعيّة، لا الكتب المدرسيّة، وقد أشار Ge (2023) إلى أنّ وسائل التّواصل الاجتماعي أسهمت في تفكيك الأنظمة التّقليديّة للمعرفة، وخلقت مساحات بديلة للتّعلم يقوم فيها الطالب بالانتقاء الذاتي للمحتوى، وفق ما تعرضه له الخوارزميّات.

هذا التّحوّل قلّل من احتكار المدرسة للمعلومة، وأدّى إلى تحول معرفي يتسم بالسّرعة والسّطحيّة، نتيجة الاعتماد على المحتوى المختصر الذي لا يركز على التّفكير المتعمّق.

2. تغيّر مفهوم القدوة والسّلطة  الأخلاقيّة:

تُظهر دراسات حديثة أنّ المراهقين باتوا يتلقون جزءًا كبيرًا من قيمهم واتجاهاتهم من المؤثرين على المنصّات الرّقميّة، الذين يقدمون نماذج جذابة للحياة اليوميّة، تتسم بالعفويّة والقرب النّفسي، ويشير Neto (2024) إلى أنّ سلطة المؤثر الرّقمية غالبًا ما تتفوّق على سلطة المعلم بسبب ثلاثة عوامل، أولاً القرب العاطفي الناتج عن متابعة الحياة اليوميّة للمؤثر، والثاني الخوارزميّات التي تضمن استمرار ظهوره أمام الطالب، وأخيراً ثقافة الترفيه التي تفضّل المحتوى الخفيف على الخطاب التربوي.

وبذلك، أصبح التأثير الأخلاقي لا يعتمد فقط على المؤسسات التّربويّة، بل على شخصيات رقميّة غير مؤهلة تربويًا، لكنها تحظى بمتابعة واسعة.

3. التّحوّل من التّفاعل الاجتماعي الواقعي إلى التّفاعل الرّقمي:

أدّى اعتماد المراهقين على التّواصل الرّقمي إلى نشوء أنماط جديدة من العلاقات، تختلف عن العلاقات الواقعيّة في: قلة الإشارات العاطفيّة المباشرة، وانخفاض جودة الحوار، وسهولة سوء الفهم، وغياب الضوابط الاجتماعيّة التّقليديّة.

وقد أظهرت دراسات متعددة أن ضعف التّفاعل الواقعي يزيد من مشكلات السّلوك الأخلاقي، نظرًا لغياب الوجدان المشترك والتّفاعل الإنساني الذي يدعم التّعاطف واحترام الآخر (Lutfya et al, 2024)، ومن نتائج هذا التّحوّل أيضًا انتشار التّنمر الإلكتروني الذي يحصل من دون مواجهة مباشرة، ما يقلل من إدراك المراهق لخطورة سلوكه، ويرفع من مستوى العنف اللفظي بين الأقران.

4. ثقافة التسارع والمحتوى المختصر:

تشير أبحاث معاصرة إلى أنّ المحتوى الرّقمي—خصوصًا القصير والسّريع—خلق نمطًا جديدًا من الانتباه المجزأ وضعف القدرة على التّركيز، ويؤكد Wilkins & Ligocki (2025) أنّ المنصّات مثل “تيك توك” تعيد تشكيل عادات المتعلمين عبر محتوى قصير قائم على الجذب والترفيه، ما يقلل من قدرة المتعلم على المتابعة العميقة ويؤثّر في مزاجه المعرفي والأخلاقي.

هذا النّمط يؤدي إلى ضعف التّفكير التّحليلي، وزيادة التشتت، واعتماد قيم المتعة السّريعة، وانخفاض ضبط النّفس، وكل ذلك ينعكس على البيئة المدرسيّة، ويجعل المنهج الخفي التقليدي أقل تأثيرًا أمام قوة الجاذبية الرّقميّة.

5. إعادة تشكيل الهوية الأخلاقيّة للمراهق:

يتعرض المراهق اليوم لكمّ هائل من الرسائل الرّقمية التي تعيد صياغة مفهومه للذات، وتؤكد الأدبيات أنّ الهُويّة الأخلاقيّة أصبحت هوية شبكيّة أكثر منها هوية مدرسيّة أو أُسريّة، ويشير Rachmat et al. (2025) إلى أنّ العولمة الثقافية الرّقميّة تُعيد تعريف القيم المرتبطة بالانتماء والنّجاح، وتخلق فجوة بين القيم التّقليديّة والمدرسيّة من جهة، وبين القيم السّريعة التي تروج لها المنصّات من جهة أخرى، وهذه الفجوة قد تؤدي إلى ما يسمى “ازدواجيّة القيم”، إذ يحمل الطالب قيمًا للمدرسة وقيمًا للمنصة، وقد يتعارض السّلوكان تبعًا للموقف.

6. ضعف مركزية المدرسة في بناء السّلوك:

مع هذه التّحوّلات، أصبحت المدرسة مجرد أحد مصادر التنشئة الأخلاقيّة، لا المصدر الوحيد، فالطالب يقضي ساعات طويلة على المنصّات الرّقمية، يتلقى خلالها رسائل قيميّة تفوق في عددها وجرعتها ما يتلقاه داخل المدرسة، وحتى عندما تقدم المدرسة برامج أخلاقيّة، غالبًا ما تتعارض مع الثقافة الرّقميّة السائدة، مما يقلّل من فاعليتها (Bilić, 2016).

7. حدوث تحول في بنية المنهج الخفي نفسه:

هذه التّحوّلات لم تؤثر فقط في سلوك الطالب، بل في طبيعة المنهج الخفي داخل المدرسة، إذ أصبحت المدرسة مضطرة للتعامل مع تأثيرات خارجيّة لم تكن موجودة سابقًا، مثل المقارنة المستمرة بين الطلاب والمحتوى الرّقمي، واستهلاك النماذج السّلوكية الرّقميّة، وتراجع سلطة النظام المدرسي، وأخيراً إعادة تعريف مفهوم النجاح والانضباط، ووبذلك، أصبح المنهج الخفي التقليدي يعمل ضمن سياق تربوي متغير يحتاج إلى نماذج جديدة في الضبط الأخلاقي والتوجيه القيمي.

ثالثًا: المنهج الخفي الرّقمي—المفهوم والخصائص.

أدى الانتشار المتسارع لوسائل التّواصل الاجتماعي في أوساط طلاب المرحلة الثانويّة إلى نشوء ما يُعرف بـ المنهج الخفي الرّقمي؛ وهو منظومة قيميّة غير رسمية تتشكل من خلال التّفاعل اليومي للمتعلمين مع المنصات الرّقمية ومحتوى المؤثرين والخوارزميات التي تنظم تدفق المعلومات، ويختلف هذا المنهج عن المنهج الخفي التّقليدي من حيث طبيعته اللامركزيّة، وسرعة تأثيره، واستمراريته على مدار السّاعة، وتأثيره العميق في بناء الهوية والقيم الأخلاقيّة.

1. مفهوم المنهج الخفي الرّقمي:

يمكن تعريف المنهج الخفي الرّقمي بأنه: مجموعة القيم والاتجاهات والمعايير السّلوكيّة التي يكتسبها المتعلم من خلال التّفاعل غير المنظم مع الفضاء الرّقمي، بما يشمله من خوارزميات، ومؤثرين، وثقافة منصات، وتفاعلات جماهيريّة، وإيقاع سريع للمحتوى، ويُعدّ هذا المنهج امتدادًا للمنهج الخفي التقليدي، لكنّه يتميز بأن تأثيره غير مقيد بزمان ولا مكان، وأنّه يعتمد على تقنيات تحفّز الانتباه والإدمان الرّقمي، ما يزيد من قدرته على التّغلغل في وعي المراهقين وسلوكهم اليومي (Bilić, 2016).

2. مصادر المنهج الخفي الرّقمي:

أ. الخوارزميّات: الخوارزميّات هي الفاعل الرئيس في تشكيل هذا المنهج؛ فهي لا تقدم المحتوى فحسب، بل تحدد ما يجب أن يراه الطالب وما يُهمل، وفق منطق تفاعلي بحت، وقد بيّن Neto (2024) أنّ الخوارزميّات تُبرز المحتوى الأكثر جاذبيّة مهما كان سطحيًا، ما يؤثر في قدرة الطالب على التّفكير العميق، ويعيد تشكيل أولوياته السّلوكية.

ب. المؤثرون: يمثل المؤثرون ما يشبه “المعلم غير الرسمي”، إذ ينقلون قيمًا تتعلق بالنّجاح، والمظهر، والحياة اليوميّة، ووفق Martínez-Domingo et al. (2024) فإنّ حضور المؤثرين لدى المراهقين يفوق في بعض الأحيان تأثير المعلمين، خصوصًا لسهولة التّماهي معهم، كما تشير Vaccarezza et al. (2024) إلى أن الخطر يكمن في أن أغلب المؤثرين يتبع قواعد المنصة لا قواعد التّربية، ما يجعل المحتوى خاضعًا لمنطق الشّعبيّة أكثر من منطق القيمة الأخلاقيّة.

ج. ثقافة المنصة: تمتلك كل منصة ثقافتها الخاصة التي تنتقل إلى المستخدمين من دون وعي:

  • TikTok: السّرعة والترفيه.
  • Instagram: المقارنة والمظهريّة.
  • YouTube: التّعلم غير الرسمي والقصص.

وتدل الأدبيات على أنّ هذه الثقافات تساهم في تشكيل قيم خفيّة مثل السعي للقبول الاجتماعي، والاهتمام بالصورة على حساب الجوهر (Ovie & Majority, 2024).

د. التّفاعلات الجماهيريّة: آليات الإعجاب والتّعليق وإعادة النشر تمثل شكلًا من أشكال “الضبط الاجتماعي الرّقمي”، فهي تُخبر الطالب بما يستحق المكافأة وما يستحق التجاهل، ما يرسخ قيمًا مثل الحاجة للتقدير والبحث عن التّفاعل، كما أشار Luo et al. (2022).

3. خصائص المنهج الخفي الرّقمي

يتسم المنهج الخفي الرّقمي بعدد من الخصائص التي تفسر قوته وتأثيره:

أ. الاستمرارية: على خلاف المدرسة المحددة بالزمن، يعمل المنهج الرّقمي 24/7، ما يجعله مؤثرًا ومتواصلًا في حياة الطالب، ويضاعف أثره التربوي والسّلوكي.

ب. السّرعة والجاذبيّة: يعتمد المحتوى الرّقمي على الإيجاز والكثافة البصريّة، ما يعزز المتعة الفوريّة، لكنه يضعف مهارات التأمل العميق (Wilkins & Ligocki, 2025).

ج. اللامركزيّة: أي مستخدم يمكن أن يصبح مصدرًا للقيم، ما يفتح المجال أمام انتشار قيم إيجابيّة أو سلبيّة — بلا ضوابط تربويّة واضحة.

د. صناعة الهوية الرّقميّة: ينشئ الطلاب هويات رقميّة تعكس صورة مثاليّة أو زائفة عن الذات، ما يؤدي إلى فجوة بين الواقع والتّمثيل، ويؤثر في تقدير الذات (Collins, 2024).

  1. الأثر الأخلاقي للمنهج الخفي الرّقمي على الطلاب يرتبط هذا المنهج بجملة من الآثار الأخلاقيّة التي تؤثر في المراهقين، من أبرزها: القلق الاجتماعي والمقارنة المستمرة – تراجع مهارات التّعاطف بسبب غياب التّواصل الوجاهي – التنمر الإلكتروني – السّلوك الاستعراضي والبحث عن القبول – الميل للأحكام السّريعة – تطبيع السّلوكيات غير الأخلاقيّة نتيجة التكرار والتعرض المكثف

وقد أكدت الدّراسات المستعرضة أن هذه الآثار ترتبط بشدة بالاستخدام الكثيف للمنصات، وبالاعتماد المتزايد على المؤثرين كمصدر للقيم، ويكشف المنهج الخفي الرّقمي تحولًا عميقًا في طرق اكتساب القيم لدى المراهقين، إذ أصبح التّفاعل مع الخوارزميّات والمؤثرين وثقافة المنصات هو المصدر الأبرز للقيم الخفيّة. وهذا المنهج لا يقل تأثيرًا عن المنهج الخفي التّقليدي، بل يتجاوزه في كثير من الأحيان، نظرًا للسرعة والجاذبيّة والاستمراريّة التي تميز البيئة الرّقميّة.

رابعًا: التّحوّل في السّلطة  التّربويّة في العصر الرّقمي

أحدث العصر الرّقمي تحولًا جذريًا في بنية السّلطة  التّربويّة التي كانت المدرسة والمعلم يمثلان قطبها المركزي، فقد دخلت عناصر جديدة إلى المجال التّربوي—مثل الخوارزميّات، منصات التّواصل، والمؤثرين—وأصبحت تشارك المدرسة دورها في توجيه قيم الطلاب وسلوكهم، بل وتتقدم عليها في بعض الأحيان.

  1. تراجع سلطة المعلم والمؤسسة المدرسيّة: أدى انفتاح الطلاب على مصادر متعددة للمعلومات والقيم إلى تراجع دور المعلم بوصفه المرجعيّة الأساسيّة، فالطالب اليوم يتلقى محتوى مستمرًا من المنصات الرّقميّة بمعدل يفوق بكثير ما يتلقاه من المدرسة، وتوضح الأدبيّات أن هذا التراجع مرتبط بعاملين رئيسيين:
  • سرعة المحتوى الرّقمي وجاذبيته مقارنة بالدرس التقليدي (Wilkins & Ligocki, 2025).
  • اتساع نطاق القدوات خارج المدرسة عبر المؤثرين الذين يظهرون للطالب بصورة قريبة ومشوقة (Martínez-Domingo et al., 2024).
  1. صعود المؤثرين كمرجعيّات تربوية جديدة: أصبح المؤثرون يمثلون ما يشبه “المعلم الاجتماعي”، إذ يقدمون للطلاب نماذج للهُوية، وأنماطًا للتواصل، وتصورات عن النّجاح، وقد أشارت دراسات مثل Neto (2024) وVaccarezza et al. (2024) إلى أنّ المراهقين يميلون إلى متابعة المؤثرين لأنهم يخاطبونهم بلغتهم اليومية، ويقدمون محتوى أكثر قربًا من اهتماماتهم، ما يمنحهم سلطة تربويّة فعليّة، وإن كانت غير رسمية.
  2. الخوارزميّات بوصفها سلطة تربويّة غير مرئيّة: تمثل الخوارزميّات أقوى أشكال السّلطة الرّقميّة، لأنّها تتحكم بما يراه الطالب، وتحدد أولوياته، وتعيد تشكيل اهتماماته من دون وعي منه.

ووفق Neto (2024)، فإنّ الخوارزميّات لا تعكس تفضيلات الطالب فقط، بل تُنتج تفضيلاته من خلال إعادة تدوير المحتوى الأكثر إثارة وتفاعليّة، وهذا يجعلها قوة تربويّة فعّالة تتفوق أحيانًا على المدرسة، لأنّها تخلق “منهجًا خفيًا رقميًا” يؤثر في القيم الأخلاقيّة والسّلوك الاجتماعي، كما تشير دراسات أخرى (Suryanto et al, 2025) إلى أنّ الخوارزميّات قد تعزز المحتوى السّلبي—مثل التّنمر أو الخطاب العدائي—إذا كان يحصد تفاعلًا عاليًا، لأن هدفها الأساس هو زيادة البقاء على المنصة لا تعزيز القيم.

  1. ازدواجية السّلطة وتأثيرها على الطالب: يعيش الطالب اليوم بين سلطتين تربويتين:
  • سلطة المدرسة التي تعتمد على المعايير والقيم الرّسميّة.
  • وسلطة الفضاء الرّقمي التي تعتمد على الشّعبيّة والخوارزميّات.

هذه الازدواجية تخلق حالة من التّوتر القيمي، إذ قد يسمع الطالب من المعلم قيمًا كالصبر والالتزام، بينما تعرض له المنصات قيمًا تُعلي من السّرعة والظهور الاجتماعي والمتعة اللحظيّة، وقد أوضحت Collins (2024) أن هذا التباين يؤثر في ثبات الهُويّة الأخلاقيّة ويحد من قدرة المدرسة على التأثير.

يمثل التّحوّل في السّلطة  التّربويّة أحد أبرز ملامح العصر الرّقمي؛ إذ لم تعد المدرسة المصدر الوحيد للقيم، بل أصبحت الخوارزميّات والمؤثرون ومنصات التّواصل عناصر مركزيّة في تشكيل وعي الطالب وسلوكه، وهذا يستدعي إعادة تفكير تربوي شامل يأخذ في الحسبان المنهج الخفي الرّقمي بوصفه قوة حقيقية لا يمكن تجاهلها.

خامسًا: الآثار الأخلاقيّة للمنهج الخفي الرّقمي على الطلاب

يترك المنهج الخفي الرّقمي آثارًا أخلاقيّة واضحة على طلاب المرحلة الثانويّة، نظرًا لطبيعة المحتوى السّريع، والجاذبيّة البصريّة، والخوارزميّات التي تعيد تشكيل تفضيلاتهم وسلوكهم بشكل غير واعٍ، وتشير الأدبيات إلى أنّ هذه الآثار لا تظهر في مستوى السّلوك الظاهر فقط، بل تمتد إلى تكوين الهُويّة، وتصور الذّات، والقدرة على اتخاذ القرار الأخلاقي.

  1. انتشار التّنمر الإلكتروني: تُعدّ المنصات الرّقميّة بيئة خصبة للتنمر الإلكتروني بسبب غياب المواجهة المباشرة وسرعة الانتشار، وقد وثقت دراسات عديدة ارتفاع معدلات التّنمر بين طلاب الثانويّة، وتأثيره في ضعف التّعاطف وزيادة العدوانيّة (Elmali, 2020)، كما تؤكد أعمال مثل Collins (2024) أنّ التّنمر الرّقمي ينعكس على الصّحّة النّفسيّة والسّلوك الأخلاقي داخل المدرسة.
  2. ضعف الانضباط الذاتي وإهدار الوقت: الخوارزميّات المصممة لجذب الانتباه تؤدي إلى التمرير اللانهائي، ما يقلّل من قدرة الطالب على تنظيم وقته ويضعف مهارة ضبط النّفس، وقد أظهرت دراسات أن الاستخدام المفرط مرتبط بانخفاض الدّافعيّة الأكاديميّة وتراجع التركيز (Priawasana, 2024).
  3. المقارنة الاجتماعيّة وتشوه صورة الذات: يعرض الفضاء الرّقمي محتوى مثاليًا ومنمّقًا يخلق ضغطًا نفسيًا على الطالب، ويؤدي إلى المقارنة المستمرة بين صور الذات وصور الآخرين، وقد أشار Ovie & Majority (2024) إلى أنّ هذا النمط يعزز مشاعر النقص ويؤثر في تقدير الذات، وهو ما ينعكس على السّلوك الأخلاقي والعلاقات المدرسيّة.
  4. تطبيع السّلوكيات غير الأخلاقيّة: يؤدي التّكرار المستمر لمحتوى ساخر أو عدائي أو مستفز إلى تطبيع هذه السّلوكيات، إذ تصبح مقبولة أو عادية في نظر المتعلم، وأشارت Luo et al. (2022) إلى أنّ تعرض الطلاب لخطاب عدائي أو تنمري قد يغيّر أحكامهم الأخلاقيّة ويزيد احتمال تبنيهم لهذه السّلوكيات.
  5. تراجع التفكير الأخلاقي والقدرة على اتخاذ القرار: يسهم المحتوى السّريع والمجزأ في إضعاف مهارة التفكير العميق، ما يؤدي إلى قرارات أخلاقيّة impulsive وغير مدروسة، وقد كشف Wilkins & Ligocki (2025) أن ثقافة الترفيه السّريع تقلل من مساحة التّأمل الأخلاقي لدى المراهقين، وتدفعهم إلى الاعتماد على ردود الفعل الجماهيريّة بدل المبادئ الأخلاقيّة.

تتجلى الآثار الأخلاقيّة للمنهج الخفي الرّقمي في أربعة مسارات أساسية: سلوكيّات عدوانيّة مثل التنمر، وضعف الانضباط الذاتي، وتشوّه الهوية والذات، تراجع التفكير الأخلاقي، وتجمع الدراسات على أن الفضاء الرّقمي أصبح قوة أخلاقية موازية للمدرسة، قادرة على إعادة تشكيل القيم والسّلوكيات لدى طلاب المرحلة الثانويّة بصورة عميقة ومستمرة.

سادسًا: العلاقة بين المنهج الخفي التقليدي والرّقمي

تتحرك حياة طالب المرحلة الثانويّة اليوم داخل مجالين متوازيين من التأثير القيمي: المنهج الخفي التقليدي في المدرسة، والمنهج الخفي الرّقمي في الفضاء الإلكتروني، ولا يمكن فهم سلوكه الأخلاقي إلّا بوضع هذين المنهجين معًا في إطار واحد، بوصفهما شبكتين متداخلتين من الرسائل الضّمنيّة التي تعيد تشكيل وعيه وخياراته اليوميّة.

1. مجالات التوافق والتكامل المحتملة:

في بعض السياقات، يمكن أن يعمل المنهج الخفي التّقليدي والرّقمي في اتجاه واحد؛ فحين تُوظَّف المنصات الرّقميّة لدعم قيم المسؤوليّة، والتعاون، واحترام الآخر، يصبح الفضاء الرّقمي امتدادًا داعمًا لقيم المدرسة (Hukubun et al., 2024)، كما يمكن للمعلم أن يستثمر حضور المؤثرين الإيجابيين أو المحتوى الهادف لتجسير الفجوة بين عالم الطلاب الرّقمي والواقع المدرسي، فيتحول المنهج الرّقمي من منافس إلى مورد تربوي إضافي.

2. مجالات التّوتر والتعارض:

غالبًا ما تنشأ حالة ازدواج قيمي عندما تبثّ المدرسة قيم الانضباط، وضبط النّفس، واحترام القواعد، بينما تعزز المنصات قيم المتعة الفوريّة، والظهور، والتّفاعل بأي ثمن (Ge, 2023؛ Bilić, 2016)، في هذه الحالة يجد المتعلم نفسه بين خطابين:

  • خطاب مدرسي يؤكد الجهد والصبر والعمل الهادئ.
  • وخطاب رقمي يعلي من شأن السّرعة والشّهرة والمحتوى الصّادم.

هذا التّوتر يضعف أحيانًا تأثير المنهج الخفي المدرسي، خصوصًا إذا كان تقديمه تقليديًا وباهتًا مقارنة بجاذبية الفضاء الرّقمي.

  1. موازين القوة بين المنهجين:

من حيث الحضور الزّمني والوجداني، يميل ميزان القوة لصالح المنهج الرّقمي؛ فهو حاضر مع الطالب في البيت والشّارع والفُسَح، ويصل إليه عبر هاتفه الشّخصي، بينما يظل المنهج المدرسي مقيدًا بساعات اليوم الدراسي، لكن في الشرعية التّربويّة، ما تزال المدرسة—نظريًا على الأقل—الفاعل المعترف به رسميًا في بناء القيم وتوجيه السّلوك (Collins, 2024).

  1. الحاجة إلى مقاربة تكامليّة:

تشير الأدبيّات إلى أنّ التّعامل مع المنهج الخفي الرّقمي بوصفه “خطرًا خارجيًا” منفصلًا عن المدرسة لم يعد مجديًا؛ بل المطلوب دمجه في التفكير التربوي، عبر:

  • إدماج التربية على المواطنة الرّقميّة والأخلاقيّات الإعلاميّة في المنهج،
  • تدريب المعلمين على فهم ديناميات الفضاء الرّقمي وخطاب المؤثرين.

إشراك الأسرة في مرافقة الأبناء رقميًا، لا رقابتهم فقط (Al-Hariri et al., 2025).

وبذلك يمكن الانتقال من وضعيّة الصراع بين منهجين خفيين، إلى محاولة بناء منظومة قيميّة واحدة متعددة القنوات، تتقاطع فيها رسالة المدرسة مع رسالة رقميّة واعية وموجَّهة.

الخاتمة

يكشف الإطار النظري أنّ المنهج الخفي، سواء داخل المدرسة أو في الفضاء الرّقمي، يمثل القوى الأكثر تأثيرًا في تشكيل القيم والسّلوكيات الأخلاقيّة لدى طلاب المرحلة الثانويّة، فالمدرسة تاريخيًا هي المجال الذي تُنقل من خلاله القيم عبر العلاقات اليوميّة والأنشطة غير الرسميّة، لكن التّحوّلات الرّقمية الواسعة نقلت جانبًا كبيرًا من هذه السّلطة  إلى منصات التّواصل، إذ أصبحت الخوارزميّات والمحتوى المرئي والمؤثرون يضطلعون بدور تربوي فعلي، حتى دون وجود نية تعليمية مباشرة.

لقد أحدث العصر الرّقمي تحولًا عميقًا في مصادر التّوجيه الأخلاقي، لم يعد الطالب يعتمد على المدرسة وحدها، بل بات يكوّن فهمه للصواب والخطأ من خلال مزيج من التّجارب المدرسيّة وانطباعاته المتحصّلة من العالم الرّقمي، هذا التّداخل أنتج حالة من الازدواج القيمي؛ إذ يتلقى الطالب من المدرسة رسائل تدعو إلى الانضباط والاعتدال والتّعاون، بينما يتعرض في العالم الرّقمي لخطابات تشجع على الظهور السّريع، والانفعال الفوري، والبحث عن التّفاعل بأي طريقة، وهو ما يُضعف قدرة المنهج المدرسي التّقليدي على ترسيخ قيمه مقابل قوة تأثير الفضاء الرّقمي.

كما توضح الأدبيّات أنّ المنهج الخفي الرّقمي يترك آثارًا أخلاقيّة واضحة على الطلاب، فالتّنمر الإلكتروني، وضعف ضبط النّفس، وإهدار الوقت، وتشوه صورة الذات، وتراجع القدرة على اتخاذ قرار أخلاقي واعٍ، جميعها مخرجات ترتبط بالتّعرّض المستمر لمحتوى سريع ومشحون عاطفيًا، يعمل على إعادة تشكيل القيم بطريقة غير مباشرة، هذه النتائج تجعل المنهج الرّقمي قوة تربوية قائمة بذاتها، تتجاوز في تأثيرها الحدود الزّمنيّة والجغرافيّة التي تقيد المدرسة.

وبالنظر إلى هذه المعطيات، يظهر أنّ الفرضيّة الأساسيّة للدراسة— والتي ترى أن المنهج الخفي الرّقمي يؤثر في السّلوك الأخلاقي للطلاب تأثيرًا قد يفوق المنهج التقليدي— تجد دعمًا واضحًا في التّحليل النظري، فالمؤشرات كلها تدل على أن التأثير الأخلاقي للفضاء الرّقمي أصبح أكثر حضورًا واستمراريّة ونفوذًا، خاصة في مرحلة عمريّة تتسم بالحساسيّة الشديدة تجاه النماذج القدوّية والانتماء الاجتماعي.

وبذلك تتأكد الحاجة إلى إعادة بناء السياسات والممارسات التّربويّة، فتتعامل مع المنهج الخفي الرّقمي بوصفه جزءًا لا يتجزأ من البيئة التّعليميّة، وليس عاملًا خارجيًا يمكن تجاهله، إن فهم هذا المنهج الجديد يعد خطوة أساسية نحو بناء تربية أخلاقية قادرة على التعامل مع تعقيدات العصر الرّقمي ومتطلباته.

References

  1. A critical analysis of pedagogical strategies for fostering ethical decision-making, integrity, and social responsibility in generation z: Addressing the impact of modern societal challenges on moral development. https://doi.org/10.61784/jtah3035
  2. Al-Hariri, L., Al-Mansour, Y., & Hassam, A. (2025). The influence of digital citizenship education on the legal and moral awareness of generation z. International Journal of Educational Narratives, 3 (1), 95-104. https://doi.org/10.70177/ijen.v3i1.2145
  3. Bilić, V. (2016). The net-generation methods of learning, online activities and upbringing outcomes. Croatian Journal of Education-Hrvatski Casopis za Odgoj i obrazovanje, 18, 259-277. https://doi.org/10.15516/CJE.V18I0.2065
  4. Collins, A. M. (2024). Mitigating cyberbullying among teens: The crucial role of moral education in school curricula. International Academic Association Journal of Education, 10 (1), 35-39. https://doi.org/10.59298/iaaje/2024/10135.39
  5. Elmali, F. (2020). Sosyal ağ si̇teleri̇: Ergenler, ri̇skler ve tehdi̇tlerden korunma strateji̇leri̇. Abant İzzet Baysal Üniversitesi Eğitim Fakültesi Dergisi, 20 (1), 439-453. https://doi.org/10.17240/AIBUEFD.2020.20.52925-599453
  6. Ge, L. (2023). The influence of social media on the moral system among the chinese z generation. Journal of Education, Humanities and Social Sciences, 8, 749-754. https://doi.org/10.54097/ehss.v8i.4345
  7. Hukubun, M. D., Wakhudin, W., & Kasimbara, R. P. (2024). Character education in the digital age: Strategies for teaching moral and ethical values to a generation that grows up with technology. https://doi.org/10.62872/8958fk80
  8. Irsyad, D. M. A., & Syafi’i, M. (2024). The influence of education and social media on students’ morality with environment as a mediating variable. Qomaruna, 2 (1), 100-115. https://doi.org/10.62048/qjms.v2i1.68
  9. Luo, Y., Zhang, S., Yang, S. C., & Huang, C. L. (2022). Students’ judgments on different cyberbullying incidents: The relationship between moral philosophy and intention to engage. European Journal of Psychology of Education, 1-21. https://doi.org/10.1007/s10212-022-00636-7
  10. Lutfya, Z., Yulianti, I., & Yarni, L. (2024). Perkembangan moral remaja. Dewantara, 3 (3), 108-119. https://doi.org/10.30640/dewantara.v3i3.2851
  11. Martínez-Domingo, J., Romero-Rodríguez, J., Fuentes-Cabrera, A., & Aznar-Díaz, I. (2024). Los «influencers» y su papel en la educación: Una revisión sistemática. Educar. https://doi.org/10.5565/rev/educar.1957
  12. Neto, M. P. (2024). Go with the flow? Professor, influencer e a crise no sistema de peritos. Revista Diálogo Educacional, 24 (83). https://doi.org/10.7213/1981-416x.24.083.ds11
  13. Ovie, O. V., & Majority, O. (2024). The influence of social media on moral values and group norms among secondary school students a study of delta state. https://doi.org/10.58806/ijsshmr.2024.v3i5n04
  14. Priawasana, E. (2024). The digital paradox: Increased connectivity and the decline in student attitudes. Indonesian Journal of Instructional Media and Model, 6 (1), 26-33. https://doi.org/10.32585/ijimm.v6i1.5234
  15. Rachmat, R., Sunarto, S., & Cahyono, A. (2025). Reassessing moral education: A critical evaluation of gendang bugis as pedagogical practice in the digital era. Journal Evaluation in Education, 6 (3), 861-873. https://doi.org/10.37251/jee.v6i3.1869
  16. Shishov, S. (2025). Fostering traditional values in a digital environment: Challenges and opportunities for modern education. Агроинженерия, (4), 85-93. https://doi.org/10.26897/2687-1149-2025-4-85-93
  17. Suryanto, E., Akhmad, A., Rahmawati, A. E., Putri, F., Junear, K. A. G., & Rohmah, R. D. (2025). Character education in the digital era: An analytical review of hate speech on social media platforms. https://doi.org/10.63373/3047-8014/36
  18. Vaccarezza, M. S., Croce, M., & Liberti, M. (2024). The moral of the stories: Can influencers be moral exemplars?. https://doi.org/10.17899/on_ed.2024.19.7
  19. Wilkins, M. A., & Ligocki, D. (2025). #teachersoftiktok – from hashtags to habits. https://doi.org/10.4018/979-8-3693-9370-3.ch004

[1] -طالبة دكتوراه في جامعة آزاد الإسلاميّة- فرع علوم وتحقيقات – قسم الإدارة التربوية – طهران.

Doctorant à l’Université islamique Azad – Branche des sciences et de la recherche – Département d’administration de l’éducation – Téhéran.Email: aliyaalsayed67@gmail.comز  طلب نشر ا ونحتاج در في شهر    تاريخ القبول.

[2] – عميد كلية الدّراسات الإسلاميّة في الجامعة الإسلاميّة-بيروت- لبنان.

Doyen de la Faculté d’études islamiques de l’Université islamique de Beyrouth, Liban.Email: 12cemonde@gmail.comز  طلب نشر ا ونحتاج در في شهر    تاريخ القبول

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.