الرّدع غير المتكافئ (Asymmetric Deterrence) في صراعات غرب آسيا: مقاربة نظريّة في ضوء الولاية الثانية للرئيس ترامب
اسم المجلة: مجلة أوراق ثقافية
الرّدع غير المتكافئ (Asymmetric Deterrence) في صراعات غرب آسيا: مقاربة نظريّة في ضوء الولاية الثانية للرئيس ترامب
Asymmetric Deterrence in West Asian Conflicts: A Theoretical Approach in Light of Trump’s Second Term
Ahmed Yassin أحمد ياسين)[1](
تاريخ الإرسال:16-12-2025 تاريخ القبول: 28- 12-2025
الملخص turnitin: 4%
تقدّم هذه المقالة مقاربةً نظريّة راسخة لمفهوم الرّدع غير المتكافئ (Asymmetric Deterrence) في غرب آسيا، وتختبرها عبر أنماطٍ تجريبيّة مرتبطة بتموضع الولايات المتحدة خلال الولاية الثانية للرئيس دونالد ترامب. انطلاقًا من نظرية الرّدع (Deterrence Theory) الكلاسيكية والواقعية البنيوية (Neorealism) والواقعية الهجومية (Offensive Realism)، تُعرّف الدراسة الرّدع غير المتكافئ بوصفه استراتيجيةً يعمد فيها الفاعلون الأضعف أو الفاعلون الأقوى الذين يعملون تحت قيود على التصعيد إلى توظيف أدواتٍ غير تقليدية (حروب الوكلاء، العمليات السيبرانيّة، الصواريخ الدّقيقة، الإرباك البحري، وحرب السرديات) لرفع تكاليف ومخاطر الفعل لدى الخصم. وتطوّر الورقة إطارًا يفسّر كيف قامت إيران وقوى المقاومة بإضفاء الطابع المؤسّسي على الرّدع غير المتكافئ كعقيدة، وكيف حاولت واشنطن، تحت شعار السّلام عبر القوة (Peace Through Strength)، مواجهته عبر ضربات محدودة، واستهداف القيادة (Decapitation)، والعقوبات القسرية (Coercive Sanctions)، وتمكين الحلفاء. ويبرز التحليل المقارن المركّز للتفاعلات الأميركيّة الإيرانية جدلًا إقليميًا حول الرّدع، يتّسم بالتعلّم المتبادل، والتحرّك في المنطقة الرّماديّة (Gray Zone)، وتحولات عتبات التصعيد. وتخلص الدّراسة إلى دلالات نظريّة وسياسيّة، فالرّدع غير المتكافئ يُمثّل توازنًا مستدامًا يعيد تشكيل سلالم التّصعيد (Escalation Ladders) ويُغَيِّب الحدود الفاصلة بين الحرب والسّلم.
الكلمات المفتاحيّة: الرّدع غير المتكافئ؛ الواقعيّة الهجوميّة؛ المنطقة الرّماديّة؛ إيران؛ إسرائيل؛ فلسطين؛ غرب آسيا؛ السّلام عبر القوة؛ سلالم التّصعيّد؛ استهداف القيادة؛ الذّخائر الدّقيقة.
Abstract
This article presents a well-established theoretical approach to the concept of asymmetric deterrence in West Asia and tests it through empirical patterns related to the United States’ positioning during the second term of President Donald Trump. Drawing on classical deterrence theory, neorealism, and offensive realism, the study defines asymmetric deterrence as a strategy in which weaker actors or stronger actors operating under escalation constraints employ unconventional tools (proxy wars, cyber operations, precision missiles, maritime disruption, and narrative warfare) to raise the costs and risks of action for the adversary. This paper develops a framework explaining how Iran and resistance forces have institutionalized asymmetric deterrence as a doctrine, and how Washington, under the banner of “Peace Through Strength,” has attempted to counter it through limited strikes, decapitation, coercive sanctions, and empowering allies. A focused comparative analysis of US-Iranian interactions highlights a regional debate on deterrence characterized by mutual learning, maneuvering in the gray zone, and shifting escalation thresholds. The study concludes with theoretical and political implications: asymmetric deterrence represents a sustainable balance that reshapes escalation ladders and blurs the lines between war and peace.
Keywords: asymmetric deterrence; offensive realism; gray zone; Iran; Israel; Palestine; West Asia; peace through strength; escalation ladders; decapitation precision ammunition
1– المقدّمة
تعكسُ منطقة غرب آسيا – المعروفة اصطلاحًا بالشّرق الأوسط – شروطًا بنيويّة تجعل الرّدع (Deterrence) ضرورةً دائمة وإنْ ظلّ هشًّا، إذ تتجاور دولٌ ذات سيادة مع فاعلين غير دوليين ذوي قدرات متنامية، فيما يقلِّص انتشار التكنولوجيا(Technological Diffusion) من مزاياٍ تقليديّة في القوة الجويّة والاستخبارات والاستطلاع والمراقبة (Airpower/ISR)، وتُعقِّد المنظمات العابرة للحدود أدوات الإكراه والتّأثير. في هذا السّياق، تُظهر ديناميّات الصّراع أنّ الرّدع لم يعد حكرًا على نماذج القوّة المتكافئة، بل بات يتجسّد في مزيجٍ موزّع عبر مجالات متعددة مثل الفضاء السيبراني، الملاحة البحريّة، النيران الدقيقة وحرب السّرديات وبين فاعلين دوليين وغير دوليين. ومع ارتفاع كلفة الحرب الشّاملة وتشدد القيود السياسيّة والقانونية، تتقدّم الاستراتيجيّات اللامتماثلة بوصفها آلية لإدارة التّنافس أكثر منها وصفة للحسم، وهو ما ظهر بوضوح خلال الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترامب تحت شعار السّلام عبر القوة من خلال ضربات محدودة عالية التأثير، واستهدافٍ شخصيات قيادية محورية، وعقوبات وضوابط تكنولوجية، وتمكين الحلفاء. (Schelling, 1966؛ Mearsheimer, 2001؛ Mazarr, 2015)
أعاد وصول إدارة أميركيّة تؤمن بمبدأ السّلام عبر القوة معايرة بنية الرّدع الإقليمي، فقد مزجت السياسة بين العمل العسكري المحدود وحِرَف الدولة الاقتصاديّة القسريّة (Coercive Statecraft) وتمكين الحلفاء للحدّ من خيارات الخصوم مع تجنّب حروب الاحتلال واسعة النطاق. وتضع هذه المقالة تلك الديناميات ضمن نظريّة عامة للردع غير المتكافئ، وتُقيِّم تجلّياتها في التّفاعل الاستراتيجي الأميركي – الإيراني وفي مسارح صراع مرتبطة بالقضيّة الفلسطينيّة. تطبيقيًّا، تقدّم حالات إيران وقوى المقاومة وإسرائيل وميادين غزة – لبنان – الخليج أمثلة حيّة على تبديل ميادين المواجهة (مواجهات بحرية سيبرانيّة وغيرها، مقابل ضغط حركي) والتوزّع والإنكار المقبول، والدقة على نطاق واسع، والإكراه السردي الذي يعيد تشكيل الوعي الجمعي للجماهير للحرب (Brands, 2016)؛ (Freedman, 2013).
على المستوى المفاهيمي، ننطلق من الواقعيّة الكلاسيكيّة (مصلحة وقوّة وحدود للأخلاق في السياسة الدّوليّة) والواقعية البنيوية (لا سلطويّة النّظام وتوزّع القدرات)، ونطوّر القراءة عبر الواقعيّة الهجوميّة التي تفترض سعي الفاعلين إلى تعظيم المكاسب النسبيّة ضمن قيود التّصعيد (Morgenthau, 1948/2006؛ Waltz, 1979؛ (Mearsheimer, 2001).
ونُدرج هذه الأطر داخل نظريّة الرّدع التي تشدّد على المصداقيّة والقدرة والإشارات، مع تمييز “العقاب” و”الحرمان” كآليتين متكاملتين في صناعة الرّدع ((George & Smoke, 1974؛ Snyder, 1961؛ Huth, 1999)) ومن هنا تتكوّن الإضافة العلمية في ثلاث نقاط. أولًا، توضيح مفهوم الرّدع غير المتكافئ وتمييزه عن مفاهيم قريبة كـالرّدع عبر الحرمان(Denial-Based Deterrence) الإكراه (Compellence) واستراتيجيات المنطقة الرمادية (Gray-Zone Strategy) والحرب الهجينة (Hybrid Warfare) ثانيًا، اشتقاق توقّعات من الواقعية الهجومية توضّح لماذا يميل الفاعلون الأقوياء والأقل قوّة إلى الأساليب اللامتماثلة حين تُقيَّد عتبات التّصعيد (Mearsheimer, 2001). ثالثًا، إسقاط الإطار على الصّراع في منطقة غرب آسيا عبر فحص تطوّر عقيدة إيران ونموذج المواجهة الأميركي تحت مظلة السّلام عبر القوة، مع التركيز على الأيام المئة الأولى للولاية الثانية للرئيس ترامب وما تلاها من تعلّمٍ تراكمي في الإقليم.
خلاصةً، كان الرّدع دومًا لغةً لمنع الأفعال غير المرغوبة إمّا برفع كلفتها المتوقعة أو بخفض فرص نجاحها. في صيغته الكلاسيكية يفترض توازنًا نسبيًا وشفافية قدرات وتفاهمًا على عتبات التّصعيد. أمّا في صيغته اللامتماثلة فيزدهر حيث يغيب التكافؤ وتُقصَد التباسات الإشارة ويتبدّد ميدان المعركة عبر مجالاتٍ ووسطاء وسرديات متمايزة. تجمع غرب آسيا هذين العالمين، مواجهاتٌ بين الدول تدفع نحو منطق الرّدع الكلاسيكي، وبيئة متشعبة بفاعلين غير دولتيين ودولٍ مقيَّدة تدفع نحو أساليب الرّدع غير المتكافئ—وهنا ترسم هذه المقدّمة الخريطة المفاهيمية قبل تطبيقها على مقاربة إدارة ترامب الثانية وأزمات المنطقة (Schelling, 1966؛ George & Smoke, 1974؛ Huth, 1999؛ Mazarr, 2015.).
2- إشكاليّة البحث: كيف يعاد تشكيل منطق الرّدع في غرب آسيا عندما تتجاور استراتيجيات القوة العظمى المضادّة اللامتماثلة (Counter-Asymmetric) كما في نهج «السّلام عبر القوة» مع شبكات ردعٍ لا تماثلية لدى خصومٍ أقل قدرة؟
تتمثل الإشكاليّة في تفسير استدامة المنافسة المُدارة بدل الحسم، على الرّغم من لا تكافؤ القوة، عبر تحليل تفاعل ثلاث حزم: أ- أدوات واشنطن وحلفائها – ضربات محدودة، استهداف القيادة، عقوبات أو ضوابط وضغوط اقتصادية، تعاون دفاعي جوي وصاروخي-.
ب- آليات ردع إيران وفصائل محور المقاومة -التوزّع، تبديل المجال، الدّقة، السّرديّة والمشروعيّة-
ج- تحولات سلم التّصعيد والقواعد الضّمنيّة لإدارة الأزمات (Schelling, 1966؛ Mazarr, 2015).
3– أهمّيّة البحث
إسهام نظري: يسهم البحث في عمليّة الانتقال من رؤية الرّدع اللامتماثل كـ «تكتيك القوى النّامية الأقل قدرة» إلى نسقٍ تفاعلي يحدّد قواعد اللعبة تحت عتبة الحرب العامّة؛ وتوسيع الواقعيّة الهجوميّة لتستوعب أدواتٍ غير مباشرة موزّعة (Mearsheimer, 2001؛ Freedman, 2013).
فجوة قياس: اقتراح مؤشرات قابلة للرصد لآليات الرّدع غير المتكافئ من أجل قياس مستوى نجاعة، ونجاح استراتيجيّة السّلام بالقوة التي تنتهجها الإدارة الأميركيّة الحاليّة. (بقائيّة الشّبكات، تبديل المجال، تشبيع الدّفاعات، الإكراه السّردي، التّصعيد الأفقي) (Huth, 1999؛ Mazarr, 2015).
جدوى سياسيّة: تقديم إطار واضح لفهم قرارات التّصعيد والتّهدئة لدى الولايات المتحدة الأميركيّة وإيران وحلفائهما، بما يدعم التّقدير العملياتي وإدارة المخاطر.
قيمة مقارنة: قابليّة تطبيق الإطار على مسارح خارج الإقليم تشترك في لا تكافؤ القوة واختلاف التّحالفات والاصطفافات.
4- فرضيّة البحث: تزيد فاعليّة الرّدع غير المتكافئ ويستقرّ بوصفه “نظام تشغيل للمنافسة” عندما تتوافر ثلاثة شروط:
أ- بقائيّة – تكرار في البنى والتّنظيم (C2 مضاعف، منصّات متحركة، تحصين وخداع)
تشير “البقائيّة التّكرار” إلى بناء منظومة ردعٍ قادرة على الاستمرار تحت الضّغط، عبر رفع صلابة البنى الحيويةّ وتوزيعها وتكثير بدائلها إذ تختفي نقاط الضّعف القاتلة. تقوم الفكرة على محورين متكاملين، البقائيّة (Survivability) أي استمرار العمل بعد الضربة، والتّكرار (Redundancy) أي وجود نسخٍ موازية من القدرات والوظائف. كلّما صَعُب على الخصم شلّ المنظومة بضربة واحدة أو سلسلة قصيرة، ارتفعت كلفة الحرب لديه والضرر وتزايد لا يقينه بجدوى التّصعيد وهو جوهر الرّدع غير المتكافئ.
أولًا: C2 مضاعف (قيادة وسيطرة متعددة الطبقات): تُوزَّع القيادة على مراكز أساسيّة وبديلة ومتحركة، مع قنوات اتصال احتياطيّة (سلكيّة – لاسلكيّة – أقمار – شبكات اتصال) وقواعد تفويض مُسبق تضمن استمرار التّنفيذ عند تعذّر الاتصال بالمركز. كما يُفصل وظيفيًا بين القيادة العملياتيّة والاستخبارات واللوجستيات لتفادي تراكم المخاطر في ضربة واحدة. هذه الهندسة تُحبط رهان قطع الرأس أو شلّ الأعصاب؛ إذ يدرك الخصم أنّ فقدان عقدة لا يعطّل السلسلة، فتتراجع ثقته بفعاليّة الضّربة الأولى ويزداد تردده في التّصعيد.
ثانيًا: منصّات متحركة: الحركة تقلّل قابليّة الاستهداف؛ فالهدف غير المستقر يصعب تتبعه وإصابته بدّقة. تشمل الأدوات مناورة منصات الإطلاق -قاذفات متنقلة، وحدات مسيّرات تغيّر قواعدها دوريًا، استخدام وسائط بحرية سريعة-، ودَوْرية التموضع لتجنب أنماط يمكن التنبؤ بها، ونقاط إمداد وصيانة مؤقتة قابلة للظهور السّريع، والاحتماء بتضاريس وأنفاق وكثافة عمرانيّة. بالنّتيجة يتعذر على الخصم تجميع بنك أهداف مستقر وثابت، فيحتاج إلى موجات أطول وأعلى كلفة من الضّربات، فترتفع كلفته السياسيّة واللوجستيّة والعسكريّة.
ثالثًا: تحصين وخداع: يُخفّف التّحصين أثر الضربة حين تقع – ملاجئ خرسانيّة، تحصين سلبي، تبعيد الذخائر والوقود، طبقات حماية ضد المسيّرات والشّظايا، تجزئة المخزون إلى وحدات صغيرة- فيما يجعل الخداع الخصم يهدر ذخيرته على أوهام -مجسّمات منصّات، مصادر حراريّة وهمّيّة، مرسلات راداريّة كاذبة، شبكات تمويه، أنماط اتصالات مُضلِّلة-. عندما ترتفع نسبة الأهداف الوهمّيّة وتتبدّد الإصابات الحاسمة بفعل التّحصين، يتراجع مردود الذّخائر الدّقيقة ويتآكل أثر الضربة الأولى.
عمليًا، تولّد هذه العناصر الثلاثة معًا زمنًا إضافيًا للمُدافِع -وقت للتشتت والاستعادة وإعادة التّموضع- ولا يقينًا معتبرًا للمهاجم – القدرة على تقدير سقف الكلفة والزّمن، فتتقلص شهيّة التّصعيد غير المنضبط. كما تحدّ من فاعليّة المضادّة اللامتماثلة التي يعتمدها الخصم – استهداف قيادي، ضربات دقيقة، ISR مكثف – عبر تحويل كل نجاح تكتيكي إلى أثر جزئي لا يغيّر المعادلة. تُجسِّد “البقائيّة التكرار” معادلة تنفيذية بسيطة، استمراريّة على الرّغم من الضربات، إهدار جهد الاستهداف، ما يؤدي الى كلفة أعلى ولا يقين أكبر لدى الخصم بالتالي ردعٌ أمضى من دون حاجةٍ إلى تكافؤٍ عددي أو نوعي. بهذه الصّيغة، لا يعود الرّدع نتيجة تفوقٍ مطلق، بل محصلة هندسةٍ تنظيميّة تعمل قبل الضربة وأثناءها وبعدها.
ب- تبديل منضبط للمجال يربك دليل تشغيل الخصم ويُجنّب الوصول الى عتبات الحرب الشّاملة: ما يعني اختيار ساحة ردٍّ مختلفة عن السّاحة التي جرى فيها الهجوم، وبجرعةٍ محسوبة زمنًا وحدّةً، فتُربك دليل التّشغيل لدى الخصم (Rules/ Playbook) من دون دفع الاشتباك نحو عتبات الحرب الشّاملة. بدل الردّ الجويّ المباشر على ضربةٍ جويّة مثلًا، يجري الردّ بحرًا (تعطيل ملاحة – استهداف منصّة غير مأهولة)، أو سيبرانيًا (اختراق – تعطيل أنظمة)، أو عبر وكلاء في ساحةٍ ثالثة. هذا التّحويل يغيّر معادلات الكشف والإسناد والقانون الدولي، ويُبدّل الحسابات السياسيّة للجمهور والحلفاء، فيفقد الخصم وضوح سُلَّم التّصعيد الذي تدرّب عليه.
– فعاليته نابعة من ثلاث آليات:
– قطع التّماثل العملياتي، إذ يكون الخصم مستعدّ للردّ في المجال الأصلي، لا في مجالٍ بديل يتطلّب قدرات واختصاصات وإشارات سياسيّة مختلفة.
– كما أنّ الردّ في مجالٍ أكثر هدوء يسمح بإيقاع خسائر واضحة بالعدو أكثر من دون إحداث خسائر جسيّمة تُحرج صانع القرار نحو التّصعيد.
– فكلّما ازداد الغموض حول الفاعل، تراجعت قدرة الخصم على بناء تحالف أو مشروعيّة لردٍّ واسع. ولكبح الانزلاق، يُدار التّبديل بـانضباط، توقيت قصير وشدة محدودة ما يعدُّ رسالة واضحة مع فتح قناة تهدئة.
أمّا مؤشرات نجاحه فتكمن في بقاء تبادل الضربة تحت عتبة الاشتباك الكامل والحرب الشّاملة، ارتباك قرار الخصم بشكل نوع الرد، تحصيل مكاسب محدده مع كلفة أقل على الصّعيد السّياسي والعسكري. بينما تكمن مخاطر هذه الأساليب بسوء الفهم أو المبالغة في رد الفعل. لذا تُستكمل القاعدة بآليّات تواصل وخطوط اتصال أمنيّة مباشرة أو غير مباشرة، ومعايير تمنع القفز غير المقصود نحو مواجهة شاملة.
ج- إكراه سردي يوازن بين نسب «التّناسب – الشّرعيّة» داخليًا وخارجيًا: الإكراه السّردي هو توظيف منضبط للرسائل والخطاب والصّور والأطر القانونيّة بهدف دفع الخصم لتعديل سلوكه. جوهره ضبط رواية الحدث فتُظهِر الفاعل ملتزمًا بـالتّناسب (Proportionality) والشّرعيّة (Legitimacy)، داخليًا أمام جمهوره ومؤسساته، وخارجيًا أمام الحلفاء والمنظمات الدّوليّة والإعلام.
يُنجَز ذلك بثلاث طبقات متكاملة، أولًا، الإطار القانوني والأخلاقي ويكون عبر تعليل الفّعل بالدّفاع أو الرّدع، أو من خلال إبراز التّهديد السّابق من قبل العدو تمهيدًا لإعلان قواعد اشتباك، نشر أدلة -صور أقمار، تسجيلات- والتّعهد بتقليل الأذى بين المدنيين. وهندسة الرّسائل بالتّوازي مع العمل العسكري جزء من نجاح هذه السياسة إذ تعتمد على العمل بتوقيتٌ سريع ولغة دقيقة، إضافة الى اعتراف محدود عند الخطأ أو التّسبب بأضرار جانبيّة ما يزيد من المقبوليّة والمصداقيّة لدى الرأي العام، وتناسُب بصري (ضربة محدودة مقابل تهديد محدد) يمنع تضخيم صورة وإظهار القوة المفرطة. عندما تنجح هذه الهندسة، ترتفع كلفة التّصعيد على الخصم، إذ إنّه يخسر التّعاطف الدّولي، وتتآكل حجته القانونيّة ما يجعل حلفاؤه أكثر ترددًا في الانخراط بالنزاع. مؤشرات النجاح تشمل نبرة التغطية الإعلاميّة وأسلوبها، بيانات الحلفاء التي عادة ما تعبِّر عن الاستنكار أو التّنديد بالهجوم، مخرجات الأمم المتحدة وقراراتها اتجاه الأعمال العدائيّة واتجاهات الرأي العام. أمّا المخاطر فتقع في الفجوة بين الخطاب والفعل؛ إذ يُطيح تناقض صغير بالمصداقيّة، ويقلب السّرد لصالح الخصم. لذا يتطلب الإكراه السّردي اتساقًا مستمرًا بين الرسالة والسلوك.
في المقابل، تسعى القوى العظمى إلى مواجهة لا تماثليّة تقلّص هذه الأعمدة عبر ضربات عالية الإشارة، عبر استهداف قياديين وشخصيات محوريّة عبر استخدام التّفوق التكنولوجي والسيطرة. وعند التداخل، ينشأ توازن تنافسي تحت عتبة الحرب الشّاملة التي قد تتيح للخصم _اي قوى المقاومة_ إعادة انتاج مفاهيم ردع مختلفة. (Schelling, 1966؛ George & Smoke, 1974؛ Mazarr, 2015).
5– أهداف البحث
هدف نظري: بناء إطارٍ يدمج الواقعيّة (الكلاسيكيّة – البنيويّة – الهجوميّة) بنظرية الرّدع والـ Gray Zone لتفسير سلوك القوى الفاعلة في منطقة غرب آسيا (Waltz, 1979؛ Mearsheimer, 2001؛ Mazarr, 2015).
هدف تحليلي وصفي: تطبيق الإطار على مسارح محددة (إيران- فصائل وقوى المقاومة-إسرائيل)، استخراج بصمات آليات الرّدع اللامتماثل.
هدف قياسي: اقتراح مؤشرات قابلة للتتبع تُعين على التقييم المقارن عبر الزمن والحالات.
هدف سياساتي: استنتاج مبادئ لإدارة الأزمات تقلّص مخاطر الانزلاق غير المقصود إلى حرب شاملة.
6- الّدراسات السّابقة
الرّدع والنّظريّة
Schelling (1966) يضع أساس الإكراه والتّهديد المصدّق عبر الإشارات وسلالم التّصعيد.
George & Smoke (1974) وSnyder (1961) يميّزان بين الرّدع بالعقاب والحرمان ويبرزان مركزيّة المصداقيّة. Huth (1999) يعرض نتائج تجريبيّة لتأثيرات الرّدع، وFreedman (2013) يوسّع مفهوم الاستراتيجيّة في بيئات متغيرة.
Mazarr (2015) وBrands (2016) يقننان المنطقة الرّماديّة بوصفها فضاء إدارة تنافس دون حرب عامة. Morgenthau (1948/2006) وWaltz (1979) وMearsheimer (2001) يقدّمون شجرة الواقعية التي نعتمدها إطارًا مفسِّرًا.
غرب آسيا – التّطبيقات: دراسات عن التّحالف الأميركي–الإسرائيلي والرّدع الإقليمي تركّز على الدمج بين الحرمان والعقاب وتمكين الحلفاء (Harding, 2025؛ Cordesman, 2019). أعمال حول العقيدة الأمنيّة الإسرائيليّة، والتّحديات اللامتماثلة (Inbar, 2022؛ Cooper, 2021). أدبيّات إيران وفشل الضغط الأقصى-منطق الحروب المحدودة وإعادة تشكيل الرّدع الإيراني (Maloney, 2020؛ Cohen, 2025؛ International Crisis Group, 2023).
مساهمات عربيّة – إقليميّة تربط «طوفان الأقصى» بانكشاف الرّدع الإسرائيلي وبروز سرديّة المقاومة (Al Jazeera Centre for Studies, 2023).
خلاصة المراجعة: تبيّن الأدبيات كفاية الأدوات المفهومية لتوصيف الرّدع والـ Gray Zone، لكنّها أقلّ ثراءً في قياس آليات الرّدع اللامتماثل كحزمة مترابطة، وفي وصلها بنموذجٍ مضادّ لا تماثلي لدى قوة عظمى، وهو ما تسدّه هذه الدّراسة.
7- منهج البحث: تصميم نوعي مفسِّر يجمع بين تتبّع العمليات والمقارنة المركّزة المنظّمة:
الوحدة التّحليليّة: التفاعل الأميركي الإيراني وجبهات غزة، لبنان والخليج.
آليات قيد الفحص: التوزّع والإنكار، تبديل المجال، الدّقة على نطاق، الإكراه السّردي والتصعيد الأفقي.
المصادر: خطابات ووثائق رسمية، تقارير مراكز أبحاث (RAND؛ CSIS؛ MEI؛ ICG)، أرشيفات مفتوحة عالية الثقة (OSINT)، وأدبيات أكاديمية مُحكمة.
مؤشرات القياس: بقائيّة الشّبكات: تعدّد طبقات C2، حركية المنصّات، نسب التعافي بعد الضربات.
تبديل المجال: تواتر الرد في مجالٍ مختلف عن مجال الضغط الأصلي (المجال السيبراني، المواجهات البحري والضربات الأمنية غير المتبناة).
الدّقة على نطاق: مؤشرات التشبيع واختراق الدفاعات (CEP/أعداد/معدّلات التسرب).
الإكراه السّردي: مؤشرات التناسُب والشّرعيّة وكُلف الجمهور داخليًا وخارجيًا.
التّصعيد الأفقي: فتح وغلق جبهات مساعدة بالتزامن مع ضغطٍ في المجال الأصلي.
1- الرّدع الكلاسيكي: العقاب والحرمان والمصداقية وسلالم التّصعيد
تقوم نظرية الرّدع الكلاسيكي (Classical Deterrence Theory) على أربعة أعمدة متشابكة:
أولاً، العقاب والحرمان (Punishment/Denial) يهدّد الرّدع عبر العقاب بكلفٍ لا تُطاق إذا أقدم الخصم على الفعل (مثل الضربات الانتقامية)، فيما يستهدف الرّدع عبر الحرمان إفشال العدوان (مثل دفاعات جوية/صاروخيّة، التحصين، والتوزيع). وغالبًا ما تمزج الاستراتيجيّات الفاعلة بينهما.
ثانيًا، المصداقية (Credibility) لا تُردع التّهديدات إلّا إذا كانت قابلة للتّصديق؛ وهي محصلة القدرة (Capability) والعزم (Resolve)، وتتجسّد عبر الإشارات والسمعة والخطوط الحمراء.
ثالثًا، سلالم التّصعيد (Escalation Ladders) يفترض الرّدع الكلاسيكي سلّمًا واضحًا للخطوات، عبر تحذيرات دبلوماسّية، جسّ نبض عسكري محدود، ضربات مسرحية ثم حرب شاملة. كلما زادت قابلية التنبؤ بالسلم سهل تثبيت الرّدع.
رابعًا، الرّدع العام مقابل الرّدع الفوري (General vs. Immediate) يُنتج الرّدع العام كبحًا يوميًا، بينما يتفعّل الرّدع الفوري عند الأزمات ويسهم الأول في تخفيف تكرار وحدّة الثاني.
بلغ الرّدع الكلاسيكي أكثر صوره استقرارًا في ظل الثنائية النووية، إذ فرض الضعف المتبادل انضباطًا حادًا وخفّض كلفة سوء التقدير. وعلى المستويات التقليدية الأدنى، تُحاكي استراتيجياتٌ مثل الحضور الدّائم (Persistent Presence) والتّعزيز السّريع (Rapid Reinforcement) ومنظومات الدّفاع الجوي والصاروخي المتكاملة (IAMD) المنطق ذاته يفرض تشكيل حسابات الخصم قبل إطلاق رصاصة.
2-1 الرّدع غير الكلاسيكي اللامتماثلة: العمل بلا تكافؤ (Non-Classical/Asymmetric Deterrence)
يتطوّر هذا النمط حين يغيب التكافؤ، وتضيق عتبات التّصعيد، وتقيّد الأطر الدّاخليّة والدّوليّة اللجوء إلى الحرب الصريحة المباشرة. الهدف هنا ليس مجاراة الخصم “سلاحًا بسلاح”، بل صناعة لا يقينٍ عادًّا (Credible Uncertainty) حول كلفة ونطاق وديمومة أيّ صدام محتمل. وتبرز في غرب آسيا خمس آليات متكررة:
– التوزّع والإنكار المقبول (Dispersion & Deniability) الاعتماد على الوكلاء، والتّنظيم الخلوي، وقيادة وسيطرة (C2) مُضاعفة، يضمن البقاء ويغذّي الغموض السياسي، مفاقمًا كلفة القرار لدى الطرف الأقوى.
– تبديل المجال (Domain Shifting) الرّد في مجال مختلف عن مجال الهجوم: اختراقات سيبرانيّة بعد ضرباتٍ عسكرية، إرباكٌ بحري بعد عقوبات، مسيرات وصواريخ جوّالة (UAVs/Cruise Missiles) بعد غاراتٍ جوية؛ وهو ما يُربك دليل تشغيل الخصم ويعقّد الإشارات.
– الدّقة على نطاقٍ واسع (Precision at Scale) إتاحة أنظمةٍ دقيقة قصيرة ومتوسطة المدى (صواريخ/ راجمات/ مسيرات) تتيح للأطراف الأدنى عددًا أن تُشبِع الدّفاعات، وتسبّب اضطرابات اقتصادية، وتُنقِص من هالة المناعة.
– التّصعيد الأفقي (Horizontal Escalation) فتح جبهاتٍ مساعدة (لبنان – غزة – العراق – اليمن؛ بر- بحر- سيبر) يُشتّت المُدافِع ويرفع كلفة إدارة التّحالف من دون عبور عتبة الحرب الشّاملة.
– الإكراه السّردي (Narrative Coercion) الادعاء بـتطبيق مبدأ الدّفاع عن النّفس والرّد بالمثل يُولِّد كُلَفًا جمهورية لدى الخصم، ويؤثر في تحمّل الدّاعمين الخارجيين. في البيئات غير المتكافئة، تُصبح الصورة والإدراك (Perception) جزءًا من التّرسانة.
هكذا يمزج الرّدع غير المتكافئ بين الحرمان والعقاب، لكنه يُوزّعهما عبر فاعلين ومجالات. وتصبح البقائيّة (Survivability) والمرونة (Redundancy) والغموض (Ambiguity) والوقت أكثر أهمّيّة من المعارك الحاسمة ذات ضربة واحدة قاضية. وإذا كان الرّدع الكلاسيكي يطلب الوضوح لاستقرار التوقعات، فإنّ غير المتكافئ يستخدم «العتامة الانتقائية» لتعقيد حسابات الطرف الأقوى.
3-1 لماذا تنتج منطقة غرب آسيا المنطقين معًا؟
ثلاث سمات بنيوية تجعل الإقليم مختبرًا طبيعيًا للردعَين:
– لا تكافؤ في القوة لدى المحورين، إضافة الى كثافة التحالفات وتشعبها (Power Asymmetries & Alliance Density) حضور قوة عظمى (الولايات المتحدة)، وقوى إقليميّة مؤثرة (إسرائيل، تركيا)، ودول إقليميّة فاعلة (إيران) إلى جانب فاعلين غير دولتيين (فصائل وقوى المقاومة)؛ مع شبكات تحالفات متعددة الأوجه.
– تطور وانتشار التكنولوجيا (Technological Diffusion) واعتماد أساليب الضربة الدّقيقة في الاستهداف، قدرات ISR التّجاريّة، منصّات UAV/صواريخ جوّالة زهيدة الكلفة وسهله الانتقال والاستخدام ما يتيح إمكانيّة تهديد البنى التّحتيّة الحيويّة والممرات البحريّة.
– القيود السياسيّة (Political Constraints & Audience Costs) والأزمات الاقتصاديّة الكبرى التي يعاني منها العالم والمنظومة الغربيّة على وجه الخصوص يجعل اندلاع حرب شاملة بمنطقة غرب آسيا مقدمة لاندلاع مواجهة كبرى على مستوى الأقطاب الدّوليين والقوى العظمى. هذه الأسباب وغيرها تجعل استخدام الأساليب المذكورة أكثر جدوى واقل كلفة من أي مواجهة شاملة.
4-1 الولاية الثانية لترامب: نسخةٌ مضادة للتماثل من “السّلام عبر القوة”
فعّلت إدارة ترامب الثانية قراءةً مضادّة لا متماثلة (Counter-Asymmetric) لا لسلام عبر القوة، وذلك من خلال توجيه ضربات محدودة عالية الخطورة والتأثير (High-Signal Limited Strikes ما يتيح إعادة تمكين حلفاء واشنطن وإتاحة الفرصة لإعادة ضبط المشهد من دون الحاجة لانزلاق المنطقة لمواجهة شاملة تجد من خلالها الولايات المتحدة الأميركيّة مضطرة لدخول الحرب بشكل مباشر، ما قد يرفع الكلفة ويزيد مخاطر اندلاع مواجهة أكبر.
· الأساليب المتبعة:
– استعادة المصداقيّة (Credibility Reset) عبر ضرباتٍ انتقائية وقطع رؤوس (Decapitation) تُكبّد كلفًا نفسيّة وتُضعف شبكات القيادة لدى فصائل وقوى المقاومة.
– تقييد القدرة على التّعافي (Regenerative Capacity) عبر العقوبات ضوابط التّصدير والحصار المالي، وذلك بهدف رفع كلفة إعادة التّسليح والتّرميم البنيوي للجسم العسكري.
– تسخير ما ينجزه الحلفاء ونتحدث هنا بشكل خاص عن إسرائيل لتحقيق عمليّات ضغط متواصلة عسكريًّا وسياسيًّا واقتصاديًّا، ما يجعل مسار التّعافي والتّرميم صعبًا جدًا ومكلفًا لدى المقاومة.
يفترض هذا النهج أن الخصوم سيردّون ردًا لا متماثلًا، لكنه يُراهن على أنّ الخطوات المحدودة زمنيًا والدّقيقة، والمؤمّنة سياسيًا تُقلّص قائمة خياراتهم وترفع الكُلفة الاعتباريّة للتّصعيد الواسع وهو ما لا يمكن لحركات المقاومة تحمل كلفته بعد حرب ضروس وتكبد خسائر كبرى.
5-1 ارتساءات حالة (West Asia Case Anchors)
أ– غزة ومفهوم الأمن الإسرائيلي بعد طوفان الأقصى (Al-Aqsa Flood).:كشفت عمليّة طوفان الأقصى التي نفذتها حركة حماس في السابع من أكتوبر- تشرين الأول 2023 فجوةً بين جهاز الرّدع الإسرائيلي الكلاسيكي وبين أدوات الخصم اللامتماثلة (المفاجأة، نيرانٌ كثيفة، تسلّلٌ تكتيكي). ما جعل عمليّة الردّ الإسرائيليّة على قطاع غزة تحمل أكثر من توجيه ضربات عسكريّة، بل تعمّد الجيش الإسرائيلي إلحاق ضرر بالغ وغير مسبوق في البنية الاجتماعيّة والاقتصاديّة والبشريّة للقطاع يصعب التّعامل معها. وذلك بهدف خلق حالة من الخضوع والاستسلام التّام لدى بيئة حماس ما يمنع من تكرار عمليّة مماثلة قبل وقت طويل جدًا.
ب- انهيار سوريا وبنية ردع إيران: قلّص فقدان العمق السوري وانهيار النظام، وتسلم نظام مهادن لإسرائيل زمام الحكم، قلص من قدرة إيران على دعم فصائل وحركات المقاومة في لبنان وفلسطين بشكل كبير، لكنّه دفع طهران نحو الـ redundancies والخداع (Deception) وتبديل المجال المتصل بالجغرافيّة السوريّة الى آخر عبر العراق ولبنان والبحر. انتقل الرّدع من جسرٍ بري متّصل إلى بقائية موزّعة (Distributed Survivability) مسارات ومنصّات متعدّدة لحفظ قدرة الردّ تحت الضغط.
ج- الحرب الأميركيّة الإسرائيليّة ضد إيران: استهدفت حرب الأيام الاثنا عشر يومًا على إيران بسلسلة ضرباتٍ ومساراتٍ سيبرية بحريّة، استهدفت تفتيت منظومات الدّفاع الجوي وشبكات القيادة لدى الجيش والحرس الثّوري الإيراني، واستهداف البنية الصاروخيّة والبرنامج النّووي الإيراني، مع تفادي إمكانيّة الانزلاق الى حرب شاملة بلا ضوابط. ردّت إيران بضرب عمق إسرائيل بما فيها مراكز حساسة في عمق تل أبيب. وأظهرت المشاهد حجم الدّمار الهائل وغير المسبوق الذي تعرضت له الجبهة الدّاخليّة الإسرائيليّة جراء الصّواريخ والمسيرات الإيرانيّة ما استدعى طلبًا اميركيًّا مباشرًا لوقف الحرب بعد استهداف منشآت إيران النّوويّة عبر سرب من طائرات B2 الأميركيّة ورد إيران الرمزي باستهداف قاعدة العَديد الأميركيّة في قطر.
6-1 من المفهوم إلى جدول أعمال بحثي: يُعين تأطير الرّدع بوصفه منطقين متفاعلين كلاسيكي (وضوح- تكافؤ- سلالم مقروءة) وغير متكافئ (غموض – عدم ثبات – ديناميكيّة) على تفسير صعوبة الحسم في منقطة غرب آسيا. وبدلًا من ذلك، تطارد الأطراف منافسة مُدارة (Managed Competition) اختبار خطوطٍ حمراء والمسّ بها لرصد رد الفعل، تحقيق نجاحاتٍ محدودة تراكمية لكنها غير نهائيّة، وتحديث التكتيك عبر تنويع الاستهداف. تبني المقالة على هذه الخريطة تعريفًا أكثر صرامةً للردع اللامتماثل، اشتقاقًا لآلياته من الواقعية ونظريّة الرّدع تتبّعًا لعقيدة إيران ومحور المقاومة من خلال تفصيل أدوات المواجهة الأميركيّة (السّلام عبر القوة). وأخيرًا، تقييمًا للجدل الإقليمي حول الرّدع من خلال دراسة حالة الصّراع في منطقة غرب آسيا بين المشروع الأميركي الاسرائيلي وإيران وقوى المقاومة.
2- تأطير الرّدع غير المتكافئ (Conceptualizing Asymmetric Deterrence) يهدف الرّدع إلى منع الفعل عبر تهديدٍ قابل للتصديق (Credible) بكلفٍ عقابية أو بإحباط النجاح (Schelling, 1966; Huth, 1999) ويظهر الرّدع غير المتكافئ حين تتباين القدرات والمجالات والرهانات. فيحفِّز تعويض النقص التقليدي أو قيود التصعيد بأدوات غير تقليدية. وتشمل الآليات الأساسيّة التوزّع والإنكار المقبول (وكلاء- تنظيم حيوي)، تنويع مجالات العمل وبناء القوة (سيبر – بحري – منصّات إطلاق غير مأهولة)، الدقة على نطاقٍ واسع (تشبيع الدفاعات بصواريخ – راجمات دقيقة)، الإكراه السردي (شرعية العمل العسكري – كلفة الحرب) والتّصعيد الأفقي (عبر إشراك جبهات أخرى بشكل متزامن ومتسق). لكن جوهر الرّدع غير المتكافئ أنه لا يُحقق يقينًا مُعتبرًا لدى الطرف الأقوى حول الكلفة والنّطاق والدّيمومة، وإمكانيّة القضاء على الخصم بالضربة القاضيّة. أي يفقد الطرف الأقوى القدرة على التّقدير الصحيح لحجم الضرر والأثر في جسد الخضم.
تحليليًا، يمزج الرّدع اللامتماثل بين الحرمان (استغلال هشاشة شبكة القواعد – الدفاعات) والعقاب (تهديد ردّ موزّع بحريًا – سيبرانيًا – بالوكلاء). وتتوقّف الفاعلية على البقائيّة والإشارة الموثوقة وقيادة وسيطرة صامدة في بيئةٍ متنازع عليها. ولأن تلك الاستراتيجيات تعمل من دون عتبات الحرب الشّاملة، فإنّها تزدهر ضمن المنطقة الرّماديّة. (Gray Zones) (Brands, 2016; Mazarr, 2015)
3- الأسس النّظريّة (Theoretical Foundations)
أ- الواقعية الكلاسيكيّة (Classical Realism) — مورغنثاو (Morgenthau, 1948/ 2006)
الواقعيّة الكلاسيكيّة تقول إنّ السياسة الدّوليّة تقودها طبيعة بشرية حذِرة ومصلحيّة، لذا الدّول تتصرّف وفق المصلحة الوطنيّة وتسعى وراء القوة لأنها وسيلة البقاء والتأثير. الأخلاق والقانون مهمّان، لكن عند لحظة القرار الأمني ترجّح كفّة القوة. لذلك تراها تعطي وزنًا كبيرًا لـفن إدارة القوّة من خلال التوازن، الرّدع، التحالفات ورسائل محسوبة.
على مستوى غرب آسيا، فهناك دولة تعدُّ أمنها مهددًا، قد تعقد صفقة مع خصمٍ سابق أو ترفع كلفة خصمٍ آخر لضمان بقاء النّظام حتى لو بدا القرار غير محبوب شعبيًا لأنّه يخدم المصلحة كما تفهمها القيادة.
ب- الواقعيّة البنيويّة (Neorealism) — والتز (Waltz, 1979)
هنا التركيز ليس على الطبيعة البشرية بل على بنية النظام الدولي نفسها. تتفاوت الدول في توزّع القدرات وامتلاكها للقوة والقدوة ان كان على الصعيد العسكري أو الاقتصادي والسياسي على حد سواء. هذه البنية تجبر الدّول على الاعتماد على الذّات وبناء توازنات وتحالفات تخدم مصالحها الاستراتيجيّة، لأنّ الأمن سلعة نادرة تبحث عنها الدول من خلال تحالفات وشراكات مع دول إقليميّة ذات قوة ونفوذ. فإذا اختلّ توزيع القوّة، النّظام كلّه يتغيّر وسلوك الدّول يتبدّل. مثال على ذلك الاختلال الكبير الذي شهده العالم بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وتسيد الولايات المتحدة والمنظومة الغربيّة السّيطرة على العالم من بوابة الاقتصاد والعسكر وتوظيفها من خلال السياسة. عمليًا عندما تقوى دولة إقليميًا (أو تحالف)، الدّول الأخرى تميل إلى الموازنة (تحالف مضاد، تسليح، ترتيبات دفاعية). في غرب آسيا، أي تغيّر كبير في القدرات (صواريخ دقيقة، مظلات دفاع جوي، دعم خارجي) يفتح دورة جديدة من التّوازن التحوّط عند الجوار. إن كان من خلال الحرب أو من خلال بناء موازين ردع جديدة تسمح بمنع الخصم من المهاجمة والتفوق.
ج- الواقعيّة الهجوميّة (Offensive Realism) — ميرشايمر (Mearsheimer, 2001)
هذه المدرسة تقول، إنّه بما أن النّظام لا مركزي ولا يتمتع بضمانات، فإنّ تعظيم القوة النسبيّة هو السّلوك العقلاني والدّول الكبرى ستسعى إلى هيمنة إقليميّة متى سنحت الفرصة لتقليل المخاطر وفرض قواعد اللعبة. ليست الفكرة حربًا دائمة، بل انتهاز فرص عبر الضّغط الاقتصادي والتّفوق تكنولوجي، توجيه ضربات محدودة عالية التأثير، تفكيك تحالفات الخصم عبر ضرب الحلفاء كل على حدى من دون الحاجة لتدخل الطرف الاخر، وتمكين الحلفاء وكل ذلك لرفع مكاسبك وخفض خياراته.
على أرض الواقع في غرب آسيا تمثل الولايات المتحدة عبر وكيلتها اسرائيل قوة عظمى قد تمزج ردعًا عقابيًا (ضربات دقيقة – استهداف قيادة) مع حصار وعقوبات (عقوبات وحصار اقتصادي ومالي) وهندسة تحالفات لاحتواء خصمٍ إقليمي وتعطيل تمدده. هذا جوهر تعظيم القوة النسبيّة من دون الذّهاب إلى حرب شاملة. وعلى الرّغم من اقتران الواقعيّة الهجوميّة تاريخيًا بالغزو التقليدي، فهي تستوعب الأدوات غير المتكافئة حين تكون المسار الأكثر كفاءةً للميزة تحت قيود التّصعيد أو المحددات الدّاخليّة (Posen, 2014).وتضيف نظريّة الرّدع آلياتها، المصداقيّة، القدرة، التّواصل، فرض الكُلفة (George & Smoke, 1974; Snyder, 1961) وفي البيئات غير المتكافئة، تُشتق المصداقيّة أقل من نسب القوى وأكثر من العزم القابل للملاحظة، التكيّف والقدرة على فرض كُلفٍ مُفصّلة في المجالات التي ينكشف فيها الخصم. وتشرح أدبيّات المنطقة الرّماديّة تفضيل الأطراف أنشطة تشكيلٍ تنافسيّة من دون عبور عتبات الحرب (Mazarr, 2015; Brands, 2016).
4- الرّدع من منظور إيران وقوى المقاومة (Deterrence in the Iranian Concept and Resistance Forces)
تطوّرت بنية الرّدع الإيرانيّة من الدّفاع الإقليمي الترابي (Territorial Defense) في الثمانينيّات إلى شبكةٍ منشرة ومترامية الأطراف وذلك عبر دعمها المباشر لفصائل المقاومة في لبنان وسوريا وفلسطين (Layered, Expeditionary) تتمحور حول نشر قوات صاروخيّة (Survivable Missile Forces) وشركاء إقليميين نشطين في مجال مواجهة مشروع التّمدد الإسرائيلي، إضافة الى امتلاك أدوات الحرب السياسيّة والإعلاميّة.(Political Warfare) وترتكز على السّلاح غير التّقليدي من ترسانة صاروخيّة ضخمة ومتعددة المديات والرؤوس المتفجرة، إضافة الى دخول عنصر المسيرات الانتحاريّة الهجوميّة ميدان المواجهة والذي أحدث فارقًا كبيرًا في القدرة على الاستهداف والمناورة العسكريّة. كما أنّ حرب السّردية والمشروعيّة أخذت حيزًا واسعًا في ميدان الصّراع إذ تعتمد عليها إيران وشركائها في حركات وفصائل المقاومة لجهة مواجهة الاحتلال والمشروع التّوسعي الاستيطاني الإسرائيلي.
تفعّل قوى المقاومة النّموذج عملياتيًا، فقد تمكن حزب الله في لبنان من تطوير مسار الرّدع على مدار أربعة عشرة سنة، وراكم بذلك منظومة تسليحيّة ضخمة قوامها آلاف الصّواريخ الدّقيقة وغير الدّقيقة سلاح بحر فعال ومنظومة مسيرات انتحاريّة أحدثت فرقًا في المواجهة. كما أنّ الغموض الذي كان معتمدًا كجزء من عامل الرّدع أيضًا كلها عوامل أسهمت في تعقيد خيارات إسرائيل التّصعيديّة. وتوظّف الفصائل الفلسطينيّة، عامل المباغتة واستخدام الانفاق كتكتيك استراتيجي، وصليات الصّواريخ التي تنطلق من قطاع غزة وذلك لكسر العقيدة الأمنيّة الإسرائيليّة القائمة أصلًا على أمن المستوطنات. وفي اليمن والعراق، تستخدم تشكيلاتٌ متحالفة مسيرات منخفضة البصمة وصواريخ جوّالة لإشاراتٍ بعيدة المدى وفرض كُلف على جبهة العدو. يُنتج ذلك شبكة رادعة غير كلاسيكيّة قادرة على التّناغم والتأثير متى دعت الحاجة.
5- السياسة الأميركيّة في ولاية ترامب الثانية: مفهوم السّلام عبر القوة U.S. Policy… Peace Through Strength
جمعت العقيدة بين حِرَف اقتصاديّة قسريّة وفعلٍ حركي انتقائي (Selective Kinetics) وتمكين الحلفاء. سعت لردع الخصوم من دون نشرٍ كثيف للقوات الأميركيّة عبر توجيه ضرباتٍ موجهة واستهداف شخصيات قياديّة بارزة لإضعاف فصائل المقاومة وإيقاع أثر معنوي يسهم في تراجع الحافزية. إضافة الى ذلك اعتمدت الولايات المتحدة فرض عقوبات وضوابط تصدير لقضم مرونة الحركة وحصار إمكانيّة التسليح ونقل الأموال ما يضعف القدرة على الاستمراريّة ويخلق مشكلات لوجستيّة. كما يشترك في ذلك منظومة حلفاء الولايات المتحدة في منطقة غرب آسيا بما فيهم إسرائيل، إذ تعمل على التّعاون الاستخباري والعمليّاتي والدّفاعي من أجل خلق حالة من الاطباق الاستخباري والمعلوماتي ما يسهم في زيادة نجاعة العمليّات العسكريّة ودقّة الاستهداف. تشكل هذه الاستراتيجيّة حالة من مواجهة لا تماثليّة بلحاظ فارق القدرة والتّطور التكنولوجي والتّعاون مع الحلفاء.
قدّرت واشنطن أنّ ضرباتٍ محدودة زمنيًا قد تُعيد ضبط الرّدع من دون الدخول في أتون حربٍ شاملة. وفي ظل وجودٍ قوة جويّة وبحريّة متفوقة وقدرة تعزيزٍ وإعادة تسليح سريعة، تضيق معها قدرة الخصم على رد الفعل والتّأثير ما يمنح واشنطن، وحلفائها تفوق واضح وقدرة أكبر على إيقاع الخسائر المباشرة.
6- الجدل الإقليمي حول الرّدع: الولايات المتحدة وإيران
تعكس العلاقة بين واشنطن وطهران لعبة شدّ وجذب مستمرة، يتعلّم فيها كل طرف من الآخر ويعدّل سلوكه تبعًا للنتائج. عندما تستخدم الولايات المتحدة أدوات الضغط مثل العقوبات الاقتصاديّة، الضربات الدّقيقة، أو قيود التكنولوجيا. تردّ إيران بوسائل أخرى لا تماثليّة من خلال الإرباك البحري المحدود في نقاط حسّاسة في مياه الخليج، هجمات على مصالح أميركيّة في المنطقة مجهولة المصدر أو غير متبناة، هجمات مسيّرات (UAV) منخفضة الكلفة، أو عمليات سيبرانيّة تُربك أنظمة الخصم. هذا التكيّف المتبادل لا يهدف عادةً إلى الحسم، بل إلى تصعيد تدريجي محسوب من خلال خطوات محسوبة تبقى تحت عتبة الحرب الشّاملة، مع ترك رسالة ردعية واضحة.
يدير الطرفان ما يمكن تسميته بـإدارة العتبات أو مراحل التّصعيد. كيف نضغط من دون أن ننزلق إلى مواجهة لا يمكن السّيطرة عليها؟ لهذا تُضبط جرعة الرّد من حيث المكان والزمان والنطاق، وتُفتح قنوات تهدئة غير معلنة عندما تقتضي الحاجة. بمرور الوقت، يصبح التّنافس تراكميًا واعتباريًا، فكل فعل محدود ناجح يضيف نقطة إلى رصيد تراكم الرّدع، ويختبر حدود الطرف الآخر من دون كسر القواعد الضّمنيّة للّعبة.
يمكن تلخيص الصورة في ثلاث أفكار رئيسة:
– الرّدع اللامتماثل كتوازنٍ مستدام، عندما يعرف الطرفان أن كلفة الحرب الشّاملة باهظة سياسيًا واقتصاديًا، يصبح ما يعرف بالصّبر الاستراتيجي خيارًا عقلانيًا. الصّراع يستمر، لكن بجرعات مضبوطة، وبأدوات توجِع من دون أن تشعل حريقًا شاملًا.
– الهجمات المضادّة الدّقيقة والموجهة قد تُضعف قدرات إيران أو حلفائها، لكن مرونة فصائل المقاومة وطبيعتها غير الكلاسيكيّة بتوزيعها الجغرافي، واختلاطها الاجتماعي، وتنوع أدواتها تجعل القضاء عليها شبه مستحيل. فتكون النتيجة عادةً إضعاف متراكم عبر سياسة الاحتواء والضرب لا قضاء نهائي.
– السّرديات كموارد استراتيجيّة، ليست قوة النّيران وحدها ما يصنع الرّدع. الشّرعيّة والتّناسب في استخدام القوة يحددان موقف الحلفاء والرأي العام والمؤسسات الدّوليّة. من يكسب السّرديّة يكسب هامش حركة أوسع، ويحمّل خصمه كلفة سياسيّة وقانونيّة أكبر.
بهذه الآليات، يتشكّل في غرب آسيا نموذج مواجهة مضبوطة عبر الضغطٌ المحسوب والردود المتوازنة والرسائل السياسية والقانونية التي يسعى من خلالها طرفي النزاع إلى حفظ الرّدع من دون كسر السلم الهشّ والانزلاق نحو حرب شاملة.
7- المنهج والأدلّة (Method and Evidence)
تصميم البحث: يعتمد هذا العمل مقاربةً نوعية تجمع بين تتبّع العمليات لبناء التفسير والمقارنة المركّزة المنظَّمة بين حالات متشابهة بنيويًا. الهدف هو تفكيك آليات الرّدع غير المتكافئ ورصد بصماتها القابلة للملاحظة: اللامركزيّة في القيادة والسّيطرة، تبديل المجال بين البرّ والبحر والفضاء السّيبراني والمسيّرات، الدقّة على نطاق واسع، الإكراه السردي، والتّصعيد الأفقي عبر فتح جبهات مساعدة. سؤالنا تفسيري–آلي: لماذا وكيف تتبنّى الأطراف هذه الأدوات تحت قيود التصعيد والكلفة السياسية؟ وما الذي يظهر منها عمليًا في غرب آسيا ضمن مقاربة “السّلام عبر القوة”؟ اختيار الحالات: تُعدّ العلاقة الأميركيّة – الإيرانيّة ومسارحها المرتبطة (لبنان – حزب الله؛ غزة – الفصائل الفلسطينيّة؛ العراق – سوريا؛ اليمن – أنصار الله؛ الخليج- الملاحة البحريّة) بيئة «مرجَّحة» لظهور الرّدع غير المتكافئ. لا تكافؤ صارخ في القدرات، كثافة شبكات التحالف والوكالة، وحدودٌ داخليّة ودوليّة على التصعيد. تؤمّن الولاية الثانية لترامب إطارًا زمنيًا مناسبًا لالتقاط صدمات سياسية، وتسلسلات إشارات، وأنماط تعلّم متبادل بين الخصوم.
المعطيات والمصادر: ترتكز الأدلة إلى مثلث مصادر: 1- تقييمات عسكرية مفتوحة وتقارير مراكز أبحاث معروفة؛ 2- بيانات ووثائق رسميّة لوزارات الدّفاع والخارجيّة وإفادات الحلفاء؛ 3- إعادة بناء صحفيّة عالية الموثوقيّة وبيانات المصادر المفتوحة (OSINT) لمسارات الصواريخ والمسيّرات والحوادث البحريّة؛ إضافة إلى الأدبيّات الأكاديميّة في الرّدع والمنطقة الرّماديّة والواقعيّة الهجوميّة. تُراجع كل معلومة بتحقّقٍ متقاطع وتتبع زمني لتقليل الانحياز.
المؤشرات ومنطق التتبّع: نقيس البقائيّة أو استمراريّة العمل الميداني من خلال (القيادة والسيطرة، حركية منصّات إطلاق الصواريخ، التحصين والخداع)، التوزّع والإنكار (توزع ميادين المواجهة وتجهيل الفاعل)، تبديل المجال (رد سيبراني- استهداف بحري- مسيّرات مجهولة المصدر)، الدقّة (الأعداد، CEP، اختراق الدّفاعات)، حرب السّرديات والمشروعيّة (التناسب والشّرعية وكُلف الجمهور)، والتّصعيد الأفقي أو التدريجي المحسوب (جبهات مساعدة متزامنة). هذه المؤشرات والمعايير تسمح باختبار ردود الفعل والقدرة على امتصاص الهجمات والاستعداد للمواجهة الشّاملة.
8- الدّلالات النّظريّة والسياسيّة تُظهر النتائج أنّ بناء عملية الرّدع لا تحتاج إلى توازن قوّة متماثل، يمكن بناؤها عبر التراكم والاستمرار (القدرة على الاستمرار بعد الضربة) وإدارة الغموض التي تربك حسابات الخصم. كما تُعيد صوغ الواقعيّة الهجوميّة، عبر تعظيم القوة تحت قيود التصعيد لا يعني غزوًا أو احتلال، بل استخدام أدوات موزّعة وغير مباشرة (ضربات محدودة، استهداف قيادي، ضوابط تقنيّة، سرديّات شرعيّة). أخيرًا، تربط النتائج بين أدبيات المنطقة الرمادية ونظرية الرّدع، ضبط عتبات التّصعيد ومشروعية العمل، يساعدان على تثبيت توازن الرّدع تحت عتبة الانزلاق الى مواجهة شاملة مباشرة.
– الولايات المتحدة وحلفائها: تقتضي الاستدامة في بيئة غرب آسيا اعتماد حزمةٍ متكاملة لا تكتفي بالأدوات العسكريّة المباشرة. في الأساس، لا بدّ من بناء بنية صلبة تُقلّص فاعلية ضربات الخصم وتحدّ من مكاسبه السّريعة من خلال منظومات الدفاع جوي والصّاروخي المتكامل (IAMD) يعمل بطبقات متناسقة، وقواعد ميدانية موزّعة تقلّل احتمالات الفشل، وسلاسل إمداد مرنة تتحمّل الضغوط ولديها إمكانية الالتفاف على العقوبات والحصار، إلى جانب طبقات قيادة وسيطرة قادرة على استمرار العمل تحت الضغط حتى وإن فقدت الراس القيادي. فكل ضربة يجب أن تُصاغ بجرعةٍ محسوبة في المكان والزمان والمجال، مع خطابٍ يحدّد الهدف والحدّ الأقصى، لتفادي سوء الفهم والاندفاع نحو تصعيد غير مقصود.
يتعزّز هذا النّهج عبر تمكين منظّم للشركاء الإقليميين من خلال رفع القدرات التّدريبيّة والتّقنيّة واللوجستيّة مع انضباط قيادة يحدّ من الأخطاء والعمل غير المنظم، ويضمن تماسك سلاسل القرار. وعلى جبهة الإدراك العام وحرب السرديات، يصبح الانضباط المعلوماتي شرطًا لكبح الإكراه السردي للخصوم، عبر حماية البنى الرقمية، وإدارة الرواية القانونية والأخلاقية، وتناسُب الرسائل مع الفعل الميداني. وأخيرًا، لا غنى عن قنوات تواصلٍ للأزمات مُفعّلة سلفًا لإدارة التصعيد وتوفير مخارج تفاوضيّة حين تبلغ الإشارات المتبادلة حدودها.
من دون هذا التّوازن إضافة الى الدّبلوماسيّة النشطة، قد يتحوّل الإفراط في الضربات العسكريّة المتبادلة إلى دوّامة ندّية مُرهِقة تُبدّد الموارد وتُقوّض الرّدع بدل أن تعزّزه.
– إيران وشبكات المقاومة: يبقى الرّدع اللامتماثل متماسكًا ما دامت حركات المقاومة تحافظ على الحاضنة الاجتماعيّة والبنية التّنظيميّة، لكنّه يضعف مع قدرة العدو على الدّخول الى البيئة الحاضنة واحداث خلل في توجهاتها وقناعاتها اتجاه حركات المقاومة. كما ان الحفاظ على الفاعليّة العسكريّة واللوجستية يستلزم تنويع منصّات الإطلاق نوعًا وكمًا (مسيّرات، صواريخ)، مع إمكانيّة التّكيف تحت النّار والتّرميم النشط وتبديل النسق الحركي لمنع أو الحدّ من القدرة على التّعقب والملاحقة وبالتالي الاستهداف.
– النّظام الإقليمي والدول الوسيطة: ستسعى قوى “الاعتدال” في غرب آسيا إلى إدارة توازنٍ دقيق بين الطرفين عبر حزمة إجراءات عمليّة ومتدرجة. أولًا، سيزداد التّعاون البحري في الممرات الحساسة (مراقبة مشتركة، تبادل صور بحريّة، دوريّات منسّقة، وتمارين بحث وإنقاذ) بما يرفع اليقظة ويقلّل فرص الاحتكاك غير المقصود بين الأطراف. ثانيًا، ستعمل هذه الدول على تشبيك منظومات الدّفاع الجوي والصاروخي (قابلية تشغيلٍ بيني، تبادل إنذارات مبكرة، توزيع عقد الرّادار) لتضييق فجوات التّغطية وتقليل مخاطر سقوط نيران متبادلة أو أخطاء بنيران صديقة. ثالثًا، سيكون الانخراط السياسي الحذر مع واشنطن أو طهران سمة المرحلة، إذ ستعمل هذه الدّول على إبقاء قنوات اتصال مفتوحة، ووساطات ظرفيّة، واعتماد الحياد التكتيكي الذي يحدّ من كلفة الانحياز أو الاصطفاف المباشر مع أي من الطرفين.
بالتوازي، ومع انتشار الذّخائر الدّقيقة والتّقنيات والطائرات المسيّرة (UAVs/USVs) وتراجع كلفتها أمام الصّناعات العسكريّة الثقيلة، سيستمر انتقال وتبادل أساليب الرّدع اللامتماثل بين الفاعلين الدّولتيين وغير الدولتيين، ما يوسّع نطاق المخاطر عبر البرّ والبحر والفضاء السيبراني. لذلك تبرز الحاجة إلى تنسيق إقليمي أعمق من خلال مراكز دمج معلومات، خطوط فصل ساخنة (Deconfliction Hotlines)، قواعد اشتباك واضحة، وتمارين مشتركة على إدارة الحوادث البحرية والسيبرية. كما تصبح عملية تعقب واسقاط المسيّرات (رادارات منخفضة الارتفاع، قدرات تشويش ولاعتراض) وحوكمة التوريد (ضوابط تصدير ومراقبة مكوّنات حسّاسة) عناصر مساندة لتقليص فرص الانزلاق نحو مواجهة شاملة. بهذه المقاربة المتوازنة الأمنية والدبلوماسية والتقنية، يمكن للقوى والحكومات “المعتدلة” الحدّ من التّصعيد وحماية مصالحها من دون الانجرار إلى صدام شامل.
إعادة تعريف «مصداقية الرّدع» خارج شرط التكافؤ: تقليديًّا، ارتكزت مصداقية الرّدع على نسب القوة والقدرة على إلحاق ضرر بالغ يؤدي الى الحسم أو منع نجاح الخصم. يقدّم هذا البحث تصحيحًا معياريًّا مفاده أنّ المصداقيّة في البيئات غير المتكافئة تُبنى عبر البقائيّة (Survivability) والتكرار البنيوي (Redundancy) وإدارة الغموض (Ambiguity Management)، لا عبر التوازن العددي أو النوعي وحده. بمعنى آخر، يصبح اللايقين المعتبر أي عدم قدرة الخصم الأقوى على تقدير سقف الكلفة، النّطاق والديمومة مكوِّنًا من مكونات الرّدع بحد ذاته، وهو ما يفسِّر فاعلية شبكات القوى الحليفة والتوزّع الجغرافي وتبديل مجالات الرد (سيبر- بحر- جو-مسير) كبدائل وظيفيّة للتكافؤ التقليدي.
1.وصلُ الواقعية الهجوميّة بمنطق الرّدع اللامتماثل: يُسهم البحث في تحديث الواقعية الهجوميّة عبر تحريرها من انحياز الغزو التقليدي. فالاستحواذ على الأفضليّة النّسبيّة لا يقتضي بالضرورة اجتياحًا أو تغيير نظام، بل قد يتحقق عبر ترسانات مضادّة لا متماثلة، على شاكلة توجيه ضربات محدودة عالية التأثير، استهداف قيادي، عقوبات وحصار مالي وتكنولوجي، تمكين الحلفاء لتوليد ضغطٍ تراكمي. هكذا تتكيّف الواقعية الهجوميّة مع بيئات الرّدع اللامتماثل من خلال مفهوم تعظيم القوة تحت قيود التصعيد، حيث تتداخل الأدوات الاقتصادية والتكنولوجية مع الأدوات العسكرية والمعرفية لصناعة تفوقٍ نسبي مُدار من دون انزلاقٍ إلى حربٍ شاملة.
2. دمج «المنطقة الرمادية» ضمن نظرية الرّدع كحيّزٍ منظِّم: غالبًا ما عولجت المنطقة الرّماديّة كحقلٍ وصفيّ لأفعالٍ بين الحرب والسلم. الإضافة هنا هي إدراجها كـحيّز منظِّم للردع، فهي التي تسمح بإدارة سلالم التّصعيد وبناء قيود وحدود للسلوك التنافسي المسموح. حين يُدير الطرفان درجات التّصعيد إذ تبقى الضّربات المتبادلة تحت نقطة الحرب الشّاملة، تنشأ معادلة توازن تنافسي (Competitive Equilibrium) تُهندسها قواعد ضمنيّة تتضمن رسائل واضحة ذات بعد أمين أو عسكري، عقوبات مدروسة مع قنوات تهدئة، وتناسُبٌ سردي يؤثر في تحمّل الحلفاء والرأي العام الدولي لتبعات التصعيد. بهذا المعنى، تصبح المنطقة الرّماديّة آلية استقرار نسبي لا مجرّد فراغ قانوني.
1. هندسة قياسيّة لآليات الرّدع اللامتماثل: يظهر البحث فجوةً قياسية بتقديم مجموعة مؤشرات قابلة للرصد تتيح اختبار الفرضيات نظرياً وتتبّعها عملياً، من قبيل:
بقائيّة الشبكات: تعدّد طبقات القيادة والسيطرة (C2)، حركية المنصّات، التحصين والتخفّي.
تبديل المجال: نمط الرد في مجال بديل (سيبر/بحر/UAV) عقب ضغطٍ اقتصادي.
الدّقة على نطاق: مؤشرات التشبيع/اختراق الدفاعات (الأعداد، CEP، معدّل التسرب).
الإكراه السردي: ادّعاءات الدفاعية/التناسب، الكُلف الجمهورية، مرونة التحالفات.
التّصعيد الأفقي: فتح – إغلاق جبهات مساعدة وتزامنها مع ضغطٍ في المجال الأصلي.
هذه الحزمة لا تشرح آليات السّلوك فحسب، بل توحّد لغة القياس عبر مسارح متباينة، وتتيح تعميمات حذرة إلى حالاتٍ تشترك بنيويًّا في لا تكافؤ القوة وكثافة التّحالفات وقيود التّصعيد.
2. من «توازن الرّدع» إلى «نظام تشغيل للمنافسة»: يقترح هذا البحث الانتقال من فكرة توازن الرّدع بوصفها لحظة توقف للسلوك العدائي، إلى مفهوم أوسع هو نظام تشغيل للمنافسة. المقصود هنا ليس مجرد منع الخصم من الهجوم اليوم، بل إدارة طريقة التفاعل معه عبر الزّمن من خلال تثبيت قواعد واضحة، عتبات تصعيد معروفة، قنوات تهدئة جاهزة ورسائل محسوبة تُبقي اللعبة تحت السيطرة.
بهذا الفهم، نفهم لماذا لا تنتهي أزمات منطقة غرب آسيا بـحسم نهائي على الرّغم من اختلال ميزان القوة. الهدف الواقعي ليس إزالة قدرة الخصم بالكامل وهو مكلف وغير مستدام، بل ضبط إيقاع قدرته على الإيلام وإلحاق الأذى، والسّماح له بهوامش محدودة لا تغيّر المعادلة الكبرى، مع ردع أيّ اندفاع نحو تجاوز الخطوط الحمراء. هكذا تتعايش إستراتيجيّة السّلام عبر القوة (ضغوط وانتقائيّة في العقاب) مع أساليب الرّدع غير المتكافئ لدى الأطراف الأضعف (بقائيّة، تبديل مجال، خداع وسرديّة)، ضمن إطار تنافسي مستمر لكن مُدار.
عمليًا، نظام التشغيل يجمع بين الأساليب العسكرية (دفاع جوي- صاروخي، توزيع قواعد، مرونة لوجستية) الضربات المحسوبة (ضربات محدودة واضحة الرسالة) والدّبلوماسيّة النشطة (قنوات أزمة، وساطات، قواعد اشتباك). النّتيجة ليست سلامًا كاملاً ولا حربًا شاملة، بل منافسة مستدامة يمكن التنبؤ بها نسبيًا، تُقلِّل المفاجآت، وتمنع الانزلاق الكبير، وتُبقي كلفة الصّراع تحت سقفٍ مقبول لجميع الأطراف. بهذه الرؤية، يتحول الرّدع من حالة سكون إلى بنية إدارة تنظم الإيقاع السياسي.
3. حدود النّظرية وشروط تغيّر الاتجاه
تشرح هذه الدّراسة لماذا ينجح الرّدع غير المتكافئ غالبًا، لكنها توضّح أيضًا متى يمكن أن يضعف أو ينهار. هناك ثلاث حالات رئيسة قد تقلب المعادلة:
قفزة كبيرة في الرّصد والاستهداف (ISR/ Targeting): إذا تحسّنت قدرات الاستطلاع والذّكاء الاصطناعي والاستهداف لدرجة تمكّن الخصم من العثور على الأهداف المتحركة والمخفية بسرعة ودقّة، تصبح «الضّربة الحاسمة» أقرب إلى الواقع. عندها تفقد الشبكات الموزّعة ميزتها الأساسيّة وهي الاختفاء والتّشتيت، وهذا ما يمكن مقاربته بالهجوم الإسرائيلي الأول الذي استهداف بنية حزب الله العسكريّة والقياديّة على رأسهم الأمين العام للحزب السّيد حسن نصر الله في الأيام الأولى لمعركة أولي البأس في أيلول 2024، والسّاعات الأولى التي ضربت فيها إسرائيل أهدافًا قياديّة وعسكريّة اغتالت على أثرها عدد كبير من قيادات الحرس الثّوري والعلماء النوويين في إيران. تجفيف موارد امتلاك عوامل الدقّة في التوجيه والإصابة (Precision) من خلال حظر تكنولوجي مشدّد. إذا نجح الخصم في قطع سلاسل التّوريد للمكوّنات الحسّاسة (مستشعرات، ملاحة، اتصالات، شرائح إلكترونيّة)، تتراجع قدرة المنظومة على توجيه ضربات دقيقة ومنسّقة، فتنخفض فاعليّة الرّدع لديها ويقلّ تأثيرها على الخصم. تآكل الشرعيّة أو السّرديّة: الرّدع لا يقوم على القوة فقط، بل أيضًا على الرواية. إذا فقدت المنظمة أو راعيها الغطاء الأخلاقي والقانوني أمام جمهورها أو حلفائها أو الرأي العام الدولي بسبب أخطاء جسيمة أو تناقض بين الخطاب والفعل، تتراجع قدرتها على تحمّل الكلفة وتضعف تحالفاتها. عليه فإن المحافظة على مشروعيّة الفعل وإظهار المظلوميّة يبرر استخدام القوة ويمنع الإدانة. عندما تجتمع هذه العوامل، تتصدّع أعمدة البقائيّة والتكرار وإدارة الغموض التي يقوم عليها الرّدع غير المتكافئ، ويتراجع عنصر اللايقين الذي كان يردع الخصم. نظريًا، يذكّرنا ذلك بأن هذه المقاربة ليست وصفة دائمة صالحـة لكل زمان ومكان. وعمليًا، يحذّر صانعو القرار من الافتراض بأن قواعد اللعبة ثابتة لا تتغير. فالحفاظ على الرّدع يتطلّب تحديثًا مستمرًا للقدرات والرواية والسّرديّة، ومراقبة يقظة لأي تغيّر تكنولوجي أو سياسي قد يبدّل اتجاه الصّراع.
4. توحيد مبدأ العقاب والحرمان عبر “التركيب المُجالي”
تقترح هذه المقاربة تجاوز الجدل التقليدي، هل نردع الخصم عبر العقاب (إلحاق كلفة مباشرة) أم عبر الحرمان (منعه من تحقيق أهدافه)؟ بدل الاختيار بينهما، تدعو إلى ما يمكن تسميته بالتركيب المُجالي. أي توزيع أدوار العقاب والحرمان عبر مجالات متعددة (جو، بحر، سيبراني، مسيّرات، مجال المعلومات- السرديات) وبأيدي فاعلين متعدّدين (دول وحلفاء ووكلاء). في هذه الحالة لا يعود الرّدع قرارًا منفردًا تتخذه دولة في لحظة بعينها، بل يصبح خاصيّة للنّظام التفاعلي ككلّ، شبكة مترابطة من إجراءات متزامنة أو متعاقبة تُنتج أثرًا رادعًا أعلى من مجموع أجزائه. عمليًا، قد يجري حرمان الخصم في مجالٍ (اعتراض جوي – صاروخي، تشتيت بنك أهدافه، حماية الملاحة)، بالتزامن مع عقابٍ مغاير في مجالٍ آخر (ضربة دقيقة محدودة – اغتيال) ومع ضغط سردي وقانوني يضبط مشروعية الفعل ورد الفعل، إضافة إلى أدوات اقتصاديّة وتكنولوجيّة (ضوابط توريد، عقوبات انتقائيّة). هذا التركيب يُحدث أثرًا تراكميًا، فالضربة المحدودة وحدها قد لا تغيّر سلوك الخصم، لكن عندما تُسنَد بدفاع فعّال، ورواية قانونيّة مقنعة، وإجراءات اقتصاديّة، تتحول إلى إشارة عالية المصداقيّة تقلّص هامش مناورة الخصم من دون الانزلاق إلى حرب شاملة.
تكمن قوة “التركيب المُجالي” في ثلاثة عناصر:
– مرونة الإشارة: اختيار المجال الأنسب لتجنّب التّصعيد غير المقصود أو المضبوط مع إيصال رسالة واضحة.
– توزيع المخاطر: عدم وضع كل العبء في أداة واحدة أو مجال واحد، ما يزيد من مناعة المنظومة ويضعف القدرة على الاستهداف.
– تعظيم الكلفة الفعّالة على الخصم: مزيج الحرمان والعقاب والسّرد يرفع كلفته السياسيّة والعسكريّة والاقتصاديّة، بالتّزامن ما يكبل خيارات الخصم في الرد ويزيد من عامل الإرباك واللايقين.
ولقياس الفاعليّة، يمكن رصد تراجع نجاح الخصم في تحقيق أهدافه العملياتيّة، تباطؤه في الرد أو تغيّر سلوكه وتقييده بالحسابات واللايقين، وتحسّن تماسك التّحالفات المؤيدة. بهذه الطريقة، يصبح الرّدع منظومة مُركّبة تُدار عبر الزمن ومن خلال التراكم، لا خطوة منفردة تُتخذ في لحظة الأزمة.
5. إضفاء الطابع المؤسسي على إدارة التّصعيد
تبيّن المتابعة المتراكمة في صراعات غرب آسيا أنّ الأطراف لا تكتفي بتعلّم تكتيكات بعضها البعض، بل تنتقل تدريجيًا إلى تنظيم إدارة التصعيد داخل مؤسساتها. المقصود أن إدارة التصعيد لا تُترك للارتجال، بل تُبنى لها إجراءات ثابتة. قنوات تواصل للأزمات (Hotlines) تُفعَّل بسرعة عند كل حادث حسّاس لتوضيح النوايا ومنع سوء الفهم. إيقاعات ردّ متوقَّعة (Patterns) تُحدّد حدودَ الجرعة الزّمانيّة والمكانيّة لأي ردّ حتى لا يُقرأ على أنه دعوة للتصعيد. معادلات تناسُب مشروطة توضّح حجم الردّ المقبول مقابل كل خرق، فتُرسَّخ قواعد الضبط المتبادل. نوافذ لإعادة الضبط (Cooling-off Windows) تُستخدم لتهدئة التوتر وإتاحة مسار دبلوماسي قبل الانتقال لدرجة أعلى على سلم التّصعيد.
هذا التّطور يُشبه ما يمكن تسميته بحوكمة دقيقة للمخاطر في بيئات تنافسيّة عالية الحساسيّة. من خلال وضع قواعد وإشارات وإجراءات تمنع القفز المفاجئ إلى مواجهة شاملة. وبهذا المعنى، لا يعود الرّدع حالةً ساكنة تُقاس بتوازن القوة فقط، بل يتحوّل إلى بروتوكول تفاعلي يُدار عبر الزمن. يحافظ على قدرة كل طرف على إيصال التأثير والإيلام عند الحاجة، لكنّه في الوقت نفسه يخفض احتمال الانزلاق إلى حرب عامة نتيجة خطأ تقدير أو رسالة ملتبسة. النتيجة العمليّة هو صراع مدار أكثر قدرة على التنبؤ، يسمح بإرسال رسائل حازمة ضمن حدود مفهومة للطرفين، وتُعطي الدبلوماسية متّسعًا للعمل، وتقلّل تكلفة الأخطاء العرضيّة على المدنيين والبنى الحيويّة والحلفاء. بهذه الطريقة، يصبح ضبط التّصعيد وظيفة مؤسسية تدار بنمط مؤسساتي علمي لا انفعالي لا مجرّد مهارة ظرفية.
6. مبدأ السّلام عبر القوة كنموذجٍ مضادّ-لا متماثل
أخيراً، يقترح هذا البحث قراءةً مختلفة لمبدأ السّلام عبر القوة كما طُبِّق في الولاية الثانية للرئيس لترامب. ليس مجرد ترجمة تقليدية للواقعية الهجومية، بل نموذج مضادّ لا متماثل يستهدف أدوات الخصوم اللامتماثلة ويعمل على تقييدها بشكلٍ متواصل. تقوم الفكرة على مزيجٍ من الضربات المحدودة عالية التأثير، والاستهداف القيادي المدروس، والعقوبات والضوابط التقنية التي تخنق سلاسل التوريد الحساسة، إلى جانب تمكين الحلفاء دفاعيًا واستخباريًّا ولوجستيًا. هذا المزيج لا يسعى إلى تدمير الخصم أو احتلاله، بل إلى إدارة منسوب قدرته على الإيلام ضمن سقف لا يغيّر المعادلة الاستراتيجية. على المستوى العملي، تُستخدم الضربات المحدودة لإرسال رسالة واضحة حول العزم والقدرة، مع إبقاء التصعيد تحت عتبة الحرب الشّاملة. ويستهدف تفكيك القيادة تعطيل العقد الحرجة للشبكات (التخطيط، التمويل، نقل المعرفة) من دون توسيع دائرة الصّراع. أمّا العقوبات والضوابط التكنولوجية فتهدف إلى تجفيف موارد الدقّة (المستشعرات، الاتصالات، الملاحة، المكوّنات والشرائح الإلكترونية)، فتتراجع جودة النّيران اللامتماثلة وقدرتها على التأثير. بالتوازي، يخلق تمكين الحلفاء طبقاتٍ إضافيّة من الحرمان (دفاع جوي وصاروخي، مراقبة بحرية، أمن حدودي، مشاركة استخبارية)، فتزداد كلفة الاختراق على الخصم وتضيق نافذته العملياتيّة.
بهذه الهندسة، يتحوّل ثمن الردّ لدى الخصم إلى موردٍ نادر وغير قابل للتحمل، كل ردٍّ كبير يكلّفه سياسيًا وقانونيًا ويستهلك من مخزونه التسليحي الدقيق ومن رصيده السردي أمام جمهوره وحلفائه. ومن ثمّ، يصبح السّلام عبر القوة أداة إدارة أكثر منه وعدًا بحسم أو نزع قدرة تام. الهدف ليس إنهاء خصمك، بل تثبيت إيقاع سلوكه ومنعه من الوصول إلى مستويات إيلام وتأثير تغيّر ميزان القوة وقواعد اللعبة.
يمنح هذا الفهم ميزتين نظريتين. الأولى، أنّ المصداقية الرّدعية يمكن إنتاجها من دون تكافؤ عددي كمي، بل عبر مزيج عقاب موزّع على مجالات متعددة (جو، بحر، سيبراني، مسيّرات، سرديات). والثانية، أنّ المنطقة الرمادية تصبح فضاءً منظِّمًا للتنافس، تُدار فيه سلالم التصعيد عبر قنوات أزمة وإشارات محسوبة وحدود تناسُب واضحة. عمليًا، يوازن هذا النّموذج بين تقليل مخاطر الانزلاق إلى حرب شاملة وبين الحفاظ على القدرة على توجيه ضربات موجعة عند الحاجة.
الخلاصة:ينطلق هذا البحث من فرضيةٍ مركزيّة مفادها أنّ الرّدع غير المتكافئ (Asymmetric Deterrence) لم يعد استثناءً ظرفيًّا تلجأ إليه الأطراف الأضعف عند الضرورة، بل تحوّل إلى منطقٍ تشغيلي مستقرّ يُعيد توصيف سلوك الفاعلين في البيئات التي تتراكم فيها قيود التّصعيد، وترتفع فيها كلفة الحرب الشّاملة، ويتداخل فيها مستوى الصراع بين الدّول والفاعلين غير الدولتيين. بهذا المعنى، لا يعود الرّدع اللامتماثل مجرد “حيلة تعويضية”، بل إطار عمل يُنظّم أدوات القوة وتوقيت استخدامها وتوزيعها على مجالات متعددة بما يحافظ على القدرة على الإيلام ويقلّل احتمال الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.
الإسهام النظري المحوري هنا هو الانتقال من مقاربةٍ واصفـة ترى الرّدع اللامتماثل تكتيكًا جزئيًا، إلى مقاربة هندسية تنظّم هذا الرّدع ضمن نسقٍ مفاهيمي متكامل يضمّ ثلاث مكوّنات مترابطة:
آليات العمل والتي تشمل التوزّع والإنكار المقبول، تبديل المجال بين الجو- البحر- المجال السيبراني -المسيّرات، الدّقة على نطاق واسع بما يُنتج منظومة دفاعيّة، التّصعيد الأفقي عبر فتح جبهات مساعدة، والإكراه السردي الذي يوازن بين التّناسب والشّرعية داخليًا وخارجيًا.
الشروط البنيوية المُولِّدة من خلال لا تكافؤ القوة، كثافة التحالفات، انتشار التكنولوجيا (Technological Diffusion) الذي قلّص مزايا تقليدية في Airpower/ ISR، والقيود السياسيّة والقانونيّة التي تضبط حدود العنف المشروع. أنماط التّفاعل مع الاستراتيجيات المضادّة اللامتماثلة التي تنتهجها القوى العظمى، ولا سيما تحت شعار السّلام عبر القوة (Peace Through Strength)، إذ تُستخدم ضربات محدودة عالية التأثير، واستهداف شخصيات ومقرات قيادية، عقوبات إضافة الى الحصار والضوابط التّقنيّة، وتمكين الحلفاء لتقييد أدوات الخصم اللامتماثلة وإبقاء ردّه تحت سقفٍ محسوب. ضمن هذا الإطار، يُفهم السّلام عبر القوة لا كخطابٍ لتبرير الحزم فقط، بل بوصفه بنية تشغيل مضادّة لا متماثلة تشكل هندسة تقييدية متعدّدة المجالات تُحوّل ثمن الردّ لدى الخصم إلى كلفة باهظة جدًا لا يستطيع تحملها، وتعيد تعريف النّجاح من الحسم السّريع إلى إدارةٍ طويلة الأمد للصراع ضمن حدودٍ يمكن التنبؤ بها. إنّ المزج بين الحرمان أي منع الخصم من تحقيق أهدافه) والعقاب المُعايَر( أيّ إلحاق كلفة محسوبة عبر التركيب المُجالي (Domain Composition) يجعل الرّدع غاية تكامليّة للنّظام بأكمله لا قرارًا منفردًا لدولة بعينها.
خلاصة الإسهام أنّ هذا البحث يقدّم إطارًا يحدّد كيف يُبنى الرّدع من دون تكافؤ عبر منظومة بقائيّة–تكراريّة وتوزيع ذكي للمخاطر والإشارات. كيف تتكيّف الواقعيّة الهجوميّة (Offensive Realism) مع قيود التّصعيد فتفضّل أدوات موزّعة وغير مباشرة بدل الهيمنة التّقليديّة؛ كيف تصبح المنطقة الرّماديّة فضاءً مُنظِّمًا للردع عبر ضبط العتبات وتثبيت قواعد إشعار متبادلة. كيف تُقاس آلياته بمؤشرات قابلة للرّصد بقائيّة C2/حركية-تحصين وخداع، تبديل المجال وميدان الاشتباك، الدّقة في الاستهداف، الإكراه السّردي، التّصعيد الأفقي) بحيث تغدو الدراسة قابلة للاختبار المقارن. وأخيرًا كيف يُستبدَل مفهوم توازن الرّدع بفكرة نظام تشغيل للمنافسة (Operating System for Competition)، أي منظومة قواعد وإشارات وإجراءات تُدير التنافس عبر الزمن بدل الاكتفاء بلحظة توازنٍ ساكنة غير متحركة.
يفسّر هذا الانتقالُ استدامة التنافس المُدار في غرب آسيا على الرّغم من اختلال ميزان القوة، ويزوّد الدّراسات اللاحقة بأدوات قياسٍ واختبارٍ أوضح تُساعد على المقارنة بين مسارح تشترك في لا تكافؤ القوة وكثافة التحالفات وقيود التصعيد. وفي الوقت نفسه، يحذّر الإطار من التّعميم غير المحكوم عبر الإقرار بأنّ هذه المنظومة قد تتبدّل عندما تتحقق قفزات ISR/Targeting، أو تجفّ موارد الدقّة، أو تتآكل الشّرعيّة السّرديّة، وهي شروط قد تُعيد تشكيل قواعد اللعبة. بذلك، يقدّم البحث أساسًا تفسيريًا متماسكًا وقابلاً للتطبيق المقارن، ويحوّل الرّدع اللامتماثل من وصفٍ ظرفي إلى بنية تشغيل تُنظّم إيقاع المنافسة وتحدّد حدودها.
References
-1 Al Jazeera Centre for Studies. (2023). Al-Aqsa flood: The collapse of Israeli deterrence and attempts to restore it.
-2 Brands, H. (2016). Paradoxes of the gray zone. Foreign Policy Research Institute.
-3 Cohen, R. S. (2025). Iran and the logic of limited wars. RAND Corporation.
-4 Cooper, A. (2021). Asymmetric threats to Israel’s defense strategy. Israel Affairs.
-5 Cordesman, A. H. (2019). The U.S.–Israel military strategy: A new phase. Center for Strategic and International Studies (CSIS).
-6 Freedman, L. (2013). Strategy: A history. Oxford University Press.
-7 George, A. L., & Smoke, R. (1974). Deterrence in American foreign policy: Theory and practice. Columbia University Press.
-8 Harding, E. (2025). Inside Trump’s strike on Iran’s nuclear program. Center for Strategic and International Studies (CSIS).
-9 Huth, P. (1999). Deterrence and international conflict: Empirical findings and theoretical debates. Annual Review of Political Science, 2, 25–48.
-10 International Crisis Group. (2023). The Iran nuclear deal: Collapse and consequences.
-11 Inbar, E. (2022). Deterrence and Israel’s national security. BESA Center.
-12 Maloney, S. (2020). Iran and the failure of maximum pressure. Brookings Institution.
-13 Mazarr, M. J. (2015). Mastering the gray zone: Understanding a changing era of conflict. U.S. Army War College Press.
-14 Mearsheimer, J. J. (2001). The tragedy of great power politics. W. W. Norton.
-15 Morgenthau, H. J. (2006). Politics among nations: The struggle for power and peace (7th ed.). McGraw-Hill. (Original work published 1948)
-16 Nye, J. S. (2004). Soft power: The means to success in world politics. Public Affairs.
-17 Posen, B. R. (2014). Restraint: A new foundation for U.S. grand strategy. Cornell University Press.
-18 Schelling, T. C. (1966). Arms and influence. Yale University Press.
-19 Snyder, G. H. (1961). Deterrence and defense: Toward a theory of national security. Princeton University Press.
-20 Waltz, K. N. (1979). Theory of international politics. Addison-Wesley.