القلق النّفسي وتأثيره على الأمهات في جنوب لبنان إثر الحرب المعاشة

0

اسم المجلة: مجلة أوراق ثقافية

القلق النّفسي وتأثيره على الأمهات في جنوب لبنان إثر الحرب المعاشة

The impact of psychological anxiety on mothers in South Lebanon after the lived experience of war

( د. ريتا حسون([1]Dr Rita Haykal Hassoun

تاريخ الإرسال:16-1-2026                                  تاريخ القبول :28-1-2026

الملخص                                                                       turnitin:2%

هدف البحث الى دراسة مستوى القلق لدى الأمهات اللبنانيات أثناء الحرب التي تعرض لها لبنان سنة  2024 في المناطق التي تعرضت للقصف المباشر مقارنة بالمناطق التي لم تتعرض للقصف المباشر، وقد اعتُمِد مقياس هاملتون بشموليته وبنيته السريرية القائمة على المقابلة، إذ يقيس أربعة عشر بُعدًا تشمل القلق الذهني والجسدي على السواء، ويسمح تصنيف الحالات من الخفيفة إلى الشديدة وفق معايير كمية. (Hamilton, 1959).

إن الحاجة الى دراسة دقيقة للظاهرة في البيئة العربية اللبنانية التي تتأثر مباشرة بالنّزاعات الدّاخليّة والخارجيّة، ومن الحاجة التّطبيقيّة إلى نتائج علمية دقيقة تسهم في تطوير برامج الدّعم النّفسي والاجتماعي الموجّهة للأمهات بعد الحرب.

الكلمات المفتاحيّة: القلق – مقياس هاملتون- النّزاعات- الدّعم النّفسي والاجتماعي

Abstract

The research aimed to study the level of anxiety among Lebanese mothers during the 2014 war in Lebanon, comparing area directly bombed with those not directly bombed, the Hamilton Scale, with its comprehensiveness and clinical, interview- based structure, was adopted. It measures fourteen dimensions encompassing both mental and physical anxiety, and allows for the classification of cases from mild to severe according to quantitative criteria (Hamilton,1959).

The need for a thorough study of the phenomenon in the Lebanese Arab context, which is directly affected by internal and external conflicts, and the practical need for the accurate scientific results that contribute to the development of psychosocial support programs for mothers after the war.

Keywords: Anxiety- Hamilton Scale- conflicts- psychosocial support

 

  • الإطار العام للدراسة
    • المقدمة:عانى لبنان مؤخرًا من عدة كوارث متتالية بيئيّة، اقتصاديّة وطبيعيّة، ولكن تعدّ الحروب من أبرز الأحداث الضّاغطة لما سببته من عجز من النّاحية النّفسيّة، الاجتماعيّة والجسديّة طويلة الأمد. فمع انتهاء الحروب العسكريّة لم تنتهِ الحرب النّفسيّة ولم تنتهِ المعاناة، إذ استمرت التّداعيات الانفعاليّة والسّلوكية في حياة المواطنين، محدثة اختلالًا في الإحساس بالأمان، واضطرابًا في العلاقات الأُسريّة، بسبب غياب الاستقرار النّفسي والاجتماعي. إنّ مرحلة ما بعد الحرب لا تنخفض فيها الأمراض والاضطرابات بل على العكس يمكن أن تكون أكثر تعقيدًا وصعوبة، لأنّ المواطنين وأهالي الشّهداء يعيشون خلالها آثار الصّدمة، ويواجهون ضغوط الإعمار، والفقد، والقلق من المستقبل (Norris et al., 2002).

كما تعدُّ الأمهات والأطفال من الفئات الأكثر عرضة للتأثر النّفسي، لأسباب متعددة أهمّها التكوين البيولوجي والقدرة على التّحمل، والخوف من خسارة الأب خاصة في المجتمعات العربيّة ومنها المجتمع اللبناني.

فخلال الحروب، تعرض اللبنانيون للعديد من الصّعوبات، وخاصة الأمهات  كالقصف والنّزوح والخسائر البشريّة والماديّة بالإضافة الى التّهديدات غير المباشرة كخسارة الزوج  الأمر الذي أدّى الى حالة تأهب  نفسي مستمر. فاحتمالات الإصابة بالقلق واضطرابات ما بعد الصّدمة والاكتئاب ترتفع، خاصة حين تغيب شبكات الدعم الأسري والاجتماعي (Hobfoll, 1989).

إنّ القلق هو استجابة فيسيولوجيّة ونفسيّة معقدة تشمل:

  • الخوف من خطرٍ متوقّع أو غير محدّد.
  • تسارع النّبض، توتر العضلات، واضطرابات النّوم والتركيز.

إنّ القلق في مرحلة ما بعد الحرب يمكن أن يمتدّ أثره إلى البنية الأُسريّة، فينعكس على جودة التّواصل داخل الأسرة، وعلى الأمن العاطفي للأبناء، وعلى قدرة الأم على إدارة الضغوط اليّوميّة.

إنّ القلق العام لدى الأمهات في مرحلة ما بعد الحرب موضوعًا قليل الدّراسة في السّياق العربي. كما أنّ الأدوات الإكلينيكيّة المستخدمة محليًا لا تزال محدودة في التّحقق من صدقها وثباتها، مما يبرز الحاجة إلى اعتماد مقياس هاملتون للقلق (Hamilton Anxiety Rating Scale – HAM-A) كأداة معياريّة موثوقة قادرة على قياس الأعراض النّفسيّة والجسديّة للقلق بدقة.

  • الإشكاليّة: تتميّز الأمهات بردود أفعالهنّ تجاه المخاطر المعاشة؛ لأنّ إجاباتهن لا تقتصر على المستوى الشخصي بل تشمل بأغلب الأحيان ردات فعل تجاه حياة أبنائهن واستقرار أسرتهن. وتؤدي هذه الاستجابات بين الخوف الشّخصي والمسؤوليّة تجاه الأسرة إلى ظهور اضطراب القلق، مرافقًا باانعدام الأمن، وتدهور الحالة الاجتماعيّة. في المقابل، قد تُظهر الأمهات المقيمات في المناطق الآمنة مستويات أقلّ من القلق نتيجة توفر الأمان النّسبي، واستقرار الظروف المعيشيّة، ووجود شبكات دعم اجتماعي أكثر فعاليّة.

ولذلك تحدّدت المشكلات على الشكل الآتي:

ما هو مستوى القلق لدى الأمهات اللبنانيات أثناء الحرب التي تعرض لها لبنان سنة  2024 ؛ في المناطق التي تعرضت للقصف المباشر مقارنة بالمناطق التي لم تتعرض للقصف المباشر ؟

فرضيات البحث؟؟

  • أهمية البحث: تكمن أهمّيّة الدّراسة في دقة موضوعها، وفي تفاقم الاضطرابات النّفسيّة والعقليّة والسّلوكيات غير السوية خاصة أثناء الحروب النّفسيّة، ولا سيّما ما يتعلّق باضطرابات القلق لدى الأمهات في مرحلة ما بعد الحرب.

من الناحية النّظريّة

  1. إثراء المعرفة العلميّة العربيّة في ميدان علم النّفس من خلال تقديم دراسة ميدانيّة، تُقاس فيها مستويات القلق لدى الأمهات بعد الحرب باستخدام أداة معياريّة معترف بها عالميًا، هي مقياس هاملتون للقلق (HAM-A).
  2. توسيع الفهم العلمي للقلق في سياقات ما بعد الحرب إذ إنّ معظم الدّراسات العربيّة ركّزت على اضطراب ما بعد الصّدمة أو الاكتئاب، بينما ظلّ القلق العام موضوعًا ثانويًا على الرّغم من انتشاره العالي في البيئات التي شهدت حروبا.
  3. دعم الإطار النظري لدراسات ما بعد الحرب عبر توفير بيانات كمية تساهم في تفسير ديناميات القلق .

من النّاحية التّطبيقيّة

  1. توجيه برامج الرّعاية النّفسيّة والاجتماعيّة نحو الفئات والمناطق الأكثر عرضة للقلق، عبر تحديد مستوى شدة الأعراض في المناطق المتأثرة بالقصف مقارنة بالمناطق الآمنة.
  2. تزويد الاختصاصيين النّفسيين والاختصاصيين الاجتماعيين، بمؤشرات كميّة دقيقة تساعدهم في تصميم تدخلات علاجيّة قصيرة المدى، تستند إلى تقدير موضوعي لشدّة القلق لدى الأمهات.

 

  1. تعزيز ممارسات التقييم النّفسي في البيئات المتأثرة بالحرب، من خلال تشجيع استخدام أدوات كمّيّة معيارية كجزء من البروتوكولات الميدانيّة في الأبحاث.

 

  • أهداف البحث: تهدف هذه الدّراسة إلى تحليل الفروق في مستويات القلق لدى الأمهات في مرحلة مابعد الحرب، من خلال مقارنة نتائج مقياس هاملتون للقلق (HAM-A) بين الأمهات المقيمات في المناطق المتأثرة بالقصف المباشر ونظيراتهنّ في المناطق التي لم تشهد قصفًا مباشرًا. فرضيات الدّراسة: توجد علاقة ارتباطية للقلق بين الأمهات المقيمات في المناطق المتأثرة بالقصف المباشر،  والأمهات المقيمات في المناطق غير المتأثرة بالقصف المباشر في مرحلة ما بعد الحرب.
  • مجتمع الدّراسة

تغطي الدّراسة مرحلة ما بعد الحرب الممتدة بين ستة أشهر وسنتين بعد توقف القصف المباشر على المناطق اللبنانية، وهي المدّة التي جُمعت خلالها البيانات الميدانيّة باستخدام مقياس هاملتون للقلق. وقد حُدّدت هذه المدة لأنّها تمثّل مدّة استقرار نسبي تسمح برصد الآثار النّفسيّة المستمرة بعد انتهاء الحرب، من دون أن تتداخل مع الصّدمة المباشرة أو التّعافي الكامل.

تكوّن مجتمع الدّراسة من 410 أمهات راشدات عمر الواحد يزيد على 30 سنة، ويقلّ عن 55 سنة لم يخسرن أزواجهن أثناء الحرب؛ 205 منهن  تعشن في مناطق لبنانيّة لم تتعرض للقصف المباشر و 205 تعشن في مناطق تعرضت للقصف المباشر.

تعتمد الدّراسة حصريًا على مقياس هاملتون للقلق (HAM-A) كأداة وحيدة لجمع البيانات.يتكوّن المقياس من 14 بندًا تُقيّم على سلم من خمس درجات (0–4). يقدَّر القلق عبر المقابلة الفرديّة المباشرة التي يُجريها الباحث أو المقيم المدرَّب.

لا تستخدم الدّراسة أي مقياس أو استبيان آخر، ما يجعل نتائجها مقتصرة على الأعراض القلقيّة من دون امتدادها إلى اضطرابات أخرى كالاكتئاب أو اضطراب ما بعد الصّدمة.

  • منهج الدّراسة: تندرج هذه الدّراسة ضمن المنهج الوصفي المقارن الذي يهدف إلى تحليل الفروق في مستويات القلق بين مجموعتين من الأمهات تختلفان في بيئتهما السكنية بعد الحرب، اعتمادًا على نتائج مقياس هاملتون للقلق (HAM-A).
  • الدّراسات السّابقة والتعقيب عليها

 

–       دراسة مركز دراسات الوحدة العربيّة – جبل عامل نموذجًا

  • تناولت الدّراسة تأثير الصّدمة النّفسية التي سببتها حرب تموز سنة 2006 على الأطفال في منطقة جنوب لبنان. وقد أشارت الدّراسة إلى تدهور قدرة الأمهات على القيام بمسؤولياتهن في منطقة الجنوب بسبب تداعيات الحرب، مما أثّر على قدرتهن في تقديم الدّعم النّفسي والتّربوي لأطفالهن.
  • تعقيب هذه الدّراسة تساهم في فهم معاناة الأطفال التي ترتبط مباشرة بصحة الأم النّفسيّة، ما يستدعي دراسات مخصصة للأمهات كمحور أساسي.

–       مقالة المعركة الصامتة – مجلة الجيش اللبناني

  • تناولت الدّراسة تأثير الأزمات والحروب على أهمّيّة الصّحّة النّفسيّة في لبنان، مع الإشارة إلى تصاعد الخوف والقلق والتّوتر في المناطق الجنوبيّة نتيجة الحروب التي عانى منها لبنان.
  • ركّزت على دور القلق وخطورة تفاقمه فيصبح جزءًا من الحياة اليوميّة، خاصة لدى الأمهات اللواتي يحملن عبء حماية الأسرة وسط غياب الاستقرار.
  • تعقيبهذه المقالة تبرز أهمّيّة الدّعم النّفسي المجتمعي، إلّا أنّها لا تقدم بيانات ميدانيّة أو إحصائيّة عن الأمهات، ما يدعو إلى مزيد من البحث النّوعي والميداني.
  • دراسة مركز الأبحاث والدّراسات التّربويّة –الأم ومسؤوليات الحرب المضاعفة

·       تناولت الدّراسة أهمّيّة الدّور التربوي والنّفسي للأم أثناء الحروب، تناولت الحرب بأنّها “زلزال نفسي” يفرض أثقالًا غير متوقعة على كاهل الأم.

  • أشارت إلى أنّ الأم تواجه تحدّيات وجوديّة تمسّ جوهر الحياة الأسرية، وتؤثر على قدرتها في الحفاظ على التّوازن النّفسي.
  • تعقيب هذه الدّراسة تقدم منظورًا تربويًا عميقًا، لكنها بحاجة إلى دعم ميداني واستبيانات لقياس مستويات لدى الأمهات.
  • الإطار النّظري للدراسة

 أولًا: مفهوم القلق: يعد القلق حالة انفعالية-معرفية مستقبليّة الطابع، تنشأ عن إدراك ذاتي لتهديد محتمل أو موقف غامض غير محدّد، وتتميّز بمزيج من التوجّس، والتوتّر، والانشغال المفرط بالأحداث المقبلة.

ينظر إلى القلق كاستجابة نفسيّة-فسيولوجيّة طبيعيّة وضروريّة في مواقف الخطر، إذ يهيّئ الفرد لحالة من التأهّب والتكيّف، غير أنّه يتحوّل إلى حالة مرضيّة عندما يبلغ درجة من الشدّة أو الاستمراريّة تؤدّي إلى اضطراب الأداء الشّخصي والاجتماعي والمعرفي.

إنّ القلق هو تفاعل متشابك بين المكوّنات المعرفيّة والانفعاليّة والجسديّة والسّلوكية، فهو يتضمّن:

  • أفكارًا توقّعيّة أحيانًا كارثيّة محتملة، وشعورًا داخليًا بالانقباض أو الخوف من فقدان السيطرة.
  • استجابات جسديّة تشمل تسارع ضربات القلب، وتوتّر العضلات، واضطراب التنفّس.
  • سلوكيّات التجنّب والانسحاب من المواقف التي تثير التوتّر.

إنّ القلق  (APA، 2023)  يختلف عن الخوف في كونه متمركزًا حول توقّع الخطر لا حول وجوده الفعلي، وأنّه يتأثر بعوامل:

  • بيولوجية كالنشاط الزائد في اللوزة الدِّماغيّة
  • ومعرفيّة كالتّحيّزات الانتباهية والتفكير الكارثي.
  • ونفسيّة-اجتماعيّة كخبرات الطفولة والصّدمات.

وبذلك يمكن عدُّ القلق في علم النّفس الإكلينيكي بنية متعدّدة الأبعاد تتفاعل فيها العوامل العصبيّة والنّفسيّة والبيئيّة في إنتاج تجربة انفعاليّة-جسديّة-سلوكيّة متكاملة، تُمثّل في جوهرها محاولة للكائن الإنساني للتكيّف مع عدم اليقين والتّهديدات الإدراكيّة المستقبليّة.

يحتل القلق مكانة مركزية في الممارسة الإكلينيكية النّفسيّة، إذ يُعَدّ من أكثر الظواهر الانفعاليّة تكرارًا وارتباطًا بالاضطرابات النّفسيّة. فهو يشكّل، بحسب التّصنيف الإكلينيكي الحديث، حلقة وسيطة بين الاستجابات التّكيفيّة الطبيعيّة والاستجابات المرضيّة غير المتكيفة. يشير Barlow (2020) إلى أنّ القلق يمثل “نظام إنذار بيولوجي ونفسي معرفي معقد” يهدف إلى حماية الفرد من الخطر، لكنّه يصبح مرضيًا عندما تتعطل آليّات الضبط الدّاخليّة، ويستمر الشّعور بالتّهديد على الرّغم من غياب الخطر الفعلي.

في علم النّفس الإكلينيكي الحديث، يُفهم القلق كحالة متعددة المستويات تشمل:

  • المستوى الفسيولوجي العصبي (neurophysiological): تفعيل الجهاز العصبي الذاتي وزيادة النّشاط في اللوزة الدِّماغيّة.
  • المستوى المعرفي الإدراكي (cognitive-appraisal): إدراك الموقف كخطر محتمل يفوق القدرة على المواجهة.
  • المستوى الانفعالي والسّلوكي (emotional-behavioral): الشّعور بالتوتر وتجنّب المثيرات المقلقة أو مواجهتها بشكل مفرط.

تصف منظمة الصّحة العالميّة (WHO, 2022) القلق الإكلينيكي بأنّه “نمط مستمر من الخوف والتّوجس يؤدي إلى اضطراب في الأداء الشّخصي والاجتماعي، ويرتبط غالبًا بخلل في دوائر الدّماغ المسؤولة عن المعالجة الانفعاليّة.”

ويُبرز هذا التّعريف الطّابع التّفاعلي للقلق، إذ يتشابك فيه العامل العصبي مع الإدراكي والاجتماعي.

  1. الأسس العصبيّة-النّفسية للقلق (Neuropsychological Foundations)

تقدّم الأبحاث العصبيّة الحديثة فهمًا عميقًا للبنية البيولوجية للقلق. فاللوزة الدِّماغيّة (Amygdala) تمثّل مركزًا محوريًّا لمعالجة الخوف، إذ تنشّط استجابة الجسم للخطر عبر محور HPA axis (Hypothalamic-Pituitary-Adrenal).

تُظهر دراسات LeDoux (2020) وPhelps et al. (2019) أنّ فرط نشاط اللوزة الدِّماغيّة مع ضعف التّنظيم من القشرة أمام الجبهيّة (Prefrontal Cortex) يؤدي إلى استمرار الإحساس بالتّهديد حتى بعد زوال المثير.

هذا الخلل العصبي يفسّر لماذا يعاني بعض الأفراد من فرط اليقظة والانتباه القهري للمخاطر، وهو أحد السّمات الأساسية للقلق الإكلينيكي.

من النّاحية الكيميائيّة العصبيّة، يرتبط القلق باضطراب في توازن النواقل العصبيّة:

  • السيروتونين (Serotonin): انخفاضه يرتبط بارتفاع القلق العام واضطراب المزاج.
  • النّورأدرينالين (Norepinephrine): فرط إفرازه يؤدي إلى فرط الاستثارة الجسديّة.
  • حمض الغاما أمينوبوتيريك (GABA): كبحه الناقص يؤدي إلى ضعف التّهدئة العصبيّة.

الكورتيزول: كمؤشر هرموني على فرط نشاط محور التّوتر.

تشير أبحاث Gray & McNaughton (2022) إلى وجود ما يسمى نظام تثبيط السّلوك (BIS)، وهو شبكة عصبيّة مسؤولة عن تقييم المخاطر والتّحكّم في الاستجابات الانفعاليّة، واضطرابه يؤدي إلى نزعة مزمنة للقلق.

هذه النتائج العصبيّة تدعم الرؤية الإكلينيكيّة الحديثة التي ترى القلق كاضطراب تنظيمي أكثر منه مجرد انفعال، أي أنّ جوهره هو خلل في قدرة الفرد على ضبط الاستثارة الدّاخليّة وإعادة التّوازن بين دوائر التّحفيز والتّثبيط العصبي.

  1. النّموذج الإكلينيكي الدينامي-النّفسي (Dynamic Clinical Model)

 

يُعدّ هذا النّموذج جسرًا بين الفكر التّحليلية الكلاسيكي والإكلينيكي الحديث، إذ يرى القلق كنتاجٍ لتفاعل الصّراعات الدّاخليّة مع أنماط التنظيم الانفعالي.

تصف Nancy McWilliams (2011) القلق بأنّه”emotional signal of psychic disorganization” أي إشارة انفعاليّة إلى اضطراب التّنظيم النّفسي.

فالقلق ليس مجرد عرض بل هو وظيفة دفاعيّة وإنذاريّة، تنبّه الذّات إلى خطر فقدان التّماسك أو السّيطرة.

في العيادات الإكلينيكيّة، يظهر القلق غالبًا كبوابة رئيسة نحو اضطرابات أخرى (اكتئاب، وسواس قهري، اضطرابات جسديّة الشكل)، مما يجعله محورًا تشخيصيًا في التّقييم النّفسي.

ويُستخدم في هذا السّياق مفهوم العتبة الإكلينيكيّة للقلق (Anxiety Threshold)، أي النّقطة التي يتحوّل عندها القلق من محفزٍ تكيفي إلى عائقٍ مرضي، وتتأثر هذه العتبة بعوامل وراثيّة وتجارب الطفولة والصّدمات النّفسيّة.

  • تعريف القلق من منظور المدارس النّفسيّة

المدرسة التّحليليّة: تتناول المدرسة التّحليليّة مفهوم القلق بوصفه ظاهرة نفسيّة عميقة الجذور، تعبّر عن صراع داخلي بين قوى النّفس الثلاث كما حدّدها فرويد: (الهوId) بما يحتويه من رغبات ودوافع غريزيّة لاواعية، والأنا الأعلى (superego) بما يمثّله من معايير وضوابط أخلاقيّة، والأنا (ego)  بوصفه الجهاز المنظّم الذي يسعى للتوفيق بينهما وبين متطلّبات الواقع. وفق هذا المنظور، ينشأ القلق عندما يشعر الأنا بتهديد داخلي أو خارجي يتجاوز قدرته على الضبط والسّيطرة، فيستجيب بتفعيل آليات دفاعيّة لحماية توازنه النّفسي.

فرّق فرويد بين ثلاثة أنماط رئيسة للقلق: القلق الواقعي الذي ينجم عن تهديدات موضوعيّة من العالم الخارجي، والقلق العصابي النّاتج عن صراع بين الأنا والهو نتيجة رغبات مكبوتة تهدّد بالظهور، والقلق الأخلاقي الذي ينشأ من صراع بين الأنا والأنا الأعلى بسبب الشّعور بالذّنب أو الخوف من العقاب الداخلي.

في الرؤية التّحليليّة الحديثة، كما عند كلّ منMcWilliams (2011)  و Westen (1999) ، يُنظر إلى القلق كإشارة داخليّة (signal anxiety)  تنبّه الأنا إلى خطر نفسي وشيك، وتدفعه إلى تفعيل آليات دفاعيّة (مثل الكبت، والإزاحة، والإسقاط، والتكوين العكسي) للحفاظ على تماسك الهُويّة النّفسية. ومن هذا المنطلق، لا يُعدّ القلق مجرّد عَرَض مرضي، بل هو وظيفة إنذاريّة تكيفيّة تحذّر النّفس من تفكّكها المحتمل تحت ضغط الصّراع اللاواعي. وهكذا، يُفهم القلق في المدرسة التّحليليّة كنتاجٍ لتفاعلٍ ديناميكي بين البُنى النّفسية والعمليات اللاواعية، وكعلامةٍ على توتّرٍ في التّنظيم الداخلي للشّخصيّة، يتفاوت ظهوره تبعًا لقدرة الأنا على المواجهة واستخدام الدّفاعات المناسبة للحفاظ على توازنه.

        المدرسة السّلوكيّة: تنظر المدرسة السّلوكيّة إلى القلق بوصفه استجابة متعلَّمة (learned response)  تكتسب من خلال عمليات التعلّم الشرطي الكلاسيكي (Classical Conditioning) أو الإجرائي(Operant Conditioning)، أكثر من كونه ظاهرة داخليّة ناتجة عن صراعات لاواعية كما في المنظور التّحليلية. فوفقًا لتجارب جون واطسون (Watson,1919) على الطفل “ألبرت الصّغير”، يتكوّن القلق عندما يقترن مثير محايد بمثير مؤلم أو مخيف، فيكتسب المثير المحايد قدرة على إثارة الاستجابة الانفعاليّة ذاتها، أي الخوف أو القلق، حتى في غياب المثير الأصلي.

لاحقًا، وسّع هورمان موروِر (Mowrer, 1947) هذا التّصوّر من خلال “نظرية العاملين” (Two-Factor Theory) التي أوضحت أنّ القلق يتعلّم في البداية عبر الإشراط الكلاسيكي، ثم يحافَظ عليه بواسطة الإشراط الإجرائي من خلال سلوكيّات التّجنّب، فالفرد الذي يتجنّب الموقف المثير للقلق يخفّف توتّره مؤقتًا، ما يعزّز هذا السلوك ويُبقي دائرة القلق مستمرة.

أمّا سكنر (Skinner, 1953)، فقد رأى أنّ القلق ليس كيانًا داخليًّا غامضًا، بل نمطًا من السلوك القابل للملاحظة، ينتج عن تاريخ من التّعزيز والعقاب. وبذلك ركّز السّلوكيون على تفسير القلق وظيفيًا في المثيرات السّابقة (Antecedents) والاستجابات (Responses) والنّتائج (Consequences) التي تضبط ظهوره واستمراره.

وفي التّطورات اللاحقة مع باندورا Bandura, 1977)) ونظرية التّعلم الاجتماعي، أضيف بعد الملاحظة والنّمذجة، إذ يمكن للفرد أن يكتسب استجابات القلق من خلال مشاهدة الآخرين في مواقف تهديديّة أو مؤلمة، من دون خوض التّجربة المباشرة بنفسه.

انطلاقًا من هذه الأسس، تعدُّ المدرسة السّلوكية القلق سلوكًا متعلَّمًا وقابلًا للتّعديل، وتبني استراتيجياتها العلاجيّة على إعادة التعلم من خلال أساليب الإطفاء Extinction))، والتعرّض المنظَّم (Exposure Therapy)، وإزالة التحسّس التّدريجيّة (Systematic Desensitization)، بهدف كسر دائرة التجنّب وإعادة ربط المثيرات المسببة للقلق باستجابات تكيفيّة أكثر واقعيّة.

وبهذا المنظور، فإنّ القلق ليس مجرد تجربة شعوريّة داخليّة، بل هو نتاج للتّفاعل بين البيئة والسّلوك، يُفهم ويُعالج من خلال تحليل أنماط التّعلم والتّعزيز التي تحافظ عليه أو تُضعفه.

 

      المدرسة المعرفيّة: تنظر المدرسة المعرفيّة إلى القلق على أنّه نتاج مباشر لطرائق التفكير غير الواقعيّة والتفسيرات المشوَّهة التي يعتمدها الفرد في إدراكه للأحداث والمواقف. فبحسب آرون بيك( Beck, 1976)، يتكوَّن القلق عندما تهيمن على الجهاز المعرفي للفرد مخططات فكريّة سلبيّة(  NegativeSchemas) تقوم بتضخيم التّهديد والتقليل من القدرة على المواجهة، فينشأ من خلالها نمط إدراكي يتميّز بالتّوقع الكارثي Catastrophic Thinking)) والانتباه الانتقائي نحو المثيرات المهدِّدة.

ويعرّف القلق هنا بأنّه استجابة معرفيّة-انفعاليّة للتقييم السلبي للموقف، إذ يدرك الفرد البيئة على أنّها تفوق قدرته على الضّبط والسيطرة، ما يثير سلسلة من الأفكار التلقائيّة السلبيّة والانفعالات المرافقة لها كالتّوتر والخوف. وفقًا لـ ألبرت إيليس) Ellis, 1962) في نظريته “العقلانيّة الانفعاليّة”، لا تنشأ الانفعالات المقلقة من الأحداث بحد ذاتها، بل من المعتقدات اللاعقلانيّة التي يكوّنها الفرد حول تلك الأحداث، مثل اعتقاد “يجب أن أكون دائمًا في أمان”، أو “إذا حدث خطأ، فلن أتحمّله”.

وفي النّموذج المعرفي المعاصر للقلق كما طوّره كلارك وبيك Clark & Beck, 2010))، يفهم القلق على أنّه نتاج تفاعل بين ثلاثة مستويات: العمليّات المعرفيّة التلقائيّة (كالانتباه الانتقائي)، والمخططات العميقة Core Beliefs))، وأنماط التفكير الاستنتاجيّة الخاطئة التي تؤدي إلى سوء تقدير احتماليّة الخطر أو شدّته. وتظهر الأبحاث العصبيّة الحديثة أنّ هذه العمليات ترتبط بفرط نشاط دوائر الانتباه المرتبطة باللوزة الدِّماغيّة والقشرة الجبهية الأماميّة، مما يربط النّموذج المعرفي بالبنى العصبيّة المفسّرة للقلق الإكلينيكي.

وبناء على هذا المنظور، يعدّ القلق قابلًا لإعادة البناء المعرفي عبر تعديل المعتقدات الجوهريّة، وإعادة تقييم الأفكار التّلقائيّة غير المنطقيّة من خلال العلاج المعرفي السّلوكي(CBT)، الذي يهدف إلى إعادة تنظيم أنماط التفكير وإضعاف التحيّزات الإدراكيّة المولّدة للقلق. وعليه، فإنّ المدرسة المعرفيّة ترى القلق ليس كاستجابة انفعاليّة غامضة، بل كنتاجٍ لتفاعلٍ بين الإدراك والتفسير، إذ تُحدِّد طريقة التفكير طبيعة الشّعور وحدّة التّوتر الذي يعيشه الفرد أمام التّهديدات الواقعيّة أو المتخيّلة.

تظهر المقارنة بين المدارس النّفسية في تفسير القلق فروقًا جوهريّة في مصدره وطبيعته. فالمدرسة التّحليليّة تعدُّه نتيجة صراعات لاواعية داخليّة، بينما ترى المدرسة السّلوكية أنه استجابة مكتسبة من البيئة والتّعلم، أمّا المدرسة المعرفيّة فتركزه على أنماط التفكير المشوهة كمحرك أساسي للقلق. ومن هنا، يتضح أنّ فهم القلق ومعالجته يختلف بحسب منظور كل مدرسة، مما يوفر للباحثين إطارًا متنوعًا لدراسة هذه الظاهرة النّفسية.

 

      القلق كحالة انفعالية وكسمة شخصية: القلق يُعد من الظواهر النّفسية المهمَّة التي يمكن دراستها من منظورين متكاملين، هما القلق كحالة انفعاليّة والقلق كسمة شخصية. وقد ميز الباحثون بين هذين المفهومين بناءً على طبيعة حدوث القلق وارتباطه بالمواقف أو بالشّخص نفسه. ويعكس هذا التّمييز فهمًا أعمق للدوافع الانفعالية للفرد وكيفية استجابته للضغوط المختلفة، وهو أمر أساسي في دراسة الصحة النّفسيّة والتّدخلات العلاجيّة.

أولًا: القلق كحالة انفعاليّة

يُعرَّف القلق كحالة مؤقتة تنشأ استجابةً لمواقف يراها الفرد مهددة أو ضاغطة، وتختلف شدَّتها حسب مستوى التّهديد المدرك في الموقف. وقد أشار كاتل (Cattell, 1974) إلى أنّ حالة القلق هي استجابة متغيرة تتأثر بالظروف الخارجيّة، بينما يمكن أن تختلف من شخص لآخر بحسب إدراكه للموقف. ويؤكد سبيلبرجر (Spielberger) أنّ القلق كحالة يعكس خبرة وقتيّة متغيرة يشعر بها الفرد في اللحظة الراهنة عند مواجهة موقف مهدد، وهو شعور عابر يختفي عند زوال الموقف المثير للقلق.

يتصف هذا النوع من القلق بالتّغير والزوال عند زوال الموقف المثير، ويظهر في مظاهر جسديّة وانفعاليّة مثل زيادة معدل نبض القلب، ارتفاع سرعة التّنفس، زيادة التوتر العضلي، الميل للشّعور بالذّنب، والانفعال العام. وتشبه حالة القلق في طبيعتها الطاقة الحركيّة في علم الفيزياء، فهي تنشط عند الحاجة وتزول بعد زوال المثير. كما أشارت هبة إبراهيم (1991) إلى أنّ هذه الحالة ترتبط بمستوى التّهديد المدرك، فكلما ارتفع مستوى الخطر، ازدادت شدة القلق.

ثانيًا: القلق كسمة شخصيّة

على عكس القلق كحالة، تشير سمة القلق إلى استعداد نسبي مستقر لدى الفرد للشّعور بالقلق في مختلف المواقف، سواء أكانت مهددة بشكل واضح أو أقل أهمّيّة. ويعكس هذا المفهوم الفروق الفرديّة بين الأشخاص، إذ يمتلك البعض استعدادًا أعلى للاستجابة بمستويات قلق مرتفعة، بينما يكون لدى آخرين ميل أقل نحو الشّعور بالتّهديد. وأوضح أتكنسون (Atkinson, 1964) أنّ سمة القلق تُعد نوعًا من الدّوافع التي تحدد ميل الفرد للاستجابة الانفعاليّة، بينما وصفها كامبل (Campbell, 1963) بأنّها استعدادات سلوكيّة مكتسبة تتشكل خلال الطفولة وتظل كامنة حتى تتوافر الظروف المثيرة لها.

يتسم الأفراد ذوو سمة القلق العالية بميول ثابتة للاستجابة لمواقف حياتيّة متنوعة بطريقة توحي بالتّهديد، كما تترافق هذه السّمة مع استجابات انفعاليّة وفسيولوجيّة متكررة، مثل زيادة النّقد الذّاتي، الانفعال الزائد، سرعة نبض القلب، انخفاض سرعة الحكم الإدراكي، زيادة القابليّة للضيق، والميل للموافقة بشكل مفرط. وتعدُّ هذه السّمة الأكثر ارتباطًا بالصّحة النّفسيّة للفرد، إذ إنّ القلق المزمن أو المرتبط بالشّخصيّة يمكن أن يكون مؤشرًا على الاضطرابات العصابية، وقد تتأثر هذه السمة بخبرات الطفولة والمثيرات الاجتماعيّة أثناء التنشئة.

التّمييز بين القلق كحالة وسمة

يمكن التمييز بين القلق كحالة وسمة من خلال عدة عناصر أساسية. أولها الطابع الزمني، فحالة القلق مؤقتة ومتغيرة، بينما سمة القلق دائمة نسبيًا ومستقرة عبر الزمن. ثانيها العلاقة بالمواقف، فحالة القلق مرتبطة بالظروف الخارجية والمواقف الطارئة، أما سمة القلق فهي متجذرة في الشّخصيّة وتظهر في مختلف المواقف. ثالثها شدة الاستجابة، فالأفراد ذوو سمة القلق المرتفعة يميلون إلى إظهار مستويات أعلى من حالة القلق مقارنة بأقرانهم ذوي السمة المنخفضة عند التعرض لنفس المواقف المثيرة للقلق.

كما يشير الباحثون إلى أن القلق كحالة وسمة يمكن مقاربتهما على غرار مفهوم الطاقة في علم الطبيعة، حيث تشبه حالة القلق الطاقة الحركية التي تنشط عند التعرض لمثير مناسب، بينما تشبه سمة القلق الطاقة الكامنة التي تحدد استعداد الفرد للاستجابة للضغوط المختلفة. ومن المتوقع أن يؤدي تعرض الأفراد ذوي السمة العالية لمواقف مهددة إلى زيادة مستويات حالة القلق لديهم مقارنة بمن يمتلكون سمة قلق منخفضة، ما يعكس تأثير السمات الشّخصيّة على الخبرة الانفعالية اللحظية.

أهمية التمييز بين الحالتين

يمثل فهم القلق كحالة وسمة أهمّيّة بالغة في التّطبيقات النّفسيّة والبحثيّة، إذ إنّ التّمييز بينهما يسهم في تصميم برامج العلاج النّفسي المناسبة، سواء أكانت لتخفيف حالة القلق المؤقتة أو لمعالجة السِّمات المزمنة المرتبطة بالصّحّة النّفسيّة. ويجب الانتباه إلى أنّ حالة القلق إذا تكررت أو لم يُتعامل معها بفعاليّة قد تتطور تدريجيًا لتصبح سمة شخصيّة، والعكس صحيح، إذ يمكن تقليل شدّة سمة القلق عبر برامج تدريبيّة وعلاجيّة مناسبة لتصبح ردود فعل انفعاليّة أكثر مرونة وتكيفًا.

بهذا الشّكل، يقدم القلق نموذجًا متكاملاً يربط بين الاستجابات الانفعاليّة المؤقتة والاستعدادات الشّخصيّة المستمرة، ما يعكس تعقيد التّجربة الإنسانيّة في مواجهة الضّغوط النّفسيّة المختلفة، ويؤكد ضرورة النّظر إليه من منظور مزدوج يدمج بين الطابع اللحظي والدّائم للخبرات الانفعاليّة، مع أخذ الفروق الفرديّة بالحسبان لتطوير تدخلات علاجيّة أكثر فعاليّة وشموليّة.

الفرق بين القلق الطبيعي والقلق المرضي

  1. تعريفان موجزان
  • القلق الطبيعي (Adaptive/normal anxiety): استجابة فسيولوجيّة ونفسيّة مؤقتة للخطر أو الضّغوط (مثل الامتحان، مقابلة عمل، موقف خطر). يساعد على اليقظة، التخطيط، وحمايّة الفرد من المخاطر. هذه الحالة تكون متناسبة مع المثير وتختفي عندما يزول الخطر.
  • القلق المرضي (Pathological anxiety / anxiety disorder): نمط من القلق يمتد ويزداد إلى درجة تتجاوز التّناسب مع المثير، يسبب معاناة واضطرابًا في الأداء اليومي، ويستوفي معايير تشخيصيّة محددة مثل DSM-5 . غالبًا ما يكون مستمرًا، صارخ التأثير على النوم والتركيز والعلاقات والعمل.
  1. الاختلافات الأساسيّة (مقارنة قصيرة)
  • المدة: القلق الطبيعي قصير المدى ويتحسن بعد زوال السبب؛ القلق المرضي يستمر ويعرض نفسه بشكل متكرر مثلًا: قلق عام مستمر لأكثر من 6 أشهر بحسب DSM-5.
  • الشدّة والتّناسب: القلق الطبيعي يتناسب مع شدّة الموقف؛ المرضي مبالغ فيه أو غير متناسب مع الخطر الحقيقي.
  • التأثير الوظيفي: القلق المرضي يعيق الأداء اليومي (عمل، مدرسة، علاقات) أمّا القلق الطبيعي فلا يصل عادة إلى هذا المستوى.
  • الأعراض المصاحبة: أعراض فسيولوجيّة قويّة (تسارع نبض، تعرّق، رعشة، أرق) وأعراض معرفيّة (تشتت، توقعات كارثية) أكثر شيوعًا ومستمرة في القلق المرضي.

آليات التنظيم الانفعالي والضبط الذاتي

يرى Fonagy & Bateman (2019) ضمن نظرية الذّهن (Mentalization Theory) أنّ القلق الإكلينيكي ينشأ عندما يفقد الفرد القدرة على فهم حالاته العقليّة أو تمثيل حالات الآخرين بشكل آمن، فيتحول الغموض إلى تهديد داخلي دائم.

كما توضح Linehan (2015) في العلاج السّلوكي الجدلي (DBT) أنّ القلق يرتبط بـ ضعف تحمل الضّغوط (Distress Tolerance)، أي قصور في مهارات تنظيم الانفعال، وهو ما يجعل الأمهات في البيئات الصّراعيّة عرضة لتفجّر القلق المزمن نتيجة الضغط المستمر.

– النّموذج التّطوري-الإكلينيكي (Developmental-Clinical Model) يربط المنظور التطوري بين مراحل النمو النّفسي وبناء تنظيم القلق لدى الفرد.

وفقًا لـ Bowlby (1988)، يتكوّن لدى الطفل من خلال التعلّق الآمن أساس داخلي لضبط التوتر. وعندما يتعرض الفرد في طفولته لحرمان أو فقدان أو خوف مزمن، يترسخ لديه نمط قلق ارتباطي (Anxious Attachment Pattern) يجعله أكثر عرضة للقلق في الرشد.

 

تؤكد أبحاث Mikulincer & Shaver (2016) أنّ أنماط التّعلق القلقة ترتبط مباشرة بارتفاع مؤشرات القلق العام واضطرابات الكرب ما بعد الصّدمة.

وهذا الجانب ذو أهمية خاصة في دراسة الأمهات بعد الحرب، إذ قد تُعيد الصّدمات الجماعيّة تنشيط خبرات فقدان سابقة، فيتضاعف القلق على الأبناء بوصفه تعويضًا لاشعوريًا عن فقدان الأمان المبكر.

من جهة أخرى، يشير Siegel (2020) إلى أنّ الدّماغ النامي لدى الأطفال الذين عاشوا في بيئات صراعيّة يُظهر فرطًا في نشاط اللوزة الدِّماغيّة ونقصًا في نمو القشرة الجبهيّة، ما يزيد من قابليّة القلق عند الكبر.

هذه النتائج تؤكّد أن القلق الإكلينيكي لا يمكن فصله عن المسار التطوري للنضج الانفعالي.

-النّموذج البيولوجي-المعرفي (Biopsychocognitive Model) يُعدّ هذا النّموذج من أكثر المقاربات الإكلينيكية المعاصرة تكاملًا.

يرى Clark & Beck (2010) أنّ القلق ينتج عن تفاعل بين ضعف الضبط العصبي والانحيازات المعرفيّة السّلبيّة.

فعندما يواجه الفرد حدثًا مهدّدًا، يُفعّل الدّماغ “نظام الإنذار”، لكن التّفكير الكارثي (Catastrophic Thinking) يمنع التّهدئة الطبيعيّة ويغذي استمراريّة التّوتر.

تشير نتائج Etkin et al. (2021) إلى أن الأشخاص الذين يعانون اضطراب القلق العام يظهر لديهم خلل في التواصل بين اللوزة الدِّماغيّة والقشرة الحزاميّة الأماميّة (Anterior Cingulate Cortex)، ما يعيق إخماد استجابة الخوف. هذا التّرابط بين الآليات العصبيّة والمعرفيّة يفسر لماذا تستمر الأعراض حتى بعد زوال السّبب الظاهري.

وتعتمد الممارسة الإكلينيكيّة الحديثة على هذا الفهم في تصميم برامج العلاج المعرفي السّلوكي (CBT)، إذ يتمّ تدريب المريض على إعادة تقييم التهديدات وتعديل الأفكار التلقائية من خلال إعادة بناء معرفي منظم.

تُظهر مراجعة Hofmann et al. (2022) أنّ CBT يحقق انخفاضًا بنسبة تفوق 60% في درجات القلق على مقياس هاملتون بعد 12 جلسة علاجيّة، مما يثبت توافق هذا المنظور مع الأسس الإكلينيكيّة القياسيّة.

القلق في السياقات الاجتماعيّة والبيئيّة

لم يعد القلق في المنظور الإكلينيكي الحديث يُفهم كاضطراب فردي فقط، بل كاستجابة سياقيّة متجذرة في البيئة الاجتماعيّة والسياسيّة.

تشير دراسات Miller & Rasmussen (2017) حول الصّحة النّفسيّة في مناطق النّزاع إلى أنّ التعرض المزمن للعنف يولّد ما يُعرف بـ “القلق الوجودي” (Existential Anxiety) المرتبط بفقدان الإحساس بالأمان والمعنى.

وفي دراسات لبنانية محليّة بعد حرب 2006 (Abi-Habib et al., 2019)، لوحظ أنّ الأمهات المقيمات في مناطق متضررة أظهرن معدلات أعلى من الأعراض الجسديّة والنّفسية المرتبطة بالقلق مقارنة بالمناطق الآمنة.

يفسّر الباحثون ذلك بآليتين:

  • استمرار فرط اليقظة العصبيّة الناتج عن الذاكرة الصّدميّة.
  • تنشيط أنماط معرفية تتعلق بالخطر المستقبلي (خوف من تجدد الحرب أو فقدان الأبناء).

هذه المعطيات تؤكد أن القلق الإكلينيكي لا يمكن فصله عن البيئة الاجتماعيّة والسياسيّة والثقافيّة، وأنّ العوامل الخارجيّة تساهم في إعادة تشكيل الجهاز الانفعالي الداخلي.

  1. القلق بوصفه بُنية متعددة الأبعاد (Multidimensional Construct)

يتضح من التّحليل السّابق، أنّ القلق الإكلينيكي يتجاوز كونه انفعالاً بسيطًا ليصبح بنية مركّبة تتفاعل فيها عناصر عصبيّة، معرفيّة، سلوكيّة، اجتماعيّة، وثقافيّة.

تصف American Psychiatric Association (2022) القلق بأنّه “an adaptive emotion that can become maladaptive when its regulation fails” — أي انفعال تكيفي يمكن أن يتحول إلى اضطراب عندما تفشل آليات التنظيم.

وتُقسّم الأدبيات الحديثة مستويات القلق الإكلينيكي إلى ثلاث طبقات متداخلة:

  • القلق الظرفي (Situational Anxiety): مرتبط بموقف محدد، مؤقت.
  • القلق البنيوي (Structural Anxiety): مرتبط بنمط الشّخصيّة والتنظيم الداخلي.
  • القلق المزمن (Chronic Anxiety): ناتج عن تكرار الفشل في التكيف، ويؤدي إلى اضطرابات سريريّة محددة (GAD، Panic، PTSD…).

وفي السّياق الميداني، تمثل هذه المستويات ثلاثة محاور للتقييم عند استخدام أدوات مثل مقياس هاملتون للقلق (HAM-A)، إذ يتيح التمييز بين القلق النّفسي والجسدي وتقدير شدتهما في الممارسة الإكلينيكيّة.

  1. نحو تكامل إكلينيكي شامل

 

يرى الاتجاه الإكلينيكي المعاصر (على غرار نموذج biopsychosocial) أنّ القلق لا يمكن تفسيره إلا من خلال تضافر ثلاثة أنظمة:

  1. البيولوجي: النّواقل العصبيّة، الدوائر الدِّماغيّة.
  2. النّفسي: الصّراعات، الدّفاعات، نمط التفكير.
  3. الاجتماعي: الضّغوط، الدعم الأسري، الصّدمات الجماعيّة.

ويُعدّ هذا النّموذج حجر الأساس في العلاج النّفسي الحديث، لأنّه يربط بين التنظيم الداخلي للفرد والظروف الخارجيّة المولّدة للتوتر.

في حالات الأمهات بعد الحرب، يتفاعل المحور الثلاثي بوضوح:

  1. محور بيولوجي يتمثل في فرط استثارة الجهاز العصبي الذاتي.
  2. محور نفسي يتضمن الشعور بالعجز والذنب.
  3. محور اجتماعي يتمثل في فقدان الأمان والدّعم.

هذا الدّمج الإكلينيكي يوفر فهمًا علميًّا شاملاً للقلق كخبرة إنسانيّة ذات جذور بيولوجيّة وتجلّيات اجتماعيّة وثقافيّة.

من المنظور الإكلينيكي الحديث، يمكن تعريف القلق بأنّه منظومة تكامليّة من الاستثارة العصبيّة والانفعال المعرفي والسّلوك الدفاعي، تنشأ استجابةً للتهديد وتتحول إلى اضطراب حين تفشل أنظمة الضّبط الذاتي.

وتُظهر الأدلة العصبيّة والنّفسيّة أنّ القلق ليس مجرد انفعال، بل آلية تكيف معقدة يمكن أن تُختطف من الصّدمات المزمنة لتصبح مصدرًا للخلل الوظيفي.

في سياق الأمهات بعد الحرب، يمثل القلق الإكلينيكي نموذجًا لتفاعل العوامل العصبيّة والنّفسية والاجتماعيّة في إنتاج اضطراب نفسي مركّب، تُعبّر عنه الأعراض الجسدية والمعرفيّة والانفعالية التي يقيسها مقياس هاملتون.

وبذلك يشكّل هذا الإطار الإكلينيكي الأساس لفهم الجذور الدّيناميّة والتّحليليّة التي سنناقشها في الجزء الثاني.

التّمييز المفاهيمي بين القلق والاضطرابات القلقيّة

يُعدّ القلق من أقدم الانفعالات وأوسعها والتي تناولها علم النّفس الإكلينيكي بالدّراسة والتحليل، إذ يحتل موقعًا فاصلًا بين الانفعال الطبيعي الموجّه للتكيّف وبين الاضطراب المرضي الذي يعيق الأداء. فليس كل قلق مرضًا، كما أنّ انعدامه الكامل ليس دليلًا على الصّحّة النّفسيّة. إنّ التّمييز الدّقيق بين القلق بوصفه ظاهرة نفسيّة عامة والقلق كاضطراب إكلينيكي محدّد يشكّل مدخلًا أساسيًّا لأيّ دراسة تسعى إلى قياس شدّته أو تفسير فروقه بين الأفراد، خصوصًا في البيئات المأزومة كحِقب ما بعد الحروب.

 

من المنظور الإكلينيكي، يُعرَّف القلق الطبيعي بأنّه استجابة انفعاليّة تكيفيّة لمثيرات داخليّة أو خارجيّة تُنذر بخطر أو فقدان محتمل، إذ يُسهم في رفع مستوى اليقظة وتنشيط الدّوافع الدفاعيّة والحفاظ على البقاء. فهو طاقة إنذارية تُحفّز الكائن على الاستعداد والتّخطيط والتجنّب، وتُعدّ ضروريّة لتنظيم السّلوك في المواقف التي تتطلب انتباهًا واستجابة. أمّا عندما يتجاوز القلق حدوده الوظيفيّة ويتحول إلى حالة مزمنة غير متناسبة مع الموقف، فيفقد طابعه التكيفي ويصبح اضطرابًا مرضيًا ينعكس في أعراض نفسيّة وجسديّة ثابتة. هنا ينتقل القلق من كونه “انفعالًا مساعدًا” إلى “انفعالٍ معطِّل”، تتقلّص فيه المرونة الإدراكيّة وتُختل فيه القدرة على ضبط الانتباه والعاطفة.

يُبيّن الدّليل التّشخيصي والإحصائي الخامس للاضطرابات النّفسيّة (DSM-5, 2013) أنّ اضطرابات القلق (Anxiety Disorders) تشكّل مجموعة متمايزة من الاضطرابات التي تتقاطع في سمة أساسيّة هي الخوف المفرط والقلق المستمر، لكنّها تختلف في موضوع القلق وفي النّمط السّلوكي المصاحب له. وتشمل هذه المجموعة اضطراب القلق العام (GAD)، واضطراب الهلع (Panic Disorder)، والرّهاب الاجتماعي (Social Anxiety Disorder)، والرّهاب النّوعي (Specific Phobia)، واضطراب القلق الانفصالي (Separation Anxiety Disorder)، إضافة إلى اضطراب القلق الناتج عن الأدويّة أو الحالات الطبيّة. وتُستبعَد من هذه الفئة اضطرابات الكرب التالية للصدمة (PTSD) واضطرابات الوسواس القهري (OCD) على الرّغم من اشتراكها في مظاهر القلق، لأنّ لكلٍّ منها بنية معرفيّة وانفعاليّة مختلفة.

الاختلاف الجوهري بين القلق الطبيعي والاضطرابات القلقيّة يكمن في درجة السيطرة الذاتيّة والقدرة على التّنظيم الانفعالي. ففي القلق الطبيعي، يحتفظ الفرد بقدرته على إدراك منطق الموقف والتّمييز بين الخطر الواقعي والمُتخيَّل، بينما في الاضطراب القلقي تتسع الفجوة بين المثير الخارجي والتّقدير المعرفي له، فيُفسَّر الحدث المحايد كتهديد خطير. كما يتسم القلق المرضي بخصائص فيزيولوجيّة واضحة كارتفاع معدل ضربات القلب وضغط الدّم، واضطرابات التنفس والنوم، وتشنجات العضلات، وهي مظاهر تنعكس مباشرة على القياس في أدوات مثل مقياس هاميلتون للقلق (HAM-A) الذي يجمع بين الملاحظة السّلوكية والأعراض الجسديّة.

ويُضاف إلى هذا التمييز بعدٌ زمنيٌّ آخر، إذ يكون القلق الطبيعي مؤقتًا ومحدود المدى يزول بزوال الموقف الضاغط، بينما الاضطرابات القلقيّة مزمنة أو متكررة، وتؤثر في جوانب الأداء الشّخصي والاجتماعي والمهني. وغالبًا ما يرافقها شعور بالعجز وضعف السيطرة، ما يجعلها قابلة لأن تُقاس كمّيًّا وتُعالج سريريًا. أمّا القلق الطبيعي، فلا يُقاس في “شدته” بقدر ما يُقدّر بوظيفته التّكيفيّة، أي بقدرته على توجيه السّلوك نحو التكيّف أو الوقاية.

ومن منظور علم النّفس التّحليلية، عدَّ فرويد القلق إشارةً داخليةً إلى صراع بين الدّوافع والرّغبات اللاواعية وبين سلطة الأنا الأعلى أو الواقع، بينما فسّرته المدرسة السّلوكية كاستجابة متعلَّمة لمحفّزات مشروطة بالخطر، وعدّته المدرسة المعرفيّة نتاجًا لتشوّه إدراكي يجعل الفرد يضخّم التّهديدات أو يقلّل من كفاءته الذاتيّة على مواجهتها. على الرّغم من اختلاف المقاربات، تتقاطع جميعها في الإقرار بأنّ القلق ظاهرة طيفيّة تتدرج من الطبيعي إلى المرضي عبر سلسلة متصلة، لا عبر قطيعة تامة.

وعلى هذا الأساس، تُصبح مهمة الباحث الإكلينيكي هي تحديد موضع الفرد على هذا الطيف بدقّة منهجيّة، وهو ما يبرّر اللجوء إلى مقاييس معياريّة كـ HAM-A التي تسمح بتقدير شدّة العرض من دون إصدار حكم تشخيصي. فالمقياس لا يُعنى بتحديد نوع الاضطراب القلقي، بل بقياس الكمّ الكلي للضيق القلقي الذي يعيشه الفرد، سواء أكان ذلك جزءًا من اضطراب محدّد أم حالة قلق ظرفيّة مرتبطة بالضغوط الحياتيّة أو الصّدمات.

إنّ فهم القلق كظاهرة متصلة، لا كتصنيف منفصل، يُعدّ خطوة حاسمة لفهم نتائجه النّفسيّة في البيئات ما بعد النزاع، إذ تتداخل الاستجابات الطبيعيّة للخطر مع الأعراض المرضيّة المزمنة. فالأم التي تخشى على أطفالها أثناء القصف قد تُظهر قلقًا تكيفيًا، لكن استمرار هذا القلق بعد انتهاء التّهديد وتحوله إلى توتر دائم واضطرابات نوم هو ما يضعها في منطقة القلق المرضي القابل للقياس والمعالجة. وبالتالي، فإنّ اختيار أدوات كمية لقياس شدة القلق، مثل مقياس هاملتون، لا يهدف إلى اختزال التّجربة الإنسانيّة في أرقام، بل إلى تحديد النّقطة التي يتجاوز فيها القلقُ حدّه الوقائي إلى مستوى الإعاقة النّفسية والاجتماعيّة.

وهكذا، يوفّر هذا التمييز المفاهيمي بين القلق الطبيعي واضطراب القلق قاعدة نظريّة صلبة تسبق أي تحليل للعوامل المفسّرة أو تطبيق للأدوات الإكلينيكيّة، إذ يُعيد تحديد مفهوم القلق من انفعال غامض إلى متغيّر نفسي قابل للقياس والتفسير ضمن الإطار العلمي للبحث.

المدرسة السّلوكية والمعرفيّة في دراسة القلق

يمثل القلق أحد أبرز المفاهيم التي شكّلت محور الاهتمام في التّيارات النّفسية التّجريبيّة، وبخاصة المدرسة السّلوكية ثم المدرسة المعرفيّة التي تطورت عنها لاحقًا.

على خلاف المدرسة التّحليليّة التي فسّرت القلق في ضوء الصّراعات اللاواعية، ركز السّلوكيون والمعرفيون على السّلوك القابل للملاحظة والعمليّات الذهنيّة المصاحبة له.

وقد مكّن هذا التحوّل من إدخال القلق في دائرة الدّراسة التّجريبيّة والقياس الإكلينيكي، مما أسّس لاحقًا لتطوير برامج العلاج السّلوكي والمعرفي-السّلوكي (CBT).

يقول Bandura (1977): “Human anxiety is learned and maintained through observation, conditioning, and expectation.”

أي: “القلق الإنساني يُكتسب ويُحافَظ عليه من خلال الملاحظة، والاشتراط، والتوقع”.

  1. المدرسة السّلوكية: القلق كاستجابة متعلّمة

أ. المفهوم العام: تنظر المدرسة السّلوكية إلى القلق بوصفه استجابة انفعاليّة متعلَّمة (Learned Emotional Response)، تنشأ عبر عمليات الإشراط الكلاسيكي والإشراط الإجرائي.

ففي تجربة واطسون الشهيرة على “ألبرت الصّغير” (1919)، أُقترن صوت عالٍ مخيف مع ظهور فأر أبيض محايد، فكوّن الطفل خوفًا مكتسبًا من الفأر حتى في غياب الصّوت. من هنا، استنتج واطسون أن القلق والخوف يمكن اكتسابهما من البيئة وليس بالضرورة أن يكونا فطريين.

ب. نظرية العاملين لهورمان موروِر (Two-Factor Theory – Mowrer, 1947)

قدّمت هذه النظرية تفسيرًا متكاملًا لتكوّن القلق واستمراره:

المرحلة الأولى: يتعلّم الفرد الخوف من الموقف عبر الإشراط الكلاسيكي.

المرحلة الثانية: يحافظ على الخوف من خلال الإشراط الإجرائي؛ فالتجنّب من الموقف يقلّل التوتر مؤقتًا، مما يعزز السلوك التجنّبي عبر آلية التعزيز السلبي.

 

في هذا السّياق، يصبح القلق نظامًا مغلقًا يعيد إنتاج ذاته: كلما تجنّب الفرد الموقف، ازداد القلق رسوخًا.

يُظهر ذلك بوضوح في حالات القلق ما بعد الحرب، فتتجنّب الأمهات المثيرات التي تذكّرهن بالقصف أو فقدان الأبناء، مما يُبقي دائرة الخوف نشطة.

ج. النّموذج السّلوكي في العلاج: أسّس هذا الفهم لولادة العلاج السّلوكي التّجريبي الذي يسعى إلى كسر دائرة التجنّب من خلال:

  • التعرّض المنظَّم (Systematic Exposure): مواجهة المثير تدريجيًا.
  • إزالة التحسّس التّدريجيّة (Systematic Desensitization): الجمع بين الاسترخاء والمثير المقلق لتقليل الاستجابة الشرطيّة.
  • التّعزيز الإيجابي للسلوك التكيفي.

 

تُظهر الدّراسات الإكلينيكيّة (Craske et al., 2014) فعاليّة هذه الأساليب في خفض أعراض القلق العام والرهاب بنسبة تتجاوز 70%، مما جعلها من ركائز العلاج المعاصر.

  1. المدرسة المعرفيّة: القلق كنتيجة لخلل في معالجة المعلومات

أ. الجذور النّظريّة: ظهرت المدرسة المعرفيّة في الستينيات ردًا على محدوديّة التّفسير السّلوكي.

فقد رأى Aaron T. Beck (1976) أن القلق لا ينتج فقط من المثيرات الخارجية، بل من طريقة تفسير الفرد لتلك المثيرات.

أمّا Albert Ellis (1962) فطرح نظريته “العقلانيّة الانفعاليّة” (Rational-Emotive Theory) مؤكدًا أنّ الانفعالات السّلبيّة تنشأ من المعتقدات اللاعقلانيّة (Irrational Beliefs)، وليس من الأحداث نفسها.

ب. النّموذج المعرفي للقلق (Cognitive Model of Anxiety) يرتكز هذا النموذج على فرضية أن الأفراد القلقين:

  1. يبالغون في تقدير احتماليّة الخطر.
  2. يقلّلون من قدرتهم على المواجهة.
  3. يستخدمون الانتباه الانتقائي نحو المثيرات المهدِّدة.

يقول Clark & Beck (2010): “Anxiety results from the interaction of distorted perceptions of threat and underestimation of coping ability.”

أي: “ينشأ القلق من تفاعل الإدراك المشوَّه للتهديد مع التّقليل من القدرة على المواجهة.”

ج. العمليات المعرفيّة المسببة للقلق

  1. الأفكار التلقائيّة السّلبيّة (Automatic Negative Thoughts).
  2. التّفكير الكارثي (Catastrophic Thinking).
  3. التّحيز الانتباهي نحو الخطر (Attentional Bias).

وقد أثبتت تجارب Mathews & MacLeod (2005) أنّ تدريب الأفراد على تعديل الانتباه نحو المثيرات المحايدة يقلل من مستويات القلق.

د. المكوّنات العصبيّة المعرفيّة

أظهرت دراسات Etkin et al. (2021) أنّ القلق يرتبط بضعف التّواصل بين اللوزة الدِّماغيّة (Amygdala) والقشرة الجبهيّة الأماميّة (Prefrontal Cortex)، وهي المنطقة المسؤولة عن التقييم المنطقي.

وبالتالي، يتداخل العامل العصبي مع المعرفي ليشكّل حلقة تغذية راجعة:

زيادة التّهديد الإدراكي → تفعيل اللوزة الدِّماغيّة → إضعاف السّيطرة المعرفيّة → مزيد من التهديد.

  1. الدّمج المعرفي-السّلوكي (Cognitive Behavioral Integration)

أ. التّأسيس النّظري: يندمج المنهجان السّلوكي والمعرفي في نموذج العلاج المعرفي السّلوكي (CBT) الذي أسّسه بيك وإيليس وطوّره لاحقًا Meichenbaum وBeck & Clark.

يُعرَّف CBT بأنه تدخّل علاجي يستند إلى فكرة أن تعديل التفكير يغيّر السّلوك والانفعال معًا.

ب. المبادئ الأساسيّة للعلاج المعرفي السّلوكي

  • التعرّف إلى الأفكار المشوَّهة.
  • اختبار صحة الأفكار عبر الأدلة الواقعيّة.
  • استبدالها بمعتقدات أكثر تكيّفًا.
  • تطبيق سلوكيّات جديدة تعزّز التعلّم التصحيحي.

في معالجة القلق، يهدف CBT إلى:

  • إضعاف الروابط الشّرطيّة القديمة بين المثير والخوف.
  • إعادة هيكلة الأفكار التّلقائيّة التي تثير التوتر.
  • تعزيز الإحساس بالتّحكم الذاتي.

ج. الأدلة الإكلينيكيّة: أثبتت مراجعات Hofmann et al. (2012, 2022) فعاليّة CBT في علاج اضطرابات القلق المعمم (GAD) والرهاب واضطراب الهلع، مشيرة إلى تحسّن متوسط مقداره 60–70% على مقاييس القلق (مثل HAM-A وBAI).

كما بيّنت دراسات Cuijpers et al. (2020) أنّ الدّمج بين التّعرض السّلوكي وإعادة البناء المعرفي يعطي نتائج علاجيّة تفوق أي عنصر بمفرده.

  1. التّفسير السّلوكي-المعرفي للقلق في سياق ما بعد الحرب

في البيئات ما بعد الحرب، يتفاعل القلق مع خبرات الصّدمة والمثيرات البيئيّة المكثفة.

من منظور سلوكي، تُعزّز الصّدمة سلوكيّات التجنّب (كالابتعاد من الأماكن المفتوحة أو الأصوات العالية) التي تمنع انطفاء الاستجابة الخائفة.

ومن منظور معرفي، تؤدي الخبرات الصّدميّة إلى تكوّن معتقدات غير واقعية مثل:

  • “الخطر دائم.”
  • “لا يمكنني حماية أطفالي.”
  • “كل صوت يعني قصفًا قادمًا.”

تعيد هذه المعتقدات تنشيط الاستجابات الفسيولوجيّة للقلق حتى بعد انتهاء التّهديد الفعلي.

في هذا الإطار، يوفّر العلاج المعرفي السّلوكي للصدمة (Trauma-Focused CBT)، كما وصفته Cohen et al. (2017)، منهجًا فعّالًا لتفكيك الارتباط بين المنبّه الصدمي والاستجابة الانفعاليّة، من خلال إعادة المعنى وتنشيط السيطرة المعرفيّة.

  1. مقارنة تركيبيّة بين السّلوكيّة والمعرفيّة
البعد المقارن المدرسة السّلوكية المدرسة المعرفيّة
المنطلق النّظري السّلوك المتعلّم والتعزيز التفكير والتفسير الذاتي
طبيعة القلق استجابة شرطية قابلة للتعديل ناتج عن إدراك مشوَّه للتهديد
دور الفرد سلبي في التعلم الشرطي نشط في بناء المعنى
العلاج تعرّض، إزالة تحسّس، تعديل السلوك إعادة بناء الأفكار والمعتقدات
أدوات التقييم الملاحظة، السّلوكيات القابلة للقياس المقاييس الذاتية والمعرفيّة
الهدف العلاجي كسر حلقة التجنّب تصحيح التفكير غير الواقعي
  1. تكامل السّلوكيّة والمعرفيّة في النموذج الإكلينيكي الحديث

أصبح القلق اليوم يُفهَم ضمن نموذج تكاملي يدمج بين:

  1. العوامل السّلوكية (أنماط التجنّب والتعزيز).
  2. العوامل المعرفيّة (التفكير الكارثي والتقييم الذاتي).
  3. العوامل البيولوجيّة (فرط نشاط اللوزة الدِّماغيّة).

وهو ما يعبّر عنه Barlow (2020) في نموذج “Triple Vulnerability Model” الذي يربط القلق بثلاثة مصادر هشاشة:

بيولوجيّة عامة (قابليّة عصبيّة).

نفسيّة عامة (إحساس ضعيف بالتحكم).

نفسيّة نوعيّة (تعلّم مواقف محددة كمصادر خطر).

بهذا الشكل، تشكّل المدرسة السّلوكيّة والمعرفيّة الركيزة التّجريبيّة التي ساعدت على فهم القلق كظاهرة قابلة للقياس والتدخل، وأرست الأساس للربط بين النّظريّة والعلاج في الممارسة الإكلينيكيّة.

خاتمة الجزء الثاني

قدّمت المدرسة السّلوكية والمعرفيّة انتقالًا حاسمًا في تاريخ دراسة القلق، من الطابع اللاواعي الغامض إلى التّحليل العلمي القابل للملاحظة والتعديل.

ومن خلال الدّمج بين السّلوك والفكر، بات القلق يُفهَم كنتاج تفاعل بين المثيرات البيئيّة والتقييمات المعرفيّة، يمكن قياسه وإعادة بنائه.

وفي سياق الأمهات بعد الحرب، يقدّم هذا الإطار أدوات تفسير عمليّة لفهم كيف تتحوّل الذّكريات الصّدميّة إلى استجابات شرطيّة ومعتقدات مهدِّدة، وكيف يمكن عبر برامج العلاج المعرفي السّلوكي استعادة الشعور بالتّحكم والأمان.

  1. تمهيد: الجذور التّحليليّة لفهم القلق

يُعَدّ المنظور التّحليلية النّفسي من أقدم الاتجاهات التي تناولت القلق كظاهرة مركزيّة في البناء النّفسي. فمنذ أعمال فرويد (1926) في كتابه Inhibitions, Symptoms and Anxiety، تبلور فهم القلق بوصفه إشارة داخليّة (Signal Anxiety) تدل على صراع بين قوى النّفس الثلاث: الهو، والأنا، والأنا الأعلى.

وقد شكّل هذا التّصور أحد الأعمدة النّظريّة التي لا تزال تؤثر في فهم القلق في الممارسة الإكلينيكيّة حتى اليوم، على الرّغم من التّطورات العصبيّة والمعرفيّة اللاحقة.

يُعدُّ القلق في المنظور التّحليلي نتاجًا لصراع داخلي بين الرّغبة والحظر، بين الدّافع والضّمير، وبين الغرائز والواقع. ومن هنا، فالمصدر الأعمق للقلق ليس الخطر الخارجي كما ترى المدارس السّلوكيّة، بل التّهديد الدّاخلي للنظام النّفسي ذاته.

  1. القلق عند فرويد: من الصّراع إلى الإشارة التّحذيريّة

رأى فرويد في البداية (1895–1905) أنّ القلق ينشأ نتيجة الكبت الجنسي غير المصروف (Sexual Repression)، فكان القلق برأيه ناتجًا عن تراكم طاقة الليبيدو المكبوتة.

لكنّه عدّل موقفه لاحقًا، معتبرًا القلق إشارة إنذاريّة تصدرها الأنا عندما تشعر بتهديد داخلي أو خارجي يتجاوز قدرتها على الضبط.

كتب فرويد: “Anxiety is a signal of danger that mobilizes the ego to take defensive action.” أي: “القلق إشارة خطر تُفعِّل الأنا لتتخذ إجراءات دفاعيّة.”

في هذا النموذج، يصبح القلق وظيفة تكيفيّة ذات طابع تحذيري. إلّا أنّ تكراره أو فشله في أداء هذه الوظيفة يؤدي إلى ظهور الاضطرابات العصابيّة (Neuroses).

أنواع القلق الثلاثة في نظر فرويد:

  • القلق الواقعي (Realistic Anxiety): استجابة لخطر خارجي فعلي.
  • القلق العصابي (Neurotic Anxiety): ينتج عن تهديد داخلي من رغبات الهو المكبوتة التي تخشى الأنا ظهورها.
  • القلق الأخلاقي (Moral Anxiety): ينشأ من صراع بين الأنا والأنا الأعلى بسبب الشعور بالذنب أو الخوف من العقاب الدّاخلي.

في الحالات الإكلينيكيّة المرتبطة بالحرب، يظهر هذا النوع الثالث بشكل واضح لدى الأمهات، إذ تختبر كثيرات قلقًا أخلاقيًّا مرتبطًا بإحساس عميق بالذنب لنجاتهن أو لعجزهن عن حماية أبنائهن، وهو ما تصفه Judith Herman (1997) بـ “الذّنب الصدمي” (Traumatic Guilt).

  1. آليات الدّفاع ودورها في تنظيم القلق: يرى التّحليل النّفسي أنّ القلق لا يمكن فصله عن آليات الدّفاع النّفسي (Defense Mechanisms) التي تستخدمها الأنا للحفاظ على توازنها.

تُعدّ آنا فرويد (1936) من أوائل من صنّف هذه الآليات، ودرستها إكلينيكيًا في كتابها The Ego and the Mechanisms of Defense.

تقول: “القلق هو المحرك الأول لكل دفاع نفسي، إذ يهدف الدفاع إلى تقليل القلق أو منعه من الوصول إلى الوعي.”

من أبرز آليات الدّفاع التي تُلاحظ في الحالات القلقة:

  • الكبت (Repression): إقصاء الأفكار المهدِّدة إلى اللاوعي.
  • الإسقاط (Projection): نسب مشاعر الخوف أو الذنب إلى الآخرين.
  • الإزاحة (Displacement): نقل القلق من موضوع أصلي إلى آخر أقل تهديدًا.

التّكوين العكسي (Reaction Formation): إظهار سلوك معاكس للمشاعر الدّاخليّة (مثلًا، المبالغة في الحماية لإخفاء الخوف).

  • الإنكار (Denial): رفض الاعتراف بوجود التهديد.

هذه الدّفاعات تُستخدم بدرجات متفاوتة عند الأمهات المتأثرات بالحرب؛ فالكثيرات قد يلجأن إلى الإنكار أو الإزاحة لتجنّب مواجهة الذكريات المؤلمة المرتبطة بالقصف أو الفقدان.

ومن هنا، يصبح القلق ليس عرضًا معزولًا، بل نقطة توازن بين وعي الأنا ومحاولاتها الدائمة لحماية الذات من الانهيار.

  1. التّحليل النّفسي المعاصر: من فرويد إلى مكويليامز

مع تطور التّحليل النّفسي، لم يعد القلق يُفسَّر فقط بوصفه صراعًا غريزيًا، بل أصبح يُفهم ضمن مفهوم التّنظيم الذاتي (Self-Regulation) والوظائف الدّفاعيّة المتقدمة.

ترى Nancy McWilliams (2011) في كتابها Psychoanalytic Diagnosis أنّ القلق “علامة على توتر التنظيم الدّاخلي للشّخصيّة، ومؤشر على حدود قدرة الأنا على الاحتواء”.

وتشير إلى أن الأنماط الشّخصيّة (مثل القلقية، الوسواسية، الحدّية) تختلف في طريقة اختبارها وتنظيمها للقلق.

أمّا Westen (1999) فقد ربط القلق بمفهوم الهُويّة النّفسيّة (Psychic Identity)، معتبرًا أنّه ينتج عندما يُهدَّد تماسك الهُويّة بسبب صراع داخلي أو فقدان السّيطرة على الدّوافع.

ووفقًا له، فكل اضطراب نفسي هو محاولة من الذات لإعادة بناء نظام المعنى الذي تعرّض للاهتزاز بفعل القلق.

من منظور التّحليل النّفسي الحديث، القلق ليس فقط استجابة خطر، بل إشارة لتفتت البنيّة النّفسية أو ضعف التكامل الدّاخلي.

وتزداد أهمّية هذا الطرح في الحالات الصّدميّة الجماعيّة، إذ تفقد النّفس الإحساس بالاتساق بسبب التهديد المستمر، كما في حالات الأمهات في البيئات ما بعد الحرب.

  1. القلق من منظور علم نفس الأنا (Ego Psychology): قدّمت مدرسة “علم نفس الأنا” (Ego Psychology) بقيادة Heinz Hartmann وAnna Freud تصورًا أكثر توازنًا بين الصراع والتّكيف.

فالأنا هنا ليست مجرد ضحيّة بين الهو والأنا الأعلى، بل كيان دينامي قادر على التكيف مع الواقع.

يرى Hartmann (1958) أنّ القلق يظهر عندما تُرهق الأنا في محاولتها المتواصلة للتوفيق بين المطالب الداخلية والخارجية، وخاصة عندما ينهار “الحيّز الحر من الصّراع” (Conflict-Free Sphere).

هذا المنظور يفسّر الحالات التي يتعرض فيها الأفراد لضغوط مفرطة تتجاوز قدرتهم على التّنظيم، مثل الأمهات اللواتي يواجهن بعد الحرب تحديات متعددة الأبعاد (الفقد، انعدام الأمان، المسؤوليّات الزائدة).

تُظهر دراسات حديثة (Solms, 2021) أنّ القلق في هذه الحالات يعكس انهيار قدرة الأنا على التنظيم وليس فقط نشاط الدّوافع اللاواعية.

  1. القلق في نظرية العلاقات الموضوعيّة (Object Relations Theory)

مع تحوّل التّحليل النّفسي من التركيز على الغرائز إلى التركيز على العلاقات المبكرة، أصبحت نظريّة العلاقات الموضوعيّة إطارًا تفسيريًّا مهمًّا لفهم القلق.

تؤكد Melanie Klein (1948) أنّ القلق هو “الانفعال الأولي النّاتج عن الصّراع بين الحب والعدوان تجاه الموضوع الأمومي”.

وترى أنّ الطفل في مراحله الأولى يختبر قلق الاضطهاد (Paranoid Anxiety) نتيجة خوفه من تدمير الموضوع (الأم)، ثم يتطور لاحقًا إلى قلق الفقدان (Depressive Anxiety).

 

هذه المراحل المبكرة تترك بصمتها في التّنظيم النّفسي اللاحق.

في حالات الأمهات بعد الحرب، يمكن أن يعاد تفعيل هذه الأنماط البدائية من القلق:

  • فالتجربة الصّدمّية تعيد إحياء قلق الفقدان تجاه الأبناء.
  • والبيئة المهدِّدة تثير قلق الاضطهاد تجاه العالم الخارجي الذي يُنظر إليه كمصدر خطر دائم.

تشير Fairbairn (1952) إلى أنّ القلق هنا يتولد من العلاقة بالموضوع الدّاخلي وليس من الدافع بحد ذاته، أي من الصور الذهنية للأشخاص التي تمثّل مصادر الأمان أو التّهديد داخل النّفس.

  1. مدرسة علم نفس الذات (Self Psychology): قدّم Heinz Kohut (1971) منظورًا مختلفًا، إذ رأى أنّ القلق ينشأ عندما تتعرّض بنية الذّات (Self-Structure) لتهديد في تماسّها مع “موضوعات الذّات” (Self-Objects) التي توفر الإحساس بالقيمة والاستقرار.

في حال فقدان الدعم الانعكاسي أو التّعاطف، يشعر الفرد بـ “قلق التفكك” (Fragmentation Anxiety) أي الخوف من الانهيار وفقدان الإحساس بالتماسك الداخلي.

هذا النّمط من القلق واضح في الحالات الصّدميّة إذ تفقد الأم شعورها بالقدرة والجدوى بعد الحرب. إنّ فقدان الأبناء أو الشّريك أو المأوى يمكن أن يُحدث “انكسارًا في مرآة الذات”، وفق تعبير كوهوت، مما يثير قلقًا عميقًا متّصلًا بالهُويّة والكرامة الإنسانيّة. وقد أوضحت Stolorow & Atwood (2018) أنّ معالجة هذا القلق تتطلب علاقة علاجيّة متعاطفة تُرمّم الشّعور بالاتصال الإنساني المفقود.

  1. القلق في التّحليل النّفسي المعاصر (Post-Freudian and Lacanian Approaches)

أ. التحليل النّفسي ما بعد الفرويدي

قدّم Wilfred Bion (1962) تصورًا فريدًا، إذ رأى القلق بوصفه “مادة خام نفسيّة” تنتج عن فشل عمليّة التفكير. عندما يعجز العقل عن تحويل الانفعال الخام إلى رموز قابلة للفهم، يتحوّل القلق إلى تجربة مدمّرة.

في الحالات الصّدميّة، يكون حجم الانفعال أكبر من قدرة الأنا على احتوائه، فيحدث ما يسميه “catastrophic anxiety” أي القلق الكارثي.

ب. المنظور اللاكاني (Jacques Lacan): يرى Lacan (1962) أنّ القلق ليس ناتجًا عن فقدان الشيء بل عن اقتراب الذات من الحقيقة المهدِّدة. في عبارته الشّهيرة: “Anxiety is not without an object” أي “القلق ليس بلا موضوع”.

فالقلق عند لاكان يكشف لحظة انكشاف الذات أمام “الآخر” حين يتصدّع الحجاب الرّمزي الذي يفصل الذات عن الواقع. وفي سياق الحرب، يمكن القول إنّ القلق الذي تعيشه الأمهات لا ينبع فقط من الخوف من القصف، بل من مواجهة الحقيقة العاريّة للموت والعجز واللايقين.

  1. القلق كمنظومة دينامية متغيرة: من خلال المقارنة بين المدارس التّحليليّة المختلفة، يتضح أنّ القلق في التّحليل النّفسي:
  • يتجاوز المفهوم المرضي ليصبح جزءًا بنيويًّا من التّجربة الإنسانيّة.
  • يمثل إشارة تحذيريّة للأنا عند اختلال التّوازن الداخلي.
  • يتجلّى بأشكال مختلفة تبعًا لمستوى نضج الشّخصيّة وآليات الدّفاع.

– يصف McWilliams (2011) القلق بأنّه “الضريبة التي يدفعها الإنسان لقاء وعيه الذاتي”، أي أنّه لازمٌ للحياة النّفسيّة، لكنه قد يتحول إلى معاناة مرضية عند فشل الأنا في التّنظيم.

  1. تطبيق المنظور التّحليلي في فهم القلق لدى الأمهات بعد الحرب

في ضوء هذا الإطار، يمكن تفسير القلق لدى الأمهات في المناطق المتأثرة بالحرب كظاهرة ديناميّة متعددة المستويات:

قلق أخلاقي: شعور بالذّنب تجاه النّجاة أو فقدان الأبناء.

قلق عصابي: ناتج عن عودة محتويات لاواعية (صور، أصوات، ذكريات) لم تُعالج.

قلق تفككي: ناجم عن تهديد تماسك الهُويّة الأنثويّة والأموميّة.

قلق موضوعي-علاقتي: نتيجة فقدان موضوعات الحب والأمان (المنزل، الشّريك، الطفل).

في الممارسة العلاجيّة، يتطلب هذا النّوع من القلق علاجًا تحليليًا متدرجًا يركّز على إعادة بناء القدرة على الاحتواء (Containment) وتفعيل وظيفة التفكير.

وتؤكد Herman (1997) أنّ التعافي من الصّدمة يبدأ حين يُستعاد الإحساس بالسيطرة والمعنى، أي عندما يتحول القلق من تجربة غامرة إلى تجربة مفهومة.

11.

البعد المقارن المنظور الإكلينيكي المنظور التّحليلي
المصدر الأساسي للقلق خلل في التنظيم العصبي-المعرفي صراع داخلي بين مكونات النّفس
وظيفة القلق إنذار تكيفي وتنظيم فسيولوجي إشارة دفاعيّة وإنذارية للأنا
محور التفسير بيولوجي ومعرفي وسلوكي دينامي نفسي ولاواعي
الاستجابة العلاجية CBT، تقنيات التنظيم الذاتي التحليل النّفسي، العلاج بالكلام
التوجه الزمني الحاضر والتكيف الراهن الماضي وبنى اللاوعي
المآل في سياق الحرب اضطراب قلق عام، PTSD قلق أخلاقي، قلق تفككي

هذه المقارنة تبيّن أن المنظور التّحليلي يفسّر البعد الوجودي والمعنوي للقلق، بينما يركّز الإكلينيكي على الآليات القابلة للقياس والمعالجة السّلوكيّة. التكامل بينهما يقدّم فهمًا أعمق لتجربة القلق في السّياقات الصّدميّة.

  1. خاتمة الجزء الثالث: يمكن القول إنّ القلق في التّحليل النّفسي ليس مجرد عرض، بل هو لغة النّفس حين تعجز عن القول.إنّه التّعبير الأعمق عن الصّراع بين الحاجة إلى الأمان والرّغبة في الحريّة، بين الذّاكرة والواقع، وبين الرّغبة في الحياة والخوف من الفقد. وفي التّجربة اللبنانيّة لما بعد الحرب، يتجلى هذا القلق في أشدّ صوره الإنسانيّة: قلق الأم التي ترى في كل صوت احتمال خطر، وفي كل غياب صورة فقدان.

من خلال الدّمج بين المنظور التّحليلي والإكلينيكي، يصبح القلق نافذة تشخيصيّة لفهم كيف يتفاعل الجسد والوعي واللاوعي في مواجهة الصّدمات الجماعيّة، وكيف يمكن للممارسة النّفسيّة الحديثة أن توفّر إطارًا علاجيًّا يُعيد للذات قدرتها على الاحتواء، وللحياة معناها بعد الانكسار.

الجزء الرابع: نحو نموذج تفسيري تكاملي للقلق لدى الأمهات بعد الحرب

  1. مدخل تكاملي: الحاجة إلى مقاربة متعددة الأبعاد

يشكّل القلق في سياقات ما بعد الحرب نموذجًا فريدًا لتداخل المستويات النّفسيّة والبيولوجيّة والاجتماعيّة.

فالأمهات اللاتي عشن تجارب القصف أو الفقد أو النزوح لا يُظهرن أعراضًا نفسية بسيطة بل منظومة معقّدة تتقاطع فيها الاستثارة العصبيّة، التحيّزات المعرفيّة، الصّراعات اللاواعيّة، والضّغوط الاجتماعيّة.

تُظهر الأبحاث الحديثة (Hobfoll et al., 2016; Silove, 2020) أنّ الصّدمات الجماعيّة تخلق حالة من “القلق الوجودي” المستمر الذي لا يرتبط بحدث محدد بل بإحساس شامل بانهيار الأمان.

لذلك لا تكفي أي مدرسة نفسيّة بمفردها لتفسير الظاهرة، بل يستلزم الأمر نموذجًا تكامليًا (Integrative Model) يجمع بين المنظور الإكلينيكي العصبي، والسّلوكي-المعرفي، والتّحليلي الدّينامي.

  1. المحور الأول: المنظور الإكلينيكي العصبي

يركّز المنظور الإكلينيكي العصبي على أنّ القلق في حالات ما بعد الصّدمة مرتبط بفرط نشاط دائرة الخوف الممتدة من اللوزة الدِّماغيّة إلى القشرة الجبهيّة الأماميّة.

تُظهر دراسات التّصوير الدّماغي (Etkin et al., 2021; LeDoux, 2020) أنّ الأمهات اللواتي شهدن القصف يمتلكن نشاطًا أعلى في اللوزة مع انخفاض في تنظيمها من قبل الفص الجبهي، مما يفسّر فرط اليقظة (Hypervigilance) وصعوبة إخماد الاستجابة الخائفة حتى بعد انتهاء الحرب.

إضافة إلى ذلك، يؤدي اضطراب محور HPA وزيادة إفراز الكورتيزول إلى خلل في النوم والوظائف المعرفيّة، وهو ما يظهر إكلينيكيًا في أعراض مثل الأرق، التهيّج، وتشتّت الانتباه.

ويعني هذا أن القلق لدى هذه الفئة ليس مجرد تجربة انفعالية بل حالة فسيولوجية مستمرة من الاستثارة العصبيّة.

  1. المحور الثاني: المنظور السّلوكي-المعرفي

من المنظور السّلوكي، تتطور استجابات القلق عبر التعلّم الشرطي، إذ ترتبط المثيرات البيئيّة (أصوات، أماكن، روائح) بتجربة الخطر الأصليّة.

تؤدي هذه الارتباطات إلى تكوين سلوكيّات تجنّبية تُبقي القلق نشطًا.

من المنظور المعرفي، تتعزّز دائرة القلق بفعل المعتقدات غير الواقعية مثل:

  • “الخطر لا ينتهي”،
  • “أنا مسؤولة عن كل ما يحدث لأبنائي”،
  • “إذا هدأت، سأفقد السيطرة”. هذه المعتقدات تولّد التفكير الكارثي (catastrophic thinking) وتبقي الجهاز العصبي في حالة استنفار دائم.

يشير Clark & Beck (2010) إلى أنّ القلق يستمر عندما يُفسَّر الموقف تفسيرًا مهدِّدًا على الرّغم من غياب التّهديد الواقعي.

بناءً على هذا، يمكن للمعالجة المعرفيّة السّلوكية (CBT) أن تؤدي دورًا أساسيًا في كسر الحلقة عبر:

  • إعادة بناء المعتقدات غير الواقعيّة.
  • التعرّض التدريجي للمثيرات الآمنة.
  • تعليم مهارات التنظيم الانفعالي.

وتبيّن دراسات Cohen et al. (2017) فعالية نموذج CBT الموجّه للصّدمة (TF-CBT) في تقليل أعراض القلق لدى الأمهات في مناطق النزاع بنسبة تتجاوز 50%.

  1. 4. المحور الثالث: المنظور التّحليلي النّفسي

يقدّم التّحليل النّفسي فهمًا أعمق للجانب اللاواعي من القلق، إذ يرى أن الصّدمة الحربيّة تعيد تنشيط صراعات داخليّة قديمة مرتبطة بالخوف من الفقد والذّنب والعجز.

تشير Herman (1997) إلى أنّ الصّدمة “تفتح فجوة بين الماضي والحاضر، فيتكرّر الخوف القديم في شكل قلق مزمن”.

وبذلك يمكن فهم القلق لدى الأمهات المتأثرات بالحرب بوصفه إعادة تمثيل لاواعية لفقدٍ أصلي (طفولة، أم، مأوى) ينعكس في شكل خوف مفرط على الأبناء أو شعور دائم بالذنب تجاه النجاة.

كما يمكن تفسير هذا القلق وفق نموذج Kohut (1971) بأنه قلق تفككي (Fragmentation Anxiety)، ينشأ حين تتعرض بنية الذات لتهديد في تماسها مع “موضوعات الذات” (الأبناء، العائلة، الوطن).

فالانهيار الخارجي (القصف، التهجير) يتحوّل داخليًا إلى تهديد لتماسك الهُويّة الأموميّة، مما يولّد شعورًا وجوديًا بفقدان المعنى والسيطرة.

  1. التّكامل النظري: نحو نموذج بيولوجي–نفسي–اجتماعي–دينامي

من خلال الدمج بين المحاور الثلاثة، يتضح أن القلق لدى الأمهات في مرحلة ما بعد الحرب هو نتاج تفاعل معقّد بين أربعة مستويات متشابكة:

البعد المقارن المدرسة السّلوكيّة المدرسة المعرفيّة
المنطلق النظري السلوك المتعلّم والتعزيز التفكير والتفسير الذاتي
طبيعة القلق استجابة شرطية قابلة للتعديل ناتج عن إدراك مشوَّه للتهديد
دور الفرد سلبي في التعلم الشرطي نشط في بناء المعنى
العلاج تعرّض، إزالة تحسّس، تعديل السلوك إعادة بناء الأفكار والمعتقدات
أدوات التقييم الملاحظة، السّلوكيات القابلة للقياس المقاييس الذاتية والمعرفيّة
الهدف العلاجي كسر حلقة التجنّب تصحيح التفكير غير الواقعي

يمثّل هذا النّموذج ترجمة عملية لمبدأ التكامل في علم النّفس الإكلينيكي الذي يرى أنّ فهم الظواهر النّفسيّة يتطلب جمع المعطيات العصبيّة، السّلوكيّة، المعرفيّة، والرّمزيّة.

  1. تطبيق النّموذج على مقياس هاملتون للقلق (HAM-A): يرتبط مقياس هاملتون للقلق ارتباطًا مباشرًا بهذا الإطار التكاملي؛ إذ يقيس بُعدين أساسيين يعكسان محاور النّموذج:

– القلق النّفسي (Psychic Anxiety): يعكس المكونات المعرفيّة والتّحليليّة (الخوف، التوجّس، التوتر، الشعور بالذنب).

– القلق الجسدي (Somatic Anxiety): يعكس المكون البيولوجي والسّلوكي (الأعراض الجسديّة، التّعرّق، تسارع النّبض، الارتجاف).

يمكن من خلال تحليل نتائج المقياس بين المناطق الآمنة والمتأثرة بالقصف اختبار فروق مستويات القلق على المستويين النّفسي والجسدي، مما يتيح تفسيرًا علميًا لكيفيّة تفاعل العوامل الدّاخلية والخارجيّة بعد الحرب.

  1. الأبعاد الثقافيّة والاجتماعيّة في القلق بعد الحرب: لا يمكن فصل القلق عن الإطار الثقافي والاجتماعي.

تتحمل الأم في المجتمعات العربيّة، وخصوصًا في لبنان، دورًا مزدوجًا: الحامي النّفسي للأسرة والركيزة العاطفية للتماسك الأسري.

يشير Karam et al. (2019) إلى أنّ الأمهات اللبنانيّات في البيئات المتأثرة بالصّراع أظهرن ارتفاعًا في مؤشرات القلق والذنب، مقرونًا بارتفاع مستوى المسؤوليّة الشّعوريّة تجاه الأبناء.

تُبرز هذه المعطيات بعدًا مهمًا هو القلق الأخلاقي الاجتماعي، أي القلق الناتج عن الفجوة بين ما تتصوره الأم من واجبات مثاليّة وبين حدود قدرتها الواقعية في بيئة مهدّدة.

وهذا النّوع من القلق يتفاعل مع الأنماط التّحليليّة (الشّعور بالذنب، كبت العدوان) ويغذّي دوائر التوتر العصبي والمعرفي.

  1. الخلاصة: القلق كمنظومة إنسانية تكامليّة: يمكن تلخيص النموذج التكاملي المقترح على النّحو الآتي:

القلق لدى الأمهات بعد الحرب هو منظومة تفاعليّة تتكوّن من استثارة عصبيّة بيولوجيّة، مدعومة بانحيازات معرفيّة وتصورات تهديد، مغذاة بصراعات نفسيّة لاواعية، ومقوّاة بضغوط اجتماعيّة وثقافيّة متواصلة.

يترجم هذا التّعريف فلسفة علم النّفس الحديث التي ترى الاضطراب النّفسي كنتاج خلل في التنظيم الكلّي للذات لا كمجرد عرض. وبالتالي فإنّ التّدخل العلاجي الفعّال يجب أن يجمع بين:

  • العلاج النّفسي التّحليلي لإعادة بناء المعنى والهُويّة.
  • العلاج المعرفي السّلوكي لتعديل التفكير والسّلوك التجنّبي.
  • العلاج الداعم والإرشاد الأسري لإعادة بناء الأمن الاجتماعي.

-التّدخلات البيولوجيّة عند الضرورة لضبط الاستثارة العصبيّة: يبيّن التكامل بين المدارس النّفسيّة أنّ القلق ليس ظاهرة أحاديّة البعد، بل لغة متعدّدة المستويات تعبّر عن هشاشة الوجود الإنساني أمام الخطر وفقدان الأمان.

إنّ فهم القلق لدى الأمهات بعد الحرب يتطلّب قراءة تجمع بين الجسد والعقل والرمز والمجتمع، فيُنظر إلى المعاناة النّفسية لا كعجز، بل كنداء لإعادة التّوازن بين الدّاخل والخارج.

 

ومن هنا تنبع أهمّيّة البحث الأكاديمي القائم على تحليل فروق مستويات القلق وفق مقياس هاملتون، ليس فقط لاختبار الفرضيات الإحصائيّة، بل لتقديم قراءة علمية-إنسانية متكاملة تضيء على أثر الحرب في البنية النّفسية للأم اللبنانية، وتفتح المجال أمام سياسات رعاية ودعم نفسي أكثر حساسية للسياق الثقافي والاجتماعي.

 

  • الإطار التّطبيقي للدّراسة: مقارنة وصفيّة لقلق الأمهات في المناطق التي تعرضت للقصف والمناطق الآمنة خلال مدّة الحرب

إن الدّراسة  هدفت الى قياس مستوى القلق النّفسي لدى الأمهات في المناطق المتأثرة بالقصف⸲ مقارنة مستويات القلق بين الأمهات في المناطق المتضررة والمناطق غير المتضررة ⸲ بالاضافة الى تحليل العوامل المرتبطة بزيادة القلق (مثل فقدان السكن، الخوف على الأطفال، فقدان الأحبة).

إنّ الدّراسة هي وصفيّة مقارنة تعتمد على نتائج مقياس هاملتون للقلق

تتألف العينة من مجموعتين:

  • المجموعة الأولى: أمهات من مناطق تعرضت للقصف (الجنوب، البقاع، طرابلس).
  • المجموعة الثانية: أمهات من مناطق لم تتعرض للقصف (كسروان، جبل لبنان، بيروت).

أداة القياس

  • مقياس القلق العام (مثل GAD-7 أو مقياس بيك للقلق).
  • استبيان معلومات ديموغرافية (العمر، عدد الأطفال، الوضع الاقتصادي، مستوى التعليم).

طريقة جمع البيانات

  • مقابلات مباشرة ومقياس هاملتون للقلق.
  • ضمان السّريّة والخصوصيّة.

التّحليل الإحصائي

  • استخدام المتوسطات والانحراف المعياري لمستوى القلق في كل مجموعة.
  • اختبار T للمقارنة بين المجموعتين.
  • تحليل النتائج

3-2 تحليل الفرضية والنتائج

التوزيع الجغرافي للامهات ومستوى القلق لدى الأمهات في لبنان

في ظل الأزمات المتلاحقة التي عصفت بلبنان، يظهر أنّ قلق الأمهات يتفاوت بشكل ملحوظ حسب المنطقة الأصليّة للسكن قبل الحرب. تشير نتائج الاستبيان إلى أنّ النسبة الأكبر من المشاركين ينحدرون من الضاحية الجنوبيّة (31.8%) وجنوب لبنان (25.9%)، وهما منطقتان تأثرتا بشكل مباشر بالصّراعات المسلحة والاضطرابات الأمنية، ما يفسر ارتفاع مستويات القلق لدى الأمهات هناك. فالتّجارب السّابقة مع النزوح، فقدان الأحبة، وانعدام الاستقرار، تركت آثاراً نفسيّة عميقة، خاصة على الأمهات اللواتي يتحملن عبء حماية الأسرة وسط ظروف غير آمنة.

في المقابل، المناطق مثل جبل لبنان (17.3%) ومحافظة بيروت وكسروان، على الرّغم من أنّها لم تكن في قلب النّزاعات بالحدّة نفسها، إلّا أنّ الأمهات فيها يواجهن قلقًا من نوع مختلف، مرتبط أكثر بالأزمات الاقتصاديّة، انهيار الخدمات، وتراجع فرص التّعليم والرّعاية الصّحيّة. هذا النّوع من القلق يتجلى في الخوف من المستقبل، من فقدان القدرة على تأمين حياة كريمة للأطفال، ومن العجز عن الهجرة أو إيجاد بدائل.

أمّا المناطق مثل البقاع والشّمال، فتواجه تحديات مزدوجة: من جهة، التّهميش التّنموي المزمن، ومن جهة أخرى، تداعيات الحرب التي زادت من هشاشة البنية الاجتماعيّة. الأمهات في هذه المناطق غالبًا ما يشعرن بأنهن في سباق مع الزمن لتأمين الحدّ الأدنى من الأمان لأسرهن، وسط غياب الدّعم المؤسسي.

مستوى القلق النّفسي لدى الأمهات حسب النتائج

تحليل النتائج عن قلق الأمهات

تشير نتائج الاستبيان إلى أنّ نسبة كبيرة من الأمهات يعانين من مستويات متفاوتة من القلق النّفسي، يتجلى ذلك في أعراض الحزن، صعوبة التّركيز، وانعدام القدرة على الاستمتاع بالأنشطة اليوميّة.

  • اللون الأحمر أعراض متوسطة (42.9%) النّسبة الأكبر من الأمهات يعانين من أعراض متوسطة، ما يدل على وجود ضغط نفسي مستمر يؤثر على حياتهن اليوميّة. هذا النوع من القلق غالبًا ما يرتبط بمخاوف تتعلق بالأمان، المستقبل، وتوفير الاحتياجات الأساسيّة للأطفال.
  • أعراض خفيفة (27.5%) هذه الفئة تعاني من توتر متقطع، قد يكون مرتبطًا بتحديات الحياة اليوميّة مثل الغلاء المعيشي أو ضعف الخدمات، لكنّها لا تصل إلى مرحلة التأثير العميق على الأداء الوظيفي أو العائلي.
  • أعراض شديدة (10.3%) و شديدة جداً (5.1%) هذه النسب، على الرّغم من أنّها أقل، إلّا أنّها مقلقة جدًا. الأمهات في هذه الفئة قد يكنّ عرضة لانهيارات نفسيّة أو اكتئاب حاد، ويحتجن إلى دعم نفسي عاجل، سواء من الأسرة أو من مؤسسات الرّعاية.
  • اللون الأزرق لا يوجد أعراض (14.2%) أقليّة من الأمهات لا يعانين من أي أعراض، ما قد يعكس وجود عوامل حماية مثل الاستقرار الأسري، الدّعم الاجتماعي، أو القدرة على التّكيف.

مستوى التوتر النّفسي لدى الأمهات حسب النتائج

في النّتائج

  • أعراض متوسطة (34%) النسبة الأعلى من المشاركات أبلغن عن أعراض متوسطة، ما يعكس وجود قلق واضح لكنّه لا يصل إلى مرحلة الانهيار. هذا النّوع من القلق غالبًا ما يرتبط بالخوف من الألم، من المضاعفات الصّحيّة، أو من المسؤوليات الجديدة بعد الولادة.
  • أعراض خفيفة (33.8%) هذه الفئة تعاني من توتر بسيط، ربما ناتج عن تغيرات جسديّة أو نفسيّة طبيعية خلال الحمل، لكنَّها لا تؤثر بشكل كبير على الاستعداد للولادة.
  • أعراض شديدة (14%) و شديدة جداً (3%) هذه النسب، على الرّغم من أنّها أقلّ، إلّا أنّها تستدعي الانتباه. الأمهات في هذه الفئة قد يكنّ عرضة لنوبات هلع، اكتئاب ما قبل الولادة، أو صعوبة في التّواصل مع المحيط. الدّعم النّفسي هنا ليس رفاهية، بل ضرورة.
  • لا توجد أعراض (15.2%) أقليّة من الأمهات لا يشعرن بأي توتر، ما قد يدل على وجود شبكة دعم قوية، خبرة سابقة في الولادة، أو استعداد نفسي جيد.

الخوف والقلق الاجتماعي والمستقبلي لدى الأمهات

 

تشير نتائج الاستبيان إلى أنّ مشاعر الخوف والقلق، خصوصًا تلك المرتبطة بالمستقبل والمواقف الاجتماعيّة، منتشرة بشكل واسع بين الأمهات، ما يعكس واقعًا نفسيًا هشًا في ظل الظروف الصّعبة التي تمر بها البلاد. إليك تحليلًا مفصلًا:

  • أعراض خفيفة (28%) النسبة الأكبر من الأمهات يعانين من قلق خفيف، وهو مؤشر على وجود توتر مستمر، لكنّه لا يصل إلى مرحلة التأثير العميق على الأداء اليومي. هذا النّوع من القلق غالبًا ما يرتبط بعدم اليقين الاقتصادي، أو الخوف من فقدان الاستقرار الأُسري.
  • أعاني أحيانًا (19.7%) هذه الفئة تعاني من مشاعر متقطعة من القلق، قد تظهر في مواقف اجتماعيّة أو عند التفكير بالمستقبل، لكنها لا تكون دائمة أو مزمنة.
  • أعراض شديدة (17.4%)، متوسطة (17.4%)، ولا توجد أعراض (17.4%) من اللافت أنّ هذه الفئات الثلاث متساوية في النسبة، ما يعكس تباينًا واضحًا في التجربة النّفسيّة بين الأمهات. فبينما تعاني بعضهن من قلق شديد قد يؤثر على علاقاتهن الاجتماعيّة أو قدرتهن على اتخاذ قرارات، هناك أخريات لا يشعرن بأي أعراض، ربما بسبب وجود دعم نفسي أو اجتماعي فعّال.

تأثير التفكير المفرط على النوم لدى الأمهات

تشير نتائج الاستبيان إلى أنّ التفكير المفرط خلال النّهار يؤثر بشكل واضح على جودة النّوم لدى الأمهات، وهو مؤشر مهم على وجود ضغط نفسي مستمر.

  • لا يوجد أي تأثير (36.6%) أكثر من ثلث الأمهات لا يشعرن بتأثير التفكير على نومهن، ما قد يدل على قدرة جيدة على تنظيم المشاعر أو وجود بيئة داعمة تساعد على الاسترخاء.
  • أثره بسيط (27.5%) هذه الفئة تعاني من اضطرابات طفيفة في النوم، مثل صعوبة في الاستغراق أو الاستيقاظ المتقطع، لكنها لا تصل إلى مرحلة الأرق المزمن.
  • أثره متوسط (22.1%) أكثر من خمس المشاركات يعانين من تأثير متوسط، ما يعني أن التّفكير يؤثر بوضوح على نمط النوم، وقد يؤدي إلى التّعب خلال النّهار أو ضعف التركيز.
  • أثره شديد (10.3%) و 🟣 شديد جداً (3.4%) هذه النسب، على الرّغم من أنّها أقلّ، إلّا أنّها تعكس حالات حرجة من الأرق المرتبط بالقلق، وقد تكون مؤشرًا على اضطرابات نفسيّة أعمق مثل القلق العام أو الاكتئاب.

التركيز والذاكرة: مؤشرات على الضغط النّفسي لدى الأمهات

تشير نتائج الاستبيان إلى أنّ نسبة كبيرة من الأمهات يعانين من صعوبات في التّركيز وتراجع في الذّاكرة، ما ينعكس على حالتهن النّفسية ويزيد من شعورهن بالقلق والانشغال الذّهني.

  • أعاني شديدة (31.3%) النّسبة الأعلى من المشاركات أبلغن عن معاناة شديدة، ما يدل على وجود ضغط نفسي كبير يؤثر على الوظائف الإدراكيّة مثل التركيز والتذكّر. هذه الأعراض قد تكون مرتبطة بالإرهاق الذّهني، القلق المزمن، أو حتى اضطرابات ما بعد الصّدمة.
  • أعاني متوسطة (29.2%) هذه الفئة تعاني من تراجع ملحوظ في الأداء الذّهني، لكنّه لا يصل إلى مرحلة الانهيار. غالبًا ما يكون نتيجة تراكم المسؤوليّات، قلّة النّوم، أو التّفكير المستمر في المستقبل والمشاكل اليوميّة.
  • أعاني أحيانًا فقط (16.8%) هذه النسبة تعكس وجود اضطرابات متقطعة، تظهر في حِقب التّوتر أو الإرهاق، لكنّها لا تكون دائمة.
  • لا أجد صعوبة (12.5%) أقلّيّة من الأمهات لا يعانين من أي صعوبة، ما قد يدل على وجود توازن نفسي جيد، أو قدرة على تنظيم الضّغوط اليوميّة.
  • أعاني خفيفة (7%) و شديدة جدًا (3.2%) النسب المتطرفة تعكس التّفاوت في التّجربة النّفسيّة: من جهة، من يعانين بشكل طفيف، ومن جهة أخرى، من يعانين من أعراض حادة قد تؤثر على حياتهن اليومية بشكل كبير.

الانفعالات الجسدية المرتبطة بالمشاعر النّفسية لدى الأمهات

تشير نتائج الاستبيان إلى أنّ الأمهات في لبنان يعانين من مستويات متفاوتة من التّعب الجسدي المرتبط بالمشاعر النّفسية، خصوصًا في شكل انقباضات أو ثقل في الصّدر أو المعدة عند الشّعور العاطفي الدّاخلي. هذا النوع من الأعراض الجسديّة يُعد مؤشرًا مهمًا على الضغط النّفسي المكبوت.

  • أشعر بشدة (29.5%) النّسبة الأعلى من الأمهات يشعرن بانفعالات جسديّة قويّة عند التعرض لمشاعر داخلية، ما يدل على وجود توتر نفسي عميق يتجلى جسديًا. هذا النّوع من الأعراض غالبًا ما يرتبط بالقلق، الحزن، أو الخوف، ويؤثر على الراحة الجسديّة والنّفسيّة.
  • لا أجد أي شعور (22.9%) هذه الفئة لا تشعر بأي أعراض جسديّة، ما قد يدل على قدرة على ضبط المشاعر أو على إنكار داخلي للانفعالات، وهو أمر قد يكون إيجابيًا أو سلبيًا حسب السِّياق النّفسي العام.
  • شعر بثقل (22.6%) هذه النسبة تعكس وجود ضغط داخلي متوسط، يظهر في شكل انقباضات أو ضيق في التنفس، وقد يكون مرتبطًا بمواقف عاطفية أو اجتماعية ضاغطة.
  • أشعر بخفة (16.6%) هذه الفئة تشعر بانفعالات جسديّة خفيفة، ما يدل على وجود استجابة جسديّة للمشاعر لكنّها لا تصل إلى مرحلة الإزعاج أو التّأثير الكبير.
  • أشعر بشدة شديدة (8.4%) هذه النسبة، على الرّغم من أنّها الأقل، إلّا أنّا تعكس حالات حرجة من التوتر الجسدي المرتبط بالمشاعر، وقد تكون مؤشرًا على اضطرابات نفسيّة مثل نوبات الهلع أو القلق الحاد.

النّظرة الى المستقبل

 

  • أعراض متوسطة (28%) وأعراض خفيفة (26%) أكثر من نصف المشاركات يعانين من أعراض خفيفة إلى متوسطة.
  • أعراض شديدة (19.7%) و شديدة جداً (7.2%) هذه النسب تشير إلى وجود حالات صحيّة حرجة.
  • لا توجد أعراض (21%) هذه الفئة لا تعاني من أعراض حاليّة.
  • التّوصيات والخاتمة: في ظل الأوضاع الاقتصادية والسياسية المتدهورة في لبنان، تعاني الأمهات من عبء مضاعف: الحفاظ على استقرار الأسرة، تأمين التّعليم والغذاء، والتّعامل مع مشاعر الخوف وعدم اليقين. هذه النتائج تعكس واقعًا نفسيًا هشًا، خاصة في المناطق الأكثر تضررًا.

هذه النّتائج تعكس واقعًا نفسيًا حساسًا تعيشه الأمهات في لبنان، خاصة في ظل الظروف الاقتصاديّة والصّحيّة المتدهورة. التوتر المرتبط بالحروب ⸲ضعف الخدمات الطبيّة، إلى غياب الدّعم المجتمعي، الخوف من المستقبل.

تكشف هذه النتائج عن واقع نفسي متشظٍ بين الأمهات في لبنان. فبين من يعانين من قلق شديد ومن لا يشعرن بأي أعراض، هناك طيف واسع من التّجارب التي تتأثر بعوامل متعددة: الوضع الاقتصادي، البيئة الاجتماعيّة، الدّعم الأُسري، وحتى التّجارب السّابقة مع الأزمات.

القلق من المستقبل، خاصة في ظل غياب رؤية واضحة لتحسين الأوضاع، ينعكس على الأمهات بشكل مباشر، ويؤثر على طريقة تربيتهن لأطفالهن، وعلى علاقتهن بذواتهن وبالمجتمع.

النوم هو أحد المؤشرات الأساسيّة للصحة النّفسيّة، واضطرابه يعكس خللًا في التّوازن الدّاخلي. في سياق الأمهات في لبنان، يمكن ربط هذه النتائج بالضّغوط اليوميّة: من الأعباء الأُسريّة، إلى القلق الاقتصادي، إلى الخوف من المستقبل. التفكير المفرط قد يكون نتيجة لمحاولة السيطرة على واقع غير قابل للسيطرة، ما يؤدي إلى استنزاف نفسي يظهر بوضوح في الليل.

تراجع التركيز والذّاكرة ليس مجرد عرض عابر، بل هو مؤشر على حالة نفسيّة متأزمة تعيشها الأمهات في لبنان، خاصة في ظل الأوضاع الاقتصاديّة والسياسيّة المتدهورة. الأمهات يتحملن عبء الرعاية، التخطيط، والحماية، ما يجعل أدمغتهن في حالة “استنفار دائم”، ويؤدي إلى إنهاك ذهني واضح.

تؤكد هذه النتائج الحاجة إلى دعم نفسي موجه للأمهات، يشمل تقنيات إدارة التوتر، تحسين جودة النّوم، وتوفير مساحات آمنة للتّعبير عن القلق والمخاوف.

الانفعالات الجسديّة المرتبطة بالمشاعر هي انعكاس مباشر لحالة الأمهات النّفسيّة، خاصة في بيئة مليئة بالضّغوط مثل لبنان. الأمهات يتحملن مسؤوليات كبيرة وسط ظروف غير مستقرة، ما يجعل أجسادهن تتفاعل مع المشاعر بطريقة حادة. هذه النتائج تؤكد الحاجة إلى تعزيز الوعي بالجسد كمرآة للحالة النّفسية، وتوفير دعم نفسي يساعد الأمهات على التعبير عن مشاعرهن قبل أن تتحول إلى أعراض جسديّة مزمنة.

أثبتت الدّراسة النتائج الآتية

  • ارتفاع مستوى القلق لدى الأمهات في المناطق التي تعرضت للقصف.
  • ارتباط القلق بشدة التعرض للخطر، وفقدان الأمان، والخوف على الأطفال.
  • وجود فروقات واضحة بين المجموعتين في مؤشرات القلق النّفسي.

بالنسبة إلى التّوصيات المهمّة

  • توفير دعم نفسي للأمهات في المناطق المتضررة.
  • تعزيز برامج التدخل النّفسي والاجتماعي بعد الأزمات.
  • إشراك الأمهات في برامج التّوعية والتّعافي المجتمعي.

في ظل الأزمات المتراكمة التي يشهدها لبنان، من انهيار اقتصادي إلى اضطرابات أمنيّة واجتماعيّة، تتعرض الأمهات لضغوط نفسيّة وجسديّة متزايدة. هذا التّقرير يستند إلى نتائج استبيانات متعددة شملت 585 مشاركة، ويهدف إلى تحليل مؤشرات القلق، التوتر، النوم، التركيز، التغذية، والانفعالات الجسدية، واقتراح توصيات عملية لدعم الأمهات في مختلف المناطق اللبنانية.

الخاتمة

 .1القلق العام والمستقبلي

  • 42.9% يعانين من أعراض متوسطة من الحزن وصعوبة التركيز.
  • 34% يعانين من قلق متوسط مرتبط بالولادة.
  • 28% يعانين من خوف خفيف من المستقبل والمواقف الاجتماعيّة، بينما 17.4% يعانين من قلق شديد.

 .2النّوم والتفكير المفرط

  • 36.6% لا يعانين من تأثير التفكير على النّوم، لكن 22.1% يعانين من تأثير متوسط، و13.7% من تأثير شديد إلى شديد جدًا.

.3التّركيز والذاكرة

  •  31.3% يعانين من صعوبة شديدة في التركيز والذاكرة، و29.2% من صعوبة متوسطة.

.4 الانفعالات الجسديّة المرتبطة بالمشاعر

  • 29.5% يشعرن بانقباضات جسدية شديدة عند التعرض لمشاعر داخلية، و22.6% يشعرن بثقل في الصدر أو المعدة.

. 5التّغذية والوعي الصحي

  • 28%يعانين من أعراض متوسطة مرتبطة بسوء التغذية، و26% من أعراض خفيفة، بينما 21% لا يعانين من أي أعراض.

تشير هذه النتائج إلى أنّ الأمهات في لبنان يعشن حالة من الضّغط النّفسي المزمن، تتجلى في اضطرابات النّوم، ضعف التركيز، أعراض جسديّة، وقلق مستقبلي. هذه الأعراض لا تنفصل عن السّياق الاجتماعي والاقتصادي، إذ تعاني الأمهات من عبء مضاعف في ظل غياب الدعم المؤسسي، وتراجع الخدمات الصحية والنّفسية.

التّوصيات

أ. نفسيّة واجتماعيّة

  • إنشاء مجموعات دعم نفسي جماعي في المناطق الأكثر تضررًا.
  • توفير جلسات إرشاد فردي بإشراف متخصصين نفسيين.
  • دمج الدعم النّفسي في خدمات الرّعاية الأوليّة.

ب. سلوكيّة وتنظيميّة

  • تدريب الأمهات على تقنيات الاسترخاء والتّنفس العميق.
  • تنظيم ورش عمل حول إدارة الوقت وتخفيف العبء الأُسري.
  • توفير مساحات آمنة للأطفال تمنح الأمهات حِقب راحة.

ج. غذائيّة وصحيّة

  • توزيع كتيبات إرشاديّة حول التّغذية السّليمة بميزانيّة محدودة.
  • دعم الوصول إلى غذاء صحي عبر التّعاون مع جمعيّات محليّة.
  • ربط التّغذية بالصّحّة النّفسيّة في الحملات التّوعويّة.

د. مؤسساتيّة ومجتمعيّة

  • إشراك البلديات والجمعيات في حملات توعية ميدانية.
  • إطلاق منصة رقمية تفاعلية للأمهات تشمل معلومات واستشارات.
  • تشجيع البحث الأكاديمي حول الصحة النّفسية للأمهات في لبنان.

المراجع

المراجع بالعربيّة                   

  1. عبد الله، س. (2021). قلق المستقبل وعلاقته بالمرونة النّفسية والأمن النّفسي لدى أمهات أطفال متلازمة داون. مجلة البحوث النّفسية والتربوية، 35(2)، 115–138.
  2. منصور، ل. (2020). الضغوط النّفسية لدى النساء في المناطق المهمشة في لبنان: دراسة وصفية. مجلة العلوم الاجتماعيّة، 28(1)، 45–67.
  3. وزارة الصحة اللبنانيّة. (2021). الدّليل الإرشادي للصحة النّفسية للأمهات. بيروت: وزارة الصحة العامة. https://www.moph.gov.lb/en/Pages/0/55740/maternal-mental-health-guidelines-for-healthcare-providers
  4. المراجع باللغة الاجنبيّة
  1. El-Khoury, J., & Ammar, W. (2021). Maternal mental health guidelines for healthcare providers. Ministry of Public Health Lebanon. https://www.moph.gov.lb/en/Pages/0/55740/maternal-mental-health-guidelines-for-healthcare-providers
  2. Ghanem, D. A., & Karam, E. G. (2023). Traversing mental health disorders during pregnancy: A qualitative study from Lebanon. Irish Journal of Medical Science, 192(2), 421–430. https://doi.org/10.1007/s11845-023-03371-0
  3. Obeid, N., & Chaaya, M. (2020). Validation of the Arabic version of the Perinatal Anxiety Screening Scale (PASS). BMC Pregnancy and Childbirth, 20(1), 1–10. https://doi.org/10.1186/s12884-020-03451-4
  4. UNFPA Lebanon. (2021). Maternal mental health guidelines for healthcare providers. United Nations Population Fund. https://lebanon.unfpa.org/en/publications/maternal-mental-health-guidelines-healthcare-providers
  5. Al-Hassan, S. M., & Takriti, Y. (2024). Mother-infant bonding and postpartum anxiety: A cross-sectional study in Lebanon. BMC Psychiatry, 24(1), 1–12. https://doi.org/10.1186/s12888-024-05745-9

 

 

 

-أستاذ محاضر في الجامعة اللبنانية كلّيّةالآداب والعلوم الإنسانيّة- قسم علم النفس.[1]

Lecturer at the Lebanese University, Faculty of Arts and Humanities – Department of Psychology.E-mail :Rita Hassoun082@gmail.com

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.