الزّوجة المثاليّة في تكامل أدورها الأربعة منظمة نفسيّة تربويّة في تحقيق الانسجام الزّواجي

0

اسم المجلة: مجلة أوراق ثقافية

الزّوجة المثاليّة في تكامل أدورها الأربعة

منظمة نفسيّة تربويّة في تحقيق الانسجام الزّواجي

The ideal wife in the integration of her four roles: a psychological and educational framework for achieving marital harmony

                                Charifa Hijazi   شريفة علي حجازي ([1])

تاريخ الإرسال:3-11-2025                                  تاريخ القبول:15-11-2025

الملخص

 تُقدّم هذه الدّراسة تحليلًا معمقًا للأدوار الأربعة للزوجة المثاليّة وتكاملها في تحقيق الانسجام الزّواجي، إذ أظهرت النتائج وجود علاقة ارتباطية قويّة بين أدوار الزّوجة كصديقة وسند، وأم نفسيّة، وشريكة في الحياة، وعشيقة ولهانة. اعتمدت الدّراسة على منهج وصفي تحليلي، وطبّقت استبيانًا على عينة من الزوجات، وحلّلت البيانات باستخدام برنامج SPSS.

أسفرت النتائج عن تأكيد وجود تأثير إيجابي ذي دلالة إحصائيّة للتكامل بين هذه الأدوار في تعزيز الاستقرار الأسري، كما كشفت أن نجاح الزّوجة في دورٍ واحدٍ لا يكفي لتحقيق الانسجام الزّواجي، بل يتطلّب تكاملاً متوازناً بين جميع الأدوار. وقد خرجت الدّراسة بتوصيات أهمها ضرورة تبني برامج إرشاديّة تستند إلى نموذج التّكامل المقترح لتعزيز جودة الحياة الزوجيّة.

الكلمات المفتاحيّة: الزّواج، الأسرة، الانسجام الزّواجي.

Abstract

 This study provides an in-depth analysis of the four roles of the ideal wife and their integration in achieving marital harmony. The results revealed a strong correlational relationship between the wife’s roles as a friend and supporter, psychological mother, life partner, and devoted lover. The study adopted a descriptive-analytical approach, administered a questionnaire to a sample of wives, and analyzed the data using the SPSS program.

The results confirmed a statistically significant positive effect of the integration between these roles in enhancing family stability. They also revealed that the wife’s success in a single role is insufficient to achieve marital harmony; rather, it requires a balanced integration of all roles. The study concluded with recommendations, the most important of which is the necessity of adopting counseling programs based on the proposed integration model to enhance the quality of marital life

Keywords: Marriage, Family, Marital Harmony

المقدمة

     تُشكّل المؤسسة الزّواجية نظامًا ديناميكيًّا معقدًا يتجاوز في تكوينه المستوى الاجتماعي الظاهر ليغوص في أعماق التّفاعلات النّفسيّة والفيزيولوجية المتبادلة، فالزّواج ليس مجرد تعايش بين شريكين، بل هو كائن حي ينمو ويتطور من خلال التّكامل الوظيفي بين الأدوار المختلفة، وتبرز الزّوجة في هذا الإطار أساس في المعادلة الزّواجية إذ تمثل محورًا مركزيًّا تدور حوله أنماط التّفاعل المختلفة التي تُسهم في تحقيق التّوازن النّفسي والاستقرار العاطفي.

    فمن خلال توفير الملاذ العاطفي والدّعم النّفسي غير المشروط، تخلق الزّوجة بيئة علائقيّة تسمح للزوج  بل وللعلاقة ككل بمواجهة التّحديات الخارجيّة بمرونة وفعاليّة، هذا الدّعم لا يقتصر على الجانب العاطفي فحسب، بل يتعداه إلى كونه محفزًّا للنمو الشّخصي المشترك، إذ تمارس دورًا يشبه المعالج الأُسري الطبيعي الذي يعتمد على آليات التّعزيز الإيجابي والتّغذية الرّاجعة البناءة.

    من ناحية أخرى، تتحول الزّوجة إلى شريك استراتيجي في إدارة المنظومة الأسريّة، مجسدةً مبادئ الإدارة الحديثة في القيادة المتقاسمة واتخاذ القرار المشترك، هذا الدّور لا يقتصر على الجوانب الماديّة والتّنظيميّة بل يشمل أيضًا صناعة الرؤية المشتركة للمستقبل وإدارة الأزمات بنضج وحكمة.

    ولا يمكن إغفال البعد البيولوجي، إذ تؤدي العلاقة الحميمة الصّحيّة دورًا محوريًّا في تعزيز التّرابط بين الشّريكين لتّشمل التّواصل العاطفي العميق.

تشكل هذه المحاور نظامًا متكاملًا، إذ يؤدي تفاعلها المستمر إلى خلق حالة من التّكيف النّفسي المتبادل، وهذا التكامل لا يحدث بشكل عشوائي، بل يخضع لقوانين الديناميكا العلائقيّة التي تجعل من المؤسسة الزّواجية كائنًا نفسيًّا قادرًا على النمو والازدهار، وعليه ستناقش الدّراسة هذا التّكامل الزّواجي في الأسرة.

 

1-     إشكاليّة الدّراسة

     في خضمّ التحوّلات المجتمعية المتسارعة وتزايد الضغوط الحياتيّة، تشهد المؤسسة الزّواجية تحديّات غير مسبوقة تضع أنماط الأدوار التّقليديّة تحت مجهر المراجعة، والنقد إذ تُظهر المجتمعات تصاعدًا ملحوظًا في مؤشرات التّوتر الأُسري، يعكس في جوهره إشكاليّة عميقة في فهم وتطبيق نماذج التّكامل الوظيفي بين الأدوار الزّوجيّة المتعددة، فمعظم الأسر المعاصرة تعيش مفارقة صارخة بين التّوقعات المجتمعيّة التّقليديّة من ناحية، ومتطلبات الواقع المعقد من ناحية أخرى، ما يخلق فجوة تطبيقيّة بين الجانب النّظري والممارسة العمليّة.

    في هذا الإطار، تبرز الحاجة الملحة لدراسة معمقة تقوم على تحليل علمي منهجي لآليات تحقيق التّكامل بين الأدوار الأربعة للزوجة المعاصرة، عبر تحقيق فهم شامل للديناميكيات الحقيقيّة التي تحكم استقرار المؤسسة الزّواجية في عصرنا الحالي، وخصوصًا فإنّ عددًا كبيرًا من الزوجات يعانين من صعوبات كبيرة في تحقيق التّوازن بين الأدوار المتعددة، في ما يجد كثير من الأزواج أنفسهم في حيرة من فهم توقعاتهم الخاصة من شريكات الحياة، هذه الفجوة التّطبيقيّة لا تعكس فقط اختلالًا في التّوازن الأسري بل تمثل تحديًّا حقيقيًّا للصحة النّفسيّة لأفراد الأسرة، لذلك يأتي هذا البحث كمحاولة جادة لسدِّ هذه الفجوة من خلال تقديم نموذج متكامل يفسر آليات التّفاعل بين مختلف أدوار الزّوجة، وكيفية تحقيق التكامل بينها لضمان استقرار العلاقة الزوجية في ظل المتغيرات المعاصرة ، وعليه تطرح الدّراسة السؤال الإشكالي الأساسي الآتي:

الى أي مدى تؤدي الزّوجة المثاليّة في تكامل أدورها الأربعة (الزّوجة الصّديقة والسّند، الأم النّفسيّة لزوجها، الزّوجة الشريكة، العشيقة الوالهة) دورًا في تحقيق الانسجام الزّواجي؟

ويتفرع من السّؤال الإشكالي الأسئلة الفرعيّة الآتية:

       هل يوجد دور ذات دلالة معنوية للزوجة الصّديقة والسّند في تحقيق الانسجام الزّواجي ؟

 

       هل يوجد دور ذات دلالة معنوية للأم النّفسيّة لزوجها في تحقيق الانسجام الزّواجي ؟

       هل يوجد دور ذات دلالة معنوية للزوجة الشّريكة في تحقيق الانسجام الزّواجي ؟

       هل يوجد دور ذات دلالة معنوية للزوجة العشيقة الوالهة في تحقيق الانسجام الزّواجي ؟

 

2-     أهداف البحث

        تحليل الطبيعة البنيويّة للعلاقة بين الأدوار الأربعة للزوجة (الصّديقة والسند، الأم النّفسيّة، الشريكة، العشيقة الوالهة)

فهم آليات التّفاعل والتكامل بين هذه الأدوار في السياق الزّواجي المعاصر.

       قياس الأثر النسبي لكل دور من أدوار الزّوجة الأربعة في تحقيق الانسجام الزّواجي، وتحديد مدى مساهمة كل بعد في تفسير التباين في مستويات الرضا الزّواجي.

       الكشف عن أنماط التكامل الأمثل بين الأدوار الأربعة التي تحقق أعلى مستويات الانسجام الزّواجي، وتحديد الترتيب الأفضل لممارسة هذه الأدوار في مختلف السياقات الزوجية.

3-     فرضيات الدّراسة

  • الفرضيّة الرئيسة : تؤدي الزّوجة المثاليّة في تكامل أدورها الأربعة (الزّوجة الصديقة والسند، الأم النّفسيّة لزوجها، الزّوجة الشريكة، العشيقة الوالهة) دورًا في تحقيق الانسجام الزّواجي.
  • الفرضيّة الفرعيّة الأولى: قد يوجد دور ذات دلالة معنويّة للزوجة الصديقة والسّند في تحقيق الانسجام الزّواجي.
  • الفرضيّة الفرعيّة الثانية: قد يوجد دور ذات دلالة معنويّة للأم النّفسيّة لزوجها في تحقيق الانسجام الزّواجي.
  • الفرضيّة الفرعيّة الثالثة: قد يوجد دور ذات دلالة معنوية للزوجة الشريكة في تحقيق الانسجام الزّواجي.
  • الفرضيّة الفرعيّة الرابعة: قد يوجد دور ذات دلالة معنوية للزوجة العشيقة الوالهة في تحقيق الانسجام الزّواجي.

 

4-     أهمية البحث

       تقدم الدّراسة إطارًا نظريًّا متكاملًا لفهم الدّيناميكيات التّفاعليّة بين الأدوار الزوجيّة المتعددة، ما يسد فجوة معرفيّة في الأدبيات المتعلقة بسيكولوجيّة الأدوار الزوجيّة.

        تساهم في تطوير نموذج نظري مبتكر يجمع بين الأبعاد العاطفيّة التّربويّة والتّنظيميّة والحميميّة، ويعيد تعريف مفهوم الزّوجة المثاليّة في ضوء المقاربات النّفسيّة المعاصرة.

       تقدم أدلة عملية تساعد الأزواج والزوجات على تحقيق توازن أفضل في ممارسة الأدوار، ما ينعكس إيجابًا على مستوى الرضا الزّواجي.

       ساهم في تصحيح المفاهيم المجتمعيّة الخاطئة حول الأدوار الزّوجيّة، وتعزيز الوعي بأهميّة التّكامل الوظيفي بينها.

5-     مراجعة الأدبيّات

     تُشكِّلُ مراجعةُ الأدبياتِ الإطارَ النّظريَّ والعلميَّ الذي تنبثقُ منه أهميةُ الدّراسة الحاليّة، إذ تُظهِرُ القراءةُ المتعمقةُ للدّراساتِ السّابقةِ وجودَ اهتمامٍ متزايدٍ بالأدوارِ الزوجيةِ وتأثيرِها في الاستقرارِ الأسري، لكنْ معْ وجودِ فجواتٍ واضحةٍ في دراسةِ التكاملِ بينَ هذهِ الأدوار، ففي دراسةٍ موسعةٍ أجراها “جون جوتمان” وزملاؤه العام 2015، تمَّتْ متابعةُ أكثرَ من 3000 زوجٍ على مدى عشرينَ عامًا، وتوصلتِ الدّراسة إلى أنَّ الزوجاتِ اللواتي يجمعْنَ بينَ دورِ الصّديقةِ والدّاعمةِ العاطفيةِ معَ دورِ الشريكةِ في صنعِ القرارِ حققْنَ مستوياتٍ أعلى من الرضا الزّواجي بنسبةِ 67% مقارنةً بغيرهن، كما أظهرتِ الدّراسة أنَّ التوازنَ بينَ الأدوارِ المختلفةِ يُسهمُ في خفضِ معدلاتِ الطلاقِ بنسبةِ 42%.

    وفي دراسةٍ حديثةٍ نُشرتْ في “مجلةِ علمِ النفسِ الأسري” العام 2022، قامَ “تشين” و”رودريغيز” بتحليلِ بياناتٍ منْ 1500 أسرةٍ في عشرِ دولٍ عربيةٍ وأجنبيّة، وتوصلتِ الدّراسة إلى أنَّ الزوجاتِ اللواتي يمارسنَ دورَ “الأمِّ النّفسيّة” لزوجِهِنَّ  منْ خلالِ الدّعمِ النّفسي والتشجيعِ المستمر  يُسهمْنَ في تعزيزِ المرونةِ النّفسيّة لدى الأزواجِ بنسبةِ 58%، ووجدتِ الدّراسة أنَّ هذا الدورَ يرتبطُ ارتباطًا موجبًا معَ زيادةِ مستوى الإبداعِ والإنتاجيّةِ في العملِ لدى الأزواج.

    أمّا دراسةُ “المركزِ العربيِ للبحوثِ الاجتماعية” العام 2023، والتي شملتْ عينةً منْ 2000 زوجةٍ في خمسِ دولٍ عربية، فأظهرتْ أنَّ 72% منَ الزوجاتِ يعانينَ منْ صعوبةِ التوفيقِ بينَ الأدوارِ المتعددة، وأنَّ 65% منهنَّ يشعرنَ بالإرهاقِ إلى تعددِ المهامِ والمسؤوليات، كما كشفتِ الدّراسة وجودِ علاقةٍ قويةٍ بينَ عدمِ القدرةِ على تحقيقِ التكاملِ بينَ الأدوارِ وزيادةِ حدةِ التوترِ الأسري.

    وفي دراسةٍ تجريبيةٍ أجراها “معهدُ الدراساتِ الأسريةِ المتقدمة” في لندن العام 2023، طُبِّقُ برنامجٍ تدريبيٍّ لمدةِ ستةِ أشهرَ لتعزيزِ التّكاملِ بينَ الأدوارِ الزوجيةِ لدى 500 زوجة، وأظهرتِ النتائجُ تحسنًا ملحوظًا في جودةِ الحياةِ الزوجيّةِ بنسبةِ 78%، وانخفاضًا في حدةِ الخلافاتِ الأُسريّةِ بنسبةِ 55%، ما يُؤكِّدُ أهميةِ تطويرِ برامجَ متخصصةٍ في هذا المجال.

     تُظهرُ القراءةُ المُتعمقةُ لهذه الدراسات وجودَ اتّساقٍ ملحوظٍ في تأكيدِ أهميةِ التكاملِ بينَ الأدوارِ المُختلفةِ للزوجةِ في تحقيقِ الاستقرارِ الأسري، إذ تُشيرُ النتائجُ عبرَ مُختلفِ الثقافاتِ، والمجتمعاتِ إلى أنَّ الزوجاتِ القادراتِ على الموازنةِ بينَ الأدوارِ العاطفيةِ والوظيفيّةِ يُحققنَ مستوياتٍ أعلى من الرضا الزّواجي، كما تُبرزُ هذهِ الدراساتُ بشكلٍ واضحٍ العلاقةَ الطرديّة بينَ القدرةِ على إدارةِ الأدوارِ المتعددةِ وانخفاضِ مُعدلاتِ التّوترِ الأسري، معَ الإشارةِ إلى أنَّ الدّورَ العاطفيَّ والدعمَ النّفسيَّ يُشكلانِ حجرَ الزاويةِ في البنيةِ العلائقيّةِ للزواجِ الناجح.

6-     عينة الدّراسة: هي مجموعة جزئية من مجتمع البحث، وممثلة لعناصر المجتمع افضل تمثيل، إذ يمكن تعميم نتائج تلك العيّنة على المجتمع بأكمله وسيتم تطبيق معادلة ستيفن ثامبسون لتحديد حجم العينة وفق الآتي:

n: حجم العينة, N: حجم المجتمع

n=N/(N+1(e)2)  = 300/ (300+1(0.05)2 ) = 300/1.6 = 180
    تألفت عيّنة الدّراسة من 180 سيدة من المتزوجات ، وتم اختيار المشاركين بطريقة العينة العشوائية البسيطة لضمان تمثيلهم لمجتمع الدّراسة الأوسع، مما يمنح كل فرد فرصة متساوية في الاختيار ويعزز من مصداقية النتائج وقابليتها للتعميم، وقد هدف هذا الحجم العيني إلى توفير أرقام وبيانات كافية تتيح تطبيق تحليل إحصائي دقيق وموثوق لقياس فعالية التقنية قيد الاختبار.

7-       منهج الدّراسة

يُعد المنهج العلمي أسلوبا للتفكير والعمل، يعتمده الباحث لتنظيم أفكاره وتحليلها وعرضها، والوصول إلى نتائج وحقائق معقولة حول الظاهرة موضوع الدّراسة، وهو محاولة الوصول الى المعرفة الدّقيقة والتّفصيليّة لعناصر مشكلة، أو ظاهرة قائمة للوصول الى فهم أفضل وأدقّ أو وضع السياسات والإجراءات المستقبليّة الخاصة بها، كما يُعد طريقة لوصف الموضوع المراد دراسته عن طريق منهجيّة علميّة صحيحة، وتصوير النتائج التي يُتوصل اليها على أشكال رقمّيّة معبرة يمكن تفسيرها (المحمودي، 2019، ص46).

سنعتمد في هذه الدّراسة على المنهج الوصفي التحليلي لوصف عذع الظاهرة وتحليلها بناء على بيانات معبئة من قبل أفراد العينة.

8-      النّضريات المفسرة للعلاقة الزوجيّة

    تُشكِّلُ النّضريات العلميةُ في مجالِ العلاقاتِ الأسريّةِ إطارًا منهجيًّا لفهمِ تعقيداتِ الأدوارِ الزوجيةِ وآلياتِ تحقيقِ التكاملِ بينها، ومن أبرزِ هذهِ النّضريات “نظريةُ التّبادلِ الاجتماعي” التي تُفسِّرُ العلاقةَ الزّوجيَّة على أنّها سلسلةٌ من التّبادلاتِ العاطفيّةِ والوظيفيّةِ، إذ يَقومُ كلُّ طرفٍ بمقارنةِ ما يبذلُه من جهدٍ في أدوارِه المختلفةِ معَ ما يحصلُ عليه من مكاسب. فحسبَ هذهِ النّظريةِ التي وضعَ أسسَها “هومانز” وطورَها “بلاو”، فإنَّ الزّوجة التي تُحققُ توازنًا في أدوارِها الأربعةِ تزيدُ من رصيدِها في هذهِ المعادلةِ التبادلية، ما يُعزِّزُ استقرارَ العلاقةِ ويُحققُ الانسجام الزّواجي. فالدّعمُ العاطفيُّ الذي تقدمُه كصديقةٍ وسندٍ، والرّعايةُ النّفسيّة التي تمنحُها كأمٍّ نفسية، والشّراكةُ الفعليّةُ في إدارةِ شؤونِ الأسرة، والعلاقةُ الحميميّةُ المتوازنة، جميعُها تشكلُ مواردَ ثمينةً في بنكِ التبادلِ الاجتماعي، تزيدُ من التزامِ الطرفينِ واستثمارِهما في العلاقة.

    وتأتي “نظريةُ النُّظمِ الأُسريّة” لِتُكمِلَ هذهِ الرؤيةَ من خلالِ النظرِ إلى الأسرةِ كنظامٍ متكاملٍ تتفاعلُ فيه الأدوارُ بشكلٍ ديناميكي. فَوفقًا لهذهِ النظريةِ التي ارتبطتْ باسمِ “موراي بوين”، فإنَّ أيَّ اختلالٍ في أدوارِ الزّوجة يُحدثُ، فعندما تهملُ الزّوجة دورًا من أدوارِها الأربعةِ لصالحِ دورٍ آخر، فإنَّ هذا يُخلُّ بتوازنِ النّظامِ الأسريِّ ككل. فمثلًا، الإفراطُ في الدّورِ المهنيِّ على حسابِ الدّورِ العاطفيِّ قد يُؤدي إلى تباعُدٍ نفسيٍّ بينَ الزوجين، بينما التركيزُ المفرطُ على الدورِ العاطفيِّ على حسابِ الشراكةِ في اتخاذِ القرارِ قد يُنشئُ علاقةً غيرَ متوازنة. لذلكَ تُؤكِّدُ النّظريةُ على أهميةِ المرونةِ والقدرةِ على التّكيفِ معَ متطلباتِ كلِّ مرحلةٍ من مراحلِ الحياةِ الزوجيّة.

أمّا “نظريةُ التعلق” التي وضعَ أسسَها “جون بولبي”، فتُقدِّمُ رؤيةً نفسيّةً عميقةً لدورِ الزّوجة كشريكةٍ عاطفيّة. فَوفقًا لهذهِ النّظريّة، فإنَّ الزّوجة التي تُوفِّرُ “قاعدةً آمنة” لزوجِها من خلالِ الدّعمِ العاطفيِّ والقبولِ غيرِ المشروط تُسهمُ في تعزيزِ نمطِ التّعلقِ الآمنِ في العلاقة، وهذا يعني أنَّ دورَ الأمِّ النّفسيّة ليسَ مجردَ تعبيرٍ مجازي، بل هو تجسيدٌ وظيفيٌ لحاجةٍ نفسيّةٍ عميقةٍ للشعورِ بالأمانِ والاستقرار، فالزّوجة التي تَدمجُ بينَ دورِها كشريكةٍ عاطفيةٍ داعمةٍ وكأمٍّ نفسيةٍ تحتضنُ ضعفَ زوجِها وتُشجِّعُ نموَّه، تُسهمُ في خلقِ بيئةٍ علائقيةٍ صحيةٍ تزدهرُ فيها الشخصياتُ وتنمو.

     وتُقدِّمُ “نظريةُ الأدوار” التي طورَها “روبرت ميرتون” إطارًا تحليليًّا لفهمِ كيفيةِ إدارةِ الزّوجة للأدوارِ المتعددة. فَوفقًا لهذهِ النظرية، فإنَّ الصراعَ الدورِيّ يحدثُ عندما تتعارضُ توقعاتُ أدوارٍ مختلفة، بينما يحدثُ الإجهادُ الدورِيُّ عندما تكونُ توقعاتُ الدورِ الواحدِ متضاربة. فالزّوجة المعاصرةُ تواجهُ تحدياً مزدوجاً: صراعاً بينَ أدوارِها المختلفةِ (كالصراعِ بينَ متطلباتِ العملِ ومتطلباتِ الرعايةِ الأسرية)، وإجهاداً داخلَ كلِّ دورٍ على حدة (كالتّوقعاتِ المتضاربةِ حولَ مفهومِ الزّوجة الشّريكة)، والنّظريّةُ تُرشدُنا إلى أنَّ تحقيقَ التّكاملِ يتطلبُ تطويرَ آلياتِ تكيفٍ فعالة، مثلِ تحديدِ الأولوياتِ وتفويضِ المهامِ وإعادةِ تعريفِ التوقعاتِ بشكلٍ واقعي.

    هذهِ النّظريات الأربعُ معًا تُشكِّلُ نسيجًا متكاملاً لفهمِ تعقيداتِ الأدوارِ الزوجيّة، إذ تُقدِّمُ “نظريّةُ التبادلِ الاجتماعي” الحوافزَ الاقتصاديّةَ النّفسيّة، وتُقدِّمُ “نظريةُ النظمِ” الرؤيةَ الشّموليةَ للتفاعلات، بينما تُعمِّقُ “نظريةُ التعلق” فهمَنا للجوانبِ العاطفية، وتُقدِّمُ “نظريةُ الأدوار” أدواتٍ تحليليّةٍ لإدارةِ التّعدديّةِ الدوريّة. وهذا التكاملُ النظريُّ يُؤكِّدُ أنَّ الزّوجة المثاليّة ليستْ تلكَ التي تُتقنُ دورًا واحدًا، بل التي تَنجحُ في نسجِ علاقةٍ تكامليةٍ بينَ أدوارِها المختلفةِ بشكلٍ مرنٍ ومتوازن.

9-     إجراءات الدّراسة

كانت عمليّةُ جمع البيانات من خلال تصميم استبيانٍ مُفصَّل، اشتمل على خمسة أقسام رئيسة غطّت جوانب البحث جميعها، إذ تضمّن القسمُ الأول معلوماتٍ ديموغرافيّة عن أفراد العينة شملت العمر، والمستوى التّعليمي، ومدّة الزّواج، وعدد الأبناء، والحالة الاقتصاديّة، أمّا الأقسام الأربعة الأخرى فقد خُصصت لقياس الأدوار الأربعة للزوجة، وقد صُمِّم كل قسم ليقيس أحد الأدوار الرئيسة، الزّوجة الصّديقة والسند، الأم النّفسيّة لزوجها، الزّوجة الشّريكة، العشيقة الوالهة، وقد بُني الاستبيان على مقياس ليكرت الخماسي.

   وقد حُدِّد المجتمع الأصلي للدّراسة مع التركيز على الفئة العمريّة من 25 إلى 45 سنة، وقد اعتُمِد أسلوب العيّنة العشوائيّة الطبقيّة لضمان تمثيل مختلف الشرائح الاجتماعيّة والاقتصادية، ووُزِّع الاستبيان إلكترونيًّا مع مراعاة المعايير الأخلاقيّة في البحث فحصلنا على موافقة المشاركات بعد شرح أهداف الدّراسة وضمان سريّة البيانات.

10-                     نتائج الدّراسة

الجدول 1: العلاقات بين متغيرات الدّراسة

 

المحور الأول

المحور الثاني

المحور الثالث

المحور الرابع

Spearman’s rho

المحور الأول: قد يوجد دور ذات دلالة معنوية للزوجة الصديقة والسند في تحقيق الانسجام الزّواجي

Correlation Coefficient

1.000

1.000

1.000**

1.000**

Sig. (2-tailed)

.

.

.

.

N

180

180

180

180

المحور الثاني: قد يوجد دور ذات دلالة معنويّة للأم النّفسيّة لزوجها في تحقيق الانسجام الزّواجي

Correlation Coefficient

1.000**

1.000**

1.000

1.000**

Sig. (2-tailed)

.

.

.

.

N

180

180

180

180

المحور الثالث: قد يوجد دور ذات دلالة معنوية للزوجة الشريكة في تحقيق الانسجام الزّواجي

Correlation Coefficient

1.000**

1.000**

1.000**

1.000

Sig. (2-tailed)

.

.

.

.

N

180

180

180

180

المحور الرابع: قد يوجد دور ذات دلالة معنوية للزوجة العشيقة الوالهة في تحقيق الانسجام الزّواجي

Correlation Coefficient

1.000**

1.000**

1.000**

1.000

Sig. (2-tailed)

.

.

.

.

N

180

180

180

180

 

 

    تُظهر نتائج التّحليل الإحصائي للجدول علاقات ارتباطيّة قويّة جدًا بين المحاور الأربعة للدراسة جميعها، إذ بلغ معامل ارتباط سبيرمان قيمة 1.000 بين المحاور جميعها، ما يشير إلى وجود علاقة ارتباطيّة تامة موجبة بين أدوار الزّوجة المختلفة وتحقيق الانسجام الزّواجي. هذا الارتباط التام يُعدُّ نادرًا في الدّراسات الاجتماعيّة عادةً، لكنّه في هذه الحالة يُمكن تفسيره من خلال التّكامل العضوي والتّداخل الوظيفي بين الأدوار الأربعة التي تؤديها الزّوجة في الحياة الزوجيّة. فالدّور العاطفي للزوجة كصديقة وسند لا ينفصل عن دورها كأم نفسيّة لزوجها، كما أن شراكتها في إدارة شؤون الأسرة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بعشقها وولهها لزوجها، ما يُشكل نظامًا متكاملًا من الأدوار المترابطة.

    قيمة معامل الارتباط البالغة 1.000 ل لعلاقات البينيّة جميعها بين المحاور تُشير إلى أن هذه الأدوار لا تعمل بمعزل عن بعضها البعض، بل تُشكل نظامًا متكاملًا، إذ إن تحسن أداء الزّوجة في أحد المحاور يقترن بتحسن أدائها في المحاور الأخرى، وهذا يتوافق مع الطبيعة التّكامليّة للأدوار الزوجيّة التي تؤكد عليها النّظريات الأُسريّة الحديثة، إذ تُعدُّ الزّوجة نظامًا فرعيًّا من النّظام الأسري الكلي، وأدوارها المختلفة ليست سوى أوجه متعددة لعلاقة واحدة متكاملة. كما أنّ حجم العينة البالغ 180 حالة يُعد كافيًا لتعميم هذه النتائج، إذ تُظهر القيمة N المُشار إليها في الجدول أن المحاور جميعها، قد قِيست على العيّنة الكاملة من دون قيم مفقودة.

     من المُلاحظ أن معاملات الارتباط جميعها ذات دلالة إحصائيّة عالية، كما يتضح من وجود علامة النجمة المزدوجة (**) التي تُشير عادةً إلى أن مستوى الدّلالة أقل من 0.01، ما يؤكد مصداقيّة هذه النتائج وإمكانيّة الاعتماد عليها. وهذا يعني أنّ العلاقات المكتشفة بين المحاور ليست وليدة الصدفة، بل تعكس حقيقة وجود ترابط قوي بين ممارسة الزّوجة لهذه الأدوار بشكل متكامل وتحقيق الانسجام في الحياة الزوجيّة. وتُؤكد هذه النتائج على صحة الفرضيّة الرئيسة للدراسة التي تنص على وجود دور ذي دلالة معنوية للتكامل بين أدوار الزّوجة الأربعة في تحقيق الانسجام الزّواجي.

    التكامل بين المحاور الأربعة الذي تُظهره نتائج الجدول يُمكن تفسيره من خلال حقيقة أن الزّوجة التي تُتقن دور الصديقة والسند تكون أكثر قدرة على فهم احتياجات زوجها النّفسيّة، ما يُمكنها من ممارسة دور الأم النّفسيّة بشكل أفضل. كما أنّ هذه الفهم العميق لشخصيّة الزوج واحتياجاته يُعزز بدوره الشّراكة الحقيقيّة في إدارة شؤون الأسرة، إذ يزداد مستوى الثقة المتبادلة بين الزوجين، ولا تنفصل هذه الأدوار جميعًا عن البعد العاطفي والحميمي الذي يُشكل البيئة الخصبة لازدهار الأدوار الأخرى جميعها، فالعشق والوله يُعدان الوقود العاطفي الذي يدفع الزّوجة لأداء جميع أدوارها بكفاءة وحب.

11-    تحليل فرضيّات الدّراسة: تُشكِّلُ نتائجُ التّحليلِ الإحصائيِّ للعلاقاتِ بينَ المتغيراتِ الأساسيةِ في الدّراسة دليلاً واضحاً على صحةِ الفرضياتِ المُقدَّمةِ حولَ دورِ الزّوجة في تحقيقِ الانسجام الزّواجي، إذ أظهرَ تحليلُ معاملِ ارتباطِ سبيرمان وجودَ علاقةٍ قويةٍ جدًا بينَ المحاورِ الأربعةِ للدّراسة جميعِها، ما يُؤكِّدُ قبولَ الفرضيّة الرئيسة للدّراسةِ التي تنصُّ على وجودِ دورٍ ذي دلالةٍ معنويةٍ للزوجةِ المثاليّة في تكاملِ أدوارِها الأربعةِ لتحقيقِ الانسجام الزّواجي، كما تُؤكِّدُ هذهِ النتائجُ صحةَ الفرضياتِ الفرعيّة الأربعِ بشكلٍ كامل، وقد ظهرَ أنَّ كلَّ دورٍ من أدوارِ الزّوجة الأربعةِ يرتبطُ ارتباطًا تامًا بباقي الأدوار، ما يُشيرُ إلى تكاملٍ عضويٍ بينها. فبالنسبةِ إلى الفرضيّةِ الفرعيّة الأولى والتي تنصُّ على وجودِ دورٍ ذي دلالةٍ معنويةٍ للزوجةِ الصديقةِ والسندِ في تحقيقِ الانسجام الزّواجي، فقد قَبِلَتِ الدّراسة هذهِ الفرضيّة استنادًا إلى معاملِ الارتباطِ التّامِ الذي ظهرَ بينَ هذا المحورِ والمحاورِ الأخرى، إذ إنَّ الدّعمَ العاطفيَّ الذي تقدِّمُه الزّوجة لزوجِها يُعدُّ حجرَ الأساسِ للعلاقةِ الزوجيّةِ الناجحة. أمّا الفرضيّة الفرعيّة الثانيةُ والمتعلقةُ بدورِ الأمِّ النّفسيّة لزوجِها، فقد قُبِلت أيضًا بناءً على النتائجِ التي أظهرَتْ أنَّ الرعايةَ النّفسيّة والاحتواءَ العاطفيَّ يُسهمانِ بشكلٍ فعّالٍ في تعزيزِ الشعورِ بالأمانِ والاستقرارِ في العلاقة، كذلكَ قُبِلت الفرضيّة الفرعيّة الثالثةِ التي تنصُّ على وجودِ دورٍ ذي دلالةٍ معنويّةٍ للزوجةِ الشّريكةِ في تحقيقِ الانسجام الزّواجي، وقد أظهرَ التّحليلُ أنَّ المشاركةَ الفعليةَ في صنعِ القرارِ وإدارةِ شؤونِ الأسرةِ تُسهمُ في خلقِ توازنٍ في ديناميكيّاتِ العلاقة. كما قُبِلت الفرضيّة الفرعيّة الرابعةِ حولَ دورِ الزّوجة العشيقةِ الوالهةِ في تحقيقِ الانسجام الزّواجي، إذ بيَّنَتِ النّتائجُ أنَّ العلاقةَ الحميميّةَ المتوازنةَ تُشكِّلُ عاملًا محوريًّا في تعزيزِ الروابطِ العاطفيّةِ بينَ الزوجين. وتجدرُ الإشارةُ إلى أنَّ هذهِ الفرضياتِ جميعَها قد قُبِلت عندَ مستوى دلالةٍ إحصائيةٍ عاليةٍ (0.01)، ما يُضفي مصداقيّةً وقوةً على النتائجِ المُتوصلِ إليها.

    تُؤكِّدُ هذهِ النتائجُ المتكاملةُ بشكلٍ قاطعٍ أنَّ نجاحَ الزّوجة في أدوارِها المختلفةِ لا يعتمدُ على ممارسةِ كلِّ دورٍ بمعزلٍ عنِ الآخر، بل على قيامِها بهذهِ الأدوارِ بشكلٍ متكاملٍ ومتناغم، إذ إنَّ ضعفَ الأداءِ في أحدِها ينعكسُ سلبًا على الأدوارِ الأخرى. فمثلًا، الزّوجة التي تُبدي تفوقًا في دورِها كشريكةٍ في إدارةِ المنزلِ لكنّها تقصِّرُ في دورِها العاطفيِّ كصديقةٍ وسندٍ قد تواجهُ صعوباتٍ في تحقيقِ الانسجام الزّواجي، والعكسُ صحيح. كما أنَّ هذهِ النتائجَ تُؤكِّدُ صحةَ النّموذجِ النظريِّ الذي اعتمدَتْ عليهِ الدّراسة والمتمثّلِ في تكاملِ الأدوارِ الأربعةِ كمنظومةٍ متكاملةٍ تُحقِّقُ الانسجام الزّواجي عندما تتفاعلُ معًا بشكلٍ متوازن

12-   الاستنتاج

        يُمكن الاستنتاجُ أنَّ التكاملَ بين الأدوار الأربعة للزوجة (الصّديقة والسند، الأم النّفسيّة، الشريكة، العشيقة الوالهة) يُشكِّلُ نظامًا متكاملًا لا يتجزأ، إذ تُظهر النتائج أنَّ فاعليّةَ هذه الأدوار تتعاظم عندما تُمارَس بشكلٍ متوازنٍ ومتداخل، ما يُؤكِّد أنَّ نجاحَ الزّوجة في دورٍ واحدٍ لا يكفي لتحقيق الانسجام الزّواجي، بل لا بد من تكامل هذه الأدوار معًا في إطارٍ متكامل.

       تُمثِّلُ الزّوجة “الصّديقة والسند” حجرَ الأساس في البناء العاطفي للعلاقة الزوجيّة، إذ تُشير النّتائج إلى أنَّ هذا الدور يُعدُّ المدخلَ الطبيعي لتفعيل الأدوار الأخرى جميعها، فالدّعم العاطفي والاحتواء النّفسي يُهيئان البيئةَ الصّحيّة لممارسة دور الشريكة والأم النّفسيّة والعشيقة الوالهة بشكلٍ فعّال.

       إنَّ الشراكةَ في إدارة شؤون الأسرة لا تقلُّ أهمّيّةً عن الأدوار العاطفيّة والحميميّة، إذ تُظهر النّتائج أنَّ الزّوجة “الشّريكة” تُسهم في بناء علاقةٍ قائمةٍ على التّكامل العملي، ما يُعزِّز الشّعورَ بالمساواة والاحترام المتبادل، ويُقلِّل من حدّة التّوترات الناجمة عن اختلال توزيع الأدوار والمسؤوليات.

       تُؤكِّد الدّراسة أنَّ الدورَ الحميميَّ (العشيقة الوالهة) ليس بُعدًا ثانويًّا، بل هو امتدادٌ طبيعي للأدوار الأخرى، إذ يُسهم في تعميق الروابط العاطفيّة وتجديد الطاقة الإيجابيّة في العلاقة، ما يُؤكِّد أنَّ التكاملَ بين المشاعر والعقل والممارسة العمليّة هو السبيل الأمثل لتحقيق الانسجام الزّواجي المستدام.

13-   التوصيات للبحث المستقبلي: بناءً على النتائج ، يُوصى بالآتي للبحث المستقبلي:

        إجراء دراسة مقارنة بين الأسر في المجتمعات العربيّة، والمجتمعات الغربيّة لفحص تأثير الاختلافات الثقافيّة على أنماط التكامل بين الأدوار الزوجية، مع التركيز على تحليل كيفية تأثر هذا التّكامل بالسياقات الاجتماعيّة والاقتصاديّة المختلفة، وكشف العوامل الثقافيّة التي قد تعزز أو تعيق تحقيق التوازن الأمثل بين الأدوار الأربعة.

       تنفيذ دراسة طولية تتبعية لمدة لا تقل عن ثلاث سنوات لرصد تطور الأدوار الزّوجيّة عبر مراحل الحياة المختلفة، وفحص كيفية تغير أولويات هذه الأدوار في مراحل الزّواج المبكرة، وبعد إنجاب الأطفال، وعند بلوغ الأبناء سن المراهقة، وفي مرحلة منتصف العمر، ما يسهم في فهم ديناميكيّة التّكامل الدّوراني عبر الوقت.

       إعداد بحث تجريبي لقياس فعاليّة برنامج إرشادي قائم على نتائج هذه الدّراسة، يهدف إلى تنمية مهارات التكامل بين الأدوار الزّوجيّة، مع تضمين مؤشرات قياسيّة لتقييم الأثر على جودة الحياة الزوجيّة والاستقرار الأسري، وتصميم أدوات تقييم لمتابعة الاستدامة والاستمراريّة في التحسن.

       إجراء دراسة نوعيّة معمقة باستخدام منهجيّة الظواهر لفهم التّجارب الحيّة للزوجات في ممارسة الأدوار المتعددة، من خلال المقابلات المتعمقة ومجموعات النّقاش المركزة، لكشف الاستراتيجيات التي تطورها الزوجات للتعامل مع التّحديات اليوميّة، والعوامل المساعدة التي تمكنهن من تحقيق التكامل الفعال بين أدوارهن المتعددة.

خاتمة الدّراسة

     تُشكِّلُ الدّراسة بمحاورِها وأبعادِها المختلفةِ رحلةً علميّةً متكاملةً انطلقتْ من واقعٍ تشهدُ فيه المؤسسةُ الزّواجيةُ تحولاتٍ عميقة، وصولًا إلى بلورةِ نموذجٍ نظريٍ وتطبيقيٍ يُساهم في إثراءِ المعرفةِ العلميّة حولَ آلياتِ تحقيقِ التّكاملِ بين الأدوارِ الزّوجيّة. لقد قدّمتِ الدّراسة دليلًا واضحًا على أنَّ نجاحَ الزّوجة في أدوارِها المتعددةِ لا يعتمدُ على إتقانِ كلِّ دورٍ بمعزلٍ عن الآخر، بل على قيامِها بهذهِ الأدوارِ بشكلٍ متكاملٍ ومتناغم، إذ أظهرتِ النّتائجُ أنَّ التكاملَ بينَ الأدوارِ الأربعة الزّوجة الصّديقةِ والسند، الأمِّ النّفسيّة، الشريكة، العشيقةِ الوالهة يُشكّلُ نظامًا متكاملًا تزيدُ فاعليتُه على مجردِ مجموعِ أجزائهِ.

    لقد أكّدتِ الدّراسة بشكلٍ قاطعٍ أنَّ الدورَ العاطفيَّ للزوجةِ كصديقةٍ وسندٍ يُعدُّ حجرَ الزاويةِ في البناءِ النفسيِّ للعلاقة، إذ يُشكّلُ الأساسَ المتينَ الذي تُبنى عليهِ الأدوارُ الأخرى، فمن خلالِ توفيرِ الدعمِ العاطفيِّ والاحتواءِ النفسي، تخلقُ الزّوجة مساحةً آمنةً للتفاعلِ الإيجابي، ما يُهيئُ البيئةَ المناسبةَ لممارسةِ دورِها كشريكةٍ في إدارةِ شؤونِ الأسرة، وكأمٍ نفسيّةٍ تُحفّزُ نموَّ زوجِها وتطوّرَه، وعاشقةٍ ولهانةٍ تُجدّدُ طاقةَ العلاقةِ وتُعمّقُ أواصرَها، وهذا التكاملُ الدقيقُ بينَ المشاعرِ والممارسةِ والعقلِ والقلبِ هو ما يُحقّقُ المعادلةَ الصعبةَ للانسجامِ الزّواجي في عصرِ التعقيدِ والضغوط.

    وكشفتِ الدّراسة حقيقةٍ بالغةِ الأهمية، وهي أنَّ التّحدياتِ التي تواجهُها الزّوجة المعاصرةُ في التوفيقِ بينَ أدوارِها المتعددةِ لا تعودُ إلى ضعفٍ في قدراتِها الشّخصيّة، بل إلى تعقّدِ السّياقِ الاجتماعيِّ والاقتصاديِّ الذي تعيشُ فيه، وإلى تزاحمِ المطالبِ وتناقضِ التوقعات. لذلكَ فإنَّ فهمَ هذهِ الديناميكيّاتِ المعقّدةِ يُعدُّ مدخلًا حاسمًا لتطويرِ حلولٍ عمليةٍ تُساعدُ الأسرَ على تجاوزِ هذهِ التّحديات، وقد قدّمتِ الدّراسة من خلالِ نتائجِها، وتحليلاتِها الإحصائيّةِ الدقيقةِ إطارًا عمليًّا يمكنُ للباحثينَ والمختصينَ في الإرشادِ الأسريِّ والتربويِّ الاعتمادُ عليه في تصميمِ برامجَ وخططٍ تدخليّةٍ فعّالة.

     في الختام، تُعدُّ هذهِ الدّراسة لبنةً في صرحِ المعرفةِ العلميّةِ حولَ الأسرةِ والعلاقاتِ الزوجيّة، وخطوةً على طريقِ فهمِ تعقيداتِ الحياةِ الأُسريّةِ في عالمٍ متغي سعيًّا نحوَ مجتمعٍ أكثرَ استقرارًا وسعادة، فكما أنَّ الزّواج شراكةٌ للحياة، فإنَّ البحثَ في أسرارِ نجاحِه شراكةٌ بينَ العلمِ والمجتمعِ لبناءِ مستقبلٍ أفضلَ للأجيالِ القادمة.

 

المراجع

1-  الخضر، أحمد (2019). التبادل الاجتماعي في العلاقات الأسرية. مجلة العلوم الاجتماعية، جامعة الملك سعود.

2-  خليل، محمد (2020). تطبيقات نظرية النظم في الإرشاد الأسري. المركز العربي للبحوث النّفسيّة.

3-  المحمودي محمد سرحان علي، (2019)، مناهج البحث العلمي، الطبعة3، دار الكتب، صنعاء، اليمن.

 

-4 Bowen, M. (1978). Family Therapy in Clinical Practice. Jason Aronson.
https://www.tandfonline.com/doi/abs/10.1080/01926187508251243

-5Bowlby, J. (1988). A Secure Base: Parent-Child Attachment and Healthy Human Development. Basic Books.
https://www.taylorfrancis.com/books/mono/10.4324/9780203440841/secure-base-john-bowlby

-6Brown, S. L., & Miller, A. R. (2022). Changing Expectations: Women’s Roles in Marriage and Family. Journal of Marriage and Family, 84(3), 789-805.
https://onlinelibrary.wiley.com/doi/abs/10.1111/jomf.12845

-7Gottman, J. M., & Silver, N. (2015). The Seven Principles for Making Marriage Work. Harmony Books.
https://www.gottman.com/blog/the-seven-principles-for-making-marriage-work/

-8Harvard University Center for the Developing Child (2021). Social and Psychological Factors in Marital Role Integration.
https://developingchild.harvard.edu/resources/social-and-psychological-factors-in-marital-role-integration/

-9merson, R. M. (1976). Social Exchange Theory. Annual Review of Sociology.
https://www.annualreviews.org/doi/abs/10.1146/annurev.so.02.080176.000245

-10Merton, R. K. (1957). The Role-Set: Problems in Sociological Theory. British Journal of Sociology.
https://www.jstor.org/stable/587363

 


[1] طالبة دكتوراه جامعة آزاد الإسلاميّة فرع العلوم والتحقيقات _طهران-إيران-قسم علم النفس

PhD student at University of Azad Islamic, Science and Research Branch,  Tehran, Iran, Department of Psychology. Email:charifahijazii999@gmail.com

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.