دروك الدوالي

0

دروك الدوالي

د.علي حجازي([1])

الدبابات تجرّح وجه الأرض، والطائرات تعربد محدثةً جدار الصوت مرات عديدة. زجاج الأبواب والنوافذ يتكسّر. والأطفال يهرعون، يهيمون على وجوههم، يركضون من دون أن يعرفوا إلى أين يلتجئون. وأنباء مثبطة للعزائم، تجهد وسائل إعلام العدو على نشرها:

“هذا الاجتياح الكبير سيكون مدمّراً، والمحظي من تُكتب له الحياة. غادروا فوراً. لن ينجو أحد، غادروا”.

عائلة علي السيد محمود، بدا أفرادها مشدودي الأعصاب، الأم الحائرة تحدّق إلى الأولاد تارةً، وإلى الزوج أخرى، وتشرع تتمتم بصوت مسموع:

  • ماذا نفعل يا رب؟ نحن لا حَوْل لنا ولا طَوْل، واليهود لا يرحمون. رحماك يا رب. وهذه المناشير التي بذرتها الطائرات تشي برغبتهم في إخلاء الأرض والبيوت وطردنا منها، نعم، هذه هي أمنيتهم التي يفصحون عنها كلّ مرة، إنّهم يطمحون إلى احتلال أرض من دون شعب رحماك يا ربّ”

قالت ذلك، ثمّ تقدّمت تسأل زوجها بانفعال بادٍ على وجهها:

  • – ماذا نفعل؟ اليهود باتوا قريبين من بلدتنا، أراك غير معني بما يحصل، ألا تسمع الأخبار؟
  • قل لن يصيبكم إلا ما كتب الله لكم (أجاب)
  • “ولا ترموا بأنفسكم الى التّهلكة” (والنعم بالله)
  • “اللي بيترك دارو بيقلّ مقدارو”… لن أترك بيتي، لن أترك بلدتي، لا أحبّ كلمة لاجئ فهي تشعرني بالذّل؛ لذا، أعيش هنا بعزّ، وأموت هنا بسعادة، وهذا قراري
  • والأولاد؟
  • السيارة مركونة في صحن الدّار، وفراس يحسن قيادتها، ومفاتيحها معه. اذهبوا الى بيروت

تحلّق أفراد العائلة حوله تمسّكوا بثيابه مردّدين:

  • أنغادر نحن وتبقى؟ إما أن نذهب معاً أو نموت معاً

احمرّ وجهه، وتغضّن جبينه، ندت عيناه بدمع شفيف، وقال:

  • أنتركها لمصيرها؟ هذا ما يريده اليهود، أرض بلا شعب
  • البركة بالشباب (قالت الزوجة)

حدّق إليها سـائلاً:

  • وأنا، لم أعد بنظركم شابّاً؟
  • بلى، ولكن!
  • ماذا؟
  • سيأخذ كلُّ واحد منا أغراضه العزيزة على قلبه، ونرحل، وبعد انتهاء هذه الأزمة نعود، سنعود قريباً بإذن الله.

قالت ذلك، وأشارت إلى الأولاد أن يأخذ كلُّ واحدٍ منهم أغراضه وينتظر قرب السيّارة.

راح ينظر إلى الزوجة التي مارست ضغطاً نفسيّاً عليه، وإلى الأولاد، وطفق يفكّر ويهمس:

“كيف أُفهمهم أنّ الأرض غالية كالعرض تماماً. ولا يجوز أن نتركهما للّئام. كيف يا ربي؟

خرج إلى الحديقة، نظر إلى السماء، رفع كفّيه وقال:

“إلهي، ارحمنا، فنحن عبيدك المخلصون، وهذه العصابات اعتادت على ارتكاب المجازر، دلّني كيف أقنعهم بالصمود والمقاومة”

وقع بصره على العريشة، كانت دروكها تثـبت الأغصان إلى شريط السقالة جيّداً، الجديدة منها والقديمة، الحيّة منها والتي لا تزال ملتفة على الشريط من السنة الماضية والتي قبلها. لمعت في رأسه الفكرة. وانفرجت أساريره. فهذه الدالية العالية تُقدّم إليه الحلّ سرعة. خرجت الزوجة إليه سائلةً:

  • ما بك يا رجل، أهذا الوقت وقت تأمّل، هيّا نذهب معاً؟
  • أذهب معكم مصطحباً الغرض العزيز عليّ.
  • موافقة، خذ ما تشاء، المهم أن نذهب معاً.
  • لحظة

قال ذلك، ودَلَفَ إلى البيت، وسرعان ما عاد الى الحديقة يحمل معولاً. توجه إلى جذع الدالية وراح ينكش حوله

  • ماذا تفعل الآن؟ أنظر، الطائرات مثل الغربان تعربد في السماء.
  • آخذها معي.
  • تأخذ ماذا، العريشة؟
  • نعم، ألم تقولي، لِيَصْحَب كلّ منكم غرضه الأحبّ
  • بلى
  • هذه العريشة غرضي الأحب.

حدّقوا إليه وإلى العريشة وقال عبد الله:

  • لا يمكنك نقل هذه العريشة يا أبي
  • لماذا يا حبيبي؟
  • أنظر، تلك الدروك المتمسكة بشريط السقالة المعدني، هي دارت حوله دورات عديدة، شدّت على الشريط صنيع من يخشى عليه من الهرب، أو فعل من يخشى السقوط.
  • أشرق وجهه بابتسامة رائعة وقال:
  • أعِدْ وصف تَعَلٌّقِ الدروك بالسقالة المثبتة جيّداً في الأرض يا حبيبي. نعم تعالوا نتساعد على فكّ ارتباط هذه الدروك بأمها، نتعاون على فصلها عنها. فنأخذها ونرحل.
  • ومن هو القادر على الفصل بينهما، فالدروك تتثبت جيّداً، طبعاً لا تقدر إلا إذا قمنا بقصها، نفصل كل شعيرة بمقص العريش.
  • إذاً، قصوني، قطّعوا أوصالي. فإذا كنتم عاجزين عن الفصل بين عريشة ودروكها، فكيف تطلبون الفصل بيني وبين بيتي وأرضي؟ لن أرحل معكم. درس تعلمته من هذه الدروك الصغيرة، لن أرحل. لن …

 

 

 

 1- أستاذ جامعي وقاص وباحث ،ومدير سابق لكلية الآداب والعلوم الإنسانية في الجامعة اللبنانية الفرع الخامس

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.