مواقف جورج سمنه من الحركة الصّهيونيّة (1917 – 1929)

0

مواقف جورج سمنه من الحركة الصّهيونيّة (1917 – 1929)

شادي جوزاف عبد السّاتر*

تدلّ كتابات جورج سمنه الغزيرة في قضايا المشرق بشكل عام ومواقفه من المشروع الصّهيوني في فلسطين بشكل خاص (في الثلث الاول من القرن الماضي) على اهتمام كبير أولاه هذا المفكر اللّبناني الأصل بقضايا المنطقة. لذلك تأتي دراسة كتاباته عن الصّهيونية في إطار محاولة فهم آراء ومواقف نخب فكرية كان لها وزنها وتأثيرها في الأوساط المثقفة، لا لتبنّي طرف من المسألة، بل، ولأنّ البحث التّاريخي يقتضي الموضوعيّة أيًّا كانت مسألة البحث المطروح، قمت بدراسة الموضوع بتجرّد بهدف فهم مواقف جورج سمنه كما رآها. لذلك قبل التطرّق إلى مواقفه من الحركة الصّهيونية، لا بدّ من إلقاء نظرة سريعة إلى حياته الشخصيّة ودائرة علاقاته، وأبرز كتاباته.

1- نبذة عن حياة جورج سمنه وكتاباته

وُلد جورج سمنه في مصر عام 1877 من أبوين لبنانيين. إنتقل إلى لبنان في عمر الثالثة عشر ليكمل دراسته، ثم انتقل إلى فرنسا للتخصّص في مجال الطب[1]. تخرّج وعمل طبيبًا في الجيش الفرنسي. ثمّ أسّس مع شكري غانم[2] مجلّة “Correspondance d’Orient” (مراسلة الشّرق)[3] عام 1908، وبقي رئيس تحريرها إلى حين وفاته عام 1938. وقد برز سمنه عضوًا فاعلًا في لجنة أصدقاء الشرق (الفرنسية)“Comité des Amis de l’Orient” التي كانت تروّج لفرنسا في السلطنة العثمانية بشكل خاص. وأسّس أيضًا مع شكري غانم اللّجنة المركزية السوريّة، فترأسها غانم، فيما شغل هو أمانة سرّها. وقد طالبت هذه اللّجنة باستقلال سوريا الكبرى (بما فيها فلسطين) مع طلب الوصاية الفرنسية عليها. وقد استطاع جورج سمنه تكوين شبكة علاقات كبيرة لدى دوائر القرار في فرنسا، فكان مقرّبًا من كبار الشّخصيّات السّياسيّة الفرنسيّة كالرئيس ريمون بوانكاريه ووزير الخارجيّة بيشون على سبيل المثال لا الحصر، فكان شخصيّة سياسيّة وفكريّة معروفة في الوسط السياسيّ الفرنسيّ، فقلّدته الحكومة الفرنسيّة وسام الشّرف الفرنسيّ من رتبة فارس تقديرًا لها على جهوده. توفّي عام 1938 عن عمر 61 سنة تاركًا وراءه إرثًا فكريًّا كبيرًا من مقالات ومؤلّفات عديدة، في المجال السّياسيّ، الاقتصاديّ والاجتماعيّ.[4]

تتألّف كتابات سمنه الغزيرة، من مئات المقالات في مجلّته على امتداد حوالي ثلاثين عامًا (من العام 1908 إلى العام 1937)، وعدد من الكتب أبرزها كتابه La Syrie””[5] (سوريا) الصادر عام 1920 والّذي يخصّص فيه فصلًا خاصًّا لتوضيح موقفه من المشروع الصّهيوني في فلسطين، كما يخصّص عددًا من مقالاته في المجلّة يشرح فيها رأيه في فلسطين ومواقفه من اليهود ومن الحركة الصهيونية.

وقد اعتمدت بشكل أساس على تلك المقالات التي تناول فيها الحركة الصهيونية ما بين عامي 1917 و 1929، لأتمكّن من رصد تطوّر مواقفه مع تطوّر الأحداث والسّياسات في المنطقة. كما اعتمدت على كتابه سوريا للاطّلاع على مواقفه من المشروع الصّهيوني ما بين عامي 1917و1920. ولكن، وقبل استعراض مواقف الدكتور سمنه من الحركة الصّهيونيّة، سأتطرّق إلى توجّهاته السياسيّة بشكل عام، وذلك بهدف فهم المنطلق الذي بنى عليه مواقفه السّياسيّة عمومًا، وموقفه من الحركة الصّهيونيّة بشكل خاصّ.

2- توجّهات جورج سمنه السّياسيّة وموقفه من فلسطين

لقد كان جورج سمنه مقرّبًا من الفرنسيين كما أشرت سابقًا، وكان من مؤيّدي الحزب الاستعماريّ الفرنسيّ،[6] ومن المقرّبين من غرف التّجارة الفرنسيّة (وقد تزوّج من إيفون توماس العام 1912 وهي ابنة أوغست توماس مدير غرفة تجارة باريس).[7] ويؤكّد انتماء جورج سمنه إلى هذا الحزب، حضوره اجتماعات الرابطة الاستعمارية الفرنسيّة،[8] وتولّيه منصب سكرتير لجنة الدّراسات الإسلاميّة والشّرقيّة “La Commission des études musulmanes et orientales” الّتي تهتمّ بشؤون المستعمرات الفرنسيّة.[9] كما يؤكّد على هذا الانتماء، دفاعه عن الاستعمار الفرنسيّ في أكثر من مقال.[10] وقد حيّته مجلّة “المسائل الاستعماريّة والبحريّة الفرنسيّة “Revue des questions colonials et maritimes” على مجهوده في دعم قضيّة التوسّع الفرنسيّ في الخارج ولا سيّما في المشرق، وذلك بمناسبة منحه وسام الشرف الفرنسي.[11]

وقد أخذ الحزب الاستعماريّ (الّذي يؤيّده سمنه) منذ مطلع العقد الثاني من القرن العشرين يطالب بتأمين النّفوذ الفرنسيّ في سوريا الكبرى التي كانت تشتمل على ما يسمّى اليوم سوريا وفلسطين ولبنان والأردن.[12]

انطلاقًا من هذا الانتماء السياسيّ، يمكن فهم تبنّي سمنه طرح سوريا الكبرى. ويؤكّد تبنّيه هذا الطّرح (حسب اعتقاده) في مرّات عديدة، ويشدّد على أنّ فلسطين هي جزءٌ لا يتجزّأ من سوريا الكبرى الطّبيعيّة الّتي دعا إلى تحقيق وحدتها بحماية فرنسيّة. ففي مقال له في 25 آب 1917، يكتب سمنه في هذا الإطار ما يلي:

“كلٌّ يعرف أنّه من طوروس شمالًا إلى الرّمال المتاخمة لقناة السّويس، ومن البحر إلى الصّحاري الّتي تمتدّ باتّجاه بلاد ما بين النّهرين، تشكّل سوريا وفلسطين منطقة طبيعيّة واضحة المعالم ولا يفرّقها أيّ حاجز أرضيّ. فالتّربة هي نفسها، وذات المحاصيل وذات المظاهر العامّة. المناخ نفسه، والسّكّان أنفسهم، كما أنّ التّقاليد هي نفسها. هذا التّطابق يسهم في إثبات أنّ هذه البقعة الجغرافيّة معدّة للوحدة السّياسيّة.”[13] وفي مقال آخر، في 25 تشرين الثاني عام 1918، على إثر هزيمة العثمانيين وانسحابهم من المنطقة، يعتبر سمنه أنّ الشّعب السّوري هو مهد العالم المتمدّن ويعتبر نفسه متحدّثًا باسم هذا الشّعب، ويطالب بتأسيس دولة سوريّة مستقلّة، ويطالب بوحدة سوريا وفق حدودها الطبيعيّة من طوروس الى سيناء، ومن المتوسّط الى الصّحراء. ويضيف أنّ سوريا لن تتقبّل أيّة تجزئة تمسّ بحقوقها الطّبيعيّة، وتنتهك كلّ تعاليم التاريخ، والجغرافيا والإثنوغرافيا، والموقع الاقتصاديّ.[14] وفي كتابه “سوريا” يؤكّد أنّ سوريا وفلسطين تشكّلان معًا وطنًا واحدًا، وبأنّه لا يمكن فصل أيّ جزء منهما دون نقض الجغرافيا وحق الشّعوب، والضّرورات الإقتصاديّة، والرّشد السياسيّ.[15] وقد تمسّك سمنه بالمطالبة بالوصاية الفرنسيّة على سوريا، فيقول: “إنّ التّاريخ والشّعور الشّعبيّ والمبادئ السّياسيّة، كلّها تتّفق على تعيين فرنسا، بصفتها الأكثر أهليّة لنصح سوريا المتجدّدة وتوجيهها.”[16]

كما رأى وجوب قيام الوحدة السّوريّة وفق نظام فيدراليّ وعلّل ذلك بضرورة إيجاد حلّ للانقسامات الطّائفيّة والإثنيّة في سوريا. فالانقسامات الطّائفيّة، يقول سمنه، كبيرة جدًّا في هذا البلد، والخصوصيّات المحلّيّة شغوفة كثيرًا بالاستقلال الذّاتيّ، فكلّ مجموعة تعتبر أنّ مصالحها الخاصّة، تعلو كلّ المصالح حتّى على المصلحة الوطنيّة نفسها. وإنّ رفض الأخذ بعين الاعتبار بهذا الشّعور، سيؤدّي برأيه إلى الفوضى، وسيكون حاجزًا أمام تطوّر البلاد و”هذا الشّعور القويّ بالخصوصيّة، والعنيد لدى هذه المجموعات، لا يكفي لإرضائه مجرّد نظام لامركزي، إذ يبدو من الضّروريّ دفع الحرّيّات المحلّيّة إلى الفيدراليّة.”[17]

رأى جورج سمنه إذًا، إنطلاقًا من تأييده الحزب الاستعماريّ الفرنسيّ الّذي يطالب بسوريا كبرى فيدراليّة تحت وصاية فرنسا، أنّ فلسطين جزءٌ لا يتجزّأ من سوريا الكبرى التي آمن بقيامها دولة موحّدة، وهذا ما سيشكّل محورًا أساسيًّا ينطلق منه سمنه لتكوين مواقفه من مشروع الحركة الصّهيونيّة.

3- مواقف جورج سمنه من الحركة الصّهيونيّة (1917-1929)

بحسب جورج سمنه: “إنّ المسألة اليهوديّة، تشغل، في أعلى درجة، الّذين يعتقدون أنّه لا يمكن أن يحصل أي تطوّر وطنيّ لسوريا بدون خضوع المصالح الخاصّة فيها، ذات الطّابع العرقيّ والدّينيّ، للضّرورات العليا للوطن. في الواقع، نحن نشهد مجهودًا ولد خارج فلسطين، ويحاول أن يصطحب إليها شعبًا بأكمله لتأسيس دولة يهوديّة، صهيون الجديدة.”[18]

ويبيّن سمنه في مقال له بتاريخ 10 تشرين الأوّل سنة 1917، السّبب الأساس الذي يجعله يُعنى بالمشروع الصّهيوني في فلسطين، التي يعتبرها جزءًا لا يتجزّأ من سوريا كما سبق وأشرت، فيوضح أنّ أكثر ما يهمّه في موضوع الحركة الصّهيونيّة هو مصير سوريا التي لا يرضى بتقسيمها، وبأنّ الاستيلاء عليها من أيّ قوّة: “ستعتبر بنظرنا (أي بنظر سمنه والسوريين) جريمة خيانة وطنيّة.”[19]

فكانت لسمنه مواقفه من المشروع الصّهيوني وانعكاساته على فلسطين وسوريا، متابعًا تطوّر الأحداث في فلسطين في عشرينيّات القرن المنصرم. كما كان له موقفه من ترسيم الحدود السّوريّة-الفلسطينيّة (بما فيها الحدود الجنوبيّة للبنان مع فلسطين) في 23 كانون الأوّل العام 1920. وقبل استعراض مواقف سمنه في هذه القضايا لا بدّ من التّعريف بإيجاز بالحركة الصّهيونيّة، كما الوقوف عند نظرة جورج سمنه حول تأسيسها.

أ – موقف جورج سمنه من نشأة الصّهيونيّة ونظرته إلى مؤيّديها

الحركة الصّهيونيّة التي شكّلت محورًا أساسيًّا في اهتمامات جورج سمنه، هي حركة أسّسها الصّحافيّ اليهوديّ المجريّ تيودور هرتزل.[20] فبعد أن أصدر كتابه “الدّولة اليهوديةّ”[21] (Der Judenstaat باللغة الألمانيّة التي صدر فيها لأوّل مرّة) عام 1896،[22] ترأّس المؤتمر الصّهيوني الأوّل العام 1897 في مدينة بال في سويسرا.[23]

وتهدف الحركة الصّهيونيّة، بحسب ما جاء في المؤتمر الصّهيوني الأوّل، وأورده جورج سمنه في كتابه سوريا، إلى “إنشاء وطن قوميّ لليهود في فلسطين مكفول بالقانون العام.”[24] ولأجل بلوغ هذا الهدف، تسعى الصّهيونيّة إلى تشجيع هجرة المزارعين، الحرفيين والصّناعيين اليهود ولمّ شملهم جميعًا، وتقوية الشّعور بالكرامة الشّخصيّة والوعي الوطني للشّعب اليهوديّ. كذلك تشجيع القيام بخطوات من أجل الحصول على التّأييد اللّازم من الحكومات من أجل بلوغ هذا الهدف.[25]

يعلّق جورج سمنه على مقرّرات المؤتمر الصّهيوني الأوّل (في بال العام 1897) برئاسة هرتزل، فيعتبر أنّ المشروع الصّهيوني الّذي كان هرتزل ينوي تطبيقه، يهدف إلى تنظيم حكم ذاتي للشّعب اليهودي، لا يتعارض كثيرًا مع فكرة قيام سوريا الفيدراليّة، على حدّ تعبير سمنه، و”لكنّ تلاميذ هرتزل ضيّقوا أفكاره الواسعة الى أفكار خاصّة متعنّتة والّتي ستشكّل تهديدًا كبيرًا للوحدة الوطنيّة السّوريّة.”[26]

ويقصد سمنه بهؤلاء “المتعنّتين”، بحسب ما جاء عنده: “الّذين يسعون إلى إنشاء أمّة يهوديّة أكثر منها العمل على إنشاء مستوطنات يهوديّة.” وقد أطلق عليهم تسمية “الصّهاينة السّياسيين” وهم “أتباع هرتزل” و “ماكس نوردو”،[27] الّذين يعملون جاهدين لدى الحكومات والرّأي العام، لإنشاء أمّة يهوديّة. وقد حذّر سمنه “من نواياهم باقتطاع فلسطين عن باقي الجسم السّوري.”[28]

كما ويفسّر سمنه حماسة بعض اليهود للمشروع الصّهيوني، بأنّ يهود أوروبا على سبيل المثال، كانوا لا يزالون يعانون من معاملة دونيّة. ويشير إلى أنّ أكثر من نصف أوروبا كانت لا تزال في أواخر القرن التاسع عشر، تفرض على اليهود حالة مريرة ومذلّة.[29] وفي حين أنّ جزءًا من اليهود الذين يعانون الاضطهاد والفقر يفضّلون الهجرة،[30] ويشكّلون بالتالي أرضًا خصبة للصّهيونيّة، فإنّ اليهود الّذين يعيشون في بلاد حصلوا فيها على حقوقهم الكاملة كمواطنين (بشكل أساس في الولايات المتحدة وأوروبا الغربيّة)، يفضّلون البقاء حيث هم، “ففي كلّ مكان لا يخشى فيه اليهود عداوة الحكومات، ولا معاداة السّاميّة[31] من الجماهير، يفضّل هؤلاء، البقاء حيث هم، بدل الذّهاب لتكريس أنفسهم للبؤس، بالانصراف إلى عمل شاق، في بلد قيمته الوحيدة (بالنّسبة إلى اليهود حسب سمنه) أنّه الوطن القديم للعبرانيين.”[32]

لم يكن جورج سمنه إذًا يعتبر مشروع هرتزل الأساسي، الوارد في أعمال المؤتمر الصّهيوني الأوّل، هادفًا إلى إنشاء وطن مستقلّ مفصول عن “سوريا الكبرى” التي آمن بضرورة قيامها. ولكنّه بدأ يتخوّف من خطر الطّروحات الصّهيونيّة اللّاحقة على يد من سمّاهم ﺑ”الصّهاينة السياسيين” الذين يسعون إلى إقامة كيان سياسي يهودي مستقلّ.

ب- السّجال بين سمنه وأحد زعماء الحركة الصهيونية

في خضمّ الحرب الكبرى، وبعد انعقاد مؤتمر استثنائي لحزب العمّال البريطاني[33] في 10 آب 1917، صدر عنه بيان باسم “مذكّرة حول أهداف الحرب” ( (Memorendum on the War Aimsيتضمّن تمنّيًّا من المجتمعين بتحرير فلسطين كدولة مستقلّة بضمانة دوليّة، يعود إليها اليهود ويحقّقون فيها خلاصهم، ويتحرّرون من تدخّلات أولئك الذّين هم من عرق أو ديانة أجنبيّة.[34] يعترض سمنه في صحيفته الصادرة بتاريخ 25 آب 1917 (في أوّل عدد منها تلا بيان 10 آب) على هذه المذكّرة ويشنّ هجومًا على حزب العمّال البريطانيّ وعلى الحركة الصّهيونيّة، فلقي ردًّا من “تولكوفسكي”[35] وهو أحد زعماء الحركة الصّهيونيّة. وقد عرض جورج سمنه ردّ تولكوفسكي في صحيفته، ثمّ عاد وردّ بدوره عليه. فرأيت أنّه من الضّروريّ الدّخول في تفاصيل هذا السّجال الصّحافيّ الّذي دار بين الشّخصيّتين، وذلك بهدف تبيان صورة عن الصّراع الاعلاميّ حول مستقبل فلسطين ما بعد الحرب، إضافة إلى إبراز أهمّيّة كتابات جورج سمنه المناوئة للحركة الصّهيونيّة ممّا جعل الصّهاينة يتتبّعونها ويردّون عليها.

في مقال جورج سمنه الصّادر بتاريخ 25 آب 1917 في مجلّة Correspondance d’Orient، بعنوان “الصّهيونيّة ومصير سوريا”، ردًّا على مذكّرة حزب العمّال البريطاني، يعتبر سمنه أنّ هذا الحزب عالج المسألة الشّرقيّة[36] بوقاحة صادمة من قبل العقول البريطانيّة، الّتي عادة ما تكون أكثر انفتاحًا على الوقائع، ورأى بالمذكّرة الصّادرة تهيئة لتحويل فلسطين إلى جمهوريّة يهوديّة مستقلّة ذاتيًّا.

وقد حمّل المسؤوليّة في هذا الطّرح إلى الصّهاينة: “إنّها الفكرة الصّهيونيّة القديمة، الّتي تعود إلى الظّهور، هكذا فإنّ إعادة إحيائها غير المتوقّعة، تشكّل برهانًا جديدًا على الخفّة الّتي تناول بها الاشتراكيّون الإنكليز هذه المسألة وبتّوا فيها.” ويتساءل سمنه طارحًا السّؤال التالي: “كم هو عدد يهود فلسطين، هؤلاء الّذين يريد إشتراكيو بريطانيا العظمى دعوتهم إلى الاستقلال السّياسيّ بموجب مبدأ القوميّات؟”، ويجيب بنفسه: “عددهم تسعون ألفًا فقط، مقابل خمسماية ألف مسلم، هذا بدون احتساب المسيحيين على اختلاف طقوسهم وعددهم مهمٌّ أيضًا.” ويقول: “إنّ محسنين يهود من دول عديدة، وبخاصّة فرنسيين وإنكليز، متأثّرين بكلّ أنواع النّبذ والمضايقات الّتي تعرّض لها أبناء دينهم في روسيا ورومانيا، يتخيّلون ترحيلهم إلى بقعة (منطقة) أكثر ضيافة.”[37] كما أنّ عددًا هامًّا من اليهود المهاجرين إلى فلسطين، بحسب سمنه، يأتون من المانيا، وهو مقتنع أنّه في حال القيام بتحقيق حول نسب هؤلاء المُرحّلين، “نكتشف معظم الأحيان أنّنا أمام مسألة جنود ألمان مخلصين.”[38] ويشكّك سمنه في إمكانيّة نجاح اليهود في الزّراعة فيذكر أنّه من النّادر جدًّا أن يعمل اليهود في الزّراعة أيًّا كانت، وبأنّه من الأكثر ندرة أيضًا، هو أن ينجحوا بهذه الزّراعة.[39]

ويؤكّد بأنّه لمن الوهم جعل فلسطين بلد توطين لليهود. ليس لأنّ المنطقة جافّة وغير خصبة، بل لأنّ مقاييسها محدودة، والأراضي القابلة للزّرع باتت مشغولة، ويعتبر أنّ الصّهيونيّة تسير نحو الفشل الكامل. ويبرّر ذلك بأنّ اليهود المستقدمين من أوروبا الشّرقيّة، يستهلكون بسرعة رأس المال الصّغير، الّذي أعطي لهم من قبل الصّهاينة، فيقع معظم هؤلاء في حالة البؤس. ويعلّق سمنه على ذلك قائلًا: “لن نكون متفاجئين أبدًا إذا كان البعض منهم ما يزال يعيش على نفقة مروّجي الصّهيونيّة، الّذين يبذّرون في هذه المغامرة غير المجدية، ملايين لا بأس بها.”[40] ويشير إلى أنّ جميع الرّجال المؤهّلين للكلام باسم يهود فرنسا، متّفقون على نفي ضرورة إنشاء جمهوريّة يهوديّة، وبالتّالي نفي منح الدّيانة اليهوديّة سلطة زمنيّة. كما أنّ الجمعيّات اليهوديّة في بريطانيا يزيد سمنه، ذهبت إلى أبعد من ذلك أيضًا، فأعلنت ببيان[41] بتاريخ 24 أيّار 1917 (البيان موقّع من السّيّد دافيد ألكسندر David Alexander رئيس لجنة النّوّاب البريطانيين اليهود، وكلود منتفيور Claude G.Montefiore رئيس الجمعيّة الإنكليزيّة اليهوديّة) أنّ الصّهيونيّة خطرٌ على اليهود المنتشرين في العالم والمنتمين إلى جنسيّات مختلفة.[42] يردّ تولكوفسكي على مقال جورج سمنه مفنّدًا النّقاط التّي تناولها الأخير، معلّقًا على مضمونها. فيثمّن جهود حزب العمّال البريطاني في العمل على إنجاح المشروع الصّهيوني، ويعتبر سمنه مخطئًا باعتباره هذا المشروع مجرّد أوهام، ويستشهد بكلمة اللّورد “كرومر”[43] الّتي صرّح بها الى صحيفة اﻟ”Spectator” في حزيران 1916، ويقول فيها: “الصّهيونيّة أصبحت بسرعة مسألة واقعيّة، فلا يستطيع السّياسيّون من اليوم فصاعدًا رفضها كأنّها خيال جامح لبعض المثاليين.” ويعترض على قول سمنه بأنّ الاستيطان اليهودي في فلسطين هو من صنع المحسنين اليهود، فيكتب أنّه على خلاف ما يزعم الدّكتور سمنه فالاستيطان ليس من صنع المحسنين، بل هو وطنيّ بامتياز. ولا ينكر تولكوفسكي أنّ محسنين يهود قدّموا خدمات جليّة لعمليّة الاستيطان، إلّا أنّهم ليسوا هم من أحدثوها، بل جاؤوا ليدعموها، ولكي يساعدوا مستوطنين مستقرّين في فلسطين من الأساس. ويتّهم تولكوفسكي سمنه بمحاولة استثارة الأحكام الشّعبيّة المسبقة ضدّ المستوطن اليهودي عندما يعتبر أنّ عددًا هامًّا من اليهود المهاجرين إلى فلسطين هم من الألمان وبأنّ معظم هؤلاء هم في الحقيقة جنود ألمان،[44] فيردّ تولكوفسكي بما يلي: ” في الحقيقة من بين مئة وعشرين ألف يهوديّ يعيشون في فلسطين وليس تسعون ألفًا (تسعون ألفًا هو الرّقم الّذي أورده سمنه بمقاله)، ليس هناك حتّى مئة ألمانيّ.” ثمّ يشير إلى أنّ الأرقام تبرز تفوّق اليهود على العرب في المجال الزّراعي في فلسطين مقارنًا بين مردود محاصيل اليهود الزّراعيّة، ومردود المحاصيل العربيّة مبيّنًا تفوّق اليهود في المجال الزّراعي على عكس ما أورده سمنه عن فشل اليهود في الزّراعة. ويعلّق على قول سمنه بمحدوديّة مقاييس الأراضي في فلسطين واعتباره أنّ معظم الأراضي القابلة للزّرع باتت مشغولة، بأنّ عدد سكّان فلسطين الّذي يبلغ حوالي سبعماية ألف، لا يشكّل سوى 15% أو حتّى 10% من عدد سكّانها الّتي كانت أرض فلسطين تطعمهم في أيّام ازدهارها، كما أنّ الأرض المزروعة في فلسطين، تشكّل فقط 18% من مجموع الأراضي القابلة للزّرع.[45]

وفي ما خصّ ذكر جورج سمنه رفض المثقّفين اليهود قيام دولة يهوديّة، واستشهاده بموقف الجمعيّات اليهوديّة في بريطانيا من الحركة الصّهيونيّة، يعترض تولكوفسكي على كلام سمنه مبيّنًا التّأييد اليهودي الواسع للحركة الصّهيونيّة ولقيام دولة يهوديّة، ويبيّن لجورج سمنه الّذي يستشهد بالبيان المعادي للصّهيونيّة الموقّع من السّيّد الكسندر رئيس لجنة النّوّاب البريطانيين اليهود، ومن السّيّد مونتفيور رئيس الجمعيّة الإنكليزيّة اليهوديّة، بأنّ البيان الصّادر لا يتطابق مع الرّأي العام اليهوديّ، فالجمعيّة الإنكليزيّة-اليهوديّة هي ناد خاصّ ليس له أيّة صفة تمثيليّة، فقط لجنة النّواب اليهود هي الجهاز الرّسمي الّذي يمثّل اليهود الإنكليز. وقد أعلنت هذه اللّجنة في اجتماع لها بتاريخ 17 تمّوز 1917، أنّ الآراء المعروضة في هذا البيان المنشور(أي البيان المعادي للصّهيونيّة ولمشروع الدّولة اليهوديّة في فلسطين الصّادر بتاريخ 24 أيّار 1917)، لا تمثّل على الإطلاق رأي اللّجنة، وقد أجبرت اللّجنة رئيسها السّيّد ألكسندر على تقديم استقالته.”

ثمّ يشير تولكوفسكي إلى اعتراضات واسعة من الجمعيّات اليهوديّة في الولايات المتّحدة والأمبراطوريّة البريطانيّة في اليوم التالي على بيان ألكسندر ومنتفيور.[46]

أمّا الرّدّ الثاني لجورج سمنه فقد جاء تأكيدًا منه على ما أورده في مقاله الأوّل مركّزًا على خطورة المشروع الصّهيونيّ بإنشاء دولة يهوديّة، على يهود العالم.[47] ثمّ نجد أنّ سمنه خفّف حدّة انتقاده للحركة الصّهيونيّة، في مقال له بتاريخ 10 تشرين الثاني 1917، أي بعد شهر من الرّدّ الّذي تلقّاه من تولكوفسكي على مقاله عن الصّهيونيّة، وقد جاءت مواقف صهيونيّة أخرى معترضة على كتاباته، فيشير سمنه إلى المواقف الصّهيونيّة المعترضة عليه، وقد اعتبرها سوء فهم لما كتبه، فيقول أنّه من الضّروريّ توضيح وجهة نظره، فجاء مقال 10 تشرين الثاني معتدل اللّهجة تجاه الصّهاينة، فبعد أن وصف الصّهاينة بأصحاب المشروع الخيالي وبأنّ المشروع الصّهيوني يشكّل خطرًا على اليهود ويستثير مشاعر المعاداة للسّاميّة، في المقال السّابق، ها هو يعتبر أنّ الحركة الصّهيونيّة هي وليدة معاناة الشّعب اليهودي المضطهد في البلاد الّتي يعيش فيها، ومسيرة لنيل حقوق المواطنة الكاملة في تلك البلاد. وباستثناء رفضه لإقامة الصّهاينة وطنًا لهم في فلسطين، يعتبر أنّ الطّرح المثاليّ للصّهيونيّة هو القضاء على الكراهيّة ضدّ اليهود، ويعطيهم الحقّ في ذلك على اعتبار أنّ التّمييز العنصري وهو أعمى وغير عادل، هو الأكثر فظاعة والحاجز الأقوى الّذي يوجه الضّمير الإنسانيّ في مساره نحو الاحترام الكامل للفرد.[48]

قد يكون السّبب وراء هذا التّراجع المفاجئ في حدّة لهجة سمنه من المشروع الصّهيوني في مقاله المذكور، مردّه إلى ضغوطات تعرّض لها من قبل الصّهاينة، أو أنّها قراءة ذاتيّة من قبل سمنه لمواقفه السّابقة فقرّر التّخفيف من حدّة موقفه من الحركة الصّهيونيّة. وفي إطار الكلام على مواقف سمنه أيضًا، من الضّروريّ التّوقّف عند إعلان بلفور(محور موضوع هذا المؤتمر)، والاطّلاع على كيفيّة فهم جورج سمنه لمضمونه بالنّسبة إلى مستقبل المسألة اليهوديّة في فلسطين.

ج- موقفه من وعد بلفور

في أواخر العام 1917، إختارت الحكومة البريطانيّة تقديم وعد إلى الحركة الصّهيونيّة كوسيلة لكسب دعم كبير من قبل اليهود وبخاصّة في روسيا والولايات المتّحدة من أجل مجهود الحرب الكبرى، فجاء الوعد على شكل رسالة من وزير الخارجيّة البريطانيّ أرثر جايمس بلفور،[49] إلى اللّورد روتشيلد،[50] الرّئيس الفخري للمنظّمة الصّهيونيّة في بريطانيا وإيرلندا. وُقّع نصّ وعد بلفور بتاريخ 2 تشرين الثاني سنة 1917، ونُشرت هذه الرّسالة لأوّل مرّة في الصّحافة البريطانيّة[51] بتاريخ 9 تشرين الثاني سنة 1917.[52] وقد نصّ وعد بلفور على ما يلي: “عزيزي اللورد روتشيلد يسرني جدًّا أن أبلّغكم بالنيابة عن حكومة جلالته، التصريح التالي الذي ينطوي على العطف على أماني اليهود والصّهيونية، وقد عُرض على الوزارة وأقرّته:

إنّ حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف إلى إقامة مقام قومي في فلسطين للشعب اليهودي، وستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية، على أن يُفهم جليًّا أنّه لن يؤتى بعمل من شأنه أن ينتقص من الحقوق المدنية والدّينية التي تتمتّع بها الطوائف غير اليهوديّة المقيمة في فلسطين، ولا الحقوق أو الوضع السّياسيّ الّذي يتمتّع به اليهود في أي بلد آخر.

وسأكون ممتنًّا إذا ما أحطتم الاتّحاد الصّهيوني علمًا بهذا التّصريح.”[53]

بعد نشر تصريح بلفور الموجّه إلى اللّورد روتشيلد لأوّل مرّة في صحيفة التايمز البريطانية بتاريخ 9 تشرين الثاني 1917، يعلّق جورج سمنه على التّصريح في اليوم التّالي (بتاريخ 10 تشرين الثاني) ولم يقرأ فيه تصريحًا بإنشاء كيان سياسيّ خاصّ باليهود في فلسطين، بل تأكيدًا من قبل الحكومة البريطانية على طروحاته (طروحات سمنه) السابقة عن حق الشعب اليهودي في العيش في فلسطين دون المساس بالحقوق المدنية للسّكان غير اليهود، ودون المساس بالحقوق والأوضاع السّياسيّة الّتي يتمتّع فيها اليهود في الدّول الأخرى. ويعرب عن سعادته بأنّ طموحات اليهود بدأت تحصل على الرّضى الشرعي. ولم يعتبر رسالة بلفور وعدًا لليهود بإقامة كيان سياسيّ خاصّ بهم.[54]

د- تداعيات المشروع الصّهيوني على الوحدة السّوريّة وعلى سكّان فلسطين في كتابات سمنه:

يبدي جورج سمنه في مقال له في 25 آب 1917، قلقًا واضحًا على المصير الّذي قد تواجهه “سوريا” (بما فيها فلسطين) بعد انتهاء الحرب الكبرى. فيتخوّف من “خضوع السّوريين الّذين سيتحرّرون من الطّغيان العثماني، إلى طغيان آخر، ولو كان أقلّ إثقالًا عليهم، على حدّ تعبير سمنه، ألا وهو الهيمنة اليهوديّة.”[55]

وينبّه من مخاطر اقتطاع فلسطين عن سوريا فيقول: “نحن نعلم أنّ فلسطين مقتطعة عن المجموع السّوريّ، هي أوّل طعن بالجنسيّة السّوريّة. ممّا سيولّد عنفًا غير مقبول ولا يغتفر. وهذا العنف سيحفر هوّة من الرّيبة والكراهيّة بين السّكّان المحلّيين (أي الفلسطينيين) واليهود المستوطنين.”[56] وفيما يتخوّف سمنه من قيام كيان سياسيّ لليهود مستقلّ في فلسطين، ويحذّر من تداعياته على سوريا، يرحّب في المقابل بقدوم اليهود إلى سوريا، وتحديدًا الى فلسطين، شرط البقاء ضمن الوحدة السّوريّة. ويعتبر أنّهم سيساهمون بثقافتهم ونشاطهم ورؤوس أموالهم بنهضة سوريا، وبإدخالها ركب التّقدّم.[57] وبعد انعقاد مؤتمر سان ريمو[58] في نيسان سنة 1920، الّذي وُضعت فيه فلسطين تحت الانتداب البريطانيّ،[59] والّذي تمّ فيه التزام تطبيق وعد بلفور،[60] يعتبر جورج سمنه أنّ الحلفاء لم يتعاملوا في المشرق على أساس مبادئ ولسن،[61] فحق الشّعوب في تقرير مصيرها لم يتمّ اعتماده في فلسطين بالعمل على إقامة الدّولة اليهوديّة فيها. ويقول بأنّ الغالبيّة العظمى من اليهود يعارضون قيام الدّولة اليهوديّة، فالغبن الأوّل “كان تقطيع سوريا بفصل فلسطين (التي هي إقليم سوري بنظره) عنها.” والغبن الثاني يتمثّل ﺑ”وضع أكثريّة مسلمة تحت وصاية أقلّيّة ضئيلة.”[62] عندئذ، يزيد سمنه: “سيكون على سكّان فلسطين من مسلمين ومسيحيين ويهود، الّذين كانوا خاضعين سابقًا للأتراك، الخضوع لسلطة الصّهاينة، وبالتالي استبدال تيوقراطيّة بتيوقراطيّة أخرى.”[63]

د- موقفه من اليهود ونظرته لانعكاسات قيام دولة يهوديّة على يهود العالم

يمكن لأيّ باحث في كتابات الدّكتور سمنه، ملاحظة تمييزه بين اليهود والحركة الصّهيونيّة، ففيما كان ينظر إلى الصّهاينة بريبة لمساعيهم في تأسيس دولة يهوديّة في فلسطين، تفكّك وحدة سوريا وتضع سكّان فلسطين من غير اليهود في موقع دونيّ في حال نجاح مساعي الصّهاينة، فإنّه يبدو واضحًا وثابتًا عنده احترام حقوق اليهود كسائر الديانات، وكذلك تعاطفه مع تاريخهم.

وقد أيّد سمنه حقوق اليهود بالاستيطان في فلسطين شرط عدم المسّ بحقوق الدّيانات الأخرى فيها وعدم تمتّعهم بحقوق مميّزة عن هؤلاء. فيقول: “بغضّ النّظر عن طبيعة النّظام السّياسي في فلسطين، يجب أن يستطيع يهود العالم أجمع، ممّن يرغب في الاستيطان في أرض أجداده، أن يقوموا بذلك بكلّ حرّيّة وبأن يُستقبلوا بمودّة. ولكن يجب أن تتمّ معاملتهم بدون أيّة امتيازات زائدة عن حقوق سكّان البلاد الآخرين، وليس عليهم التّمتّع بحقوق مميّزة، وذلك تحت خطر تعريض أغلبيّة السّكّان، من مسلمين ومسيحيين، للقمع.”[64]

وبالنّظر إلى تاريخ اليهود، يربط سمنه بين فكرة عودتهم الى أورشليم (القدس) بالاضطهادات التي تعرّضوا لها على مدى قرون طويلة في أوروبا. وهي فكرة قديمة عندهم قدم تلك الاضطهادات. فبقي هذا “التّوق الغامض إلى العودة الى أورشليم القدس”، يعبّر عنه اليهود، بحسب سمنه، في صلواتهم اليوميّة، منذ ما يزيد على ثمانية عشر قرنًا، فيردّدون دائمًا: “قرّب منفيينا من وسط الشّعوب، إجمع شتاتنا من أقاصي الأرض واجعلنا نعود إلى صهيون مع هتاف النّصر، وإلى أورشليم، بيتك المقدّس، وسط ابتهاج الجنس البشريّ.”[65]

ويحاول سمنه تفسير هذا “التّوق الدّائم” إلى العودة إلى القدس، فيعتبر أنّه لو تمتّع اليهود في كلّ مكان بالمساواة والحرّيّة الّتي يتمتّعون بها في بلدان القانون العصريّ، ولو أنّه تمّ دمجهم بالمواطنين الآخرين، لما كانت النّظريّات الصّهيونيّة لتبصر النّور أبدًا. ويشير إلى الاضطهادات الّتي تعرّض لها اليهود في أجزاء كثيرة من أوروبا في النّصف الثّاني من القرن التاسع عشر. فيذكر أنّه وحتّى نهاية القرن التاسع عشر، إستمرّ أكثر من نصف أوروبا بفرض حالة قاسية ومذلّة بحقّ اليهود. فيهود روسيا، عوملوا كأشخاص دونيين، إلى حين سقوط القيصريّة (عام 1917). فمُنعوا من دخول بعض المدن، وبعض المناطق، كما أُقفلت بوجههم المهن الحرّة. وقد تجدّدت المجازر ومذابح اليهود الكارثيّة بلا انقطاع، وقد سمحت بها، إن لم تكن قد افتعلتها، بنظر سمنه، الشّرطة كما المسؤولون الحكوميّون. كذلك يوصّف الوضع الرّاهن الصّعب لليهود في رومانيا، حيث مُنعوا من ممارسة مهنة المحاماة والصّيدلة وغيرها من المهن. ويذكر أنّ تسعماية ألف (900000) يهوديّ في غاليسيا،[66] يعيشون بتعاسة كبيرة.[67]

أمّا في ما خصّ تداعيات المشروع الصّهيوني على اليهود في العالم، فقد رأى سمنه بالحركة الصّهيونيّة خطرًا كبيرًا على أوضاعهم: “نحن نعتبر أنّ الصّهيونيّة تشكّل خطرًا كبيرًا على اليهود أنفسهم. لأنّ تأسيس دولة يهوديّة، سيجعل حقّ المواطنة الّذي ناله اليهود بعد طول معاناة، يتعرّض للطّعن به.”[68] لذلك يعتبر أنّه من الضّروريّ على اليهود أن يكونوا ديانة فقط، لا دولة مستقلّة. لأنّ إقامة دولة يهوديّة خاصّة بهم، يضيف سمنه، ستعيد فتح شهيّة أتباع التّيّار المعادي للسّاميّة (في أوروبا بشكل أساسيّ) الّذين سيطالبون بمغادرة اليهود من أوروبا (في الوقت الّذي حظي به هؤلاء، ولا سيّما في الغرب، على كامل الحرّيّة وعلى كامل الحقوق).[69]

و‌- جورج سمنه مدافعًا عن الحدود اللبنانية

بعد انتصار الحلفاء البريطانيين والفرنسيين وانسحاب العثمانيين من المشرق في أوائل العام 1918، إزداد الصّراع على تقاسم النّفوذ بين بريطانيا وفرنسا في ما أطلق عليه الحلفاء إسم أراضي العدوّ المحتلّة (بما فيها سوريا ولبنان وفلسطين موضوع الدّراسة)، وبرزت مسألة ترسيم الحدود بين سوريا (ولبنان) وفلسطين لا سيّما بعد إقرار الإنتداب الفرنسي على سوريا (ولبنان) والإنتداب الإنكليزي على فلسطين والعراق في مؤتمر سان ريمو في 25 نيسان 1920.

وقد عرفت مسألة ترسيم الحدود بين سوريا ولبنان من جهة، وفلسطين من جهة أخرى، مباحثات طويلة بين الجانبين الفرنسي والبريطاني، وقد مارست فيها الحركة الصّهيونيّة ضغوطات كبيرة على الحكومة البريطانيّة من أجل توسيع حدود أراضي فلسطين شمالًا وصولًا إلى نهر اللّيطاني بهدف تأمين أراضي جديدة وغنيّة بالمياه للدّولة اليهوديّة المزمع إنشاؤها.[70]

ومن الأمثلة على مساعي الحركة الصّهيونيّة إلى توسيع حدود فلسطين شمالًا، المذكّرة المقدّمة من الوفد الصّهيوني إلى مؤتمر الصّلح والمؤرّخة بتاريخ 3 شباط 1919، أوصل فيها حدود فلسطين الشّماليّة إلى جوار صيدا، وصولًا إلى جسر القرعون إلى جبل حرمون الّتي تعتبر المذكّرة أنّه لا يمكن فصله عنها دون توجيه ضربة إلى جذور حياتها الاقتصاديّة بالذّات. أذكر في هذا الصّدد إرسال حاييم وايزمان[71] (الزّعيم الصّهيوني) ثلاث رسائل إلى أعضاء في مؤتمر سان ريمو توسّل فيها “ضم اللّيطاني إلى فلسطين” حيث لا إمكانيّة (برأيه) “لإقامة الوطن القومي اليهودي من ناحية إقتصاديّة بدون تأمين مصادر مياه الأردن واللّيطاني.”[72] وقد اتّخذ المجلس الاستشاري الصّهيوني في القدس في تشرين الثّاني 1920 القرار التّالي في إطار توسيع الحدود: “يصرّ ممثّلو عموم سكّان فلسطين بالإجماع على أن تشمل الحدود الشّماليّة: القسم الأسفل من اللّيطاني، وكلّ منطقة وادي الأردن وجميع روافده ومجاريه.” ويطلبون من المندوب السّامي البريطاني في فلسطين اتّخاذ الخطوات اللّازمة.[73] وقد أبدى جورج سمنه تعجّبًا في أحد مقالاته من قوّة النّفوذ الّذي يمتلكه الصّهاينة ليفرضوا إرادتهم، كما يقول، في مسألة ترسيم الحدود السّوريّة-الفلسطينيّة.[74] من خلال تتبّع كتابات جورج سمنه عن مساعي الحركة الصّهيونيّة في توسيع حدود فلسطين شمالًا باتّجاه اللّيطاني، يُلاحظ هذا الموقف الّذي اتّخذه في أحد مقالاته دفاعًا عن حدود لبنان الجنوبيّة بوجه مساعي التّوسّع الصّهيوني على حساب أراضيه. وقد اتّخذ سمنه هذا الموقف تعليقًا منه على اتّفاق بين فرنسا ممثّلة ﺑ G. Leygues، وبريطانيا ممثّلة ﺑ Hardinge of Penshurst موقّعًا بتاريخ 23 كانون الأوّل 1920 حول تنظيم شؤون الحدود والمياه وسكك الحديد وما إليها من شؤون تربط مناطق الانتداب. وفي المادّة الأولى من الاتّفاق توضيح لحدود فلسطين مع منطقة الانتداب الفرنسي[75] (وفي هذا الاتّفاق تبدأ حدود لبنان من رأس النّاقورة).

يعلّق سمنه على الاتّفاق ويعتبره جاء بعد مساومات من قبل الصّهاينة “الّذين كانوا قد تمكّنوا لو سمحنا (ويتكلّم باسم الفرنسيين) لهم بذلك، أن يأخذوا قطعة كبيرة من الأرض اللّبنانيّة. لقد تذرّعوا بأسباب تاريخيّة بدون قيمة، وبحجج إقتصاديّة قليلة الإقناع. فلطالما كانت الحدود غير ثابتة البتّة، في هذا الجزء من العالم، على مدار القرون، فلا سبب إذًا بالعودة إلى تاريخ آخر. وتمتدّ حدود كانون الأوّل 1920 إنطلاقًا من رأس النّاقورة على الرّغم من أطماع الصّهاينة في وضع اليد على صور.”[76] يتّضح من خلال هذا النّصّ حرص جورج سمنه على الدّفاع عن حدود لبنان بوجه أطماع الحركة الصّهيونيّة بأراضيه.

ز- مواقف سمنه من تطوّرات الأحداث في فلسطين (عشرينيات القرن العشرين)

دخلت القوّات البريطانيّة إلى القدس في أواخر العام 1917 (بعد انتصارها على العثمانيين)، ثمّ أوكلت بريطانيا بالانتداب على فلسطين في مؤتمر سان ريمو (نيسان 1920). وقد عيّنت بريطانيا هربرت صامويل[77] وهو يهودي مؤيّد للحركة الصّهيونيّة، كأوّل مفوّض سام بريطاني في فلسطين، والّذي طبّق سياسة داعمة لموقع الصّهاينة في فلسطين وشجّع هجرة اليهود إليها، تمهيدًا لإقامة وطن اليهود المزمع إنشاؤه. خلال مرحلة بداية الانتداب البريطانيّ (سنة 1920) وصولًا إلى حوادث العام 1929، كان لسمنه مواقفه من تطوّر الأحداث في فلسطين. فعلّق على بعض تلك الأحداث، كمقرّرات المؤتمر العربي الفلسطيني الثّالث، وعلى جزء من نشاطات الحركة الصّهيونية في فلسطين، كما كتب عن أحوال الانتداب البريطاني. كذلك كان له رأيه بافتتاح “الجامعة العبريّة” في القدس، إضافة إلى موقفه من حوادث العام 1929.

بداية مع المؤتمر العربي-الفلسطيني الثّالث، وقد انعقد هذا المؤتمر في حيفا، في 13 كانون الأوّل 1920. وحضره ممثّلون عن الجمعيّات الاسلاميّة المسيحيّة والجمعيّات الأخرى في مختلف أنحاء البلاد، وتولّى رئاسته موسى كاظم الحسيني.[78] وأكّد أعضاء المؤتمر فيما اتّخذوه من قرارات أنّ فلسطين مشمولة في المملكة الّتي وعدت بريطانيا بموجب مراسلات الحسين – مكماهون[79] بأن تعترف بها، وأعربوا عن استيائهم من شكل الحكم القائم في فلسطين واعتبروا الحكومة القائمة غير شرعيّة (أي حكومة هربرت صامويل). واعترض الأعضاء المجتمعون على اعتراف الحكومة بالمنظّمة الصّهيونيّة هيئة رسميّة وباللّغة العبريّة لغة رسميّة، وكذلك اعترضوا على استخدام العلم الصّهيوني وعلى قبول المهاجرين الصّهيونيين. وقد ندّد المؤتمر “بكثرة عدد الصّهيونيين المعيّنين في مختلف دوائر الحكومة”، واختتم بيانه بإعلان ثلاثة مبادئ، أي “ميثاق وطني” للحركة الوطنيّة العربيّة في فلسطين، تضمّنت ما يلي:

  • شجب السّياسة الصّهيونيّة الّتي تنطوي على إقامة وطن قومي لليهود والمبنيّة على تصريح (أو وعد) بلفور.
  • رفض مبدأ الهجرة اليهوديّة.
  • إقامة حكومة تمثيليّة وطنيّة.[80]

ينقل جورج سمنه أصداء هذا المؤتمر بحماس شديد، ويرى فيه اعتراضات مشروعة، تشكّل حافزًا لتعديل مؤتمر سيفر،[81] لأنّه كما يبدو، بحسب سمنه، “أنّ الموطن اليهودي يؤذي مشاعر الأغلبيّة الفلسطينيّة وإرادتها المشروعة، أكثر بكثير ممّا يمكن أن نتوقّع. ولكن لنتجنّب أيّ سوء فهم، نتمسّك بالتّذكير مرّة أخرى، أنّنا نتابع الأوضاع في فلسطين آخذين بعين الاعتبار حقوق الشّعوب، وبدون تغذية أدنى عداوة بوجه اليهود. نحن نحترم ديانتهم، كما نحترم بالتّساوي كلّ المعتقدات الّتي يؤمن بها النّاس. ليس لدينا أدنى حكم مسبق تجاه عرقهم، الّذي كنّا أوّل من اعترف بمزاياه العظيمة.”[82]

يُبدي سمنه في مقال له بتاريخ 15 نيسان 1921، تعاطفًا واضحًا مع المطالب الفلسطينيّة، ولكنّه يستدرك بالتّذكير بحقوق اليهود كغيرهم من الجماعات الدينيّة. وهو يعيد التّذكير بتمييزه بين اليهود والمشروع الصّهيوني في فلسطين، “ليتجنّب أيّ سوء فهم” كما يقول. خاصّة وأنّنا شهدنا سجالًا بينه وبين الزّعيم الصّهيوني تولكوفسكي قبل ذلك في العام 1917،[83] كما أنّه لا يريد على الأرجح إعطاء انطباع خاطئ بأنّه معاد للسّاميّة.

كما يشير سمنه، تعقيبًا على المؤتمر العربي الفلسطيني الثّالث المذكور، أنّ السّكّان المحلّيين رفضوا بشدّة تصريح بلفور، ويشير إلى الاحراج الّذي سبّبه هذا المؤتمر ﻟ”هربرت صامويل”، وإلى المنظّمة الصّهيونيّة، وبأنّ محاولات صامويل تشويه صورته باءت بالفشل، وكان لها انعكاسٌ مضادٌ، فوحّد الفلسطينيين وراء مطالب هذا المؤتمر. وقد أكّدت أمنيات المؤتمر، بحسب سمنه، “قوّة الشّعور الوطني مقابل عدم شعبيّة مخطّطات الصّهاينة.”[84]

كما يفسّر سمنه آليّة عمل الحركة الصّهيونيّة في فلسطين، فيكتب ما يلي: “لا يمكن إخفاء أنّ الصّهيونيّة تقيم دولة داخل دولة، وتنظّم نفسها بهدوء، وبطريقة ممنهجة، إلى اليوم الّذي سيصبح بإمكانها استلام السّلطة وفرض نظامها على الأكثريّة.” ثمّ يحذّر من الأبعاد الّتي سيخلّفها المشروع الصّهيوني في فلسطين: “فتصرّفات الصّهاينة تراكم الأحقاد عليهم، وقد أدّت إلى تعزيز قوّة الحراك الوطني (الفلسطيني) بوجه المشروع الصّهيوني، كما تؤدّي إلى إعادة إيقاظ مشاعر معاداة السّاميّة.”[85] وينبّه من خطورة انهيار السّلام في المشرق ويطرح التّساؤل التالي: “هل تستشرف بريطانيا هذا الخطر قبل فوات الأوان؟”[86] وفي تمّوز سنة 1923 يتطرّق سمنه إلى الأوضاع المضطربة القائمة في فلسطين، مشيرًا إلى أنّ “سبب الهدوء الظّاهر في شوارع القدس يعود إلى التّأهّب الدّائم للقوّات البريطانيّة، والمدجّجة بالسّلاح.” ويندّد ﺑ”دور البريطانيين بفرض نظام ترفضه أكثريّة السّكّان.” ويقول بأنّهم “خلقوا سيادة أقلّيّة غير قادرة على البقاء في الحكم ليوم واحد دون اللّجوء إلى القوّة.”[87]

ويرحّب بافتتاح الجامعة العبريّة في القدس[88] في نيسان 1925، ويتوقّع أن تتحوّل إلى مركز روحيّ تشدّ أنظار اليهود إليها من جميع أنحاء العالم، كما روما بالنّسبة إلى الكاثوليك ومكّة بالنّسبة إلى المسلمين. ويرى أنّ إنشاءها سيسهم في نهضة لغويّة وهو حدثٌ سعيد. ولكنّه ينتقد “تضخيم هذا الحدث”، بحسب سمنه، ويعتبر أنّ ذلك يسهم أكثر فأكثر بتجزئة سوريا، الّتي بقي معترضًا على عدم بقائها موحّدة كما آمن بها (أي سوريا الكبرى فيدراليّة).[89]

أمّا بالنّسبة إلى حوادث آب العام 1929 [90] الدّامية بين اليهود والفلسطينيين، فكتب سمنه مقالًا بعنوان “المسألة اليهوديّة-العربيّة” في أيلول 1929 تعليقًا على هذه الأحداث الّتي اندلعت في القدس والّتي راح ضحيّتها أكثر من مئة قتيل من كلّ جانب، إضافة إلى مئات الجرحى من الطّرفين، بعد إشكال حائط المبكى (أو حائط البراق).[91]

يشرح سمنه أسباب تفاقم الصّراع، ويحمّل الصّهاينة مسؤوليّة ما حدث ويكرّر اعتقاده بفشل المشروع الصّهيوني، ولكنّه لا ينكر تأثير القوّة الماليّة الكبيرة الّتي يمتلكها الصّهاينة، ودعم كبار متموّلي اليهود الأميركيين لهم. فيرى أنّه على الرّغم من إخفاقاتهم، لا تزال الحركة الصّهيونيّة قويّة، فيما الهويّة العربيّة في فلسطين لا خوف عليها لغلبة العنصر العربي الواضحة على صعيد الدّيمغرافيا. ويتوقّع سمنه إذا بقيت الأمور على حالها، “أن يتحوّل الصّراع العربي-اليهودي إلى صراع أبديّ.”[92] ويجد أنّ الحلّ لهذه المسألة يكون ﺑ”اعتراف زعماء الصّهاينة بأخطائهم وبحصر طموحاتهم”، ويتمنّى “الوصول إلى اتّفاق بين اليهود المستوطنين وعرب فلسطين برعاية وتنسيق فرنسيّ-بريطانيّ.”[93]

4- رؤيته لمستقبل المشروع الصّهيوني

مع الأخذ بعين الاعتبار مجمل كتابات جورج سمنه عن الحركة الصّهيونيّة ما بين العامين 1917 و1929، بالإمكان القول أنّ سمنه كان متخوّفًا من المشروع الصّهيوني الّذي رأى فيه خطرًا على مستقبل المنطقة وسكّانها، وقد بيّنت موقفه هذا خلال هذه الدّراسة. لذلك، وعلى الرّغم من تأكيده في أكثر من مرّة على فشل المشروع الصّهيونيّ، إلّا أنّه لا يمكن الجزم بـأنّه كان مقتنعًا بحتميّة فشل هذا المشروع، وإلّا لما كان متخوّفًا منه منبّهًا ومحذّرًا مرارًا من تطوّراته. ولكنّ الثّابت أنّ جورج سمنه بقي مراهنًا في كلّ كتاباته على سقوط المشروع الصّهيوني. وقد دعّمت رهانه هذا، مجموعة من المعطيات الّتي اعتبرها سمنه عائقًا بوجه نجاح المشروع.

لقد ركّز جورج سمنه في كتاباته على عدّة أسباب ستؤدّي إلى فشل الصّهاينة. إحدى هذه الأسباب هي تشكيك سمنه بإمكانيّة نجاح اليهود المجتمعين من كلّ أنحاء العالم بالانصهار بشعب واحد متجانس. ويرى نتيجة ذلك أنّ قيام مثل هذه الدّولة هو أمرٌ غير ممكن. ويعتقد أنّ “شعب موسى القديم لم يعد موجودًا، وقد مات كشعب، وبأنّ لا قوّة تستطيع إعادة إحيائه.”[94] كما يعتقد أنّ الصّهاينة يواجهون صعوبات عمليّة كبيرة من حيث أنّ عدد كبير من يهود أوروبا الغربيّة يخاصمونهم. هؤلاء (أي يهود أوروبا الغربيّة) “لا يريدون فهم إسرائيل إلّا باعتبارها ديانة، ويخافون أن يُعيد الطّرح الصّهيوني فتح الطّريق أمام معاداة السّاميّة.”[95] ويستشهد أيضًا بأرقام الهجرة اليهوديّة إلى فلسطين، والّتي يراها خجولة. ففلسطين، بحسب سمنه، ليست أرضًا جاذبة للهجرة لغياب فرص العمل، على عكس هجرة اليهود إلى البلاد الغربيّة حيث يجدون سريعًا فرص عمل. يكتب سمنه في هذا الخصوص: “لا يمكن على الإطلاق مقارنة أرقام الهجرة اليهوديّة إلى سوريا مع الأرقام الّتي وصلته هذه الهجرة إلى أميركا وإنكلترا، وحتّى فرنسا. فحيث هاجر اليهود إلى تلك البلاد، وجدوا سريعًا فرص عمل في التّجارة. فالظّروف الاقتصاديّة الحاليّة لفلسطين تبقى محدودة إلى حدّ بعيد. كذلك غياب الصّناعة المحلّيّة، لا تسمح بتوقّع جذب أصحاب المعارف التّقنيّة، الّذين يجدون عملًا بكلّ سهولة في عواصم الغرب. فبالنّسبة إلى المهاجر، تبقى زراعة الأرض في الواقع مورد العيش الوحيد.” ويزيد سمنه من تشكيكه بنجاح الهجرة اليهوديّة إلى فلسطين فيقول: “وهل علينا أيضًا أن نأخذ بعين الاعتبار عدم جهوزيّة المستوطنين والّتي تسبّبت بخيبات كثيرة وكلّفت الكثير من المال؟ ليس هناك شكٌّ أنّ العقائد الصّهيونيّة تحمل خطأً جوهريًّا سيحكم عليها بالفشل النّهائي.”[96]

وقد اعتقد سمنه منذ العام 1926 أنّ اليهود قد أصبحوا مقتنعين بعدم إمكانيّة قيام دولة لهم في فلسطين، فقد ترأّس ندوة بعنوان “الدّراسات الصّهيونيّة”،[97] وقد شارك فيها خيرالله خيرالله،[98] إضافة إلى شخصيّات يهوديّة[99] من روسيا والمشرق، وقد بيّنت له الكلمات الملقاة في النّدوة، إمكانيّة تعاون اليهود والفلسطينيين معًا على أرض فلسطين.[100] ويذكر في آذار 1927 أنّه حضر عشاءً شاركت فيه فعاليّات يهوديّة معترضة على الصّهيونيّة ومنهم صهاينة سابقين.[101] وقد أظهر فيه المجتمعون، رفضهم لكيان سياسيّ لليهود في فلسطين. ويشير سمنه تعليقًا على الكلمات الّتي ألقاها عددٌ من المجتمعين في هذا اللّقاء، إلى أنّ طرحه عن عدم إمكانيّة قيام دولة يهوديّة في فلسطين بات يتأكّد يومًا بعد يوم أمام الوقائع، على حد تعبيره، ويذكر أنّه “خلال سبع سنوات، قدم إلى فلسطين حوالي ثلاثين ألف يهوديّ فقط في الوقت الّذي كانت تعمل فيه الحركة الصّهيونيّة على استقدام أربعين ألف مستوطن كلّ عام، على الرّغم من الأموال الطّائلة الّتي صرفها الصّهاينة والّتي لم تجد نفعًا.”[102] وقد طالب بإعادة النّظر في الوضع السّياسي لفلسطين على ضوء “فشل الصّهاينة في تحقيق مخطّطاتهم فيها.”[103] وفي مقال سمنه الأخير الّذي خصّ به فلسطين ونشاط الحركة الصّهيونيّة فيها، بعنوان “المسألة اليهوديّة-العربيّة”، يُعيد تأكيد اعتقاده بفشل المشروع الصّهيوني في فلسطين وبخاصّة لعدم قدرته على جذب أعداد كبيرة من اليهود إليها، على الرّغم من أموال الدّولار الطّائلة الّتي يتلقّاها الصّهاينة من كبار يهود الولايات المتّحدة.[104]

خاتمة

من خلال ما سبق وتقدّم، بإمكاني القول أنّ جورج سمنه كان معارضًا بشكل واضح للحركة الصّهيونيّة الّتي اعتبرها حركة توسّعية من شأنها تجزئة ما رآه سوريا كبرى، وتأجيج الصّراع في منطقة المشرق، وإعادة تأجيج مشاعر المعاداة للسّامية ضد اليهود في دول العالم. وقد ميّز سمنه بين اليهود والصّهاينة، فدافع عن كامل حقوق اليهود كسائر مواطني سوريا، ولكنّه اعترض على مساعي البعض منهم (الصّهاينة) في العمل على تأسيس كيان سياسي لهم في فلسطين.

ورغم أنّ سمنه شكّك في إمكانية قيام دولة يهوديّة في فلسطين واعتبرها سرابًا في العديد من كتاباته مستندًا إلى أرقام الهجرة اليهودية الخجولة، ومع أنّ تأسيس دولة إسرائيل في أيّار 1948، تمّت خلافًا لتوقّعاته، ولم يعرّض أوضاع اليهود في الغرب للخطر كما اعتقد هو، إلّا أنّ تحذيراته المستمرّة من مساعي الصّهاينة وعملهم الدّؤوب للوصول إلى أهدافهم تنمّ عن هاجس كبير لديه من إمكانية تحقيق مشروع قيام الدّولة اليهوديّة، خاصّة وأنّه كان مدركًا للقدرة الماديّة الكبيرة التي يتمتّع بها الصّهاينة، مدعومين من البريطانيين الّذين رأى فيهم مدافعين عن ذلك المشروع. كما يبدو واضحًا من خلال تحذيراته، أنّه تمتّع ببعد نظر سياسيّ، فقد رأى أنّ تراكم الأحقاد وعدم قبول السّكان العرب الخضوع للأقليّة الصّهيونيّة، ستحوّل الصّراع إلى صراع طويل الأمد بين المستوطنين اليهود والسّكان العرب، حتى أنّه وصف هذا الصّراع ﺑ”الصراع الأبدي”. وبالفعل، فإنّه بعد إعلان دولة إسرائيل الّتي لم يعش جورج سمنه ليرى ولادتها، وما رافقه من رفض فلسطيني وعربي لولادتها (إعلان حرب من الدّول العربيّة المجاورة)، والصّراع الّذي نشب بين اليهود من جهة، والفلسطينيين والعالم العربي المحيط من جهة أخرى، أكّد مخاوف سمنه من تأجّج الصّراع اليهودي – العربي. وبعد مئة عام على وعد بلفور، وبعد مئة عام على مقال سمنه الأوّل عن المشروع الصّهيوني، لا يزال الصّراع العربي -الاسرائيلي (بشكل أو بآخر) والصّراع الفلسطيني – الاسرائيلي (بشكل خاص) قائمًا، وما تزال القضيّة الفلسطينية أبرز القضايا الدوليّة العالقة والّتي تنتظر الحلّ العادل. كما أنّ تنبيه جورج سمنه من الأطماع في أراضي جنوبي لبنان أثناء ترسيم الحدود الجنوبيّة اللّبنانية – الفلسطينيّة، تذكّرنا بضرورة التّنبّه إلى المخطّطات الّتي تحاك لوضع اليد على ثروات لبنان من أرض وماء ونفط “وبخاصّة النّفط” من كلّ طامع أيًّا كانت هويّته.

لائحة المصادر والمراجع

المصادر الأجنبيّة

Correspondance d’Orient, revue économique politique et littéraire, paraissant les 1 et 15 de chaque mois, directeurs: Dr Georges Samné et Chekri-Ganem, Date de publication: 1908-1945, Paris.

– J.H.KANN, Eretz Israël, Librairie Falk Fils, Bruxelles 1910.

– Lévi, Sylvain, Une Renaissance juive en judée, Imprimerie Driay-Cahem, Paris 1918.

Revue des Questions Coloniales et Maritimes, (Economie, politique, armée, marines, intérêts français à l’étranger, questions extérieures), Organe mensuel de la société des études colonials et maritimes.

– Samné, Georges, La Syrie, Editions Bossard, Paris 1920.

المراجع العربيّة

– الكيالي، عبد الوهاب، “تاريخ فلسطين الحديث”، المؤسّسة العربيّة للدّراسات والنّشر، الطّبعة العاشرة، بيروت 1990.

– توما، إميل، “جذور القضيّة الفلسطينيّة”، إصدار المكتبة الشّعبيّة في النّاصرة، ]د.ت[.

– خليفة، عصام كمال، “أبحاث في تاريخ لبنان الحديث والمعاصر”، بيروت 2013.

– خليفة، عصام كمال، “الحدود الجنوبيّة للبنان بين مواقف نخب الطّوائف والصّراع الدّولي 1908 – 1936”، طبعة ثانية منقّحة، بيروت 2009.

– خليفة، عصام كمال، “لبنان الحدود والمياه وثائق جديدة عن لبنانيّة مزارع شبعا”، الجزء الثّالث، طبعة أولى، بيروت 2008.

– موسى، سليمان، “الحركة العربيّة”، المرحلة الأولى للنهضة العربيّة الحديثة 1908-1924، دار النّهار للنّشر، الطبعة الثالثة، بيروت 1986.

المراجع الأجنبيّة

– Laqueur, Walter, Histoire du Sionisme, Calmann-Lévy, France 1973.

– Lepkin, Fred Lennis, The British Labour Party and Zionism 1917-1947, A Thesis submitted in Partial fulfillments requirements for the degree of Master of Arts, in the department of History, Simon Fraser University, July 1986.

* حائز على درجة الماجستير في التّاريخ من الجامعة اللّبنانيّة، وأستاذ في التّعليم الثّانوي الرّسمي منذ سنة 2016 في ثانويّات الضبيّة، وبيت مري، وسن الفيل، طالب دكتوراه سنة ثالثة في الجامعة اللّبنانيّة، المعهد العالي للدّكتوراه.

[1] Correspondance d’Orient, Revue économique politique et littraire, 31ème année, N° 491-492, nov-déc 1938, p 507-509.

[2] – شكري غانم: صحافي وسياسي لبناني بارز في الرّبع الأوّل من القرن العشرين. مؤسّس اللّجنة المركزيّة السّوريّة مع الدكتور جورج سمنه. صاحب نفوذ في الخارجيّة الفرنسيّة، أدّى دورًا أساسيًّا في إقناع المسؤولين الفرنسيين بضمّ الأقضية الأربعة إلى لبنان العام 1920. للمزيد من المعلومات عن شكري غانم، يمكن مراجعة: خليفة، عصام كمال، “أبحاث في تاريخ لبنان الحديث والمعاصر“، بيروت 2013، ص 61-102. وقد أجرى الدّكتور خليفة بحثًا مفصّلًا في هذا الكتاب عن مسيرة غانم السّياسيّة.

[3]Correspondance d’Orient, revue économique politique et littéraire, paraissant les 1 et 15 de chaque mois, directeurs: Dr Georges Samné et Chekri-Ganem, Date de publication: 1908-1945, Paris. بدأت كمجلّة نصف شهريّة حتّى العام 1922، ثمّ تحوّلت الى مجلّة شهريّة منذ العام 1923 وحتّى العام 1945، أي تاريخ توقّف إصداراتها. . سأستخدم من الآن فصاعدًا مختصر:C.O للدّلالة على مجلّة Correspondance d’Orient.

[4]– C.O, 31ème année, N° 491-492, nov-déc 1938, p 507-509.

[5]– Samné, Georges, La Syrie, Editions Bossard, Paris 1920.

[6] – الحزب الاستعماريّ Parti Colonial هو عبارة عن عدد من مجموعات الضّغط ذات عضويّة وأهداف متقاطعة. إنتظمت من مجموعة من الموظّفين الحكوميين والسياسيين ورجال الأعمال والأكاديميين والمبشّرين، على قاعدة الدّفاع عن مصالح فرنسا الاقتصاديّة (نقلًا عن: خليفة، عصام، “أبحاث في تاريخ لبنان الحديث والمعاصر“، الطبعة الأولى، بيروت 2013، ص 70).

[7]– C.O, 5ème année, N°89, 1 juin 1912, p 510.

[8]– C.O, 10ème année, , N°163, 10 avril 1917, p 224.

[9]– C.O, 10ème année, , N°159, 10 févrierl 1917, p 94.

[10] – على سبيل المثال: مقاله الذي يدافع فيه عن الاستعمار الفرنسيّ في الجزائر العام 1911: C.O, 4ème année, N°61, 1er avril 1911, p 290-291.

[11]Revue des Questions Coloniales et Maritimes, (Economie, politique, armée, marines, intérêts français à l’étranger, questions extérieures), Organe mensuel de la société des études colonials et maritimes, 42ème année, N°367, janvier-février 1917, p 96.

[12] – خليفة، عصام، “أبحاث في تاريخ لبنان الحديث والمعاصر” المرجع السّابق ص 70.

[13]– C.O, 10ème année, N°172,25 août 1917, p99.

[14]– C.O, 11ème année, N°202, 25 novembre 1918, p 259.

[15]– Samné, Georges, “La Syrie”, p 396-397.

[16]– C.O, 10ème année, N°174, 25 septembre 1917, p164.

[17]– C.O, 11ème année, N°203, 10 Décembre 1918, p290.

[18]– Samné, Georges, “La Syrie”, op cit, p396.

[19]– C.O, 10 octobre 1917, p196.

[20] – تيودور هرتزل (1860 – 1904): صحافيّ يهوديّ نمساويّ مجريّ. دعا إلى إقامة وطن قومي لليهود. فأسّس الحركة الصهيونيّة لتحقيق هذا الهدف. وقد ترأّس المؤتمرات الصهيونية، إلى حين وفاته.

[21] – صدر الكتاب باللغة الألمانيّة (Der Judenstaat أي “الدّولة اليهوديّة”) في شباط 1896، في مدينة فيينا عاصمة الأمبراطورية النمساوية-المجريّة، ومدينة لايبزغ الألمانية. تمّت ترجمته في ما بعد الى عدد كبير من اللغات من بينها اللّغة العربية.

[22]– Laqueur, Walter, Histoire du Sionisme, Calmann-Lévy, France 1973, p9.

[23]– Lévi, Sylvain, Une Renaissance juive en judée, Imprimerie Driay-Cahem, Paris 1918, p13.

[24]– J.H.KANN, Eretz Israël, Librairie Falk Fils, Bruxelles 1910, p128.

[25]– Samné, Georges, “La Syrie”, op cit, p 399.

[26]– Samné, Georges, “La Syrie”, op cit, p399.

[27] – ماكس نوردو (1849 – 1923): مفكّر يهودي ألماني. من زعماء الحركة الصّهيونيّة (وقد شارك في تأسيس الحركة الصّهيونيّة عام 1897).

[28]– Samné, Georges, “La Syrie”, op cit, p 409.

[29]– Ibid, p398.

[30]– Ibid, p408.

[31] – معاداة السّاميّة (antisémitisme) هي مصطلح بدأ يستخدم منذ أواخر القرن التاسع عشر للدّلالة على المعاداة لليهود.

[32]– Samné, Georges, “La Syrie”, op cit, p408.

[33] – حزب العمّال البريطاني: حزب سياسي بريطاني تأسّس عام 1900. يعتبر من الأحزاب الإشتراكيّة، ويحسب على اليسار السّياسي في بريطانيا.

[34]– Lepkin, Fred Lennis, The British Labour Party and Zionism 1917-1947, A Thesis submitted in Partial fulfillments requirements for the degree of Master of Arts, in the department of History, Simon Fraser University, July 1986, p6. وقد صدر البيان المذكور في صحيفة التايمز البريطانيّة بتاريخ 11 آب 1917.

[35] – صموئيل تولكوفسكي (1886 – 1965): مهندس زراعي وكاتب يهودي، وسكرتير الزّعيم الصّهيوني حاييم وايزمان.

[36] – المسألة الشّرقيّة: هي الصّراع الّذي دار بين الدّول الأوروبيّة لتقاسم ممتلكات السّلطنة العثمانيّة بعد أن دخلت في حالة ضعف منذ أواخر القرن الثّامن عشر، وحتّى سقوط السّلطنة العثمانيّة إثر هزيمتها في الحرب الكبرى سنة 1918.

[37]– C.O, 10ème année, N°172, 25 Août 1917, p99.

[38]– Ibid, p99-100.

[39]– Ibid, p100.

[40]– Ibid, p100.

[41] – يورد سمنه في حاشية مقاله، إسم واضعي هذا النّداء (دافيد ألكسندر وكلود منتفيور) المدين للصّهيونيّة، والصّادر في صحيفة التّايمز البريطانيّة بتاريخ 24 أيّار 1917.

[42]– C.O, 10ème année, N°172, 25 août 1917, p100.

[43] – اللّورد كرومر: المقصود به بارون كرومر، واسمه “إيفلين بارينغ” Evelyn Baring (1841 – 1917) وهو إداري وديبلوماسي بريطاني حكم كقنصل عام في مصر ما بين العامين 1883 و 1907. فكرومر الّذي كان قد أفشل في السّايق محاولة هرتزل تأسيس مستعمرة يهوديّة في سيناء، أعلن عام 1916 بأنّ الصّهيونيّة تصبح بسرعة مشروعًا واقعيًّا.

[44] – على اعتبار أنّ المانيا كانت في حالة حرب مع فرنسا وبريطانيا (في تاريخ نشر المقال سنة 1917).

[45]– C.O, 10ème année, N°175, 10 octobre 1917, p195-196.

[46]– C.O, 10ème année, 10 octobre 1917, N°175, p196.

[47]– Ibid, p196-197.

[48]– C.O, 10ème année, N°177, 10 novembre 1917, p259.

[49] – أرثر جايمس بلفور (1848 – 1930): سياسيّ بريطانيّ ينتمي إلى حزب المحافظين. تولّى مناصب وزاريّة عديدة في الحكومات البريطانيّة منذ تسعينيات القرن التاسع عشر وحتى العام 1919. أبرزها ترأّسه الحكومة البريطانيّة ما بين العامين 1902 و 1905، وتولّيه منصب سكرتير الخارجيّة البريطانيّة (أي وزير الخارجيّة البريطانيّة) ما بين عامي 1916 و 1919. إرتبط اسمه بوعد بلفور الشّهير الّذي تناولت الحديث عنه في متن هذا البحث.

[50]– ليونيل والتر روتشيلد(1868 – 1937):عالم حيوانات (zoologist)، مصرفيّ وسياسيّ بريطانيّ يهوديّ. من أبرز القيادات الصّهيونيّة والصّديق المقرّب من الزّعيم الصّهيوني حاييم وايزمان. لعب دورًا كبيرًا في الاستحصال على وعد بلفور من الحكومة البريطانيّة.

[51] – صدر في صحيفة التايمز اللّندنيّة الصّادرة بتاريخ 9 تشرين الثاني 1917، في الصّفحة السّابعة من الصّحيفة، عنوان النّصّ المباشر: “التّعاطف الرّسمي” ((Official Sympathy تحت عنوان أكبر بإسم: “فلسطين لليهود” (Palestine For The Jews).

[52]– Lepkin, Fred Lennis, The British Labour Party and Zionism 1917-1947, op cit, p5-6.

[53] – ترجمت نصّ وعد بلفور عن صورة فوتوغرافيّة من رسالة بلفور الأساسيّة الموجودة في المكتبة البريطانيّة (British Library) في لندن.

[54]– C.O, 10ème année, N°177, 10 Novembre 1917, p261.

[55]– C.O, 10ème année, N°172, 25 Août 1917, p101.

[56]– Samné, Georges, “La Syrie”, op cit, p426.

[57]– C.O, 10ème année, N°175, 10 octobre 1917, p197.

[58] – مؤتمر سان ريمو: إنعقد مؤتمر مجلس الحلفاء الأعلى في مدينة سان ريمو في شمال إيطاليا من 18 إلى 26 نيسان 1920، بحضور ممثّلي الدّول الكبرى: بريطانيا، فرنسا، إيطاليا واليابان (وبغياب الولايات المتّحدة الأميريكيّة التي كانت قد انسحبت من المجلس وعادت الى سياسة العزلة، لكنّ السّفير الأميركي في روما حضر بعض اجتماعات المؤتمر بصفة مراقب)، وقد كان القصد من المؤتمر وضع مسودّة المعاهدة مع تركيا (التي هُزمت في الحرب الكبرى). من أبرز مقرّراته: وضع سوريا (بما فيها لبنان) تحت الانتداب الفرنسي والعراق وفلسطين (بما فيها الأردن) تحت الانتداب البريطاني. والالتزام بتطبيق وعد بلفور.

[59] – موسى، سليمان، “الحركة العربيّة“، المرحلة الأولى للنهضة العربيّة الحديثة 1908-1924، دار النّهار للنّشر، الطبعة الثالثة، بيروت 1986، ص 547.

[60] – موسى، سليمان، المرجع نفسه، ص 549.

[61] – مبادئ ولسون الأربعة عشر: هي 14 مبدأ قدّمها رئيس الولايات المتّحدة الأميريكيّة وودرو ولسن للكونغرس الأميركي بتاريخ 8 كانون الثاني 1918، قدّم فيها 14 مبدأ كانت بمثابة وثيقة للسّلم ولإعادة بناء أوروبا من جديد، بعد انتهاء الحرب الكبرى. أبرز ما تضمّنته هذه المبادئ: منح القوميّات التي كانت تخضع للأمبراطوريّة النمساويّة-المجريّة تقرير المصير. وكذلك بالنّسبة إلى القوميّات التي كانت تخضع للسّلطنة العثمانيّة (أي بما في ذلك السّوريين). ضرورة تأسيس العلاقات الدّوليّة على مواثيق سلام عامّة، تكون فيها المعاهدات الدّوليّة علنيّة وغير سرّيّة. تخفيض التّسلّح إلى الحدّ الذي يضمن الأمن الدّاخلي، وتأمين حرّيّة الملاحة في البحار خارج المياه الإقليميّة في السّلم والحرب…

[62]– C.O, 14ème année, N° 262, 30 mai 1921, p435.

[63]– C.O, 14ème année, N°259, 15 avril 1921, p293.

[64]– C.O,14ème année, N°259, 15 avril 1921, p290.

[65]– Samné, Georges, “La Syrie”, op cit, p397.

[66] – غاليسيا: منطقة في شرق أوروبا تقع اليوم بين دولتي بولونيا وأوكرانيا. كان فيها مطلع القرن العشرين عددٌ كبيرٌ من اليهود، المعروفين باليهود الأشكنازي.

[67]– Samné, Georges, “La Syrie”, op cit, p 398.

[68]– C.O,14ème année, N°259, 15 avril 1921, p290.

[69]– C.O, 10ème année, N°172, 25 août 1917, p100.

[70] – لمعلومات تفصيليّة عن مسألة ترسيم الحدود الجنوبيّة للبنان والصّراع الفرنسيّ البريطانيّ حولها، وضغوطات الحركة الصّهيونيّة في توسيع حدود فلسطين شمالًا وصولًا إلى اللّيطاني، راجع كتب الدّكتور عصام خليفة التّالية: “الحدود الجنوبيّة للبنان بين مواقف نخب الطّوائف والصّراع الدّولي 1908 – 1936″، طبعة ثانية منقّحة، بيروت 2009. “لبنان المياه والحدود (1916 – 1975)”، الجزء الأوّل، طبعة ثانية، بيروت 2012. “لبنان المياه والحدود”، الجزء الثّاني، طبعة أولى، بيروت 2001. “لبنان الحدود والمياه وثائق جديدة عن لبنانيّة مزارع شبعا”، الجزء الثّالث، طبعة أولى، بيروت 2008.

[71] – حاييم وايزمان (1874 – 1952): أحد زعماء الحركة الصّهيونيّة. ترأس المنظّمة الصّهيونيّة ما بين عامي 1920 و 1946.

[72] – خليفة، عصام، “لبنان الحدود والمياه وثائق جديدة عن لبنانيّة مزارع شبعا”، المرجع السّابق، ص 23.

[73] – خليفة، عصام، “الحدود الجنوبيّة للبنان بين مواقف نخب الطّوائف والصّراع الدّولي 1908 – 1936”، المرجع السّابق، ص 72.

[74]– C.O, 14ème année, N°259, 15 Avril 1921, p293.

[75] – خليفة ،عصام، “الحدود الجنوبيّة للبنان بين مواقف نخب الطّوائف والصّراع الدّولي 1908 – 1936”، المرجع السّابق، ص 72-73.

[76]– C.O, 14ème année, N°262, 30 Mai 1921, p435-436.

[77] – هربرت صامويل (1870 – 1963): سياسي بريطاني يهودي، أوّل مفوّض سام بريطاني على فلسطين (1920 – 1925) كان مؤيّدًا للصّهيونيّة، وقد سهّل عمليّة الهجرة اليهوديّة والاستيطان اليهوديّ في فلسطين. كما ساهم خلال فترة تولّيه مهامه كمفوّض سام في تسهيل تطبيق وعد بلفور.

[78] – موسى كاظم الحسيني (1853 – 1934): من أبرز الشّخصيّات الفلسطينيّة البارزة في النّصف الأوّل من القرن العشرين. تولّى عدّة مناصب في الدّولة العثمانيّة، ثمّ أصبح رئيس بلديّة القدس (عام 1918) في عهد الحكم الإنكليزي. إتّهمته السّلطات البريطانيّة بتدبير الصّدامات الدّامية بين العرب واليهود في نيسان 1920، فأقاله الحاكم البريطاني من منصبه. إختاره المؤتمر العربي الفلسطيني الثّالث المنعقد في حيفا (كانون الأوّل 1920) رئيسًا للّجنة التّنفيذيّة العربيّة الّتي انبثقت عن المؤتمر، وبقي يشغل هذا المنصب حتّى وفاته. وبقي على رأس الوفود الفلسطينيّة الّتي أجرت مباحثات مع البريطانيين خلال سنوات العشرينيّات. توفّي 26 آذار 1934 متأثّرًا بإصابة ألحقها به الجنود البريطانيّون خلال مظاهرة يافا في 27 تشرين الأوّل من العام 1933.

[79] – مراسلات الحسين-مكماهون: هي رسائل سرّيّة تبادلها الشّريف حسين والسّير هنري مكماهون، المندوب السّامي البريطاني في مصر، بين تمّوز من سنة 1915 وكانون الثّاني من سنة 1916. أمّا أبرز ما جاء فيها: طلب الشّريف حسين إلى بريطانيا الاعتراف بدولة عربيّة مستقلّة تمتدّ من جبال طوروس شمالًا، إلى المحيط الهندي جنوبًا، ومن البحر المتوسّط والبحر الأحمر غربًا إلى جبال زاغروس شرقًا، وموافقة مكماهون على قيام الدّولة العربيّة، وفق مطلب الحسين، على ألّا تشمل ولايتي البصرة وبغداد، وسواحل سوريا ولبنان.

[80] – الكيالي، عبد الوهاب، “تاريخ فلسطين الحديث”، المؤسّسة العربيّة للدّراسات والنّشر، الطّبعة العاشرة، بيروت 1990، ص138-139.

[81] – مؤتمر سيفر: معاهدة وقّعتها السّلطنة العثمانيّة مع دول الحلفاء في 10 آب 1920، على إثر هزيمتها في الحرب الكبرى. وقد خسرت السّلطنة بموجبها حوالي أربعة أخماس مساحتها السّابقة. وقد نصّت المعاهدة في بندها رقم 95، على إقامة إدارة في فلسطين ضمن حدود تحدّدها دول الحلفاء، ونصّت هذه المادّة أبضًا على التزام الدّولة المنتدبة على فلسطين تطبيق “وعد بلفور” بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين.

[82]– C.O, 14ème année, N°259, 15 Avril 1921, p290.

[83] – وقد تناولت مضمون هذا السّجال في فقرة سابقة من هذا البحث.

[84]– C.O, 14ème année, N°259, 15 Avril 1921, p290-291-292.

[85]– Ibid, p293-294.

[86]– Ibid, p294.

[87]– C.O, 16ème année, N°306, pp333-336.

[88] – وُضع الحجر الأساس لهذه الجامعة عام 1918، وتمّ افتتاحها باحتفال حاشد في الأوّل من نيسان العام 1925. وقد حضره المفوّض السّامي هربرت صامويل، وحاييم وايزمان رئيس المنظّمة الصّهيونيّة العالميّة، وممثّلو عدد من الدّول، وقد حضر البريطاني بلفور (الّذي اشتهر بوعد بلفور)، إضافة إلى عدد كبير من الشّخصيّات اليهوديّة (ألبرت أينشتاين على سبيل المثال)، وعدد من زعماء الصّهاينة (من أمثال ناحوم سوكولوف).

[89]– C.O, 18ème année, N°328, Avril 1925, pp145-147.

[90] – هي حوادث بين اليهود والفلسطينيين بدأت في 15 آب من العام 1929 في القدس بعد مظاهرة يهوديّة وصلت إلى قرب حائط المبكى، تلاها مظاهرة فلسطينيّة مضادّة (والموضوع الخلافيّ كان حول من يمتلك الحقّ في حائط المبكى) حصلت على إثرها حوادث دامية وتوسّعت دائرة الاشتباكات إلى مناطق عديدة في فلسطين، واستمرّت طيلة أسبوعين. راح ضحيّة هذه الأحداث ما يزيد عن مئة قتيل من كلّ طرف، إضافة إلى مئات الجرحى.

وقد اختلفت رواية أسباب الحادثة، وكذلك تعداد عدد الضّحايا من كلّ طرف، فللعرب رواية في ما حصل، ولليهود رواية أخرى.

وللاطّلاع على الرّوايتين العربيّة واليهوديّة حول تلك الأحداث، ومسار الأحداث، راجع كتاب: توما، إميل، “جذور القضيّة الفلسطينيّة”، إصدار المكتبة الشّعبيّة في النّاصرة، ]د.ت[، ص157 166ß

[91] – توما، إميل، “جذور القضيّة الفلسطينيّة”، المرجع المذكور، ص157-158.

[92]– C.O, 21ème année, N°381, Septembre 1929, pp97-99.

[93]– Ibid, p100.

[94]– C.O, 18ème année, N°328, Avril 1925, p147.

[95]– Samné, Georges, “La Syrie”, op cit, p400.

[96]– Ibid, p407.

[97] – لا يذكر جورج سمنه تاريخ النّدوة ولكنّها بالتّاكيد ما بين شهري آذار ونيسان من العام 1926، بما أنّ سمنه أورد الخبر في مقاله الصّادر بنيسان 1926 ويقول فيه أنّه حضر النّدوة منذ بضعة أسابيع.

[98] – خير اللّه خير اللّه Khairallah Khairallah (1882 – 1930): مفكّر وسياسي ومؤرّخ وصحافي لبناني من بلدة جران البترونية. عمل في مرحلة الحكم العثماني على تحرير العرب من النّير العثماني. وقد دافع عن اللّغة العربيّة والهويّة العربيّة. سافر الى فرنسا وعمل صحافيًّا في جريدة Le Temps الفرنسية. شارك في تأسيس اللّجنة اللّبنانيّة في باريس مع شكري غانم سنة 1912. وقد لعبت هذه اللّجنة دورُا بارزًا في الدّفاع عن المصالح اللّبنانيّة والمطالبة بضم البقاع والمدن السّاحليّة إلى جبل لبنان. وفي فترة ما بعد الحرب الكبرى، عمل مطالبًا بتحرّر الشّعوب العربيّة مع بقائه متمسّكًا بالمطالبة باستقلال لبنان. له مؤلّفات عديدة أبرزها : La Syrie, Edition Ernest Leroux, Paris 1912.

[99] – يذكر من بينهم جاك كالمي وهو يهوديّ من أصل سوري.

[100]– C.O, 18ème année, N°340, Avril 1926, p152.

[101]– C.O, 19ème année, N°351, Mars 1927, p104. ويورد جورج سمنه في مقاله هذا أسماء عدد كبير من الشّخصيّات اليهوديّة الّتي شاركت في العشاء.

[102] -C.O, 19ème année, N°351, Mars 1927, p104-105-106.

[103] -Ibid, p108.

[104] -C.O, 21ème année, N°381, Septembre 1929, p97-98.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.