أدب الرّحلة غنى أم ترف؟

0

أدب الرّحلة غنى أم ترف؟

أ.د.خديجة شهاب([1])

يزخر أدبنا العربي بأسماء العديد من العلماء والفلاسفة؛ والمفكرين والمخترعين الذين وضعوا للحضارة الحديثة أسسها، كما تعددت أسماء العباقرة الذين مروا في الأمّة العربيّة وتركوا بصماتهم على العلم والثقافة والفلك والكيمياء والفيزياء والأدب وبالتّحديد أدب الرّحلة؛ ومن هؤلاء الرّحالة ابن بطوطة الذّي طبقت شهرته الآفاق في عالم الترحال؛ وابن الجُبير؛ والمقدسي والإدريسي ولسان الدّين الخطيب في القرن الثَّامن الهجريّ ؛ وابن حوقل؛ وابن فضلان ؛ وناصر خسرو وغيرهم الكثير.

اعتنى العرب عناية عظيمة بأدب الرّحلات في سائر العصور والأزمنة؛ وقد كانت البداية  مع السِّيرافيّ في القرن الثالث الهجريّ، وتتابع الاهتمام بهذا الأدب مع رحلة البيروني الذي يُعدّ أنموذجًا فذًا مخالفًا لكل ما سلف من أدب الرّحلة، إذ تُحسبُ رحلته وثيقة تاريخيّة مهمّة تجاوزت دراسة الجغرافية إلى التاريخ فعلم الاجتماع، والأثنوجرافية كما درس ثقافات المجتمعات التي مرَّ بها ومن بينها الهند.

استمر هذا الأدب في الازدهار حتى القرن السادس الهجري وما يليه وقد كانت هذه الحقبة من أكثر القرون إنتاجًا لهذا الأدب. إذ علا شأنه وارتقى إلى المكانة الرّفيعة، واكتسى في بعض الأحيان الصّبغة الدّينية والرّوحية؛ وقد تمثل  في العباد والوعاظ والزّهاد حيث كانوا يزورون الأضرحة والمقامات المشيّدة في البلدان الإسلامية…

وقفت خلف ازدهار أدب الرّحلة عوامل عديدة؛ منها: أداء فريضة الحج إلى بيت الله الحرّام في مكّة المكرمة، أو الدّعوة إلى نشر الإسلام؛ أو الرّغبة في الاستزادة من تحصيل العلوم والمعارف؛ أو رغبة في النشاط التجاري،أو اكتشاف الأماكن من خلال انتشار الفتوحات الإسلامية  وربطها برغبة الحاكم في معرفة الأماكن التابعة له، وتبادل السفارات معها سواء أكانت إسلامية عربية أو أجنبية.

تجوّل العلماء الرّحالة في أنحاء الأرض قاطبة ولم يتركوا مكانًا إلا وزاروه حتى أنّ ابن حوقل تجول في العالم الإسلامي شرقه وغربه؛ إذ بدأت رحلته بنهر السند؛ فوصل إلى المحيط الأطلسي، ثم توغل في أماكن عديدة من العالم فدخل البلغار؛ وتابع سيره حتى أواسط نهر الفولغا ، فالمغرب والأندلس…

لم يقف أدب الرّحلة عند هذه الحدود؛ بل كان الرّحالة يُدوِّن كل ما يراه؛ وانسحب التدوين ليشمل علم الجغرافيا والتاريخ وعلم الاجتماع والسياسة والأدب، إذ كان يحلو لبعضهم أن يترك العنان لمخيلته في تدوين رحلته فيعرض لأفكار وقضايا، أو ظواهر شغلت باله.

وقد اتجه البعض الآخر نحو النَّزعة القصصيّة، فتنوع أسلوبهم بين السّرد القصصيّ فالحوار والوصف وغيره …. ولا يبعد الشّعر كثيرًا من الرّحلة فقد دخلت الأبيات الشّعرية هذا النوع من الأدب ما يشير إلى أنّه غني ومتنوع، إذ إنّه لم يترك فنّا من الفنون الأدبية إلاّ واستعان به؛ حتى أنّه وصل إلى أن يكون سيرة ذاتية يدوّن فيه صاحبها معلومات مختلفة عن حياته؛ بفن وإبداع وإتقان. ألا يشي كلّ ذلك بأنّ أدب الرّحلة غنى وثروة أدبية خلقية بإعادة اكتشافها وسبلر أغوارها! أليس جديرًا بنا أن نعيد لهذا الفنّ الأدبيّ دوره الذي كان سائدًا وقد أصبحت وسائل النقل والتواصل أسهل وأيسر على النّاس؟

[1] – أستاذ في الجامعة اللبنانية كلية الآداب والعلوم الإنسانية. لبنان – بيروت.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.