حوار الثقافات وحوار الحضارات

0

حوار الثقافات وحوار الحضارات

صباح محسن كاظم( ([1]

تمهيد

لعلّ من الطبيعي التأكيد على أن العقائد والأديان اتفقت على قضيتين اثنتين هما: التوحيد. والإصلاح. فالتوحيد إقرار بالجنان واللسان والعمل بالأركان بوحدانية الخالق، وقضية الإصلاح من الجوانب كافة. الروحية، والاجتماعية، والاقتصادية، وكل شؤون الحياة .فالأنسنة اليوم بعد جاحة الكورونا تستوجب علينا الإيمان بخالقنا، مع الجد، والإخلاص بالعمل، لأجل الفرد ، والمجتمع، والإنسانية.

لذلك بعثة الأنبياء والرسل ترشد الإنسان للتعايش مع الآخر المختلف. كما جاء في السيرة النبوية الشريفة حينما كان الحبيب المصطفى صلوات ربي عليه يحترم وجود كل العقائد. وكذلك ماورد عن الإمام علي(عليه السلام): الناس صنفان أما أخ لك في الدين وإما نظير لك في الخلق. في الأزمات تتجلى بوضوح أهمية ثقافة التعايش، والحوار الإنساني الحضاري فالحوار الثقافي وحوار الحضارات يخفف أعباء الوباء من أجل التعاون الدولي، لدرء المخاطر المحدقة بفناء البشرية سواء من الحروب أو الأوبئة كما في الكورونا والفزع الأممي الذي أثار الرّعب الدّولي ..ثقافة التعايش بثقافة الوئام البشري تنطلق من الداخل بين الشعوب ذاتها إلى المحيط الإقليمي والأممي قاطبة. فالقطبية ومصلحة التزعم العالمي، وهدر كرامة الشعوب، وحصارها، وتدمير اقتصادياتها، وعملاتها ليس من الإنسانية بصلة في زمن الحداثة ومابعد الكولونيالية والمركزية المستعمرة. المرتجى اليوم حوار الثقافات من يلبي حاجات الشعوب للسلام والصحة العامة.

المبحث الأول

الأخوة في القرأن الكريم

لقد أكد القرآن الكريم على الأخوة في الإيمان ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾ فالأخوة الإيمانية تستدعي التعاون الروحيّ، والفكريّ، والثقافيّ، والاجتماعيّ، والحوار الدؤوب بين علماء الأمة من كل الطوائف والأديان وبين أبناء الأمة الإسلامية شعبوياً، وقيادياً، فالتعاون (الإسلامي الإسلامي)، و(المسيحي الإسلامي) يُعد من الضرورات التي أكدها القرآن الكريم ﴿تَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (المائدة: 2) هنا يستدعي التعاون الإعلاميّ, والحواريّ بين أمصار الدول الإسلامية وأقطارها بكل المكونات لنشر الفكر الإصلاحيّ فالجميع مسؤول عن الإصلاح لهدي الأمة وفق رسالتها التوحيدية, والتقريبية من المنظور القرآني الكريم الذي يفرض الأخوة والتعاون على البرّ، وإحدى ركائز البرّ التعاون الاجتماعيّ، العلميّ، والثقافيّ، والإعلاميّ. فهناك دول إسلامية تمتلك الثروة، وأخرى تمتلك العلم، وأخرى تمتلك التقنية الإعلامية، فإيجاد مشروع إعلامي إسلامي موحّد الرؤى وفيه إجماع هو حلم ينبغي أن يخطط له جيداً ويستدعي المطالبة الشعبية بوسائل الإعلام المختلفة للحث على إيجاد (قناة إسلامية) موحدة متفق عليها بكل المشتركات العقائدية بين المسلمين من كل مذاهبهم وتوجهاتهم ومترجمة باللغات الحية.

قد ينظر البعض على أنه الحلم الصعب المراد لكن ليس عسير التطبيق؛ لو خلصت النوايا لهدي الأمة بالعودة إلى منابعها وجذورها العقائدية التوحيدية، بعد تعدد الأهواء والمشارب والتيارات والآراء والأفكار التي انحرفت بالمنهج الصحيح لرسالة القرآن والنبي والعترة الطاهرة والصحابة الأبرار، إن التكامل الإسلامي يسهّل مهمة التقارب الإعلاميّ والفكريّ والثقافيّ، فهناك دول فيها الثروة، وأخرى فيها العقول والملاكات المؤهلة، وأخرى فيها التقنيات الحديثة، قادرة على النهوض الإعلاميّ، ونشر القضايا العقائدية المشتركة ومنها المهدويّة بالآفاق.

إنّ مرونة العقل الإسلاميّ بالتعايش مع الآخر, وقدرته على الاستدلال الفقهيّ والعلميّ في الحوار الداخليّ والخارجيّ من منطلق ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (النحل: 125) فضلاًعن الموعظة الحسنة والحكمة النافعة تحتم إيصال عقيدة الإيمان بالإمام الموعود إلى البشرية كافة؛ فوسائل الاتصال في عصر المعلوماتية سهلت الطّريق للنشر وتبادل المعارف والأفكار والمعلومات أضحى من سمات زمننا الحالي، ومناقشة الأفكار، والآراء، وإثبات الحقائق تيسّر أكثر فأكثر من خلال وسائل الإعلام. الأمة الإسلامية تعيش فيها جميع العقائد من المندائيين والمسيحيين واليهود والعقائد التوحيدية وغيرها؛ وما يَلزمنا هو احترام جميع الهويات ..وتبقى الهوية الوطنية هي الجامع لكل الفرعيات من الهويات.

إن الأخوّة الإسلامية المسيحية مع العقائد الأخرى تستدعي التوحد بالوقوف ضد الاستعمار, وسياسة فرق تسد، والتغريب, والاختراق الثقافي التي تُحدثه (العولمة)، التي تحاول جاهدة تشتيت قدرات الأمة العلمية، الثقافية، والاقتصادية، واقتلاعها من جذورها العقائدية، فالتدخلات الدولية لزرع بذور الفرقة والفتنة الطائفية كما بمصر بين الأقباط والمسلمين، وفي السودان بين المسلمين والمسيحيين، وفي العراق بين السنة والشيعة أضف إلى ذلك أزمات الحدود، وأزمات المياه الحالية والمستقبلية، وأزمات اللجوء، والتحريض بين الدول الإسلامية ومشاكل لا حصر لها… كما بتصنيع ((القاعدة ثم داعش)) بمختبرات المخابرات باعتراف ساسة أمريكا كل ذلك يفتت شمل الأمة وقدراتها ومشروعها في عصر الانتظار.

إنّ الأمة بحاجة إلى تغيير داخلي ﴿لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾ والنصر الإلهي متى ما وُجِد الاستعداد الذاتي لدى الإنسان فيتحقق ﴿ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ ﴾ (الرعد: 11). إن وعي الأمة ينبغي أن يتجه نحو تطوير التعليم، وإصلاح البنية المنهجية للدراسة من رياض الأطفال إلى الجامعات، والاهتمام ببناء القدرات العلمية، وتنشئة الأجيال بطريق العلم لتطوير القدرات الصناعية، والزراعية، والعسكرية، والنصر الإلهي يتحقق بنشر العدل متى ما وجد الاستعداد الذاتي لدى الإنسان فيتحقق ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ محمد7 وكم من الآيات الكثيرة الدالة على النصر الإلهي ﴿كم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ البقرة249. ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ﴾ (الأنفال: 60).

ينبغي على الأمة الاستعداد للإصلاح وردم هوة التخلف، وهوة الفرقة، وهوة الطائفية، ووأد الفتنة بين المسلمين، واحترام كل العقائد الأخرى المشتركة معنا في المواطنة فهم صناع حضارة مشتركة مع المسلمين وهم إخوة في الوطن، فاحترام عقائدهم، وكنائسهم، ومنتدياتهم، ومعابدهم، من شيم المسلمين، والاتفاق على المشتركات الكثيرة بتجنب إثارة الجزئيات التي تدق بإسفين تقارب المسلمين بينهم.

ويمكن القول إنه على الإعلام الإسلامي تقع مسؤولية كبيرة وهي رأب الصدع، وردم الاختلاف لكي يحقق المسلمون أهداف رسالتهم في عالم يسعى إلى الكارتلات، والوحدة الاقتصادية، والعسكرية، وتوحيد العملات. إن وحدتنا قوة، وقوتنا بالوحدة وفرقتنا ضعف وضعفنا بالفرقة، من هنا يسعى أعداء الإسلام إلى الفرقة، وتذويب الهوية الإسلامية، وإضعاف قدراتها على النهوض الحضاري من كبوته وعثرته.

فمنذ سقوط الأندلس ودخول المستعمرين بشتى جنسياتهم لاحتلال الوطن العربي؛ والعالم الإسلامي منذ القرن الخامس عشر؛ والأمة تتراجع وتترنح من كثرة الضربات الموجهة إليها، ففقدت إذ ذاك أعز أجزائها في القدس الشريف أولى القبلتين وثاني الحرمين، ولا تزال أراضيها مغتصبة في جبل طارق، والاسكندرونة، والجولان، والضفة الغربية، ومناطق عربية ترزح تحت الاحتلال والقواعد الأجنبية. تتجلى نهضة الأمة بعودتها إلى النهج القرآني والنبوي واتباع آل البيت فهم حبل النجاة والعروة الوثقى ووصية المصطفى(صلى الله عليه وآله وسلم): إني تارك فيكم الثقلين، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا من بعدي أبدا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض. وصية المصطفى المستوحاة من القرآن الكريم ﴿ قل لا أسألكم عليه أجرًا إلا المودة في القربى﴾.

إن الإسلام يجمعنا والقرآن يوحدنا وحب العترة يطيبنا، فلم هذا الاختلاف والتناحر والتنابز والمؤامرات التي تحاك ضد الطرف الذي يعتنق الولاء لآل المصطفى، ويمهد للظهور المبارك الذي أجمعت كل صحاح المسلمين على خروج بقية الله الإمام الموعود، فضلاً عما ذكر في التوراة والإنجيل وما بشر به جميع الأنبياء، إذاً فلنمد اليد لليد، ولتتقارب القلوب والعقول، ولنترك الجزئيات كما يقول الآخر- إنه يوّلد – بين المولود والولادة نصمم على المضي بدعوة الإسلام بخروج بقية الله العدل المنتظر الذي تصبو إليه الإنسانية بكل عقائدها ومعتقداتها لتطهير البشرية من الآثام والرقي بها بالفضائل.

بالاستناد إلى ما تقدّم تحتاج الأمة إلى حوارات بين العلماء، وبين الفقهاء، إذ إنّ القواعد الشعبية متحابة في ما بينها؛ والمطلوب تنازل بعض فقهاء التكفير، وفقهاء الخرافة والفرقة، وفقهاء البترودولار وفقهاء الحكام عن آرائهم وأفكارهم الهدّامة، إذ إنّهم هؤلاء سبب مأساة الأمة، فكم فتوى سقط بسببها آلاف البشر !!وكم هدمت أضرحة ومقدسات؟ وكم من واحد أفتى للطغاة بقتل الأولياء! والأغرب لمن أفتى لصدام بكتابة القرآن الكريم بدمه – وحرمة كتابة القرآن بالدم يعرفها الطفل الرضيع وليس الفقيه الضليع – الأمة تترقب من العلماء والفقهاء جمع كلمتها وتوحيدها والحث على نشر العلم والتعاون بين جميع الأديان للاستعداد ليوم الظهور ولنصرة بقية الله في أرضه. إن الأمة التي تروم التطور لا بد من أن تسير في طريق الحقّ، وإن مقياس الحقّ هو العقل الذي منحه الله للإنسان، فعن طريق التفكير السليم يصل الإنسان إلى النتائج السليمة، حتى أن القرآن الكريم يؤكد اتباع الحق ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (التوبة: 119) ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ بِلِقَاء رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾ (الروم: 8).

ومن حكم أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام): لا غنى كالعقل؛ ولا يغش العقل من استنصحه؛ الفكر مرآة صافية؛ العقل حسام قاطع.

ويشير أمير المؤمنين إلى الشعارات والإعلام المضلل المزور والمشوه حينما سمع شعار الخوارج: لا حكم إلا لله فقال – عليه السلام – كلمة حقّ يراد بها باطل، فالحقّ أولى من أن يتبع. فللإعلام دور في الإشاعة أو الترويج المضلل للدعوات، فعلى العقل التّمييز بين الحقّ وأهله وأنصاره ومتبعيه، ولا ينبغي الاعتماد على الكثرة العددية أو قلتها، فالمقياس هو الحقّ: اعرف الحق تعرف أهله، على الرغم من أن القرآن الكريم يحذرنا ﴿ وأكثرهم للحق كارهون﴾ فالإنسان تسحبه غرائزه, وشهوته, ورغباته إلى حيث ما يرغب بذاته ولا يحكّم عقله غالباً، بل من يحكم عقله على رغباته هؤلاء هم المتقون. فالتسويف والتضليل والتخندق بين أصحاب الباطل حينما يزّوق لهم الإعلام سوء أفعالهم فيظنون أنهم على صواب! فعلى الإعلامي الحقيقي نصرة الحقّ والدفاع عن المظلومين والمهمشين والمغيبين الذين لا ناصر لهم، فضلاً عن نصرة الدين, وأئمة الهدى فهو واجب شرعي وأخلاقي؛ والاهتمام بالقرآن الكريم في التعمق المعرفيّ والفكريّ، بقراءة القرآن، وبشرح نصوصه، والغور في مفاهيمه، وبعمقه المعرفيّ، ودلالات الألفاظ، ومعاني الآيات، والانسجام والترابط بين آياته فبعضه يكمل البعض الآخر، ففقه القرآن، وتفسير القرآن، ولغة القرآن، بحاجة إلى شروحات في الإعلام المرئي، والمسموع، والمقروء. عندها يتعزز الوعيّ بمصادر الشريعة الإسلامية، وبما أنّ أكثر الناس قرباً ولحوقاً والتصاقاً بالخاتم هم أهل بيته، فهم من أدركوا أسراره، ومعانيه، ومجازه، ومحكمه ومتشابهه، وناسخه ومنسوخه. إن الباري عز وجل حفظه من التحريف والتزييف بقوله تعالى ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: 9)، وعن طريق الوحي الذي نزل على صدر الحبيب المصطفى خاتم الرسل والأنبياء محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) ﴿ قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ اللّهِ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُل لاَّ أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَـهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ﴾ (الأنعام: 19).

هناك في هذا الصدد أنواع من الوحي مختلفة منها؛ إيماني وهو الإيحاء للأنبياء والرّسل بالحقائق الوجودية والإيمانية وهذا الوحي انقطع برحيل الخاتم. أما الوحي الآخر الشرير والوسوسة والخبث والنفاق الذي يجسده الدجل في الإعلام أو في أي مرفق آخر يشير له الباري عز وجل ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ (الأنعام” 112).

يذكر السيد هاشم الموسوي في كتابه عن القرآن في مدرسة أهل البيت (ففي مجال الفكر تحدث القرآن الكريم عن أنّ التفكير سبب مباشر للمعرفة، وعلّة لها. وأوضح أنّ العلاقة بين التفكير والمعرفة هي علاقة السبب بالنتيجة).

فقد خاطب العقل والفكر البشري ودعاه إلى أن يستقرئ عوالم الطبيعة والحياة ليكتشف من خلالها وجود الخالق وعظمته وقدرته. كما وجه العقول إلى التفكر في تجارب الأمم السابقة ليكتشف العلاقة بين سقوطها واندثار حضارتها وبين الكفر والجريمة والانحراف. فعلى الصعيد الأول نقرأ عليّة التفكير للعلم والمعرفة، وقد قال تعالى ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ﴾ (آل عمران: 190). ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (آل عمران: 191)، وهكذا يوضح القرآن أنّ التفكير علّة وسبب لإنتاج المعرفة.

إذاً، على الإعلام الإسلامي التركيز على روح القرآن ورفع درجة التفكير والتأمل بالوجود ليتصور المتلقي عظمة الخالق، إذ بإمكان البرامج العلمية تصوير خلايا الدماغ حينما يولد الإنسان وفيه 140 مليار خلية، أو نبض القلب، فحينما يتوقف تتوقف الحياة بأمر الله، ودراسة فسلجة كل خلية ووظيفتها، كل ذلك يشد المتلقي حينما ندرس علوم القرآن التي تجعل الإنسان يتأمل ويحلل ويستنتج ويعود إلى الهداية. ففي كتاب العلم يدعو للإيمان وقد قرأنا عظمة القرآن باستدلالات علماء الغرب في هدايتهم للإيمان بالخالق، بكل المجالات الفيزياوية والبيولوجية والطبيعية، من ذلك نقول إن وظيفة الإعلام الجاد التركيز على الجوانب العلمية القرآنية التي ترتقي بوعي الإنسان، وبالتالي يتم التقارب والتفاهم والحوار بين الأخوة المسلمين أنفسهم؛ وبين الآخر المختلف عقديًا، فتسجل هذه الفضيلة للإعلام ولكل باحث عن الحقيقة الذي يُرضخ عقلا للعلم والعلماء فالنجاة بتطبيق الإرشاد القرآني.

المبحث الثاني

جدوى الحوار بين الحضارات

حوار الحضارات, وحوار الأديان, يُقرب المسافات بين الشعوب. ويفتت دعوات وصرخات الكراهية, في الإعلام والحرب الناعمة التي تسبب الكوارث, والتقاطع, والتصادم, في ما الأديان توحد لاتفرق كما جاء بالمبحث الأول.

ثمة حاجة ماسة جداً للتحاور بين الأديان والثقافات لصالح الإنسانيّة، ولإيجاد فرص للتّلاقي والتّعارف الفكريّ, والدينيّ, والفلسفيّ, والحضاريّ، للانطلاق لحلّ جميع المعضلات والمشكلات والمصاعب التي تواجه الإنسان، ولفهم المشتركات الدّينية فموسى وعيسى ومحمد وجميع الرسل والأنبياء(عليهم السلام) بعثوا لصالح الإنسانية.

فالحوار بين الحضارات، والثقافات، والأديان، هو المرتجى بين الشعوب والأمم، فالتنوع بين الحضارات يأتي من خلال تنوع حاجاتنا الإنسانية المتنوعة؛ كالثقافية؛ والتكنولوجية؛ والحضارية التي تدعو إلى التقارب والانسجام والتعاون؛ فالسنن الكونيّة التنوع في الأشجار، والطيور, والإنسان والتنوع العرقي والإثني, كلّها تشير إلى أنّ الكون لم يكن بلون واحد, والتأثر والتأثير والاقتباس بين الحضارات جلي، وفي هذا السياق يذكر تشومسكي (أن هناك أسساً صوتية ونحوية ودلالية مشتركة بين جميع لغات العالم بصرف النظر عما إذا كانت بين بعضها علاقات تاريخية أم لم تكن، ففي جميع لغات العالم مفردات تدل على الأشياء والمشاعر والصفات والأفعال والعلاقات المختلفة). إنّ تنوّع الثّقافات والحضارات البوذيّة, والهندوسيّة, واليهوديّة, والمسيحيّة, والإسلاميّة يحتمّ التعاون والتّعايش والحوار وإيجاد الحلول النّاجحة للمشاكل الإنسانيّة فالمشترك الحضاري والإنساني واحد من أجل السّلم الدولي، ونقاط الالتقاء بين أكبر مكونين إنسانيين المسيحية والإسلام كبير جدًا، فكلاهما يؤمن بحقوق الإنسان، واحترام الرأي والشورى تماثلها الديمقراطية والحريات السياسية، فتطوير صيرورة التكامل والتقارب بين الشعوب هو المفتاح لنزع فتيل الأزمات.

المفكرون، والباحثون، والإعلاميون، والكتاب المنصفون الأوربيون، يؤمنون بفضل الإسلام في تقنين التشريعات التي تحترم حقوق الإنسان؛ والمواثيق الدولية؛ وقد عاش المسيحيون إلى جوار المسلمين باحترام ومساواة في الحقوق. أما الإرهاب الذي طال معظم الدول منذ أحداث أيلول في الولايات المتحدة وكذلك أحداث اسبانيا وتفجيرات لندن وشرم الشيخ وتفجيرات الفنادق الثلاثة في عمان والإرهاب اليومي الذي طال العراقيين في تدمير البنى التحتية والقتل اليومي والعنف غير المبرر محليًا وعالميًا فهو السرطان الذي انتشر بين الشعوب. وأخيرًا وليس آخر الحرب الصهيونية على جنوب لبنان لأكثر من شهر؛ وملحمة الصمود الأسطوري؛ الأمر الذي استدركه مجلس الأمن والأمم المتحدة بإصدار قرار 1701 لإيقاف القتل والعدوان الصهيوأمريكي. أضف إلى ذلك حرب غزة بين حقبة وأخرى وإبادة الشعب الفلسطيني؛ بالإضافة إلى أجندة خفيه تحاول تصعيد التوتر والتقاطع الحضاري بين الشعوب والأمم والتاريخ واستشراف المستقبل.

إنّ الحوار في كتاب كريستوفر نوريس ترجمة د. عابد إسماعيل نظرية لا نقدية (ما بعد الحداثة المثقفون وحرب الخليج) – فهو يتحدث في مقاله عن موضوعية النقد النووي-إذ يقول: إننا مقبلون على حرب الدمار الشامل إذ إنّ الأخطار المحدّقة عظيمة ليس أقلها انقراض الحياة على الأرض بما في ذلك الأرشيف السينمائي للذاكرة التّاريخيّة برمته والإنجاز التكنولوجي والمصادر والمراجع الأكاديمية وغيرها لدرجة بات أن من غير المجدي تصور سباق التسلح ونتائجه المحتملة ضمن صيغ علمية للعالم الحقيقي.

إن صرخات التصادم بين الغرب المتحضر والشرق البربري (ما يدعى عنصري التفكير) هو محض هراء فالعالم يحتاج بعضه بعضاً والدول الكبرى بحاجة للأسواق الأخرى لتصريف منتجاتها الصناعية والزراعية؛ فان لم يكن هناك حوار دبلوماسي شفاف، وبرتوكولات للتعاون الاقتصادي، والثقافي، والسياسي لا يمكن للحياة أن تسير بشكل طبيعي.

إذاً؛ فأطروحة الحوار هي أقرب للتفاعل بين الشعوب من صوت المدفع وصوت القوة والدمار. يقينا أن الحوار يفضي إلى التسامح والتقارب والسلام العالمي والتعاون لصالح الشعوب؛ والمجتمع الإنساني بأسره بحاجة إلى رفع فتيل الأزمات وإزالة الألغام ورفع الأسلاك الشائكة من درب التّعاون الدّولي؛ وفي حالة الحوار الإنسانيّ الشّفاف ينطلق الإنسان نحو البناء والتعاون الدّوليّ لصنع الحضارة التي ترفل بالسلام. أما في الصراع والحروب فتنسحق كرامة الإنسان وتُهدر قيمته ويصيبه الوهن والانكسار والضياع والاضطهاد والقمع والفناء الحضاري الذي ترغب وتدفع إليه لوبيات الإنتاج الحربي الهائل المرعب. ومن أوائل الدّول التي طرحت حوار الحضارات – الجمهورية الإسلامية في إيران – في عهد الإمام الراحل الخميني- قدس سره – وعهد الإمام الخامنئي، وفي العام 1998م؛ وقد دعا محمد خاتمي إلى حوار الحضارات وتوجه لزيارة الفاتيكان وأوربا لطرح تلك الأفكار التي لاقت تجاوبًا دوليًا وقد أعلنت الأمم المتحدة العام 2001 عام الحوار الحضاري، فديننا يعلمنا الحوار والحكمة ﴿ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن﴾, العالم بأمس الحاجة إلى الحوار لا الصراع. ويستحضر الذهن حالات الصّراع الحضاريّ في الحِقب التّاريخية كالحروب الصليبية التي حفلت بالتّصادم الحضاريّ وخلقت العداء بين الشرق والغرب. فالمنظومة القيمية والروحية لشعوب الشرق مع المستعمرين بعد أفول حضارات غابت عن المسرح العالمي فلا كونفوشوسية الصين ولا هندوسية وبوذية وزرادشتية الآسيويين فقد انضوت أكثر شعوب العالم تحت يافطة الثقافة العربية التّسامحيّة، إذ تتسم تلك المنظومة الخلقية العربية بالتسامح ومحاولة بناء العلاقات الإنسانية المتكافئة، وإصلاح الفساد والوقوف بوجه العدوان والاستعمار والاحتلال.

إن الالتحام الحربي في الحروب الصليبية، وزوال الحضارة العربية في الأندلس، يُعد إشعاع حضاري وعطاء فكري خصب أثرى الأوربيين بمنجز متنوع بأبعاد المعرفة الإنسانية كلّها. ثم قيام الامبراطورية العثمانيّة التي توسعت في العمق الأوربي لقرون عديدة، وإنشاء إسرائيل لزعزعتها وإضعافها وتفكيك العالم الإسلامي ومنع الوحدة بين شطري الأمة مشرقها ومغربها، ثم بدأت السياسة المنحازة للأوروبيين بسياسة الكيل بمكيالين، والوقوف مع الجلاد ضد الضحية ولدت حالة الاستلاب؛ والعداء؛ والاحتراب؛ ووصول الأوروبيين إلى مختلف مناطق الشرق الوسط من الجزائر، وتونس، والمغرب، وليبيا، إلى المشرق العربي، والخليج العربي خلفت جرحاً غائراً في التاريخ ثم بدأ مرحلة التحرر العربي والاستقلال السياسي. فإنّ نظرة بعض المستشرقين إلى العرب أو وسائل الإعلام المغرضة تثير الإشكاليات والشكوك حول بدائية السلوك، وتخلف الإنسان الخرافي العرب ، وتثير الكراهية والسلبية ضد العرب؛ وتولد مناخاً فكرياً، وسياسياً، وعقدياً، للتحريض ضد العرب والإسلام.

إنّ عملية شطب الآخر ومصادرة تراثه وفكره وعطائه الحضاري أثبتت عبر التاريخ خطأها وعدم صوابيتها؛ إذ لا تصح مقولة بعض الآراء في حتمية التاريخ بالبقاء للأقوى فكم من القوى انطلاقًا من الرومان؛ مرورًا بطموحات نابليون؛ وهتلر؛ والصهيونية غير الشرعية بالتوسع؛ وتفضيل العنصر الجرماني كأنقى الدماء لم تنفعها القوة؛ وزالت تلك الأوهام بعد أن آلت إلى الاندثار، و وبينت أنّ العداء بضاعة يائسة يُروج لها إعلامياً، فضلاً عن الجهل بفكر وثقافة وقيم الآخر ما يفضي للصراع الدموي.

فالشراكة الحضارية تقتضي التلاقي والحوار لأن النتاج العلمي الإنساني فيه شركاء من جميع الحضارات؛ وليس وليد الصدفة، هو فعل تراكمي معرفي، فالتفاعل والتثاقف والتّحاور هو حاله ديناميكية بين المجتمعات الإنسانية من خلال التّلاقح الحضاري، فالمواجهة الحضاريّة ينبغي أن تكون معرفيّة ثقافيّة وليست عنيفة اقصائية استعلائية.

نشير هما إلى أنّ هاجس النّخب العربيّة اليوم هو كيف نواجه الغرب وهو يخطو تكنولوجياً، وصناعياً، ومعرفياً، ونحن في ركود حضاري؟ وهل الاصطلاحات السياسية وتطبيق قيم الديمقراطية، واحترام حقوق الإنسان، والإيمان بالتعددية السياسية، يقودنا إلى اللحاق بالركب الحضاري؟ الإجابة نعم، بسبب وجود العامل الاقتصادي من ثروات متعددة وموقع استراتيجي ومحفزات قيمية روحية إرثية فهي تدفع حضارياً للأمام فجميع التيارات، والإيدولوجيات، والوجودات السياسية، لديها مشاريع تؤمن بالإصلاح، وتختلف في آليات تطبيقها لأنّها لا تريد أن تحرم مصالحها وأجندتها وهذا السبب الذي يؤدي إلى الإخفاق والفجوة بين البقاء على الواقع الراهن وبين الاندفاع الحضاري للأمام، وفي هذا الإطار فلا مانع من بناء الذّات التاريخية على أصولها ومنابعها وإرثها، والتفاعل مع الآخر بالحوار الإيجابي. فنكران فضل الآخر هو عين الجور، والتغاضي عن المعطيات الحضارية، لا ينتج غير القطيعة، والوهم بالآخر، والسير حثيثًا نحو الصدام المحموم، فلدينا خطنا الحضاري، والقيمي، والأخلاقي، والروحي، ولهم أيديولوجيتهم الخاصة بهم فلا ضير من التفاعل وتحقيق المنفعة المشتركة ليس على أساس براغماتي وميكافيلي، بل على أساس أن يحقق الطموحات المشروعة للأطراف المتعددة. وقد يرى بعض الاستراتيجيين أنّها معادلة صعبة يتجاذب طرفاها نقيض حضارة قديمة، بمعتقدات فكرية وفلسفية؛ وقوانين، وتقاليد، وأنماط من السلوك، ورؤى وأفكار مختلفة مع غرب متمدن، ومتفوق تكنولوجيًا، ويفتقد إلى القيم الرّوحية، والحضاريّة، وتُسمع في الغرب أصوات تمجّد وتمدح أخلاقية وروحية الشرق بعد ازدياد حالات الانتحار؛ أو انتشار المخدرات؛ والشعور بتفاهة الوجود الإنساني، الذي يرعبهم كثيراً. من هنا باستطاعة الحوار الحضاري أن يمد جسور الثّقة المشتركة بما لدينا من قيم روحيّة وسلوكيّة، وبما لديهم من تقدم علمي فتصبح معطيات الواقع الجديد هو التوازن المشترك. أما حدوث العكس أي التعامل القهري، والاستعلاء الاستعماري، يُبقي الأزمات ويُضيّع على الغرب علاج أمراضه الرّوحية والأخلاقيّة التي تودي بحضارته إلى الهاوية من خلال التفكك الأسري المدمر؛ الذي يشظي المجتمعات وينخرها داخليا ويدق إسفين زوالها.

هناك بون شاسع بين الصراع والحوار الحضاري. فالصراع هدفه القضاء على الآخر وإفناؤه؛ أما الحوار المدعوم بالمشتركات يُفضي إلى الشّراكة الحضاريّة، والبقاء على الآخر، وجذبه إلى الصّواب، ومحاورته على المشتركات الإنسانية بعد إزالة اللبس والشكوك والشبهات وتثبيت الاتفاق على المشتركات الثنائية في قيم السلام ونبذ الإرهاب، وللإعلام الهادف الإسلامي التأثير في تقريب وجهات النظر بين المسلمين وغيرهم حينما يفهم الآخر أن التعاون في خدمة الشعوب, وثقافة الحوار، وثقافة التعايش بكل أشكاله وإدامة نظم التعاون بالمستويات كافة يزيد الروابط والألفة بين المجتمع العراقي ؛ وذلك من خلال تقديم العون التّكنولوجي والمعرفيّ؛ وإقامة شراكة اقتصاديّة بمشاريع مشركة ونقل المعلوماتيّة؛ وعدم حجبها عن الآخر لتعم الفائدة الجنس البشري. أما إذا صمَّ الغرب أُذنه عن سماع حاجات الشّرق بنقل التكنولوجيا وتلبية تنمية شاملة للشعوب وعدم دعم الاستبداد في الشرق لمآرب استراتيجية هنا يحصل التقاطع وتبدو الفجوة شاسعة بين التمدن الغربي، وتخلف العالم الثالث، وما يسمونه دول الجنوب، وعالمنا العربي المتهم دائمًا من الآخر بتفريخ الإرهاب! على الرغم من أن الإرهاب لا دين له، فالمسلمون والعرب في نظر الغرب متهمون حتى لو ثبتت براءتهم وخصوصا بعد أحداث 11 أيلول المأسوية وما جلبت من بلاء على الإنسانية. إلى مقتل جورج فلويد؛ فالعنصرية والعنف والإجرام ليست من سجايا العرب لذا الأخلاق الموروثة يجب تفعيلها من خلال نبذ العنف والإرهاب العالمي الذي يرفضه شرعهم وتاريخهم وكذلك جلد الذات وإخراجها من كبوتها ونكوصها الحضاري لحثّ الخطى للحاق بالرّكب الحضاري؛ والمنجز الإنساني؛ وعدم تضييع الفرص للنهوض من التقوقع، والجهل، والتخلف وتجاوز أطروحة المؤامرة وإلقاء تبعة تخلفنا على الآخر، والإحساس الجماعي بالتواصل مع الآخر، والاندماج وعدم التشرنق والاتكاء على الإرث الحضاري فقط، بل الاستفادة من الموروث الحضاريّ، مع الحداثة الفكريّة، والعلميّة والتّكنولوجيّة، فبتزاوجهما ينتج المجتمع العلميّ المتحضّر. لاريب إن الإساءة إلى المقدسات، والرّموز الإسلامية كالرسول العظيم محمد(صلى الله عليه وآله )، -مثلما أساءت الصحف الدنماركية؛ والنرويجية؛ والفرنسية…- ومحاولات بعض الدّول الأوربية الترويج الإعلامي لتلك الإساءة، تؤدي إلى توتر العلاقات بين المسلمين والمسيحيين، لكن الوقفة الجادة للإعلام العربي والإسلامي والدعوة للمقاطعة الاقتصادية أفشلت محاولات استمرار الإعلام في هذا المنهج الخاطئ وإيقافه عن الاستمرار بالنشر؛ بالطبع فتاوى التكفير والتّخريب والاعتداء على المقدسات، والإساءة إلى المقدسات في باكستان مكرراً من خلال المتطرفين أو بأفغانستان والهند ودول عديدة تعكر صفو الحوار الثقافي، وحوار الأديان وحوار الحضارات المنشود، وتعطل المشاريع الإنسانيّة التي تدعو إلى احترام اعتقاد الآخر وتؤدي إلى صراعات الخاسر فيها الإنسان، وبالطبع للإعلام المتزن والهادف الدور الأهم بتهدئة النفوس، وعدم تأجيجها بالحقد والكراهية، وبالتالي هو الإصلاح بذاته الذي يؤسس لثقافة إنسانية مشتركة كما هي من دواعي الإصلاح المحمديّ المهدويّ للأمم .. نحن في عصر العولمة والتكنولوجيا لذا الحوار الحضاري يساعد الشعوب على التواصل والتفاعل واحترام الآخر من أجل صناعة السلام العالميّ. يقول السيد محمد تقي المدرسي: في تفسيره(2) – ﴿يوم ندعو كل أناس بإمامهم﴾ (الإسراء: 71).

(في ذلك اليوم يدعو الله سبحانه كل أمة بإمامها، والإمام يعكس قِيم أمته، وهو تجسيد لكل فرد في الأمة، وهكذا يجب أن تنبع القيادة من صميم الأمة، وتعيش واقعها، وكلّ قيادة لأتبع من صميم الأمة فإنّها لا تمتلك مبرر البقاء لأنها تتنافر طبيعياً مع كل فرد في هذه الأمة. والأمام هو القرآن الموحى به، وهو الذي يجسد القرآن ويكون قرآناً ناطقاً فالفكرة الرّسالية هي القائدة وإنّما يمثلها ذلك الأمام الناطق بها، ويجب على الإنسان أن يتبع الفكرة قبل أن يتبع الشخص، وأن يعرف خط القائد قبل شخصه، فإذا أردت إتباع قيادة فلابد أن تعرف خطها أولاً).

الكورونا والتعاون الدولي

وسط هذه الجائحة والخطر الدّولي ثمة ضرورة تاريخية للتّعاون الأممي وضرورة لأن تسود ثقافة التعايش؛ وإلغاء ثقافة العنصرية وقد ثار الرأى العام الأمريكي بعد مقتل الشاب الأسود (جورج فلويد) وعمت المظاهرات المدن منددة بالعنصرية وقد أدان العالم بأسره مقتله وحدها ثقافة التعاون؛ وثقافة التآزر بالجوانب كلها كفيلة برفع الحصار الدّوائي عن الشّعوب؛ والعودة إلى الإيمان الرّوحي واحترام العقائد والأديان وترك الإلحاد ونشر الفساد والانحطاط والدّعارة التي هتكت القيّم الإنسانية؛ وأدت إلى سخط الله على خليفته في الأرض الذي أراد منه إحياء العلم ونشر الفضائل والمحبة. وخطورة الموقف تتطلب المزيد من التعاون بكل المجالات الطبية، والإنسانية، والكفّ عن الأذى المحموم للشّعوب، وتدمير اقتصاديات الشّعوب لأغراض التفوق الاقتصادي. لوقف هذا القاتل الصّامت والحرب الفايروسية التي تهدد البشرية بالفناء يتطلب ثقافة التعايش وثقافة الوئام ونشر ثقافة المحبة بين الشعوب.

المصادر والمراجع

  • القرآن الكريم.
  • كريستوفر نوريس ترجمة د. عابد إسماعيل نظرية لا نقدية – فصل (ما بعد الحداثة المثقفون وحرب الخليج).
  • محمد تقي المدرسي – من هدي القرآن الكريم – ج 6 ص277.

4- صباح محسن كاظم –الإعلام والأمل الموعود –ط4 دار الصادقين – ص 198.

[1] – ناقد وباحث عراقي له العديد من المؤلفات والكتب والدراسات والأبحاث ويتابع دراساته العليا في المعهد العالي للدكتوراه في الجامعة اللبنانية الآداب والعلوم الإنسانية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.