أثر استخدام أدوات الذّكاء الاصطناعي على الأداء الأكاديمي وسلوكيات التّعلّم لدى طلبة الجامعات في لبنان
اسم المجلة: مجلة أوراق ثقافية
أثر استخدام أدوات الذّكاء الاصطناعي على الأداء الأكاديمي وسلوكيات التّعلّم لدى طلبة الجامعات في لبنان
The Impact of Using Artificial Intelligence Tools on Academic Performance and Learning Behaviors among University Students in Lebanon
Dr. Manal Hamzeh د. منال حمزة([1])
تاريخ الإرسال:29-11-2025 تاريخ القبول:11-12-2025
الملخّص turnitin:12%
هدفت هذه الدّراسة إلى قياس تأثير استخدام أدوات الذّكاء الاصطناعي على مجموعة من المتغيرات الأكاديميّة والسّلوكيّة لدى طلبة الجامعات في لبنان، شملت التّحصيل الأكاديمي، التّفكير الإبداعي، التّعلّم الذّاتي، المهارات البحثيّة، التّسويف الأكاديمي والتّفاعل الاجتماعي. اعتمدت الدّراسة المنهج الوصفي التّحليلي، وجُمعت البيانات من خلال استبانة طُبقت على عينة من 300 طالب وطالبة في الجامعات اللبنانيّة، وحُلِّلت باستخدام اختبار الانحدار الخطي البسيط. أظهرت النّتائج وجود تأثير إيجابي دال إحصائيًّا لاستخدام الذّكاء الاصطناعي على التّحصيل الأكاديمي، التّفكير الإبداعي، التّعلّم الذّاتي والمهارات البحثيّة. كما كشفت تأثيرًا سلبيًّا يتمثل في زيادة التّسويف الأكاديمي، بينما لم يُسجَّل تأثير دال على التّفاعل الاجتماعي. وتوصي هذه الدّراسة بضرورة تبني سياسات جامعيّة واضحة لتوجيه استخدام الذّكاء الاصطناعي بما يُحسّن فوائده ويحدّ من آثاره السّلبيّة.
الكلمات المفتاحيّة: الذّكاء الاصطناعي، التّحصيل الأكاديمي، التّفكير الإبداعي، التّعلّم الذّاتي، التّسويف الأكاديمي، التّعليم الجامعي.
Abstract
This study aimed to examine the impact of AI tools on several academic and behavioral variables among university students in Lebanon, including academic achievement, creative thinking, self-learning, research skills, academic procrastination, and social interaction. The study adopted a descriptive-analytical approach, with data collected through a questionnaire administered to a sample of 300 students in Lebanese universities and analyzed using simple linear regression. The results revealed a statistically significant positive impact of AI usage on academic achievement, creative thinking, self-learning, and research skills. Additionally, a negative effect was found, indicating increased academic procrastination, while no significant impact was observed on social interaction. The study recommends that universities develop clear policies to guide AI usage in ways that maximize its benefits while minimizing its adverse effects.
Keywords: Artificial Intelligence, Academic Achievement, Creative Thinking, Self-Learning, Academic Procrastination.
1- المقدّمة
شهد التّعليم الجامعي خلال السّنوات الأخيرة تحوّلًا جذريًّا مع اتساع نطاق الاعتماد على أنظمة الذّكاء الاصطناعي، بعدما أصبحت هذه التّقنيات جزءًا رئيسًا من البنى المعرفيّة، الاقتصاديّة، الصّحيّة، الإعلاميّة والهندسيّة حول العالم. ولم يعد الذّكاء الاصطناعي مجرد أداة مساعدة، بل أصبح إطارًا يدمج قدرات الإنسان العقليّة بخوارزميّات متطورة قادرة على تنفيذ أعمال معقّدة كان إنجازها سابقًا يتطلب جهدًا ذهنيًّا كبيرًا (زروقي وفالتة، 2020).
ومع تطور هذه التّقنيات، انتقلت ممارسات التّعلّم والبحث العلمي من الأساليب التّقليديّة التي تعتمد على التّجريب البطيء إلى نماذج أكثر تطبيقيّة وفاعليّة. لقد أصبحت الأدوات الذّكية توفر تعلمًا موجهًا وفق احتياجات الطالب، إذ تقدّم تقارير تحليليّة دقيقة عن أدائه، وتتيح أشكالًا جديدة من التّفاعل مع المحتوى الأكاديمي، بالإضافة إلى قدرات متقدمة في التّحليل العميق للبيانات التعليميّة، وهو ما أتاح لطلبة الدّراسات العليا على وجه الخصوص فهمًا أعمق وأشمل للموضوعات التي يدرسونها (أبو مقدم، 2023).
كما دفعت الطفرة التّكنولوجية التي ظهرت منذ نهاية القرن العشرين الإنسان إلى الاعتماد على الآلة لإنجاز مهام تتطلب جهدًا بدنيًّا أو عقليًّا كبيرًا، وهو ما عزّز حضور الذّكاء الاصطناعي في قطاع التّعليم. ويعود الاهتمام المتزايد في الجامعات بتبني التّطبيقات الذّكيّة إلى ما توفره من مزايا عديدة، مثل المساعدة في تبسيط المفاهيم، تقديم تغذية راجعة فوريّة للطلاب وتوجيههم نحو المسارات الأكاديميّة المناسبة لقدراتهم. وتبرز أهمية الذّكاء الاصطناعي كذلك في قدرته على التنبؤ بمستويات الطلبة الأكثر عرضة للتراجع أو التّعثر، وفي دوره في دعم الابتكار وتنمية التّفكير الإبداعي، إلى جانب توفير بدائل تعليميّة ذاتيّة وسريعة وذات كلفة أقل، ما يجعل الطالب مشاركًا نشطًا في عمليّة التّعلّم بدلًا من كونه متلقيًا سلبيًّا للمعلومة (كبوها، 2025).
تهدف هذه الدّراسة إلى تحليل الأثر المباشر لاستخدام أدوات الذّكاء الاصطناعي على مجموعة من مؤشرات الأداء الأكاديمي، والسّلوكي لدى طلاب الجامعات في لبنان.
1-1- أهمية الدّراسة
يُمثّل الذّكاء الاصطناعي أحد أكثر المواضيع حداثة وانتشارًا، الأمر الذي يجعل دراسته ضرورة علميّة لفهم التّحولات المستجدة في أنماط التّعلّم الجامعي. وعلى الرّغم من ازدياد حضور هذه الأدوات بين الطلاب، فإنّ الأدبيات العربيّة ما تزال محدودة في تحليل أثرها المباشر على مكوّنات الأداء الأكاديمي مثل الإبداع، التّعلّم الذّاتي، المهارات البحثيّة وسلوكيات الدّراسة. تساهم الدّراسة في تعميق الفهم النظري لآليات تأثير الذّكاء الاصطناعي على المهارات المعرفيّة والسّلوكيّة لدى الطلبة، من خلال فحص علاقات متعددة الأبعاد تتجاوز الدّراسات السّابقة التي اقتصرت على متغير واحد أو اثنين. ومن خلال تناول هذه المتغيرات، يهدف هذا البحث إلى توسيع المعرفة النّظريّة المتراكمة في الدّراسات السّابقة، وبناء تصور أشمل حول كيفية تغيّر السّلوك التّعلّمي في ظل تقنيات الذّكاء الاصطناعي.
تظهر الأهميّة العمليّة لهذه الدّراسة في قدرتها على تزويد الجامعات، وصانعي القرار التّربوي بمؤشرات دقيقة حول تأثير استخدام الذّكاء الاصطناعي على طالب الجامعي في لبنان، خصوصًا في ما يتعلق بأدائه الأكاديمي وقدرته على الابتكار، مستوى مهاراته البحثيّة ودافعيته للتّعلم، إضافة إلى سلوكه الاجتماعي داخل الجامعة. ويمكن للنّتائج أن تساعد في وضع سياسات تعليميّة أكثر ملاءمة، تصميم برامج تدريبيّة موجّهة لتعزيز الاستخدام الفعّال لتقنيات الذّكاء الاصطناعي، وتقليل الممارسات غير المرغوبة مثل التّسويف الأكاديمي أو الاعتماد المفرط على أدوات الذّكاء الاصطناعي.
1-2- مشكلة الدّراسة
مع الانتشار السّريع لاستخدام أدوات الذّكاء الاصطناعي داخل البيئة الأكاديميّة، أصبح الطلاب يعتمدون على هذه التّطبيقات بشكل متزايد في إنجاز الواجبات. وهذا التحول، على الرّغم مما يوفره من إمكانات تعليميّة، يُثير مخاوف حقيقيّة تتعلق بتراجع الأصالة العلميّة، ضعف الإبداع الفردي، وتقلّص المهارات الأكاديميّة المرتبطة بالتّعلّم الذّاتي والبحث المستقل، إضافة إلى احتماليّة إلحاق الضّرر بالنّزاهة الأكاديميّة وتعزيز سلوكيّات التّأجيل والتّسويف.
وعلى الرّغم من أن الذّكاء الاصطناعي قد يُسهم في تحسين الأداء الأكاديمي ورفع مستوى الإبداع لدى بعض الطلبة، إلّا أنّ الجانب غير المستكشف بعد يتجلّى في ضرورة فهم ما إذا كان الاستخدام المتزايد لأدوات الذّكاء الاصطناعي، على الرّغم من قدرته على رفع التّحصيل وتعزيز الإبداع، قد يقترن في الوقت نفسه بآثار سلبيّة تطال سلوكيّات مثل التّسويف الأكاديمي وضعف التّفاعل الاجتماعي.
وبناءً على ذلك، تتمثل المشكلة الرئيسة لهذه الدّراسة في غياب الدّراسات في لبنان التي تفحص التأثيرات المتزامنة لاستخدام الذّكاء الاصطناعي على هذه المتغيرات مجتمعة، ما يخلق فجوة واضحة تحتاج إلى معالجة. وتسعى هذه الدّراسة إلى سدّ هذه الفجوة من خلال تقديم تحليل شامل يوضح طبيعة العلاقة بين الذّكاء الاصطناعي وهذه المخرجات الأكاديميّة والسّلوكيّة، ما يضيف قيمة مباشرة إلى الأدبيّات الحديثة في هذا المجال. وبناءً على ما سبق، يتمثّل السؤال الرئيس للدراسة فيما يلي:
ما مدى تأثير استخدام أدوات الذّكاء الاصطناعي على الأداء الأكاديمي لدى طلاب الجامعات في لبنان؟
1-3- أهداف الدّراسة: تهدف هذه الدّراسة إلى ما يلي:
- قياس أثر توظيف أدوات الذّكاء الاصطناعي على مستوى التّحصيل الأكاديمي لدى طلبة الجامعات في لبنان.
- كشف تأثير استخدام أدوات الذّكاء الاصطناعي على تنمية مهارات التّفكير الإبداعي في البيئة الجامعية اللبنانيّة.
- تحليل مدى إسهام أدوات الذّكاء الاصطناعي في تعزيز التّعلّم الذّاتي لدى الطلبة.
- اختبار تأثير استخدام أدوات الذّكاء الاصطناعي على تنمية المهارات البحثيّة الأكاديميّة.
- التّحقق من العلاقة بين استخدام أدوات الذّكاء الاصطناعي ومستويات التّسويف الأكاديمي.
- دراسة تأثير استخدام أدوات الذّكاء الاصطناعي على التّفاعل الاجتماعي بين الطلبة.
1-4- فرضيات الدّراسة: استنادًا إلى الأسس النّظريّة والنتائج التي عرضتها الدّراسات في مجال تقنيات الذّكاء الاصطناعي، تقوم هذه الدّراسة على مجموعة من الفرضيّات التي تسعى إلى فحص طبيعة العلاقة بين استخدام أدوات الذّكاء الاصطناعي ومجموعة من المخرجات الأكاديميّة والسّلوكيّة لدى طلاب الجامعات في لبنان.
الفرضيّة الأولى: يوجد أثر ذو دلالة إحصائيّة لأدوات الذّكاء الاصطناعي على التّحصيل الأكاديمي لدى طلبة الجامعات في لبنان.
الفرضيّة الثانية: يوجد أثر ذو دلالة إحصائيّة لأدوات الذّكاء الاصطناعي على التّفكير الإبداعي لدى طلبة الجامعات في لبنان.
الفرضيّة الثالثة: يوجد أثر ذو دلالة إحصائيّة لأدوات الذّكاء الاصطناعي على التّعلّم الذّاتي لدى طلبة الجامعات في لبنان.
الفرضيّة الرابعة: يوجد أثر ذو دلالة إحصائيّة لأدوات الذّكاء الاصطناعي على المهارات البحثيّة لدى طلبة الجامعات في لبنان.
الفرضيّة الخامسة: يوجد أثر ذو دلالة إحصائيّة لأدوات الذّكاء الاصطناعي على التّسويف الأكاديمي لدى طلبة الجامعات في لبنان.
الفرضيّة السّادسة: يوجد أثر ذو دلالة إحصائيّة لأدوات الذّكاء الاصطناعي على التّفاعل الاجتماعي لدى طلبة الجامعات في لبنان.
الشكل رقم (1): نموذج الدّراسة
| استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي |
| التحصيل الأكاديمي |
| التفكير الإبداعي |
| التعلم الذاتي |
| المهارات البحثية |
| التسويف الأكاديمي |
| التفاعل الاجتماعي |
1-5- الدّراسات السّابقة
أجرت الباحثة كبوها (2025) دراسة ميدانيّة استهدفت 408 طلاب من طلبة كليّة الاتصال والإعلام في جامعة الملك عبد العزيز لفحص كيفيّة انعكاس الاستخدام المتزايد لتطبيقات الذّكاء الاصطناعي على أداء الطلبة في إنجاز الواجبات، وذلك في إطار نظري يستند إلى الحتميّة التكنولوجيّة والإحلال التّكنولوجي. وكشفت البيانات أنّ أغلبية المشاركين بدأوا استخدام هذه الأدوات خلال فصل دراسي واحد، وأنّ تأثير الذّكاء الاصطناعي يُنظر إليه في الغالب بوصفه عاملًا مساعدًّا في تنفيذ المهام، مع تفوق الطالبات في التقييم الإيجابي مقارنة بالطلاب. كما أشارت النّتائج إلى أن الاعتماد على الذّكاء الاصطناعي لا ينعكس دائماً بشكل مباشر على جودة التّجربة التّعليميّة، وأن كثرة الاستخدام قد تُضعف مهارات البحث والتحليل النقدي، في حين لم تُسجَّل فروق دالة في مستوى الاستخدام وفق التخصص أو المرحلة الدراسية أو المستوى الاقتصادي.
قام الباحث الشّاب (2025) بدراسة هدفت إلى فهم الانعكاسات النّفسيّة والاجتماعيّة لاستخدام تقنيات الذّكاء الاصطناعي داخل التّعليم الجامعي، وذلك من خلال تحليل نظري يستند إلى نماذج تفسّر تفاعل الإنسان مع التكنولوجيا، يعقبه مسح ميداني استهدف مجموعة من أساتذة معهد العلوم الاجتماعيّة في الجامعة اللبنانيّة. واعتمدت الدّراسة على استبيان لجمع البيانات حول تصورات الأساتذة وخبراتهم المهنيّة في ما يتعلق بتأثير الأدوات الذّكيّة على طبيعة التّفاعل داخل الصفوف. وكشفت النتائج أنّ غالبية أفراد العيّنة ينظرون إلى الذّكاء الاصطناعي بوصفه عاملًا يسهم في رفع جودة العمليّة التعليميّة ويقدم فرصًا جديدة لتنظيم التّعلّم، إلّا أنّهم في الوقت ذاته عبّروا عن مخاوف من تراجع التّفاعل الاجتماعي الحي واحتمال تحوّل العلاقات الجامعيّة إلى علاقات رقميّة محدودة. وأظهرت الدّراسة وجود تباين واضح بين من يرى في الذّكاء الاصطناعي وسيلة لتعزيز المشاركة والتّواصل، ومن يعتقد أنّه يهدّد البعد الإنساني في التّعليم.
أجرى الباحثان العبسي والأبرط (2025) دراسة وصفيّة تحليليّة بهدف فهم طبيعة الارتباط بين استخدام تقنيات الذّكاء الاصطناعي ومستوى مهارات التّفكير الناقد لدى طلبة الماجستير في كلية التربية والعلوم برداع، وذلك من خلال استبيان وُضِع خصيصًا لجمع البيانات من عيّنة مكونة من خمسين طالبًا وطالبة. وأكدت النّتائج وجود علاقة إيجابيّة واضحة بين الاعتماد على أنظمة الذّكاء الاصطناعي وتنمية القدرات المرتبطة بالتّقييم والتّحليل واتخاذ القرار، إذ أشار المشاركون إلى أنّ هذه الأدوات تدعم التّفكير الموضوعي والمنطقي وتساعد على تعزيز الإبداع. وفي المقابل، كشفت الدّراسة بعض المخاوف المتعلقة بحدود الشّفافيّة واحتمالات التحيز وقضايا الخصوصيّة داخل الأنظمة الذّكيّة.
أجرى الباحثان الشّقصي والشّقصي (2025) دراسة تجريبيّة هدفت إلى تقييم الأثر التّعليمي لتطبيقات الذّكاء الاصطناعي في بيئة فعليّة، وذلك عبر مقارنة نتائج مجموعة تلقّت تعلمًا يعتمد على أدوات الذّكاء الاصطناعي مع مجموعة أخرى اتبعت الأساليب التّقليديّة. واستند الباحثان إلى عينة كبيرة تضم 600 طالب من الصف العاشر و16 معلمًا في محافظة جنوب الباطنة بسلطنة عمان، وجرى توزيعهم بالتّساوي بين المجموعتين التّجريبيّة والضابطة. واعتمدت الدّراسة على اختبارات تحصيل دراسي في مادة الرّياضيات إلى جانب مقاييس لقياس رضا الطلاب والمعلمين وكفاءة المعلم الذّاتية. بيّنت النّتائج وجود فروق واضحة لصالح المجموعة التّجريبيّة، إذ سجل الطلاب تفاعلًا أعلى مع الدروس وتحسنًا ملحوظًا في أدائهم الأكاديمي، كما ارتفع مستوى رضاهم عن العملية التعليميّة بفارق كبير، إضافة إلى تسجيل المعلمين الذين استخدموا الذّكاء الاصطناعي مستويات أعلى من الكفاءة الذّاتية مقارنة بنظرائهم. وأكدت الدّراسة أن دمج التّقنيات الذكية في التّعليم يمكن أن يرفع جودة التّعلّم ويعزز ثقة المعلمين، مع ضرورة ضمان حماية البيانات وتوفير بنية تقنية مناسبة لدعم هذه التحولات.
هدفت دراسة جابر (2025) إلى فهم كيفيّة توظيف تقنيات الذّكاء الاصطناعي، وخصوصًا ChatGPT، في تطوير السياسات التربويّة ودعم البحث العلمي في لبنان، وذلك عبر استبانة شملت 27 باحثًا. وأظهرت النّتائج أن هذه التّقنيات تسهّل الوصول السّريع للمعلومات وترفع كفاءة الباحثين، مع تأكيد ضرورة وضع تشريعات واضحة لحماية الملكيّة الفكريّة عند استخدامها. وبينت الدّراسة أن للذكاء الاصطناعي دورًا واعدًا في تحسين العمل التربوي وصناعة السياسات، بشرط الحفاظ على الأصالة العلميّة والالتزام بالمعايير الأكاديميّة.
قدّم الباحث حامد (2024) دراسة تجريبيّة استهدفت تحليل أثر بيئة تعليميّة ذكيّة قائمة على دعم تفاعلي بالذّكاء الاصطناعي في تطوير الأداء الأكاديمي لطلبة الدّراسات العليا في جامعة الملك عبد العزيز، وذلك عبر قياس ثلاثة مكونات رئيسة للأداء: فهم المعرفة العلميّة وتطبيقها، التّفكير النّاقد والشّغف بالتّعلّم. اعتمدت الدّراسة تصميمًا تجريبيًا يقوم على مجموعتين إحداهما تجريبيّة، والأخرى ضابطة باستخدام القياس القبلي والبعدي، وطبقت الأدوات على عينة مكونة من 60 طالبًا وزِّعوا عشوائيًا على المجموعتين. وأظهرت النتائج، بناءً على الاختبارات الإحصائيّة مثل اختبار (ت)، وجود فروق دالة لصالح المجموعة التي تلقت الدعم التّعليمي الذكي، إضافة إلى علاقة ارتباطيّة واضحة بين تحسين فهم المعرفة العلمية، تنمية مهارات التّفكير الناقد، وتعزيز الشّغف بالتّعلّم.
هدفت دراسة (Vieriu & Petrea, 2025) إلى استكشاف تأثير تقنيات الذّكاء الاصطناعي على مسار التّعلّم الجامعي والأداء الأكاديمي لدى طلاب السنة الثانية في جامعة POLITEHNICA للعلوم والتكنولوجيا في بوخارست، وذلك عبر استبانة شملت 85 مشاركًا ممن سبق لهم التّعامل المباشر مع بيئات تعليميّة مدعومة بالذّكاء الاصطناعي. وأظهرت النّتائج أن الذّكاء الاصطناعي يسهم في تعزيز التّعلّم المخصص، رفع كفاءة التّحصيل وزيادة اندماج الطلاب، إلّا أنّ الباحثين رصدوا تحديات موازية تتعلق بالإفراط في الاعتماد على الأنظمة الذّكيّة، تراجع التّفكير النقدي، المخاطر المرتبطة بالخصوصيّة وارتفاع احتمالات السّلوكيّات غير الأكاديميّة. وأكدت الدّراسة الحاجة إلى إطار تنظيمي وأخلاقي واضح لضمان دمج فعّال وآمن للتقنيات الذكية في التّعليم، بما يوازن بين فوائدها وإشكالاتها المحتملة.
أجرى (Elia, 2024) دراسة هدفت إلى تحليل تأثير تبنّي تقنيات الذّكاء الاصطناعي في تحسين جودة الكتابة الأكاديميّة لدى طلاب الجامعات في لبنان، مع التركيز على تخصصات إدارة الأعمال بوصفها مجالًا لم تُبحث تأثيرات الذّكاء الاصطناعي فيه مسبقًا مقارنةً بالمجالات الطبيّة. واستند البحث إلى عيّنة واسعة شملت 376 طالبًا من 13 جامعة خاصة إضافة إلى الجامعة اللبنانيّة، وجُمعت البيانات من خلال استبيان رقمي. أظهرت النتائج، اعتمادًا على تحليل معامل الارتباط لبيرسون والانحدار الخطي، وجود علاقة إيجابيّة واضحة بين استخدام تقنيات الذّكاء الاصطناعي وتحسن مستوى الكتابة الأكاديميّة.
بحثت دراسة (Abbas et al, 2024) استخدام ChatGPT بين طلاب الجامعات من خلال دراستين ميدانيتين هدفتا إلى تحديد العوامل التي تدفع الطلبة إلى استخدامه والنتائج المترتبة على ذلك. ففي الدّراسة الأولى طوّر الباحثون مقياسًا مكوّنًا من ثمانية بنود لقياس مستوى استخدام ChatGPT وثبتت صلاحيته بعد تطبيقه على عيّنة من 165 طالبًا. أمّا الدّراسة الثانية فاعتمدت تصميمًا زمنيًّا بثلاث مراحل على عينة من 494 طالبًا للتحقق من المقياس واختبار الفرضيّات، إذ كشفت أنّ ارتفاع عبء المقررات وضغط الوقت يزيد احتمال لجوء الطالب إلى ChatGPT، بينما يقلّ استخدام الأداة لدى الطلاب الأكثر حساسيّة للمكافآت. كما أظهرت النّتائج أن الاستخدام المتكرر لـ ChatGPT يرتبط بزيادة التّسويف وضعف الذاكرة، إضافة إلى تراجع التّحصيل الدراسي. وتؤكد الدّراسة بذلك أنّ استخدام ChatGPT يحمل جوانب إيجابيّة، لكنه قد يسهم أيضًا في أنماط سلوكيّة يمكن أن تلحق ضررًا بالأداء الأكاديمي على المدى البعيد.
1-6- التعليق على الدّراسات السّابقة
تكشف مراجعة الأدبيات المعروضة تركّز الدّراسات السّابقة حول الذّكاء الاصطناعي في التّعليم على جوانب متفرقة من الأداء الأكاديمي أو السّلوك الجامعي، إذ تناولت بعض البحوث أثر الذّكاء الاصطناعي على إنجاز الواجبات والتّحصيل (كبوها، 2025؛ الشقصي والشقصي، 2025)، بينما ركّزت أخرى على الانعكاسات النّفسيّة والاجتماعيّة أو العلاقة بالتّفاعل الإنساني داخل الصّف (الشّاب، 2025)، في حين تناولت دراسات أخرى التّفكير الناقد أو جودة الكتابة الأكاديميّة (العبسي والأبرط، 2025؛ Elia، 2024)، بالإضافة إلى دوافع الاستخدام ومظاهره السّلبيّة مثل التّسويف وضعف الذاكرة (Abbas et al, 2024). وتُظهر هذه الدّراسات أنّ الذّكاء الاصطناعي قادر على تحسين جوانب معيّنة من الأداء، لكنه قد يرتبط في الوقت نفسه بتحديات سلوكيّة وأخلاقيّة ومعرفيّة، إلّا أنّ كلّ دراسة منها عالجت متغيرًا واحدًا أو اثنين في نطاق محدود ومنفصل من دون تقديم نموذج شامل يجمع بين التأثيرات الإيجابيّة والسّلبيّة ضمن بيئة بحثيّة واحدة.
وهنا تتميز الدّراسة الحاليّة عن الأعمال السّابقة جميعها ، إذ إنّها الأولى في السّياق اللبناني التي تفحص بصورة متوازنة أثر استخدام الذّكاء الاصطناعي على ستة مخرجات أكاديميّة وسلوكيّة متزامنة تشمل: التّحصيل الأكاديمي، التّفكير الإبداعي، التّعلّم الذّاتي، المهارات البحثيّة، التّسويف الأكاديمي، والتّفاعل الاجتماعي. كما تُقدّم الدّراسة نموذجًا أكثر تكاملًا من الدّراسات السّابقة عبر مقارنة الاتجاهين المتعاكسين لتأثير الذّكاء الاصطناعي، أي الأثر الإيجابي على الأداء الأكاديمي والإبداع والتّعلّم المستقل، مقابل الآثار السلبية المحتملة على التّسويف وضعف التّفاعل الاجتماعي.
2- الإطار النّظري: يُقدّم هذا الفصل الأساس النظري للدراسة من خلال توضيح مفهوم الذّكاء الاصطناعي، وبيان كيفية تأثيره على الأداء الأكاديمي للطلاب.
2-1- مفهوم الذّكاء الاصطناعي: يُشير الذّكاء الاصطناعي إلى أحد المسارات المتقدمة في علوم الحاسوب، وقد تطوّرت من خلاله أنظمة قادرة على أداء مهام تشبه في جوهرها العمليّات الذّهنيّة للبشر. ويستند هذا الحقل إلى تمكين الآلة من معالجة المعلومات بطريقة تحاكي التّعلّم البشري، التّفكير المنطقي، صياغة الخطط، اتخاذ القرارات وحل المشكلات، إضافة إلى القدرة على التّواصل وفهم المعطيات المحيطة. ويعتمد الذّكاء الاصطناعي في ذلك على نماذج تحاكي السّلوك الإنساني من خلال تحليل مواقف مصطنعة ودراسة ردود الفعل التي تُظهرها البرمجيّات، بما يسمح بتكوين آليات إدراك واستجابة قريبة من أداء العقل البشري (الشمري، 2024).
ويُعدّ الذّكاء الاصطناعي مجالًا معرفيًّا يتقاطع فيه كل من تقنيات التّعلّم الآلي، بناء الخوارزميّات، ومعالجة اللغة الطبيعيّة، بهدف إنتاج أنظمة قادرة على أداء مهام ذات طابع ذهني متقدم. لقد أحدث الذّكاء الاصطناعي تحولًا واضحًا في الأدوات التّعليميّة، إذ باتت تطبيقاته تسهم في إعادة تشكيل بيئات التّعلّم وطرق التدريس. وتشمل هذه التّطبيقات منصات التّعلّم التكيفيّة التي توفّر محتوى يتناسب مع احتياجات كل متعلم، وأنظمة التّقييم الآلي التي تدعم عمل المدرسين، بالإضافة إلى تقنيات التّحليل الذكي مثل التّعرف إلى الوجوه التي تساعد في قراءة أنماط سلوك المتعلمين ومستوى تفاعلهم داخل البيئة التعليميّة (Akgun & Greenhow, 2022).
2-2- أنواع الذّكاء الاصطناعي
يُنظر إلى الذّكاء الاصطناعي بوصفه منظومة واسعة تضم أنواع متعددة من القدرات الحاسوبيّة التي تختلف في طبيعتها ووظائفها. ومن أبرز هذه الأنواع الذّكاء الاصطناعي التّوليدي (Generative AI)، الذي يُعد من أكثر الفروع تطورًا، إذ يعتمد على تقنيات التّعلّم العميق لإنتاج محتوى مبتكر لا يقتصر على تحليل البيانات، بل يتجاوز ذلك إلى توليد نصوص وصور ومحاكاة رقمّيّة ذات طابع أصيل، عبر نماذج لغويّة ضخمة وشبكات توليديّة متقدمة. وتُستخدم هذه القدرات الحديثة بشكل متزايد في المجال التّعليمي، إذ تُسهم في بناء تجارب تعلم تفاعليّة ومتكيفة مع احتياجات الطلاب، وتساعد على تطوير مهارات مثل التّفكير النقدي والإبداع من خلال أنشطة تعليميّة أكثر ديناميكيّة. وعلى الرّغم من الإمكانات الكبيرة التي توفرها التّطبيقات التّوليدية في دعم التّعلّم النّشط عبر التّفاعل الفوري والتّخصيص المستمر لمسارات التّعلّم، إلّا أنّ استخدامها من دون ضوابط تربويّة قد يقود إلى آثار سلبية، منها ضعف القدرة على التّحليل المستقل، وتراجع جودة الكتابة الأصليّة، إضافة إلى إشكاليّات تتعلق بالأمانة العلميّة والاعتماد المفرط على المحتوى الجاهز من دون فهم معمّق (الشاب، 2025).
وفي المقابل، هناك الذّكاء الاصطناعي الضيق (Narrow AI) الذي يبقى أحد أكثر النماذج انتشاراً، فهو مخصص لتنفيذ وظائف محددة بدقة عالية مثل خدمة الترجمة أو المساعدات الصوتية الرقمية. أما الذّكاء الاصطناعي العام (General AI)، الذي يُفترض أن يمتلك مستوى من المرونة الذهنية يمكّنه من أداء المهام الإنسانية المعقدة، فما يزال في مرحلة الاستكشاف والبحث العلمي (الشاب، 2025).
2-3- خصائص الذّكاء الاصطناعي: يقوم الذّكاء الاصطناعي على بناء أنظمة رقميّة تمتلك قدرات محاكاة للعمليات الذّهنيّة البشريّة، إذ يمكنها اتخاذ القرارات والتّعامل مع المشكلات بطريقة قريبة من أسلوب التّفكير الإنساني. تمتاز هذه الأنظمة بخصائص متعددة تجعلها قادرة على العمل بفاعليّة في مواقف متنوعة، من بينها قدرتها على التّعلّم من الخبرات السّابقة، وتطوير استجابات جديدة استنادًا إلى ما اكتسبته من معرفة، إضافة إلى مهارتها في معالجة المواقف الغامضة حتى في ظل نقص المعلومات. كما تتمتع بمرونة في تحليل الحالات المركّبة، والتمييز بين العناصر الأكثر تأثيرًا أو أهمّيّة ضمن السّياق، إلى جانب سرعتها في الاستجابة للمتغيرات، وقدرتها على الابتكار وتكوين تصورات جديدة. وتُسهم هذه القدرات مجتمعة في مساعدة الذّكاء الاصطناعي على دعم اتخاذ القرار من خلال توفير معلومات دقيقة، ومنظمة يمكن الاعتماد عليها في حل المشكلات والتّعامل مع المواقف الحديثة (العبسي والأبرط، 2025).
2-4- آثار الذّكاء الاصطناعي على الأداء الأكاديمي للطلاب: الذّكاء الاصطناعي سلاح ذو حدين في البيئة الأكاديميّة. فمن جهة، يُحسّن نتائج التّعلّم ويُنمّي المهارات، ومن جهة أخرى، قد يُؤدي إلى الاعتماد المعرفي وتراجع القدرات.
2-4-1- الآثار الإيجابيّة للذكاء الاصطناعي على أداء الطلاب
يُسهم دمج أدوات الذّكاء الاصطناعي التّوليدي في البيئات التعليميّة المنظمة في رفع مستوى التّحصيل الأكاديمي من خلال تحسين جودة الإجابات، توضيح المفاهيم، ودعم تعلّم الطلاب داخل الأنشطة الصّفّية والتقييميّة (Deng et al., 2025). إذ تُظهر الأدلة أنّ نماذج الذّكاء الاصطناعي التّوليدي تُحدث تأثيرًا يقع بين الصغير والمتوسط على مخرجات التّعلّم الجامعي عبر تبسيط المحتوى وتقديم تغذية راجعة فوريّة تساعد الطالب على تحسين فهمه بشكل تدريجي (Chen & Cheung, 2025). كما يتبيّن أن استخدام حزم الذّكاء الاصطناعي المتكاملة يدعم أداء الطلاب في المهام التّقييميّة، ويرفع مستويات درجاتهم على الرّغم من استمرار تحديات الخصوصيّة الرّقميّة (Phua et al., 2025). وعلى مستوى التّفكير الإبداعي، يساهم توظيف ChatGPT في مهام حلّ المشكلات المفتوحة في تعزيز قدرات الطالب على توليد أفكار أصيلة، ومرنة وتطوير استجابات من مستويات معرفيّة أعلى مقارنة بالطرق التّقليديّة (Wang & Fan, 2025).
أمّا في التّعلّم الذّاتي، فإنّ أدوات الذّكاء الاصطناعي تساعد في تطوير مهارات التخطيط وتنظيم الوقت والمراقبة الذّاتية، عبر توفير إرشاد لحظي يدعم سيطرة الطالب على عمليّة تعلّمه في البيئات الجامعيّة (Lan & Zhou, 2025). وفيما يتعلق بالمهارات البحثيّة، يدعم الذّكاء الاصطناعي التّوليدي قدرة الطالب على تحليل المفاهيم المعقدة، فهم المصطلحات المتخصصة وبناء حجج أكاديميّة أكثر دقة، ما يحسّن الأداء البحثي خصوصًا لدى طلاب التخصّصات القانونيّة (Anwar, 2025). وفي ما يخص التّسويف الأكاديمي، تُظهر التّطبيقات التّعليميّة المبنيّة على الذّكاء الاصطناعي قدرة على تعزيز الاندماج العاطفي والسّلوكي للطلاب، ما يقلل من ميولهم لتأجيل المهام ويساعدهم على المماطلة في إنجاز العمل (Ma & Chen, 2024).
2-4-1- الآثار السّلبيّة للذكاء الاصطناعي على أداء الطلاب: في المقابل، يحمل الذّكاء الاصطناعي التّوليدي مخاطر تستدعي الانتباه عند توظيفه في السياق الأكاديمي. فالاعتماد المفرط على ChatGPT كبديل عن الجهد الذّهني، قد يؤدي إلى تراجع الأداء الأكاديمي، زيادة التّسويف، وضعف القدرة على الاحتفاظ بالمعلومات على المدى الطويل (Abbas et al, 2024). كما أن استخدام هذه الأدوات لإنتاج نصوص جاهزة يُضعف المهارات البحثيّة والكتابيّة الأصيلة، ويرفع من احتمالات الغش وانتهاك معايير النّزاهة الأكاديميّة (Reiter et al, 2025).
وعلى الصعيد الاجتماعي والنّفسي، قد يقترن الاستخدام المكثف للذكاء الاصطناعي في التّعلّم الفردي بالإرهاق الرّقمي، والشّعور بالوحدة وتراجع التّفاعل المباشر مع الزملاء، حتى مع تحسن الكفاءة والتواصل الإلكتروني. بالإضافة إلى ذلك، فإنّ إسناد مهام التّفكير والتّحليل إلى الذّكاء الاصطناعي من دون تأمل نقدي من الطالب، قد يُعيق تطور التّفكير الإبداعي المستقل على المدى البعيد (Klimova & Pikhart, 2025).
2-5- نظريات الدّراسة: تستند هذه الدّراسة إلى مجموعة من الأسس النّظريّة التي تفسر كيفيّة تفاعل الطلبة مع أدوات الذّكاء الاصطناعي، وتأثيرها في مخرجاتهم الأكاديميّة والسّلوكيّة:
نظرية الحتميّة التكنولوجية (Technological Determinism)
تُعدّ الحتميّة التكنولوجية من أكثر النظريات تأثيرًا في تفسير العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا، إذ تفترض أنّ تطور التكنولوجيا ليس مجرد أداة محايدة، بل قوة مُوجِّهة تُعيد تشكيل السّلوك الإنساني، أنماط التّفاعل، أنظمة التّعليم، وحتى طريقة التّفكير واتخاذ القرار. وتُعدّ هذه النّظريّة ملائمة للدّراسة الحاليّة لأنها تُفسّر كيف يفرض الذّكاء الاصطناعي التّوليدي أنماطًا جديدة من السّلوك الأكاديمي على الطلبة بمجرد تبنّيهم له، فانتشار هذه الأدوات في البيئة الجامعيّة، قد يُعيد تشكيل طرق التّعلّم والبحث والتّفكير بصورة تتجاوز نوايا المستخدمين الأصليّة، ما يجعل فهم هذا التأثير الحتمي ضروريًّا لاستكشاف التّحولات الإيجابيّة والسّلبيّة التي تُحدثها هذه التقنية في المخرجات الأكاديميّة للطلبة.
نظرية التّعلّم الذّاتي المنظم (Self-Regulated Learning Theory):
تُركّز نظرية التّعلّم الذّاتي المنظم على قدرة المتعلم على التخطيط لمهامه، مراقبة تقدمه الذّاتي، ضبط استراتيجياته وتقييم نتائج تعلمه. وتعتمد النّظريّة على أن التحكم الذّاتي والمعرفة التّنظيميّة هما الأساس في تحقيق التّعلّم العميق والمستدام. ترتبط هذه النّظريّة بالدّراسة لأنها تُفسّر كيفيّة تأثير أدوات الذّكاء الاصطناعي التّوليدي في قدرة الطلبة على إدارة تعلّمهم باستقلاليّة. فعندما يستخدم الطالب هذه الأدوات بوعي كمساند للتعلم، فإنّها قد تُعزز مهاراته في التخطيط للمهام الأكاديميّة وضبط الوقت ومراقبة تقدمه الذّاتي. غير أن الاعتماد المفرط عليها قد يُقلّص فرص الطالب في التأمل النقدي والتقييم الذّاتي، مما يُضعف تطور قدراته التنظيمية على المدى البعيد.
3- الإطار المنهجي: يُقدّم هذا القسم وصفًا شاملًا للخطوات المنهجيّة التي استند إليها البحث:
3-1- منهج الدّراسة: اعتمدت الدّراسة المنهج الوصفي التحليلي بوصفه الإطار الأنسب لفهم الظواهر التعليميّة والسّلوكيّة كما تظهر في بيئتها الجامعيّة الفعليّة، إذ يتيح هذا المنهج جمع البيانات المرتبطة بتجارب الأفراد، وتصوراتهم وتحليل العلاقات التي تربط بين المتغيرات قيد الفحص. ومن خلال هذا التوجه المنهجي، تتمكن الدّراسة من قياس مستوى استخدام طلاب الجامعات لأدوات الذّكاء الاصطناعي التّعليميّة، ورصد انعكاس هذا الاستخدام على جوانب متعددة من أدائهم الأكاديمي وسلوكهم التّعليمي، بالإضافة إلى تفسير طبيعة التأثيرات المتبادلة بين المتغيرات، بما يساعد على تقديم قراءة علمية دقيقة للظاهرة المدروسة.
3-2- مجتمع الدّراسة وعينتها: يشمل مجتمع الدّراسة طلاب الجامعات جميعهم في لبنان، بوصفهم الفئة الأكثر تفاعلًا مع التّقنيات التعليميّة الحديثة، ولا سيما أدوات الذّكاء الاصطناعي التي أصبحت جزءًا من الممارسات الأكاديميّة اليوميّة. لقد امتد مجتمع البحث ليضم عددًا من الجامعات في مختلف المناطق اللبنانيّة، مثل: الجامعة اللبنانيّة (UL)، الجامعة اللبنانيّة الدوليّة (LIU)، جامعة بيروت العربية (BAU)، الجامعة الأميركية في بيروت (AUB)، الجامعة اللبنانيّة الأميركية (LAU)، والجامعة الإسلاميّة في لبنان (IUL). ولضمان تمثيل كافٍ لهذا المجتمع الواسع، جرى اختيار عيّنة عشوائيّة بسيطة بلغ حجمها 300 طالب وطالبة من هذه الجامعات، الأمر الذي يوفّر درجة مناسبة من الشّموليّة ويعزّز إمكانية تعميم نتائج الدّراسة على مجتمع الطلبة في التّعليم العالي اللبناني.
3-3- أدوات الدّراسة: اعتمدت هذه الدّراسة على الاستبانة بوصفها الأداة الرئيسة لجمع البيانات، نظرًا لملاءمتها لطبيعة البحث الكمي وقدرتها على قياس الاتجاهات والسّلوكيات بدقة لدى أفراد العينة. لقد جرى إعداد الاستبانة وفق أسس منهجية واضحة، وقد قُسّمت إلى ثمانية أقسام تغطي محاور الدّراسة المختلفة، بدءًا من البيانات الديموغرافية، مرورًا بمستوى استخدام الذّكاء الاصطناعي، وانتهاءً بالمخرجات الأكاديميّة والسّلوكيّة المتمثلة في التّحصيل الأكاديمي، التّفكير الإبداعي، التّعلّم الذّاتي، المهارات البحثيّة، التّسويف الأكاديمي والتّفاعل الاجتماعي.
3-4- ثبات أداة البحث: جرى التأكد من موثوقية أداة البحث من خلال حساب معامل الاتساق الداخلي (Cronbach’s Alpha):
جدول رقم (1): ثبات أداة البحث
| Cronbach’s Alpha | المتغير |
| 0.862 | مدى استخدام أدوات الذّكاء الاصطناعي |
| 0.902 | التّحصيل الأكاديمي |
| 0.889 | التّفكير الإبداعي |
| 0.725 | التّعلّم الذّاتي |
| 0.800 | المهارات البحثيّة |
| 0.848 | التّسويف الأكاديمي |
| 0.917 | التّفاعل الاجتماعي |
تُظهر قيم معامل كرونباخ ألفا في الجدول رقم (1) مستوى مرتفعًا من الثبات لجميع محاور الأداة، إذ جاءت القيم أعلى جميعها من (0.70)، وهو الحدّ المقبول في الدّراسات الأكاديميّة. وتشير هذه النتائج إلى أن بنود الاستبيان تتسم بدرجة مقبولة من الاتساق الداخلي، ما يعكس قدرة الأداة على قياس المتغيرات السبعة بشكل واضح.
3-5- أساليب التّحليل الإحصائي: اعتمدت الدّراسة في معالجة بياناتها على حزمة من الأساليب الإحصائيّة التي نُفِّذت عبر برنامج SPSS، وذلك بما يتلاءم مع طبيعة البيانات وأهداف البحث. لقد بدأت عمليّة التّحليل باستخدام الإحصاءات الوصفيّة من تكرارات ونسب مئوية، ومتوسطات حسابيّة وانحرافات معياريّة. وجرى تقييم اتساق بنود المقياس من خلال معامل الثبات كرونباخ ألفا لضمان موثوقية الأداة. واستُخدِم تحليل الانحدار الخطي البسيط للتحقق من صحة فرضيات الدّراسة، وكشف طبيعة العلاقة بين استخدام الذّكاء الاصطناعي والمخرجات الأكاديميّة والسّلوكيّة المختلفة.
4- نتائج الدّراسة: يعرض هذا القسم النتائج المحصّلة من التحليل الإحصائي للبيانات:
جدول رقم (2): الإحصاء الوصفي للمعلومات الشّخصيّة
| المتغير | المجموعة | التكرارات (N) | النسب المئوية (%) | |
| الجنس | أنثى | 164 | 54.7% | |
| ذكر | 136 | 45.3% | ||
| العمر | أقل من 20 | 44 | 14.7% | |
| 20–25 | 200 | 66.7% | ||
| أكثر من 25 | 56 | 18.7% | ||
| الاختصاص | إدارة الأعمال والاقتصاد | 30 | 10.0% | |
| اختصاص آخر | 15 | 5.0% | ||
| الآداب واللغات | 5 | 1.7% | ||
| الإعلام | 23 | 7.7% | ||
| الحقوق | 36 | 12.0% | ||
| الطب | 9 | 3.0% | ||
| العلوم الاجتماعية | 67 | 22.3% | ||
| الهندسة | 28 | 9.3% | ||
| تكنولوجيا المعلومات | 51 | 17.0% | ||
| صحة عامة | 36 | 12.0% | ||
| أداة الذّكاء الاصطناعي الرئيسة | أدوات أخرى | 27 | 9.0% | |
| أدوات الذّكاء الاصطناعي التّوليدي مثل Gemini/ChatGPT/Perplexity | 141 | 47.0% | ||
| أدوات برمجة مدعومة بالذّكاء الاصطناعي مثل GitHub Copilot | 49 | 16.3% | ||
| أدوات تصميم مثلCanva AI / Midjourney | 36 | 12.0% | ||
| أدوات كتابة بحثية مثل Grammarly AI / Quillbot AI | 47 | 15.7% | ||
تُظهر نتائج الجدول رقم (2) أنّ عينة الدّراسة تتوزع بشكل متوازن نسبيًا بين الذكور والإناث، مع تفوق بسيط للإناث بنسبة 54.7%. ويتضح أن الفئة العمرية الأكثر تمثيلًا هي فئة (20–25 عاماً) بنسبة 66.7%، ما يعكس الطبيعة الجامعيّة للعيّنة. ويتوزع الطلاب على مجموعة واسعة من الاختصاصات، أبرزها العلوم الاجتماعية (22.3%)، تليها تكنولوجيا المعلومات (17%)، ثم الحقوق والصحة العامة بنسبة 12% لكل منهما، مما يعزز تنوع الخلفيات الأكاديميّة للمشاركين. أما فيما يتعلق بأدوات الذّكاء الاصطناعي المستخدمة، فتشير البيانات إلى أن الأدوات التّوليديّة مثل Gemini وChatGPT وPerplexity هي الأكثر استخدامًا بنسبة 47%.
جدول رقم (3): الإحصاء الوصفي للمتغيرات
| مستوى الموافقة | الانحراف المعياري | المتوسط الحسابي | المتغير |
| مرتفعة | 0.78 | 3.43 | مدى استخدام أدوات الذّكاء الاصطناعي |
| متوسطة | 1.09 | 3.00 | التّحصيل الأكاديمي |
| متوسطة | 1.07 | 2.99 | التّفكير الإبداعي |
| متوسطة | 0.92 | 3.03 | التّعلّم الذّاتي |
| متوسطة | 0.97 | 3.06 | المهارات البحثيّة |
| متوسطة | 1.03 | 3.02 | التّسويف الأكاديمي |
| متوسطة | 1.04 | 2.96 | التّفاعل الاجتماعي |
تُظهر بيانات الجدول رقم (3) أنّ متوسطات المتغيرات المدروسة تتراوح بين المستوى المتوسط والمستوى المرتفع، وقد سجّل مدى استخدام أدوات الذّكاء الاصطناعي أعلى متوسط (3.43) بمستوى موافقة مرتفع، ما يشير إلى اعتماد واضح من قبل الطلبة على هذه الأدوات. أمّا باقي المتغيرات مثل التّحصيل الأكاديمي، التّفكير الإبداعي، التّعلّم الذّاتي، المهارات البحثيّة، التّسويف الأكاديمي والتّفاعل الاجتماعي، فقد جاءت جميعها ضمن المستوى المتوسط بمتوسطات حسابيّة تتراوح بين (2.96 و3.06)، ما يدل على أن تأثير العوامل الأكاديميّة والسّلوكيّة يقع في نطاق معتدل بين الطلبة. وتعكس قيم الانحراف المعياري المقبولة درجة تجانس جيدة في استجابات العيّنة، ما يعزز موثوقية البيانات الخاصة بهذه المتغيرات.
جدول رقم (4): تحليل نتائج الفرضيّة الأولى المتعلقة بالتّحصيل الأكاديمي
| الاستنتاج | قيمة (p) | R | R² | اختبار (F) | قيمة (B) | النّموذج |
| يوجد أثر دال إحصائيًا | 0.254 | 0.571 | 0.327 | 0.000 | 0.266 | ثابت |
| 0.000 | +0.796 | مدى استخدام أدوات الذّكاء الاصطناعي |
تُظهر نتائج الجدول رقم (4) وجود تأثير إيجابي ذي دلالة إحصائيّة بين استخدام أدوات الذّكاء الاصطناعي والتّحصيل الأكاديمي لطلاب الجامعات في لبنان، استنادًا الى قيمة الاحتمال (p = 0.000) التي تعدّ أقل من مستوى الدلالة (0.05)، ما يؤكّد صحة الفرضيّة الأولى. وتوضّح قيمة معامل الارتباط (R = 0.571) وجود علاقة متوسطة القوة بين المتغيرين، بينما يُفسّر معامل التّحديد (R² = 0.327) أن ما نسبته 32.7% من التغير في التّحصيل الأكاديمي ناجم عن استخدام الذّكاء الاصطناعي. ويبيّن معامل الانحدار (B = 0.796) أنّ زيادة استخدام أدوات الذّكاء الاصطناعي بمقدار وحدة واحدة ترتبط بارتفاع مقداره 0.796 وحدة بمستوى التّحصيل الأكاديمي.
وتُعزى هذه النتيجة الإيجابيّة إلى عدة عوامل جوهريّة ترتبط بطبيعة أدوات الذّكاء الاصطناعي وآليات تأثيرها على العملية التعليميّة. فمن الناحية المعرفيّة، توفر هذه الأدوات للطلبة إمكانيّة الوصول الفوري إلى المعلومات وتبسيط المفاهيم المعقدة، ما يُقلل الصعوبات التّعليميّة ويتيح للطالب التركيز على الفهم العميق بدلًا من البحث عن المعلومات الأساسيّة. وتعمل كمعلم خاص متاح على مدار السّاعة، يقدّم شروحات متنوعة تناسب أساليب التّعلّم الذّاتية. ومن الناحية العمليّة، تُمكّن هذه الأدوات الطلبة من الحصول على تغذية راجعة فورية ما يرفع قدرة الطالب على تصحيح مساره وتحسين مستواه الأكاديمي.
جدول رقم (5): تحليل نتائج الفرضيّة الثانية المتعلقة بالتّفكير الإبداعي
| الاستنتاج | قيمة (p) | R | R² | اختبار (F) | قيمة (B) | النّموذج |
| يوجد أثر دال إحصائياً | 0.000 | 0.367 | 0.135 | 0.000 | 1.257 | ثابت |
| 0.000 | +0.504 | مدى استخدام أدوات الذّكاء الاصطناعي |
تشير نتائج الجدول رقم (5) إلى وجود تأثير إيجابي ذي دلالة إحصائيّة بين استخدام أدوات الذّكاء الاصطناعي والتّفكير الإبداعي لدى طلاب الجامعات في لبنان، استنادًا الى قيمة الاحتمال (p = 0.000) التي تعدّ أقل من مستوى الدلالة (0.05)، مما يؤكد صحة الفرضيّة الثانية. وتُظهر قيمة معامل الارتباط (R = 0.367) علاقة متوسطة القوة، بينما توضح قيمة معامل التّحديد (R² = 0.135) أن ما نسبته 13.5% من التغير في مستوى التّفكير الإبداعي لدى الطلبة ناجم عن استخدام الذّكاء الاصطناعي. ويكشف معامل الانحدار (B = +0.504) أنّ زيادة الاعتماد على أدوات الذّكاء الاصطناعي ترتبط بارتفاع واضح في القدرة على توليد الأفكار الإبداعيّة.
تشير هذه النتيجة الى أنّ أدوات الذّكاء الاصطناعي تعمل كمحفّز للتفكير الإبداعي من خلال تعريض الطلبة لأفكار، ووجهات نظر متنوعة لم تكن لتخطر على بالهم، ما يُوسّع آفاقهم الفكرية ويُلهمهم توليد أفكار جديدة. كما أن هذه الأدوات تُحرر الطالب من المهام الروتينيّة كجمع المعلومات الأولية، ما يتيح له تخصيص وقته وطاقته للتفكير العميق والابتكار.
جدول رقم (6): تحليل نتائج الفرضيّة الثالثة المتعلقة بالتّعلّم الذّاتي
| الاستنتاج | قيمة (p) | R | R² | اختبار (F) | قيمة (B) | النّموذج |
| يوجد أثر دال إحصائياً | 0.000 | 0.370 | 0.137 | 0.000 | 1.547 | ثابت |
| 0.000 | +0.433 | مدى استخدام أدوات الذّكاء الاصطناعي |
تُظهر نتائج الجدول رقم (6) وجود تأثير إيجابي ذي دلالة إحصائيّة بين استخدام أدوات الذّكاء الاصطناعي والتّعلّم الذّاتي لدى طلاب الجامعات في لبنان، استنادًا الى قيمة الاحتمال (p = 0.000) التي تعدّ أقل من مستوى الدلالة (0.05)، ما يؤكد صحة الفرضيّة الثالثة. وتشير قيمة معامل الارتباط (R = 0.370) إلى ارتباط متوسط بين المتغيرين، في حين يوضّح معامل التحديد (R² = 0.137) أن ما نسبته 13.7% من التباين في مستوى التّعلّم الذّاتي لدى الطلبة ناجم عن استخدام الذّكاء الاصطناعي. ويُظهر معامل الانحدار (B = +0.433) أنّ زيادة استخدام هذه الأدوات تساهم في رفع قدرة الطالب على إدارة تعلمه بصورة مستقلة. وبالتالي ثبتت الفرضيّة الثالثة.
يُعزى هذا التأثير الإيجابي إلى أنّ أدوات الذّكاء الاصطناعي تُمكّن الطالب من التحكم في مسار تعلمه بشكل مستقل، إذ يستطيع تحديد نقاط ضعفه والحصول على شروحات مخصصة في أي وقت من دون الحاجة للاعتماد على الآخرين. وتُعزز هذه الأدوات مهارات التنظيم الذّاتي من خلال مساعدة الطلبة في وضع خطط للدّراسة وتقسيم المهام الكبيرة إلى أجزاء قابلة للإدارة. إلّا أنّ نسبة التفسير (13.7%) تشير إلى أنّ التّعلّم الذّاتي يعتمد بشكل أساسي على سمات شخصية كالانضباط الذّاتي والدّافعيّة الدّاخليّة، وهي عوامل لا يمكن للذكاء الاصطناعي وحده أن يُعززها.
جدول رقم (7): تحليل نتائج الفرضيّة الرابعة المتعلقة بالمهارات البحثيّة
| الاستنتاج | قيمة (p) | R | R² | اختبار (F) | قيمة (B) | النّموذج |
| يوجد أثر دال إحصائياً | 0.000 | 0.303 | 0.092 | 0.000 | 1.765 | ثابت |
| 0.000 | +0.377 | مدى استخدام أدوات الذّكاء الاصطناعي |
تشير نتائج الجدول رقم (7) إلى تحقّق الفرضيّة الرابعة التي تنص على وجود أثر إيجابي ذي دلالة إحصائيّة بين استخدام أدوات الذّكاء الاصطناعي في تنمية المهارات البحثيّة لدى طلبة الجامعات في لبنان استنادًا الى قيمة الاحتمال (p = 0.000) التي تعدّ أقل من مستوى الدلالة (0.05). وتُظهر قيمة معامل الارتباط (R = 0.303) وجود علاقة ضعيفة بين المتغيرين، بينما يوضح معامل التّحديد (R² = 0.092) أنّ نسبة 9.2% من التّغير في مستوى المهارات البحثيّة جاءت نتيجة استخدام الذّكاء الاصطناعي. ويبيّن معامل الانحدار (B = +0.377) أن زيادة الاعتماد على أدوات الذّكاء الاصطناعي ترتبط بارتفاع ملحوظ في قدرة الطالب على البحث، تحديد المصادر وتحليل المعلومات.
تُعزى هذه النتيجة إلى حقيقة أنّ أدوات الذّكاء الاصطناعي تُسهّل عمليّة البحث من خلال مساعدة الطلبة في تحديد الكلمات المفتاحيّة المناسبة، تلخيص الأدبيات وتنظيم المراجع، ما يُحسّن كفاءة العمليّة البحثيّة. غير أن نسبة التّفسير المنخفضة (9.2%) تكشف أن المهارات البحثيّة الحقيقية تتطلب ممارسة فعلية وتدريبًا منهجيًّا على التّفكير النقدي وتقييم المصادر، وهي مهارات تُكتسب بالخبرة المباشرة وليس بالاعتماد على أدوات مساعدة.
جدول رقم (8): تحليل نتائج الفرضيّة الخامسة المتعلقة بالتّسويف الأكاديمي
| الاستنتاج | قيمة (p) | R | R² | اختبار (F) | قيمة (B) | النّموذج |
| يوجد أثر دال إحصائياً | 0.000 | 0.264 | 0.070 | 0.000 | 1.829 | ثابت |
| 0.000 | +0.349 | مدى استخدام أدوات الذّكاء الاصطناعي |
تُشير نتائج الجدول رقم (8) إلى تحقًق الفرضيّة الخامسة التي تفترض وجود أثر إيجابي ذي دلالة إحصائيّة بين استخدام أدوات الذّكاء الاصطناعي والتّسويف الأكاديمي لدى طلبة الجامعات في لبنان وذلك بالاستناد الى قيمة الاحتمال (p = 0.000) التي تعدّ أقل من مستوى الدّلالة (0.05). ويوضح معامل الارتباط (R = 0.264) وجود علاقة ضعيفة، بينما يشير معامل التحديد (R² = 0.070) إلى أنّ نحو 7% فقط من التباين في سلوك التّسويف يمكن إرجاعه الى مستوى استخدام الذّكاء الاصطناعي. وتُظهر قيمة معامل الانحدار (0.349+) أن زيادة اعتماد الطالب على هذه الأدوات يرتبط بارتفاع قابليّة التأجيل والمماطلة في إنجاز المهام الأكاديميّة، وهو ما يعكس جانبًا سلبيًّا محتملًا لهذا الاستخدام.
وتُعد هذه النتيجة منطقيّة ومتوقعة، إذ إنّ توفر أدوات الذّكاء الاصطناعي القادرة على إنتاج محتوى سريع يُولّد لدى الطلبة شعورًا زائفًا بالأمان، فيؤجلون مهامهم معتقدين أنّ بإمكانهم إنجازها في اللحظات الأخيرة بمساعدة هذه الأدوات. كما أن سهولة الحصول على إجابات جاهزة تُضعف الإحساس بالمسؤوليّة تجاه المهام الأكاديميّة. وعلى الرّغم من أنّ نسبة التفسير (7%) تبدو متواضعة، إلّا أنّها تُنبّه إلى أثر سلبي حقيقي ينبغي معالجته.
جدول رقم (9): تحليل نتائج الفرضيّة السادسة المتعلقة بالتّفاعل الاجتماعي
| الاستنتاج | قيمة (p) | R | R² | اختبار (F) | قيمة (B) | النّموذج |
| لا يوجد أثر دال إحصائياً | 0.000 | 0.107 | 0.011 | 0.064 | 2.474 | ثابت |
| 0.064 | 0.143 | مدى استخدام أدوات الذّكاء الاصطناعي |
تشير نتائج الجدول رقم (9) إلى عدم صحة الفرضيّة السادسة، إذ أظهر تحليل الانحدار عدم وجود تأثير ذي دلالة إحصائيّة لاستخدام أدوات الذّكاء الاصطناعي على التّفاعل الاجتماعي لدى طلبة الجامعات في لبنان. ويعود ذلك الى أنّ قيمة الاحتمال (p = 0.064) جاءت أعلى من مستوى الدّلالة المعتمد (0.05)، ما يدلّ على عدم وجود علاقة ذات دلالة إحصائيّة بين المتغيرين. وتعكس قيمة معامل الارتباط (R = 0.107) ارتباطًا ضعيفًا جدًا، بينما يبيّن معامل التحديد (R² = 0.011) أن استخدام الذّكاء الاصطناعي لا يفسّر سوى بـ 1.1% فقط من التباين في مستوى التّفاعل الاجتماعي، ما يعني أنّ زيادة استخدام الذّكاء الاصطناعي لا ترتبط بصورة واضحة، أو مباشرة بتغيرات في التّفاعل الاجتماعي للطلبة.
يُفسَّر غياب العلاقة الدّالة أنّ التّفاعل الاجتماعي بين الطلبة، يتحدد بعوامل مستقلة تمامًا عن استخدام الذّكاء الاصطناعي، كالسّمات الشّخصيّة والمهارات الاجتماعيّة المكتسبة. فاستخدام أدوات الذّكاء الاصطناعي للأغراض الأكاديميّة لا يحلّ محل التّفاعل البشري. وقد تُبرز هذه النتيجة أيضًا أنّ أدوات الذّكاء الاصطناعي، على الرّغم من قدراتها المتعدّدة في المجال الأكاديمي، تبقى عاجزة عن تحسين البُعد الاجتماعي بشكل ملموس، إذ إنّ المهارات الاجتماعيّة والعلاقات الإنسانيّة تُبنى من خلال التّفاعل المباشر والخبرات المشتركة التي لا يمكن للتقنية محاكاتها أو تعويضها.
مناقشة النّتائج: تتوافق نتائج الدّراسة الحالية مع عدد من الدّراسات السّابقة وتختلف مع بعضها الآخر. في ما يخص التّحصيل الأكاديمي، جاءت نتائجنا متوافقة مع دراسة الشّقصي والشّقصي (2025) التي أثبتت تفوق المجموعة التّجريبيّة المستخدمة للذكاء الاصطناعي في الأداء الأكاديمي، وكذلك مع دراسة حامد (2024) التي وجدت فروقًا دالة لصالح الطلبة الحاصلين على دعم التّعليم الذكي. وتتفق مع نتائج (Vieriu & Petrea, 2025) التي أكّدت إسهام الذّكاء الاصطناعي في رفع كفاءة التّحصيل. غير أنّها تتعارض جزئيًّا مع دراسة (Abbas et al., 2024) التي ربطت الاستخدام المتكرر لـ ChatGPT بتراجع التّحصيل الدراسي، وهو ما قد يُفسَّر بالفرق بين الاستخدام المنظم، والاستخدام المفرط غير الموجه.
أمّا بشأن التّفكير الإبداعي والناقد، فقد توافقت نتائجنا الإيجابيّة مع دراسة العبسي والأبرط (2025) التي أكدت وجود علاقة إيجابيّة بين استخدام الذّكاء الاصطناعي وتنمية القدرات التّحليليّة والإبداعيّة. وفيما يتعلق بـالتّعلّم الذّاتي، تتفق نتائجنا مع ما توصل إليه (Vieriu & Petrea, 2025) من أنّ الذّكاء الاصطناعي يُعزز التّعلّم المخصص ويزيد اندماج الطلبة، وكذلك مع دراسة جابر (2025) التي أشارت إلى دور هذه التّقنيات في تسهيل الوصول للمعلومات ورفع كفاءة الباحثين.
بالنسبة إلى المهارات البحثيّة، كشفت دراستنا تأثير إيجابي محدود، وهو ما يتوافق مع دراسة جابر (2025) حول تسهيل البحث العلمي، لكنّه يتقاطع مع تحذير دراسة كبوها (2025) من أن كثرة الاستخدام قد تُضعف مهارات البحث والتّحليل النقدي، ما يؤكد أهمّيّة التّوازن في التوظيف. وتتطابق نتيجة التّسويف الأكاديمي الإيجابيّة مع نتائج (Abbas et al., 2024) التي أثبتت أن الاستخدام المتكرر لـ ChatGPT يرتبط بزيادة التّسويف. وأخيراً، جاء غياب التأثير الدال على التّفاعل الاجتماعي متوافقاً جزئياً مع دراسة الشاب (2025) التي رصدت مخاوف الأساتذة من تراجع التّفاعل الاجتماعي الحيّ.
الخاتمة: سعت هذه الدّراسة إلى فحص تأثير استخدام أدوات الذّكاء الاصطناعي على مجموعة من المتغيرات الأكاديميّة والسّلوكيّة لدى طلبة الجامعات في لبنان، وقد كشفت النتائج صورة متعددة الأبعاد لهذا التأثير. فمن جهة، أثبتت الدّراسة وجود تأثيرات إيجابيّة ذات دلالة إحصائيّة على التّحصيل الأكاديمي والتّفكير الإبداعي والتّعلّم الذّاتي والمهارات البحثيّة، ما يؤكد الإمكانات الواعدة لهذه التّقنيات في تعزيز العملية التعليميّة. ومن جهة أخرى، كشفت الدّراسة أثر سلبي يتمثل في زيادة التّسويف الأكاديمي،
بينما لم يتأثر التّفاعل الاجتماعي بشكل ملموس. وتؤكّد هذه النّتائج أنّ أدوات الذّكاء الاصطناعي هي سلاح ذو حدين في البيئة الجامعيّة، إذ تحمل فرصًا حقيقيّة لتحسين التّعلّم لكنها تستوجب توظيفًا واعيًا ومسؤولًا لتجنب آثارها السّلبيّة. وعليه، تدعو الدّراسة المؤسسات الجامعيّة في لبنان إلى تبني سياسات واضحة لدمج الذّكاء الاصطناعي في التّعليم، مع توعية الطلبة على أساليب الاستخدام الأمثل التي تُعظّم الفوائد وتحدّ من المخاطر، بما يضمن إعداد خريجين قادرين على التّعامل مع متطلبات العصر الرقمي دون المساس بجوهر التّعلّم الحقيقي.
التّوصيات: استنادًا إلى النتائج التي خلصت إليها الدّراسة، يمكن اقتراح عدد من التوجيهات التي من شأنها تعزيز الاستخدام الفعّال لأدوات الذّكاء الاصطناعي في البيئة الجامعيّة:
- تصميم ورش عمل إلزامية تساعد الطلبة على استخدام الذّكاء الاصطناعي كأداة مساندة للبحث العلمي، مع التّركيز على مهارات التّحقق من المصادر، التّحليل النّقدي، وتجنّب الاعتماد الكامل على المحتوى المُولَّد.
- تقديم برامج إرشاديّة تساعد الطلبة على إدارة الوقت ومنع الاعتماد على الذّكاء الاصطناعي كبديل عن الجهد الحقيقي، وذلك للحد من ارتفاع سلوكيّات التأجيل والمماطلة.
- تشجيع الأساتذة على تصميم مهام تعليميّة تستخدم الذّكاء الاصطناعي كمحفّز للإبداع وليس كأداة لإنتاج الأجوبة الجاهزة، بما يعزز التّفكير الإبداعي لدى الطلبة.
- إطلاق حملات توعوية تركز على أن الذّكاء الاصطناعي لا يمكنه تطوير العلاقات الاجتماعية أو التّفاعل الإنساني، ما يستدعي من الطلبة الحفاظ على التواصل المباشر داخل البيئة الجامعيّة.
المراجع العربيّة
- السريحي، حنان مساعد سعد. (2025). الآثار الإيجابية الناجمة عن استخدام برامج الذّكاء الاصطناعي في الأداء الأكاديمي: دراسة سوسيولوجية على عينة من طالبات كلية الآداب والعلوم الإنسانية – جامعة الملك عبدالعزيز. مجلة جامعة الملك عبدالعزيز: الآداب والعلوم الإنسانية، 33(1)، 375-406.
- الشاب، رضا علي. (2025). الذّكاء الاصطناعي في البيئة الجامعيّة: دعم التّفاعل الإنساني أم تعميق العزلة؟ معهد العلوم الاجتماعية في الجامعة اللبنانيّة نموذجًا. مجلة وميض الفكر للبحوث، (27)، 184-213.
- الشقصي، وليد بن زاهر بن سليمان، والشقصي، يعقوب بن زاهر بن سليمان. (2025). أثر استخدام تطبيقات الذّكاء الاصطناعي في التّعليم على التّحصيل الدراسي ورضا الطلاب والمعلمين وكفاءتهم الذّاتية. مجلة الشرق للعلوم الإنسانية، 1(3)، 23-36. https://doi.org/10.63496/ejhs.Vol1.Iss3.82
- الشمري، راضي بن تركي عذبي. (2024). مدى مساهمة تطبيقات الذّكاء الاصطناعي في تطوير المهارات البحثيّة لطلبة الدّراسات العليا في جامعة حفر الباطن. مجلة كلية التربية، 40(10)، الجزء الثاني، 255-277.
- العبسي، طه علي، والأبرط، نايف علي. (2025). الذّكاء الاصطناعي وعلاقته بالتّفكير الناقد من وجهة نظر طلاب الماجستير بكلية التربية والعلوم برداع – جامعة البيضاء. مجلة جامعة البيضاء، 7(1)، 290-299.
- أبو مقدم، رشا عبد المجيد محمد. (2024). درجة استخدام تطبيقات الذّكاء الاصطناعي في التّعلّم الذّاتي لدى طلبة الدّراسات العليا في الجامعات الأردنية، رسالة ماجستير، جامعة الشرق الأوسط، عمّان، الأردن.
- جابر، غسان عبد الحسين. (2025). فعّالية استخدام تقنيات الذّكاء الاصطناعي في البحث العلمي: تطبيق ChatGPT نموذجاً. ضمن أعمال المؤتمر السنوي لمركز الدّراسات والأبحاث التربوية، كلية التربية، الجامعة اللبنانيّة، بيروت، 1–21.
- حامد، محمد عبدالمقصود عبدالله. (2024). أثر الدعم التّعليمي الذكي خلال موقع ويب تفاعلي قائم على الذّكاء الاصطناعي في تنمية الأداء الأكاديمي لطلاب الدّراسات العليا. مجلة كلية التربية – جامعة أسيوط، 40(8)، 1–91. https://doi.org/10.21608/mfes.2024.383769
- زروقي، رياض، وفالتة، أميرة. (2020). دور الذّكاء الاصطناعي في تحسين جودة التّعليم العالي. المجلة العربية للتربية النوعية، 4(12)، 1-12. https://doi.org/10.33850/ejev.2020.73451
- كبوها، شروق حاسن عبدالله. (2025). تأثير استخدام الذّكاء الاصطناعي على الأداء الأكاديمي للشباب الجامعي السعودي: دراسة تطبيقية على طلاب جامعة الملك عبدالعزيز. المجلة العلمية لبحوث الصحافة، 2025(33)، 457-500.
المراجع الأجنبيّة
- Abbas, M., Jam, F. A., & Khan, T. I. (2024). Is it harmful or helpful? Examining the causes and consequences of generative AI usage among university students. International journal of educational technology in higher education, 21(1), 10. https://doi.org/10.1186/s41239-024-00444-7
- Akgun, S., & Greenhow, C. (2022). Artificial intelligence in education: Addressing ethical challenges in K-12 settings. AI and Ethics, 2(3), 431-440.
- Chen, S., & Cheung, A. C. (2025). Effect of Generative Artificial Intelligence on University Students Learning Outcomes: A Systematic Review and Meta-Analysis. Educational Research Review, 100737.
- Deng, R., Jiang, M., Yu, X., Lu, Y., & Liu, S. (2025). Does ChatGPT enhance student learning? A systematic review and meta-analysis of experimental studies. Computers & Education, 227, 105224.
- Elia, J. Y. (2024). Examining the Impact of Artificial Intelligence Adoption on Academic Writing Among Business Students in Lebanese Higher Education. In Achieving Sustainable Business Through AI, Technology Education and Computer Science: Volume 2: Teaching Technology and Business Sustainability (pp. 117-127). Cham: Springer Nature Switzerland. https://doi.org/10.1007/978-3-031-71213-5_11
- Klimova, B., & Pikhart, M. (2025). Exploring the effects of artificial intelligence on student and academic well-being in higher education: A mini-review. Frontiers in Psychology, 16, 1498132.
- Lan, M., & Zhou, X. (2025). A qualitative systematic review on AI empowered self-regulated learning in higher education. npj Science of Learning, 10(1), 21.
- Ma, Y., & Chen, M. (2024). AI-empowered applications effects on EFL learners’ engagement in the classroom and academic procrastination. BMC psychology, 12(1), 739.
- Phua, J. T. K., Neo, H. F., & Teo, C. C. (2025). Evaluating the Impact of Artificial Intelligence Tools on Enhancing Student Academic Performance: Efficacy Amidst Security and Privacy Concerns. Big Data and Cognitive Computing, 9(5), 131.
- Reiter, L., Jörling, M., Fuchs, C., Working group ‘Artificial Intelligence in Higher Education’, & Böhm, R. (2025). Student (Mis) Use of Generative AI Tools for University-Related Tasks. International Journal of Human–Computer Interaction, 1-14.
- Vieriu, A. M., & Petrea, G. (2025). The impact of artificial intelligence (AI) on students’ academic development. Education Sciences, 15(3), 343. https://doi.org/10.3390/educsci15030343
- Wang, J., & Fan, W. (2025). The effect of ChatGPT on students’ learning performance, learning perception, and higher-order thinking: insights from a meta-analysis. Humanities and Social Sciences Communications, 12(1), 1-21.
[1] – أستاذ مساعد في الجامعة اللبنانيّة، معهد العلوم الاجتماعيّة- بيروت – لبنان.
– Assistant Professor at the Lebanese University, Institute of Social Sciences – Beirut – Lebanon . Email: Manal.hamzeh@ul.edu.lb