الثقافة الكنعانية والتأثير المصري خلال عصر البرونز المتأخر

0

الثقافة الكنعانية والتأثير المصري خلال عصر البرونز المتأخر

إضاءة على التأثير المصري في الثقافة الكنعانية (في الدين والعمارة) من خلال نصوص أوغاريت ونتائج الحفريات الأخيرة

د. عليّ إبراهيم زين الدين*

المقدمة

مما لا شك فيه أن أعمال الحفر والتنقيب الآثارية بهدف الدراسة والبحث للوقوف على حقيقة الديانة الكنعانية وطقوسها، وأيضًا للتعرف أكثر على الأماكن الدينية التي مورست فيها الطقوس كالمعابد المفتوحةsanctuaries  أو المغلقة جزئيًا، أو كلّيًّا temples، والخصائص العامة (والتفصيلية إذا أمكن) للعمارة، والمخططات البنائية للمعابد، وتوزيع الغرف، والوظائف، والساحات، والمميزات، والتعرف إلى موجودات المعبد، وكيف كانت تقام الطقوس، وتقديم القرابين، وتنوعها، وأسباب تقديمها؟ مجمع الآلهة pantheon ممن كان يتألف؟ ترتيب الآلهة، والأدوار، والوظائف؟ دور الكهنة وباقي “الموظفين” في المعابد؟

لا شك في أن تلك الدراسات تجري على قدم وساق في فلسطين([1]) المحتلة التي شكلت مهد الثقافة الكنعانية حتى في سوريا هي أنشط من تلك الحاصلة في لبنان، وأوسعها الذي شكّل جزءًا من تلك الحضارة خصوصًا في المناطق الداخلية الجنوبية تحديدًا المتاخمة للامتداد الكنعاني – الفلسطيني، طبعًا عوامل كثيرة أدت دورًا مهمًا في تقدم الدراسات في فلسطين المحتلة نذكر منها الأوضاع المستقرة، توفر الدعم المادي، توفر المعدات التقنية وغيرها، لذلك تم الأخذ ببعض الأبحاث العلمية المحضة التي نشرها مؤخرًا باحثون عملوا في مواقع أثرية في فلسطين المحتلة بعضهم “إسرائيليين”، وذلك للضرورة البحثية، أما بالنسبة إلى الخبرات، والمتخصصين فلا شك أننا متفوقون بما يكفى وأكثر.

بات لدينا من خلال النقوش المكتشفة في أوغاريت، ومن خلال الكتابات، والنقوش المصرية في ما يتعلق بكنعان معلومات مُهِمَّة حول الثقافة الكنعانية من جوانبها السياسية، والدينية، والاقتصادية، والعمرانية جميعها، فقد شرّعوا لأن فيهم نظامًا سياسيًا فرديًا، فكل مدينة كنعانية تشكل “مملكة” مستقلة لها إلهًا خاصًا يرتبط مع الملك بشكل مباشر من دون غيره من أفراد المجتمع، وعلى ما يبدو أن التنافس في العلاقات التجارية، والاقتصادية أوجد تضاربًا في المصالح في ما بينها، يرأس كل مدينة ملك يتمتع بسلطة مطلقة، فكانت المناطق الكنعانية مقسمة إلى دويلات لها حدود وامتداد جغرافي (زراعي في الأغلب) ممنوع على الآخرين التعدي عليه، ويتضح من خلال نصوص أوغاريت أن تلك الممالك كانت تتبع لإدارة مركزية في الأمور الاستراتيجية أي سلطة مركزية هي ما أطلق عليه في النصوص المذكورة سلطة الملك الكبير، وعلى الرغم من وجود ملوك آخرين إلا أن هذا الملك كان يتمتع بسلطة مطلقة في إدارة سياسة “البلاد” الخارجية بحسب ما يرتئيه الإله معبوده، وقد يتمتع بسلطة تشريعية أيضًا فيتحول إلى قاضٍ. (سوسة، أحمد)

دفعت الظواهر الكونية المخيفة كالبرق، والرعد، والكسوف، والخسوف وغيرها الإنسان إلى بحث مستمر عن القوى الغيبية التي تتحكم بتلك الظواهر فلم يجدها فهابها، وتعبّد لها حينًا بتقديم القرابين المتعدّدة وأحيانًا بإقامة النصب، وتشييد المعابد، شاهد النار تحرق، وتبعث الدفء، والضياء وأحيانًا تؤمّن له الحماية فعبدها، رأى القمر مضيئًا ظلمته في الليل فعبده، كذلك بالنسبة إلى الشمس، والبحر الذي يبتلع ويحطّم، وكل ما لم يجد تفسيرًا له عبده هذا من جهة، من جهة ثانية رأى منافع ظواهر أخرى فأحبها وعبدها أيضًا، فعبد المطر لأنه يروي الزرع كما ألّه العوامل الطبيعية، أحب المرأة مصدر العاطفة، ومصدر الحياة والتكاثر فألّهها، وصنع لها تمثالًا تعبّد له أيضًا، كما جعل آلهة للحبوب، وللغلال، والجبال، والأنهار فهي العناصر الطبيعية التي أحسّ بحاجته إليها، فكان لا بد من تعظيمها، وتقديم القرابين لدوام العلاقة المتينة معها، ولما كانت حياته قائمة على الحِرَف، والزراعة، والتجارة جعل لها آلهة أيضًا، من أهم الآلهة العليا في مجمع الآلهة الكنعانية: إيل، بعل، يم نهار، كوثر حاسيس، عشتروت (عشتار)، عشيرا، عناة، موت، سميرنا، توت، عليون، أدونيس، داجون، مولك أو ملكوم، شاباش، يارح. (عبد الحكيم، شوقي)

من خلال العديد من النصوص، والحفريات الآثارية برزت الكثير من المؤشرات التي تعطينا صورة واضحة عن تصنيف الآلهة، والطقوس الدينية الكنعانية خلال عصر البرونز المتأخر([2]) تميزت معظم هذه المرحلة بهيمنة المصريَّين ونفوذهم على أجزاء كبيرة جنوب بلاد الشام، وهذه المنطقة ليست ذات أهمية لا عسكرية (كقوة) ولا اقتصادية، لكن أهميتها جاءت من موقعها كمفترق طرق ثقافي، وتجاري في المنطقة شكّل حاجة، وضرورة للطريق الاستراتيجي المصري على الصعيد الاقتصادي، نستدل على ذلك من خلال الأرشيف الملكي المصري من تل العمارنة خلال القرن الرابع عشر قبل الميلاد، فكنعان كانت مقسمة إلى عشرين مدينة رئيسة، وهي مدن مستقلة في الإقليم المصري يدير شؤونها حاكم محلي ورث منصبه على الأغلب عن أبيه، ونال اعترافًا من الحاكم المصري الذي وفر له الحماية (Moran, William)، حتى ذهب البعض إلى القول: إن التفاعل بين الثقافة الكنعانية، والمصرية ربما أثّر في ممارسة الطقوس في كنعان، خصوصًا خلال نهاية عصر البرونز الوسيط بعد أن ازداد الوجود المصري في كنعان بشكل كبير. (Greener, Aaron)

أظهرت الحفريات الأخيرة إلى الضوء عددًا من المعابد الكنعانية العائدة إلى العصر البرونزي المتأخر، وما تجدر الإشارة إليه هنا أن المعابد شكلت نقطة محورية للطقوس الدينية بالتحديد طقوس تقديم القرابين، والولائم الدينية المرافقة، والأنشطة الثقافية لدى الكنعانيين، فالمعبد هو مسكن القوى الغيبية (الآلهة) التي خافها، والتي أحبها، أشارت إلى ذلك النصوص الأدبية، والشعرية في مدينة أوغاريت، كما دلّت عظام الحيوانات المحروقة، والبقايا الناتجة عن طقوس تقديم القرابين، وآثار الأدوات التي كانت تستخدم في الأعمال الطقسية، كالتماثيل المقدمة لأغراض دينية figurines، والأوعية النذرية، التي كشف عنها في المعبد، وفي أماكن العبادة([3])، وكما يبدو أن التأثير المصري لم يقتصر على الهيمنة العسكرية في عصر البرونز المتأخر، بل تعداه إلى التأثير حتى في المعتقدات، والثقافة، والطقوس في بعض المناطق، يظهر ذلك من خلال تطابق في مخططات المعابد، ومن خلال التقديمات النذرية.

لم يقتصر التأثير المصري على النواحي التي سبق ذكرها، بل تعداه إلى اللغة الكنعانية أيضًا، وربما هذا أمر طبيعي على أساس أن الزمن الذي كتبت فيه نصوص أوغاريت شهد هيمنة مصرية قوية، فاللغة الكنعانية تتضمن بعض التعابير المأخوذة عن اللغة المصرية إذ تسربت بعض العادات، والتقاليد المصرية إلى كنعان غير أن ذلك لم يؤد إلى تغيير جذري في جوهر الثقافة الكنعانية. Del Medico, H. A.)) ماذا نعني بأوغاريت، أو النصوص الأوغاريتية؟ أوغاريت (رأس شمرا) عبارة عن تل يقع على الساحل السوري على بعد 12 كلم شمال مدينة اللاذقية الحالية جرت فيه العديد من الحفريات برآسة كلود شيفر، وجورج شيني، وفي العام 1924م تم العثور على لوحات تحمل الكتابة المسمارية.دُمرت مدينة أوغاريت أواخر القرن الثالث عشر قبل الميلاد، كشف أرشيفها عن مخزون شعري أسطوري ملحمي، ونصوص ألقت الضوء على نواحٍ عديدة للطقوس الدّينية (كما العمارة)، من المفيد الملاحظة أنّ الديانة “الأوغاريتية” ليست مطابقة تمامًا للديانة الكنعانية، ولكنهما تنتميان إلى خلفية ثقافية سامية واحدة في الدين، والعمارة، واللغة، والإنتاج المادي، غير أن النصوص الأوغاريتية تحتوي على مخزون ثقافي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالثقافة الكنعانية خلال عصر البرونز المتأخر Hess, Richard)) أضاءت العديد من الجوانب الدّينية لا سيما حول الأضاحي الحيوانية، فبعض النصوص من شمال سوريا تصف بالتفصيل مراسم تنصيب رجال الدين والاحتفلات المصاحبة لذلك.مجمع الآلهة الكنعانية pantheonاعتمدت الديانة الكنعانية تعدد الآلهة سبق أن ذكرنا أهمها، نورد في ما يلي وظائف بعضها كما وردت في نصوص أوغاريت وفي النصوص المحلية فالجانبان الكنعاني والأوغاريتي عبدا آلهة واحدة بحيث يمكن تعداد 240 اسمًا إلهيًا وعلى ما يبدو أيضًا أن الآلهة لم تكن في منزلة واحدة بل كانت مصنفة في مستويات من حيث الأهمية الوظيفية يأتي على رأسها إيل El وقرينته عشيرا Ashera ثم أبناؤهما في المرتبة الثانية ضمن مجمع الآلهة، المرتبة الثالثة مخصصة لآلهة الحرفيين والتجار (كوثر حاسيس)، المرتبة الرابعة لآلهة من مستوى أقل وهم الآلهة الرسل.إيل El هو خالق الأرض والإنسان أي هو رئيس مجمع الآلهة من ألقابه “أبو السنين” اتصف بالهدوء والحكمة، مسكنه منابع الأنهار والينابيع في المحيطات، أما عشيرا فهي الإلهة الأم وقرينها إيل، من ألقابها “سيدة البحر” يشار إليها أحيانًا بـQds في نصوص أوغاريت، صوّرت في مصر على شكل إمرأة عارية بتسريحة شعر الإلهة حتحور Hathor كذلك في كنعان في إشارة إلى عشيرا، أنجبت إله الفجر، وإله الغسق كلاهما يمثل كوكب الزهرة الأول عند الفجر، والآخر عند غروب الشمس.بعد إيل يأتي أكثر الآلهة نشاطًا، وهو بعل هدد Ba’al Hada أي إله الرعود كان “يجلب المطر” ومن أسمائه “راكب الغيوم” وأيضًا يسيطر على الرعد والبرق، كان بينه وبين إله البحر يم Yamm نزاع دائم  كذلك صراعه مع إله الموت (موت) mot، حيث قتل بعل ومن ثم قام من جديد، وقد أبدى إيل حزنًا على موت بعل وفرح عند قيامته، أما الإله داجون Dagon إله الحبوب يظهر أحيانًا كوالد بعل، وأن إيل هو جده، وداجون والده حيث وضع بين الاثنين في مجمع الآلهة الأوغاريتية، وعلى ما يبدو أن مرتبة داجون كانت أقل، حيث ظهر في نصوص الأضاحي فقط، ولم يظهر في النصوص الملحمية، أما الإله بعل فكانت قرينته الإلهة عناة التي انتقمت له، وقضت على الإله موت، وهزمت تنينه الحامي ذو الرؤوس المتعددة، والإلهة عشتار Astarte أيضًا ورد ذكرها في نصوص أوغاريت على أساس أنّها رفيقة بعل هي الأخرى إلا أنها أقل شأنًا من عناة. Hess, Richard))على الرغم من أن Mot هو الإله الرئيس الذي ارتبطت وظيفته بالعالم السفلي في أوغاريت، إلا أنّه كان هناك العديد من الآلهة الأخرى مرتبطة بالعالم السفلي كذلك كالإله رشيف Resef إله الحماية من الطاعون والأوبئة، وهو موازٍ للإله نرجال Nergal في أوغاريت إله الحماية من الطاعون أيضًا، والإله Molech مولوخ هو أيضًا إله العالم السفلي، وإله الرذيلة، وغالبًا ما يرتبط بالقرابين، كما عبدا الإلهة الشمس Sps، وإله القمر ياريح Yarikh، لم تكن له مرتبة رفيعة في الميثولوجيا الكنعانية ورد اسمه في موقعين في فلسطين بيت يارح وأريحا. (Moran, William)الممارسات الطقسية والعبادية الكنعانيةلم تختلف الديانة الكنعانية عن غيرها من ديانات الحضارات التي عاشت قبل الميلاد، فالكنعاني قدّس مظاهر القوى المخيفة والقوى “الصديقة”، وقدم لها القرابين المتعدّدة، وأقام عند نصبها الاحتفلات والولائم، لذلك شيد لها المعابد من أجل إقامة شعائره الخاصة المرتبطة بها، فانتشرت المعابد، والهياكل حيث لم تخلو مدينة، أو قرية من معبد مكرّس لواحد من الآلهة، وأحيانًا لإلهين، وحتى ثلاثة هذا ما تفرضه الحاجة العملية سواء للآلهة العليا، أو الآلهة الأدنى ذكورية كانت، أو آلهة أنثوية، ونظرًا لارتباط الملك بالآلهة مباشرة، فقد عدَّ قصره معبدًا أيضًا، فذكرت نصوص أوغاريت أن قصر الملك كان يزدحم بتماثيل الآلهة على رأسها تمثال للإله إيل، وآخر للإلهة عناة كذلك بقية الآلهة (ميلكو، إيلي)، تم الكشف على أهم معابد الكنعانيين في بيت شان، كما أقيم معبد للإله بعل في عقرون، وبحسب نصوص أوغاريت أقيم معبد للآلهة بين نابلس والقدس، ومعبد آخر للإله بعل على جبل الكرمل، والمعبد الكبير للإله بعل في أوغاريت نفسها.غصّت تلك المعابد إلى جانب الكهنة المتخصصين بتقديم القرابين، وإقامة الطقوس، والولائم بالنساء المقدسات أيضًا اللواتي كرّسن أنفسهن للإله بعل، وهو ما عرف بالعاهرات المقدسات (البغاء المقدس)، لم يرد في النصوص سوى إشارة مقتضبة حول هذه الطقوس، لذلك يعتقد بعض العلماء أنها طقوس مدسوسة هدفها تشويه الديانة الكنعانية – مصدرها العهد القديم أو التوراة – (الباش، حسن)، ومن أهم الكهنة الذين ورد ذكرهم في نصوص أوغاريت إيلو ملكو، وهو كاهن أوغاريت، وهو نفسه الذي دوّن لوحات أوغاريت، والأساطير الكنعانية، يعاونه الملك نيكمد، وفي عهد الأخير شهدت بلاد كنعان الويلات التي امتدت من رأس شمرا شمالًا إلى جنوب فلسطين مرورًا بلبنان، يوازي الكاهن إيلو ملكو في أوغاريت الكاهن ملكي صادق في فلسطين (أور شاليم – القدس). (ميلكو، إيلي)تمحورت الطقوس العبادية الكنعانية حول تقديم القرابين الحيوانية على أساس أن سفك الدماء أمر عنيف يتطلب موافقة الآلهة للقيام به، فالتضحية بتقديم القرابين هي ديدن الشعوب الشرقية وجزءًا أساسيًا في الثقافة الكنعانية إذ عُدَّت كطعام للآلهة تصاحبها الابتهالات، وتسمية الإله (الآلهة) المكرسة له (لهم) تلك القرابين، وإلى جانب القرابين الحيوانية تم تقديم المنتجات الزراعية أيضًا (حبوب، خضراوات، زيوت). وبحسب النصوص نفسها لم تقدم القرابين بشكل فردي، بل هي عمل جماعي احتفالي بهدف توطيد أواصر العلاقة مع الآلهة الراعية من أجل حماية مدينتهم، وبعد ذبح الحيوانات كان يتم دفنها كاملة، أو أجزاء منها في المقابر، ومن ثَمَّ يعِد الملك الشعب بأن الخسارة المتأتية من تقديم القرابين، والمنتجات الزراعية سوف تعوضها الآلهة مستقبلًا سلامًا، ورخاءً على المدينة وسكانها، ففي العقيدة الكنعانية يمكن التكفير عن الخطايا الدينية، أو الأخلاقية من خلال تقديم القرابين للآلهة، لذلك كانوا يعمدون إلى حرق القرابين لأن النار، ورائحة اللحم المحترق تجتذب الآلهة إلى المعبد. (Nakhai, Alpert)أقيمت الصلوات جنبًا إلى جنب مع تقديم القرابين بهدف التواصل مع الآلهة، فقد آمن الكنعانيون في الحياة بعد الموت يظهر ذلك في النصوص الجنائزية الكنعانية، وفي أشعار الرثاء، ونصوص اللعنات التي تحذر من إزعاج الميت من هنا جاء مصطلح Raphaim الأرواح (أو ظلال الموتى)، فقد ساد اعتقاد في أوغاريت أن الملوك يتحولون إلى آلهة بعد الموت حتى وفي حياتهم كذلك، فتقام الاحتفالات الجماعية التي تضم عِلية القوم من التجار، وقد تضم أيضًا ما يعرف بالبغاء المقدس، واستشراف المستقبل من خلال “التبصير” في أكباد الحيوانات (قراءة الطالع من خلال كبد الحيوان)، ومن الحضور أيضًا الفريق المتخصص في الطقوس الدينية من كبار الكهنة والخدم، تقام الاحتفالات بتمويل مباشر من الخزانة الملكية، عادة ما أقيمت تلك الاحتفالات في الهواء، المتطلبات اليومية، فيمكن لأي شخص أن يبني مذبحًا، أو يزرع شجرة مقدسة، أو يقيم نصبًا، أو أن يقدم قربانًا، تترافق هذه الاحتفالات عادة مع تقديم الطعام والشراب والقرابين. (Day, John)تذكر نصوص أوغاريت تفاصيل دقيقة عن الطقوس داخل المعبد، وكيفية تأدية الأعمال العبادية، والتوسل بالآلهة، وتقديم القرابين، لعلّ من أهمها هو التطهر، أو الغسل، عند القيام بأعمال تعبّد جماعية يحرق البخور بهدف طرد الشياطين، ثم يقدمون الطعام والنذور، قد تكون النذور من الطحين، أو الخبز تقدم للآلهة عبر الأصنام التي تمثلها، ويذبحون الحيوانات، ويصبون الخمور فوق الأضرحة خارج المعابد لاعتقادهم أنها تسقي أمواتهم في العالم الآخر، أو العالم السفلي، ويصب دم الذبيحة عند أنصاب الآلهة، كانت أصناف القرابين من الغنم، والثيران، والأيائل، والوعول حيث كانت تصطاد حية.المعابد الكنعانيةكما ذكرنا، فإن القرابين المقدمة للآلهة كانت تدفن كليًا، أو أجزاء منها في حفر مخصصة قرب المعابد، من هنا يمكن الاطلاع على المواد المتبقية من القرابين، والأدوات النذرية الأخرى في حفر favissa قرب المعابد الكنعانية، وعليه سوف نطّلع على ما قدمته المعطيات الآثرية، والتحقيق في النصوص، وبقايا الهياكل العظمية “المقدسة”، فخلال تلك الحِقبة (عصر البرونز المتأخر) ازدهرت المعابد الكنعانية من خلال مذابحها، وتقديم القرابين، فكانت في كل المدن، فعلى الرغم من مرور السنين والقرون وأعمال التدمير، والتخريب، والحروب، واستعمال حجارة المعابد في أبنية أخرى إلا أنه تم الكشف عن أكثر من عشرين معبدًا تعود إلى عصر البرونز جنوب بلاد الشام ما يشير إلى أنها كانت واسعة الانتشار في تلك المرحلة في كل مدينة، وفي القرى الصغيرة حتى إنّ بعض المواقع احتوت على معبدين معًا على سبيل المثال في مدينة لخيش في فلسطين، وفي موقع آخر قرب مطار عمّان – الأردن قدمت أدلة إضافية حول انتشار المعابد بشكل واسع في تلك المرحلة فضلًا عن المعابد الريفية في القرى الكنعانية، تنوعت المخططات البنائية للمعابد بشكل يصعب معه وضع نمط موحّد، أو قاعدة ثابتة يمكن أن تساعد في تتبع تطورها في معابد عصر البرونز المتأخر، مع ذلك جرت محاولات لوضع تصنيف لها من خلال العناصر المشتركة:أماكن العبادة المفتوحة: وُجد مثال يمكن عرضه للدلالة على هذا المعنى في حاصور (فلسطين) Hazore، معبد هو ساحة – محددة بالحجارة – تتضمن مذبحًا حجريًا مع ترك فتحة في سطحه تسمح بتسرب دماء القرابين – هذا النوع من المعابد استخدم في الاحتفالات الدينية في الأماكن المفتوحة كالغابات والمرتفعات -. المعابد المتناظرة symmetrical الكبيرة: تمثل المعبد الكنعاني المثالي خلال عصر البرونز المتأخر، وهو في الحقيقة تقليد للمعابد في عصر البرونز المتوسط الذي ظلّ استعماله مستمرًا حتى عصر البرونز المتأخر، نذكر منها معابد مجدو وشكيم (نابلس) وحاصور، على الرغم من التغييرات التي تعرضت لها خلال عصر البرونز المتأخر إلا أن عناصرها الرئيسة بقيت على حالها، معابد متناظرة طولية بشكل متناسق من مدخل المعبد حتى قدس الأقداس cella ([4])، مقسمة إلى غرفتين، أو ثلاث غرف هي: الفناء أو القاعة الرئيسة الأمامية، والقاعة الداخلية والـ cella، القاعة الرئيسة عادة هي مربع واسع يحتوي في أحد جدرانه الداخلية على كوّة، أو رفّ يوضع فيها، أو عليه تمثال للإله، اتسمت جدران المعبد بالسماكة، وأقيم أمام واجهة المدخل عمودين أحيانًا.يمكن أن نأخذ مثالًا من مخطط المعبد في حاصور، ويتضمن بعض الغرف المحيطة بالقاعة الرئيسة، وفي إحداها (غرفة خلفية) عثر على قاعدة من حجر البازلت ربما وضع عليها تمثال الإله، وفي الفناء الأمامي عثر على مذبح دلت عليه عظام الحيوانات المحيطة به، والأوعية النذرية، والتماثيل المعدنية التي تشير إلى وظيفة البناء كمعبد، ونظرًا إلى مخططته المختلف، وطبيعة الأوعية النذرية فربما كان معبدًا تابعًا لقصر الملك. كما كشف عن معبدين إضافيين في مكان ليس بعيدًا، المعبد الشمالي، والمعبد الجنوبي، على الرغم من عدم بقاء الكثير من المعبد الأخير، بني المعبد الشمالي في القسم الشمالي الغربي من المنطقة “أ” ربما كانت وظيفته استضافة جزء من الأعمال الدينية الاحتفالية، هو مخطط لمبنى كبير يواجه مدخله جهة الشرق، القاعة الرئيسة مرصوفة بالحصى الجصية، وعلى الأرجح جدرانها “مبطّنة” من الداخل بألواح من صخور البازلت، ترتفع في وسط القاعة مقابل المدخل مصطبة ربما كانت الطاولة الرئيسة للأعمال الطقسية، كما كشف موقع حاصور مجموعة من المعابد كانت قيد الاستخدام إبّان عصر البروز الوسيط، وظلّت مستمرة حتى عصر الحديد مرورًا بعصر البرونز المتأخر، بداية أضيفت المقاعد أمام الجدران الرئيسة، وأقفلت الـcella بوجه العامة ووضع التمثال الديني في أحد الجوانب، وفي المرحلة النهائية وضع أمام مدخل المعبد حجر بازلتي كبير منحوت عليه  شكل الأسد بهدف حماية المدخل.ما يتعلق في القاعة الداخلية أقيم فيها مذبحان حجريان تحيط بهما عظام الحيوانات، والرماد الناتج عن عملية الحرق إضافة إلى الأوعية النذرية، وكسر لنماذج طينية على شكل كبد الحيوان، وتمثالًا للإله راكبًا ثورًا ربما للإشارة إلى إله العاصفة بعل.في مجدو أيضًا أقفل قدس الأقداس بوجه العامة، يتألف مخططه من ساحة كبيرة محاطة بغرف ومخازن، وفي نابلس – شكيم أيضًا بيّن مخطط المعبد فناءً واسعًا، ومذبحًا للقرابين، ونصبًا حجريًا ضخمًا. ((Bunimovitz, Shlomo معابد  ذات أرضيات مرتفعة: أظهرت آثار المعابد المكتشفة في الطبقتين الثامنة والسابعة في بيت شان (فلسطين)، وفي الطبقة السادسة في لخيش (فلسطين) العديد من الخصائص المشتركة التي أشارت إلى نمط فريد في العمارة المعبدية من خلال التشابه في التقسيم الداخلي للمعبد لجهة الأبعاد المتناسبة (تناظرية) للقاعة الرئيسة، داخل المعبد مرتفع يتم الدخول إليه عبر درج ما يشير إلى أن التأثيرات المعمارية لعمارة المعابد المصرية أُدخلت إلى العمارة المعبدية الكنعانية في تلك الحِقبة من عصر البرونز المتأخر تحديدًا بالنسبة إلى تيجان الأعمدة، نجد ذلك في المعابد المتتالية في بيت شان وأكروبول([5]) لخيش، وجميعها مؤرخة للقرن الثالث عشر وأوائل القرن الثاني عشر قبل الميلاد حيث شهدت المدن الكنعانية ذروة السيطرة المصرية فكان من تأثيراتها تلك التوليفة المعمارية والزخرفية المصرية – الكنعانية ما دلت عليه كسر العناصر المعمارية في بيت شان حيث الأفاريز، وتيجان الأعمدة على شكل أوراق البردى papyrus، وفي معبد لخيش الذي بني على رأس تلٍ أقيم عمودين بتيجان مصرية كما زخرفت الأعمدة بالطريقة المصرية أيضًا، كذلك أشارت البقايا القليلة إلى طلاء الجدران بالألوان الأسود، والأحمر، والأبيض، والأزرق، والأصفر وهي كذلك انعكاس للتأثير المصري. (Bietak, Manfred)ربما تؤشر تلك العمارة المعبدية إلى نوع من التأثير الديني (ربما متبادل) في العناصر الطقسية الكنعانية – المصرية، فتلك المعابد كما ذكرنا بنيت في أوج الهيمنة، والتواجد الفعلي المصري خصوصًا معبد بيت شان وبالتالي من المرجح أنها كنت تستخدم من قبل الجنود والمسؤولين المصريين، كذلك الأمر بالنسبة إلى أكروبول المدينة “الملكية” في لخيش وربما مردُّ ذلك إلى التأثير الدّيني المصري في العمارة الدّينية وربما في الديانة الكنعانية.معابد ذات مداخل غير مباشرة ومخططات فريدة: تتميز هذه المجموعة من معابد عصر البرونز المتأخر بمداخل غير مباشرة ومخططات عمرانية فريدة غير واضحة تمامًا ولا يمكن تشبيهها، أو مقارنتها، فلا يمكن للداخل إلى المعبد أن يرى قدس الأقداس بل تمتمد المقاعد على طول الجدار المقابل للمدخل إضافة إلى الأعمدة الحاملة للسقف، الـ cella مرتفعة والدخول إليها عبر درج، كما ألحقت حول المعبد غرف مخصصة للتخزين، تأتي هذه المعابد بعد معبد لخيش، اقترح (Bunimovitz, Shlomo) أن هذه المعابد تمثّل عناصر أجنبية استوطنت في كنعان فيما رجّح (Bietak, Manfred) أن الاحتفالات الجنائزية تمت بداخلها لأنها تشبه المعابد المصرية من حيث البنية الوظيفية، وكونها تقع في المناطق الشمالية من المنطقة الكنعانية فيجب أن نأخذ بالحسبان المعابد المتزامة خلال عصر البرونز المتأخر في كامد اللوز Kamid([6]) حيث المعابد فيها مبنية بمخططات بنائية غير منتظمة (De Pietro, Dana)، أضيفت إلى هذه المعابد مع الوقت غرف أخرى فأصبحت في النهاية معبدًا مزدوجًا. المعابد الصغيرة ذات المداخل المباشرة: هناك عدد قليل من المعابد الصغيرة في عصر البرونز المتأخر لا يمكن مقارنتها بمجموعة المعابد التي سبق ذكرها، وذلك في المنطقة “ج” في حاصور أو كالآثار المكتشفة قرب مطار عمان -الأردن، فالمعبد الصغير في المنطقة “ج” في حاصور توزعت فيه المقاعد على طول الجدران الداخلية فيما المكان المخصص للطقوس قرب المدخل، في مراحله النهائية ضمّ أحد عشر نصبًا من حجر البازلت أوسطها يحمل حفرًا يمثل كفّين مرفوعين (ربما في إشارة إلى التضرع، أو إلى الأيدي الفارغة) وفوقها هلال وقرص، كما وجد فيه تمثالًا لرجل جالس على كرسي على رأسه نقش هلال يتجه نحو الأسفل، بالإضافة إلى منحوتة أسد صغير راقد ولوح بازلتي للقرابين، على ما يبدو أن هذا المعبد كان مخصصًا لسكان “الحي” المجاور. (Yadin, Yigal)وفي العربة (فلسطين) تألف معبد تمنا Timna في جزء من المنطقة المصرية المخصصة لتعدين النحاس من غرفة واسعة حيث المدخل في وسط الجدار الشرقي يقابله الـcella المرتفعة، ونصب حجري عليه حفر يمثل رأس حتحور، كما وجد فيه العديد من اللقى الصغيرة التي تشير إلى تقديمات مصرية كالأختام والمجوهرات وبعض العناصر الفنية حيث كرّس المصريون هذا المعبد للإلهة حتحور راعية المنجم، الجدير ذكره أنه لا يمكن تشبيه هذا المعبد بأي من أنماط العمارة التقليدية المصرية، فبلاد كنعان خلال عصر البرونز المتأخر كانت دائمًا هدفًا استراتيجيًا للملكيات الخارجية، ففي حين كانت المناطق الكنعانية الشمالية مثل حاصور تعكس التأثيرات السورية فقد زادت السيطرة المصرية في المواقع الكنعانية الجنوبية من خلال المعابد المصرية – الكنعانية لتلبية حاجات الإمبراطورية المصرية، فلم يقتصر التأثير المصري على الإطار السياسي، بل تخطّاه ليطال الديموغرافيا، والنواحي الاجتماعية، والدينية (Koch, Ido)، لقد عانت الطبقات الاجتماعية “النبيلة” في المجتمع الكنعاني تدنٍ متزايد في نفوذها السياسي مع الفتح المصري، وهذا انعكس على وضعها الاقتصادي بالنتيجة، وهذا الأمر أدى إلى زيادة المنافسة في ما بينها لاستمرارها في الحكم، هذا الوضع أدى إلى زيادة الأعباء على كواهل العامة، فزادت نسبة ظهور الأواني الفخارية الشعبية في بعض المعابد، وغابت الأواني المعدة للتخزين، فلم تكن هناك حاجة لها، إذ كانت العامة تجلب معها ما تحتاجه من طعام، وشراب للاحتفلات الدينية بعد أن كانت على عاتق الملك، وهذا يشير إلى دور مهم على مستوى ”التكافل” الاجتماعي الكنعاني في هذه المرحلة من عصر البرونز المتأخر. (Smith, Mark)التماثيل النذرية figurines الكنعانية التماثيل النذرية عبارة عن دمى تصنع من الطين، أو تنحت من الحجر، أو من المعدن المصهور، وهذا يعود إلى الحالة الاجتماعية لصاحب النذر، وفي هذه المرحلة من التاريخ الكنعاني صنعت التماثيل الطينية الصغيرة إذ تصور النساء العاريات، وهي من العناصر الكنعانية الشهيرة العائدة  إلى عصر البرونز المتأخر، يشكَّل التمثال بطريقة الضغط على الطين في قوالب مفتوحة([7])، عادة تصوير النساء يحملن زهرة اللوتوس([8]) أو يرفعن أثداءهن بأيديهن، تشبه تسريحة شعر الإلهة المصرية حتحور، أغلب هذه التماثيل وجدت في المنازل، وفي المقابر على السواء، وهي بذلك تواصل الوظيفة نفسها، بعد ذلك يتم التخلص منها، أو تلفها في الاحتفالات الدينية بكسرها ودفنها. (Cornelius, Sakkie)كما سبق أن ذكرنا إن الكنعانيين عبدوا المرأة لاعتبارات عديدة فهي تمثل نواحٍ عديدة من حياتهم اليومية، فارتبطت بالجنس، والخصوبة كالإلهة عشيرا، أو عناة، أو عشتار، وربما أشارت في مفهومها العام إلى الأرض الأم التي تعتمد حياته عليها، وعلى عطاءاتها التي لا تنتهي، فالأم التي تلد البشر، والحيوانات على السواء، وتغذيهم، وتساعدهم حتى يكبروا، لا يوجد تحديد للشكل الذي تأخذه، بل المهم الرموز التي تحملها، فهذه التماثيل الأنثوية كانت ذات شعبية، كما صنعت تماثيل أخرى من المعدن كان أكثرها انتشارًا الإله الشاب المحارب في إشارة إلى بعل على الأرجح حيث صوِّر في وضعية حركة ممسكًا بالأسلحة، ومن التماثيل الشعبية الأخرى الآلهة الذكور المنسوبة إلى إيل يرتدي عباءة طويلة.

لوحة كنعانية – لخيش
لوحة مصرية-kade

صُورت الآلهة باحترام إذ تظهر وعلى رأسها تاج كبير ربما مصنوع من قشور بيض النعام وريشه يحيط به زوجين من القرون يبدو شبيهًا بتاج مصر السفلى المسمى anedtj، لم يقتصر تصوير الآلهة الكنعاية وما ترمز إليه من خلال التماثيل فقط بل أيضًا من خلال اللوحات الجدارية المعلقة ذات الأشكال المثلثة أحيانًا، تُظهر كامل جسد الإله وفي بعضها يبرز في اللوحة فقط رأس الإله والأعضاء الجنسية، أو تصوّر ممتطية حصانًا وأحيانًا عارية تقف على أسد (كما على الورقة المذهبة في معبد لخيش) في إشارة واضحة إلى التأثير المصري في كنعان، فأزهار اللوتوس معروفة في كنعان وفي مصر أيضًا وربما هو استعارة للإلهة المصرية Qudshu، أو kade (قادش) إلهة الخصوبة، والحب فالعلاقة الميثولوجية بينها، وبين عشيرا أو عشتار أو عناة من الصعب تحديدها في كنعان نظرًا لندرة النصوص حولها لذلك من الصعب تحديد الوظيفة الحقيقية، هنالك أمثلة أخرى وجدت على الأواني المطلية تحمل رسم النخلة الطويلة، استبدلت الشجرة بمثلث أحيانًا في عصر البرونز المتأخر، وهي تعكس العلاقة بين الشجرة، وآلهة الخصوبة، أو بشجرة الحياة، والأخيرة من أكثر الموضوعات انتشارًا في فنون الشرق. Clamer, Christa)) السرج([9]) والأوعية النذرية

وعاء مع سراج – لخيش

مظهر آخر من المظاهر المرتبطة بالطقوس الشعبية هو مجموعة من الأوعية والسرج، وضعت تحت أساسات الأبنية المتعدّدة، وهي من المظاهر المصرية، وتأثير مصري قوي في الثقافة الشعبية الكنعانية. (De Pietro, Dana)الخاتمةيعدُّ عصر البرونز المتأخر نقطة مفصلية انتقالية في تاريخ المشرق (بلاد الشام) على المستويات السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية بحيث أنتج أرضية حضارية جديدة توضحت خلال عصر الحديد اللاحق، فعلى ما يبدو أن الأحداث الجسيمة التي عصفت “بالممالك” الكنعانية من قبيل التنافس الداخلي من جهة، وضغط النفوذ المصري من جهة أخرى، وغزوات شعوب البحر أيضًا أدى إلى تغيير ديموغرافي في المنطقة الكنعانية الرئيسة حيث هجرت بعض الجماعات الكنعانية مواطنها الأصلية في جنوب فلسطين نتيجة (وربما من جنوب سوريا مع تغيير جوهري في الظروف، فحلّت الهيمنة الحثية على سوريا مكان الهيمنة المصرية على فلسطين) للظروف السابقة، واستقرت في المناطق الساحلية لتندمج مع بداية عصر الحديد في الشعوب التي هاجمت المنطقة بعنف، وهي معروفة في التاريخ بـشعوب البحر، فاندمجت معها، بل تعاونت معها لتحقيق أهداف مشتركة أولها: في مقدمتها التخلص من الهيمنة المصرية؛ وثانيها: تحسين أوضاعها الاقتصادية من خلال الانتقال من المجتمع الزراعي إلى المجتمع التجاري البحري مستفيدة من المهارات البحرية للشعوب الجديدة المعروفة على هذا الصعيد، إذ عُرفوا في ما بعد بالفينيقيين.فالكنعانيون شعب متقدم ثقافيًّا خضع للقوانين واحتكم لها وأوجد نظامًا دينيًا احترمه، وقدسه، وقدم له الكثير، وصل أوج تقدمه خلال عصر البرونز المتأخر غير أن الأطماع الملكية التي أحاطت به من كل جانب حدّت من طموحه، ومنعته من التقدم، وكونه مجتمع قائم على الزراعة بالأساس لم يكن لديه جيش قوي يستطيع الوقوف بوجه الإمبراطورية المصرية الغنية القوية المتحضرة أيضًا في الجنوب، والإمبراطورية الحثية القوية التي لا ترحم في الشمال، لم يستطع الهروب من هذا الواقع فهو في الوسط، ولما لم يستطع مقاومة تلك القوى سعى إلى إرضائها حينًا بدفع الإتاوات وأحيانًا من خلال تبني مفاهيمها الثقافية.لذلك نجد التأثير المصري في كنعان، وتحديدًا فلسطين لم يقتصر فقط على النفوذ السياسي، وضمان حياد “الممالك” الكنعانية في الحروب المصرية، بل كان أبعد من ذلك فطال اللغة، والدين، والعمارة. وهذا ما أظهرته الحفريات الآثرية في المواقع الكنعانية الرئيسة، بل حتى ما ورد في النصوص الكنعانية، لكن ذلك التأثير لم يتغلغل في عمق المجتمع الكنعاني المحب للحياة من خلال تقديسه لعناصر الطبيعية المتعدّدة التي وجد في “نعمها” استمرارًا لحياته، فكانت الإلهة المفضلة والأكثر انتشارًا هي المرأة الأم التي تلد الحياة، والأرض التي تؤّمن استمراريتها، فظلّت مسيطرة على المجتمع تعاليم إيلو ملكو في جنوب سوريا وملكي صادق في فلسطين.فما أظهرته أعمال التنقيب والنصوص في كنعان خلال عصر البروز المتأخر يشير إلى انفتاح المجتمع الكنعاني، وتأثره بالحثيين والمصريين، لكن الآلهة الكنعانية لم تصبح مصرية، وإن تأثرت بها بشكل أو بآخر خصوصًا مع نهاية تلك المرحلة، غير أن أعضاء مجمع الآلهة، والطقوس الدينية كانت عميقة جدًا في المجمع الكنعاني، وأثّرت في الحضارة الجديدة للشعوب في المرحلة اللاحقة في أرجاء البحر الأبيض المتوسط.مراجع البحث

Bietak, M. (2002) The Function and Some Architectural Roots of the Fosse Temple at Lachish. In Beer-Sheva XV, Studies in: Archaeology and Related Disciplines, Department of Bible and Ancient Near East.

Bunimovitz, S. (2019) The Late Bronze Age. In Introduction to the Archaeology of the Land of “Israel” from the Neolithic to Alexander’s Conquests.

Clamer, C. (2004) The Pottery and Artefacts from the Level VI Temple, The Renewed Archaeological Excavations at Lachish (1973–1994), Volume III.

Cornelius, S. (2004) A Preliminary Typology for the Female Plaques Figurines and their Value for the Religion of Ancient Palestine and Jordan, Journal of Northwest Semitic Languages 30.

Day, John. (1992) Canaan, Religion of. In The Anchor Bible Dictionary, Edited by David, N., Freedman, New York.

De Pietro, D. (2012) Piety, Practice and Politics: Ritual and Agency in the Late Bronze Southern Levant, Ph.D. dissertation, U.C., Berkeley, CA, USA.

Del Medico, H. A. (1950) La Bible Cananenne, Payot. ترجمة جهاد هواش وعبد الهادي عباس

Greener, A. (2019)  Archaeology and Religion in Late Bronze Age Canaan. دراشة نشرها موقع  ResearchGate.Hess, R. S. (2007) “Israelite” Religions: An Archaeological and Biblical Survey, Grand Rapids: Baker Academics.Koch, I. (2018) The Shadow of Egypt: Colonial Encounters in Southwest Canaan during the Late Bronze Age and Early Iron Age. “Jerusalem”.

Koch, I. (2018) The Shadow of Egypt: Colonial Encounters in Southwest Canaan during the Late Bronze Age and Early Iron Age.

Moran, W. (1992) The Amarna Letters, Baltimore: Johns Hopkins University Press.

Nakhai, A. (2001) Archaeology and the Religions of Canaan and “Israel“, Boston: American Schools of Oriental Research.

Smith, M. S. (2007) Recent Study of “Israelite” Religion in Light of the Ugaritic Texts. In Ugarit at Seventy-Five, Edited by K. Lawson Younger Jr. Winona Lake: Eisenbrauns.

Yadin, Y. (1975) Hazor: The Rediscovery of a Great Citadel of the Bible, New York.

الباش، ح. (1988) الميثولوجيا الكنعانية والاغتصاب التوراتي، دار الجيل.

سوسة، أ. (1972) العرب واليهود في التاريخ، ط. 2، بغداد.

عبد الحكيم، ش. (1982) الفلوكلور والأساطير العربية، ط. 10، دار ابن خلدون.

ميلكو، إ. (1980) اللآلىء – نصوص من كنعان، ترجمة، عرنوقي، مفيد، مجلة الفكر، ط1.

* أستاذ مساعد في الجامعة اللبنانيّة كلّيّة الآداب، قسم الفنون والآثار.

[1] – خاصة في المنطقة الشمالية التي كانت مسرحًا لمملكة إسرائيل وعاصمتها السامرة التي دمرها الآشوريون حوالى 720 ق. م. في عهد هوشع آخر أنبياء إسرائيل.

[2]–  سنة 1550 – 1200 ق. م.

[3]– أحيانًا تقام الطقوس في الغابات، أو على قمم الجبال، والتلال في الهواء الطلق.

[4]– المكان الأقدس في المعبد يقع في عمق نهاية البناء، يوضع فيه تمثال الإله أو الحجر المقدس Bétyle ولا يدخله سوى الكهنة.

[5]– في أعلى المدينة أو في المدينة العليا.

[6]– العاصمة الإقليمية المصرية في وادي البقاع اللبناني.

[7]– بعد تهيئة القالب المحفور على الشكل المطلوب يوضع فيه الطين، ويُضغط عليه من الجهة الأخرى أي لا يكون مغلقًا بالكامل.

[8]– ترمز إلى الحياة الأبدية في الميثولوجيا الكنعانية.

-[9] جمع سراج وهو “القنديل” المصنوع من الطين هنا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.