من يقلّب الأرض؟

0

من يقلّب الأرض؟

  أ.د. خديجة شهاب([1])

انشغل العرب، وتزايد اهتمامهم في تدوين علومهم في العصر العباسي، وقد شهد القرن السادس الهجري/ الثاني عشر الميلادي نهضة لا مثيل لها في العلوم عندهم، وبذلوا جهودًا كبيرة إذ لم يتركوا علمًا إلا خاضوا فيه بعيدًا من التخصصات التي نشهدها اليوم، وكان علماؤهم ومن عاش في كنفهم قد خاضوا في الكثير الكثير من العلوم والآداب من علم الفلك إلى علم الميكانيكا إلى علم الهئية والحساب، إلى علم النحو والصرف فجغرافيا الأرض، وتدارسوا موضوع كرويتها وتركوا في هذا العلم وفي غيره من العلوم ما لا يُعدُّ ويحصى من الكتب والمخطوطات، التي تشير إلى دورهم الكبير في رفد الحضارة العالمية بالعلم والمعرفة، وتركهم مداميك متينة أسست لما وصلنا إليه اليوم.

لا يخفى على أحد في عالم الرحلة اسماء كالإدريسي، والمسعودي، والمقدسي، وابن الجبير…، هذا العلم الذي دوّنوا من خلاله لرحلاتهم، ولم يتركوا فيها كبيرة، أو صغيرة إلا أشاروا إليها؛ وتراوحت رحلاتهم هذه بين أشهر وسنوات ووصلت مع “ابن بطوطة” إلى سبعة وعشرين عامًا من حياته قضاها في الترحال، والتنقل حتى لُقب بـ”أمير الرّحالين المسلمين”؛ وقد جاب بلاد المغرب ومصر والحبشة…، الشّام والحجاز وتهامة…، فنجد والعراق فبلاد فارس…، مرورًا ببلاد اليمن وعُمان والبحرين، وتركستان، وماء وراء النهر، وصولًا إلى الصومال والشرق الأدنى وأواسط أفريقيا وأسيا الوسطى والصين…

ولا يقلّ عنه شأنًا “ابن حوقل“، وقد وضع الخرائط التوضيحية لكل منطقة من المناطق التي زارها فحفل كتابه “صورة الأرض” بالخرائط المتعددة مع تبيانه عليها مواقع الطرق، وما يجاورها من الأنهار، والجبال، والأودية، والمفازات، وكأنّه أراد أن يقول هأنا أصوّر لكم الأرض من غير آلة تصوير، ومساعداي هما القلم، والرسوم التي أجيدها، ولم ينسَ أن يتناول ذكر الرياح، وأنواعها، ومواقيتها، والكثبان الرّملية، والمناطق الصحرواية الجافة وغيرها…. كما دوّن من خلالها عادات الشعوب، والمناطق التي زارها وتقاليدها، وفي هذا يقول: تعاورتني الأسفار، واقتطعتني من البر دون ركوب البحار إلى أن سلكت وجه الأرض بأجمعه في طولها، وقطعت وتدَّ الشمس على ظهرها”. حتى إنّه قطع المدن، والجبال، والبحار، والمسافات البعيدة في بلاد الإسلام، وزارها على حدّ تعبيره إقليمًا إقليمًا، وكورة كورة، وصقعًا صقعًا؛ فمن مكّة أم القرى إلى بحر فارس، فالمغرب، والأندلس، وصقلية…، مرورًا ببحر الروم، والعراق…، خوزستان فارس، وكرمان وصولًا إلى سجستان خرسان، وما وراء الأنهار…

نتعرف في القرون الوسطى “بابن فضلان” الذي بدأت رحلته من بغداد إلى بلاد التّرك والرّوس… واتّجه شرقًا ووصل إلى همذان، والرّي… وبعدها إلى نيسابور فبخارى…. وقد اعتمد في ما بعد على رحلته هذه كلٌّ من الاصطخري، وابن رسته، والمسعودي، والجيهاني… وهم الجغرافيون الّذين كان لهم دورهم الكبير في تعزيز علم الحغرافيا من خلال ما دوّنوه في رحلاتهم الأدبية – العلمية تلك, وإذ أردنا أن نبحث أكثر في هذا العلم لا بد لنا من أنّ نعرّج على “ابن ماجة” وهو الملّقب بـ”أسد البحار” إذ جاب البحار مع والده “ما ساعده في وضع كتابه المشهور” الفوائد في أصول علم البحر والقواعد” وهو من أهم ما وُضِع في دراسة عالم الملاحة البحرية.

ما تقدّم الحديث به، يشير إلى أن علماءنا كانوا يتحلّون بالصبر وطول الأناة ، والشجاعة والحكمة ؛ فلم تكن رحلاتهم سواء أكانت في البر أو البحر تخلو من المخاطر والصعاب، إذ لم تكن المعدات متوافرة لديهم، ولم تكن الطرقات التي يسلكونها أمنة، أو سهلة، أو معروفة بالنسبة إليهم، فقد كانوا يقومون برحلة استكشافية، بكل ما للكلمة من معنى، كانوا يخوضون في المجهول، الأمر الذي قد يصل في بعض الأحيان إلى أن يفقد أحدهم حياته، وكل ذلك لم يُثنهم عن عزيمتهم في البحث، والتنقيب، وتقديم الأفضل للعالم أجمع.

ما تناولته بالحديث في هذه العجالة، هو غيض من فيض في ما خاض به علماؤنا في عالم الرحلة، وبالتحديد علم الجغرافيا، ويدلّ إلى أنّ العرب والمسلمين قلّبوا الأرض على أوجهها، وأكتشفوا الكثير من مجاهلها، وقدّموها علومًا جاهزة لنا، لعلّنا نستفيد منها بما يسهّل حياتنا.

فأين جيل اليوم من هذا العلم لتدوين مشاهداته؟! وقد توفرت عنده كل وسائل الرّاحة من الطائرة إلى الآت التصوير الحديثة إلى البوصلة الموجودة في أجهزة الهواتف الذّكية، ألا يدفعهم حبّ المعرفة والاستطلاع إلى الاقتداء بمن سبقوهم إلى هذا العلم؟!

 

[1] – أستاذ دكتور في الجامعة اللبنانية كلية الآداب والعلوم الإنسانية، الفرع الخامس.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.