أثر استخدام وسائل التّواصل الاجتماعي على العلاقات الأُسريّة: دراسة حالة لدى طلاب الجامعات في لبنان

0

اسم المجلة: مجلة أوراق ثقافية

أثر استخدام وسائل التّواصل الاجتماعي على العلاقات الأُسريّة: دراسة حالة لدى

طلاب الجامعات في لبنان

The Impact of Social Media Use on Family Relationships: A Case Study of University Students in Lebanon

Dr. Manal Hamzeh د. منال حمزة[1]  

تاريخ الإرسال:19-11-2025                                تاريخ القبول:1-12-2025

 الملخّص                                                               turnitin:13%  

تهدف هذه الدّراسة إلى فحص أثر استخدام وسائل التّواصل الاجتماعي على العلاقات الأُسريّة لدى طلبة الجامعات في لبنان، مع التركيز على دور جودة التّواصل وجهًا لوجه بوصفها متغيرًا وسيطًا. اعتمدت الدّراسة على المنهج الوصّفي التّحليلي، وجُمِعت البيانات من عيّنة مكوّنة من (300) طالب وطالبة من عدد من الجامعات اللبنانية وذلك باستخدام أداة الاستبيان. أظهرت النتائج أن الاستخدام المرتفع لوسائل التّواصل الاجتماعي يرتبط بانخفاض جودة التّواصل وجهاً لوجه، ارتفاع مستويات العزلة والانطواء والمشكلات الأُسريّة. كما بيّنت النتائج وجود دور وسيط دال على جودة التّواصل وجهًا لوجه في العلاقة بين استخدام وسائل التّواصل الاجتماعي وكل من العزلة والصراعات الأُسريّة. وتشير النتائج إلى أهمية تعزيز الحوار المباشر داخل الأسرة للحدّ من الآثار الاجتماعيّة السلبيّة لوسائل التّواصل الاجتماعي.

الكلمات المفتاحيّة: وسائل التّواصل الاجتماعي، جودة التّواصل وجهًا لوجه، العزلة والانطواء، الصراعات الأُسريّة.

Abstract

This study investigates the impact of social media use on family relationships among university students in Lebanon, with particular attention to the mediating role of face-to-face communication quality. A descriptive analytical approach was adopted, and data were collected from a sample of 300 students across several Lebanese universities using a structured questionnaire. The results indicate that increased social media use is associated with lower quality face-to-face communication, higher levels of social isolation, and family conflict. In addition, the findings reveal that face-to-face communication quality plays a significant mediating role in the relationship between social media use and both social isolation and family conflict. These results highlight the importance of strengthening direct interpersonal communication within families to mitigate the negative effects of social media.

Keywords: Social media, quality of face-to-face communication, isolation and introversion, family conflicts.

1- المقدّمة

شهدت السنوات الأخيرة تحولاً واضحًا في أنماط تواصل الأفراد داخل المجتمعات، وقد أصبحت الأجهزة الذّكيّة واللوحيّة والحواسيب الشّخصيّة جزءًا ثابتًا من الروتين اليومي، ترافقها المنصات الاجتماعيّة المتنوعة مثل فيسبوك وإنستغرام وتيك توك وغيرها. لقد باتت هذه المنصات تؤدي أدوارًا متعدّدة كتنظيم المعلومات وتقديم المحتوى التّرفيهي والتّعليمي والتّثقيفي. في المقابل، أدّى الانغماس المفرط في استخدامها إلى استنزاف أوقات الأفراد، حتى أصبح حضورها ممتدًا إلى أوقات تناول الطعام وحتى أوقات  الراحة وما قبل النوم وبعده، بل وأثناء اللقاءات العائليّة والاجتماعيّة. ومع طول ساعات الاستخدام وتفضيل التّفاعل الرّقمي على التّواصل الواقعي، بدأت بعض الوظائف الأُسريّة تتراجع، إذ ظهرت أنماط من العزلة والانفصال داخل الأسرة الواحدة، إلى جانب تغيرات ملحوظة في سلوكيّات الأفراد وطريقتهم في التّفكير، وضعف تدريجي في مهارات الاتصال الوجداني المباشر. كما أسهم الاعتماد على ما يُعرض في العالم الافتراضي من صور وعوالم مصطنعة في تشكيل تصورات غير واقعيّة، انعكست على الصّحة النّفسيّة والجسديّة والعلاقات الاجتماعيّة (العيساوي وخليل، 2022). يشير عدد متزايد من البحوث المعاصرة إلى أنّ التوترات داخل الأسرة، سواء بين الزوجين أو بين الآباء والأبناء، تعكس في كثير من الأحيان تراجعاً في جودة التفاعل العاطفي والوظائف الاجتماعيّة للأسرة. وعلى الرّغم من أنّ هذا النّوع من الصّراع لا يزال أقل تناولًا مقارنة بعوامل أُسريّة أخرى، فإنّ النّتائج العمليّة المتوافرة توضح وجود ارتباط ملحوظ بين الاستخدام المفرط، أو غير المنضبط للوسائط الرّقميّة من جهة ومستوى النّزاع الأُسري من جهة أخرى. ويُفهم من ذلك أنّ اللجوء إلى مواقع التّواصل الاجتماعي كبديل للتواصل الواقعي يؤدي إلى بيئة أسرية متوترة (Wei et al., 2025).

1-1-   أهمّيّة الدّراسة: تتمتع هذه الدّراسة بأهميّة نظريّة وتطبيقيّة

على الصعيد النظري، يُسهم هذا البحث في توسيع الفهم العلمي للعلاقة بين استخدام وسائل التّواصل الاجتماعي وديناميكيات الأسرة لدى طلاب الجامعات، من خلال توضيح الدّور الوسيط لجودة التّواصل المباشر. كما يُضيف بُعدًا تفسيريًا جديدًا من خلال دراسة العزلة والانطواء والمشاكل الأُسريّة كنتائج اجتماعيّة مرتبطة بأنماط الاستخدام. يُعالج هذا البحث فجوة بحثيّة واضحة في الأدبيات العربيّة التي غالبًا ما تناولت الموضوع وصفيًا بدلًا من تناوله بشكل تحليلي. علاوة على ذلك، يُقدم البحث نموذجًا نظريًا يُمكن اختباره وتطويره في سياقات عربيّة أخرى. أمّا على الصعيد التطبيقي، تُساعد نتائج هذا البحث الأسر والجامعات والأخصائيين الاجتماعيين على فهم كيفيّة تأثير الاستخدام المفرط أو غير المتوازن لوسائل التّواصل الاجتماعي على التّفاعل الأسري في الحياة الواقعيّة. وهذا الأمر يُمكّن من تطوير برامج توعية تُركز على تحسين جودة التّواصل وجهًا لوجه والحدّ من مظاهر العزلة والانطواء الاجتماعي. كما يُمكن أن تُسهم النّتائج في توجيه السياسات التّعليميّة والإرشاديّة داخل الجامعات في لبنان لتعزيز الصّحة النّفسيّة والعلاقات الاجتماعيّة السليمة للطلاب.

1-2-   الإشكاليّة

شهدت السنوات الأخيرة تزايدًا ملحوظًا باعتماد طلاب الجامعات على وسائل التّواصل الاجتماعي في تفاعلاتهم اليوميّة، وهو ما أحدث تحولًا في أنماط التّواصل داخل الأسرة. ويشير عدد من الباحثين في علم الاجتماع إلى احتمال أن يسهم الانتشار الواسع لاستخدام وسائل التّواصل في تراجع التفاعل الاجتماعي المباشر وتعزيز مشاعر الانفصال. ويرى هؤلاء أنّ زيادة الاعتماد على المنصات الرّقميّة قد تقلل من جودة التّواصل العميق بين أفراد الأسرة (Sultana, 2017). وعلى الرّغم من كثرة الدِّراسات التي تناولت أثر استخدام هذه الوسائل على العلاقات الأُسريّة، إلّا أنّ معظمها ركّز على العلاقة المباشرة بين الاستخدام، والآثار الاجتماعيّة من دون التّعمق بالآليات التي تُفسّر كيف ولماذا يحدث هذا التأثير. وعليه، تهدف هذه الدّراسة إلى سدّ هذه الفجوة البحثيّة من خلال اختبار الدّور الوسيط لجودة التّواصل وجهًا لوجه في تفسير العلاقة بين استخدام وسائل التّواصل الاجتماعي من جهة، وكل من العزلة والانطواء والمشكلات الأُسريّة من جهة أخرى، خصوصًا في السّياق اللبناني الذي يشهد تغيرات سياسية واقتصاديّة متسارعة. وبالتالي، ينبع من هذه الإشكاليّة السؤال الرئيس الآتي:

ما هو دور جودة التّواصل وجهًا لوجه في تفسير العلاقة بين استخدام وسائل التّواصل الاجتماعي والمشكلات الأُسريّة لدى طلاب الجامعات في لبنان؟

أهداف الدّراسة: تهدف هذه الدّراسة إلى تحقيق مجموعة من الأهداف والتي تتمثل فيما يلي:

1-3-

  • استكشاف أثر استخدام وسائل التّواصل الاجتماعي على العزلة والانطواء لدى طلاب الجامعات في لبنان.
  • تحليل أثر استخدام وسائل التّواصل الاجتماعي على المشاكل والصراعات الأُسريّة لدى طلاب الجامعات في لبنان.
  • تقييم أثر استخدام وسائل التّواصل الاجتماعي على جودة التّواصل وجهًا لوجه لدى طلاب الجامعات في لبنان.
  • كشف العلاقة بين جودة التّواصل وجهًا لوجه وكلّ من العزلة، والانطواء والمشاكل والصّراعات الأُسريّة لدى طلاب الجامعات في لبنان.
  • اختبار الدور الوسيط لجودة التّواصل وجهًا لوجه في العلاقة بين استخدام وسائل التّواصل الاجتماعي والعزلة والانطواء.
  • اختبار الدور الوسيط لجودة التّواصل وجهًا لوجه في العلاقة بين استخدام وسائل التّواصل الاجتماعي والمشاكل والصراعات الأُسريّة.

1-4-   فرضيات الدّراسة

استنادًا إلى الإطار النظري والدِّراسات السّابقة، يرتكز هذا البحث على مجموعة من الفرضيات التي تهدف إلى اختبار طبيعة العلاقة بين استخدام وسائل التّواصل الاجتماعي، والعلاقات الأُسريّة لدى طلاب الجامعات في لبنان، مع التّركيز على دور جودة التّواصل وجهًا لوجه بوصفها عاملًا وسيطًا يمكن أن يُفسّر مظاهر العزلة والانطواء وكذلك المشاكل والصّراعات الأُسريّة. وبناءً على ذلك، تفترض هذه الدّراسة ما يلي:

  • الفرضيّة الأولى: يوجد أثر ذو دلالة إحصائيّة لاستخدام وسائل التّواصل الاجتماعي على جودة التّواصل وجهًا لوجه لدى طلاب الجامعات في لبنان.
  • الفرضيّة الثانية: يوجد أثر ذو دلالة إحصائيّة لاستخدام وسائل التّواصل الاجتماعي على العزلة والانطواء لدى طلاب الجامعات في لبنان.
  • الفرضيّة الثالثة: يوجد أثر ذو دلالة إحصائيّة لاستخدام وسائل التّواصل الاجتماعي على المشاكل والصّراعات الأُسريّة لدى طلاب الجامعات في لبنان.
  • الفرضيّة الرابعة: يوجد أثر ذو دلالة إحصائيّة لجودة التّواصل وجهًا لوجه على العزلة والانطواء لدى طلاب الجامعات في لبنان.
  • الفرضيّة الخامسة: يوجد أثر ذو دلالة إحصائيّة لجودة التّواصل وجهًا لوجه على المشاكل والصّراعات الأُسريّة لدى طلاب الجامعات في لبنان.
  • الفرضيّة السادسة: تؤدي جودة التّواصل وجهًا لوجه دورًا وسيطًا في العلاقة بين استخدام وسائل التّواصل الاجتماعي والعزلة والانطواء.
  • الفرضيّة السّابعة: تؤدي جودة التّواصل وجهًا لوجه دورًا وسيطًا في العلاقة بين استخدام وسائل التّواصل الاجتماعي والمشاكل والصراعات الأُسريّة.

الشكل رقم (1): نموذج الدّراسة

 

 

 

 

 

 

 

 

2- الإطار النّظري والدِّراسات السّابقة

يهدف هذا الفصل إلى تقديم الإطار النظري الذي يقوم عليه البحث من خلال توضيح مفهوم وسائل التّواصل الاجتماعي ومخاطرها على الأسرة، وشرح مفهوم العلاقات الأُسريّة والعوامل المؤثرة عليها، ومن ثم مناقشة تأثير استخدام وسائل التّواصل الاجتماعي على طبيعة هذه العلاقات، قبل استعراض أبرز الدِّراسات السّابقة ذات الصلة بالموضوع.

2-1- مفهوم وسائل التّواصل الاجتماعي

تشير شبكات التّواصل الاجتماعي إلى منصات رقميّة تتيح لمستخدميها إنشاء ملفات شخصيّة، والتّفاعل مع الآخرين ضمن مساحات افتراضيّة. تعمل هذه المنصات على تسهيل تبادل المعلومات والأفكار والآراء، إلى جانب متابعة المستجدات وتكوين علاقات اجتماعيّة جديدة. وقد أسهم انتشار هذه التقنيات في إحداث تحول واضح في أنماط الاتصال بين الأفراد، من خلال توفير قنوات تواصل سريعة قليلة التّكلفة مقارنة بوسائل الاتصال التّقليديّة. وتُعد منصات مثل فيسبوك، تويتر وإنستغرام من أبرز الأمثلة على شبكات التّواصل الاجتماعي واسعة الاستخدام في الوقت الراهن (عبد الجواد، 2018).

تُعرَّف شبكات التّواصل الاجتماعي أيضًا على أنّها منظومات إلكترونيّة تتيح بناء علاقات، واتصالات بين عدد كبير من الأفراد عبر الإنترنت، إذ تقوم هذه المنصات بتسهيل تبادل المعلومات والرّسائل بصورة لحظية وعلى نطاق واسع.  فيتفاعل المستخدم مع المحتوى ومع الأفراد الآخرين داخل الشّبكة بصورة مستمرة، ما يجعل هذه الوسائط أداة فعّالة للتواصل الفوري وتداول الأفكار والمعارف عبر الفضاء الرّقمي (آل عشوه، 2021).

2-2- مخاطر وسائل التّواصل الاجتماعي على الشباب

على الرّغم من الفوائد المتعددة التي توفرها شبكات التّواصل الاجتماعي، فإنّ استخدامها غير المنضبط قد يترتب عليه مجموعة من الآثار السلبيّة ذات البعد الاجتماعي والأخلاقي. فمن ناحية، يمكن أن يسهم التّعرض المستمر لمحتويات وقيم وافدة عن طريق هذه المنصات في إضعاف بعض الأنماط الثّقافيّة والسّلوكيّة المحليّة، ما يؤدي إلى حدوث اضطراب في منظومة القيم داخل الأسرة والمجتمع. كما أن سهولة إنشاء هويات رقميّة مزيفة واستخدام أسماء أو صور غير حقيقيّة، قد يفتح المجال لانتشار الخداع والانتحال وتحقيق منافع شخصيّة بطرق غير مشروعة، وهو ما يعزز البيئة المواتية لغياب المصداقيّة وطمس الحقائق. وفي سياق آخر، تُستغل بعض المنصات في نشر الأفكار المتطرفة والدّعوات الخطيرة، خصوصًا لدى الفئات الشّبابيّة، وذلك عبر بثّ رسائل موجهة تستهدف التأثير على قناعاتهم أو انتماءاتهم. إضافة إلى ذلك، قد يؤدي تداول الشّائعات والأخبار غير الموثوقة عبر هذه الوسائط إلى خلق حالة من القلق والارباك داخل المجتمع، الأمر الذي ينعكس سلبًا على الاستقرار الاجتماعي. كما أن طبيعة هذه المنصات القائمة على عرض تفاصيل الحياة الشّخصيّة قد تُسهِم في تآكل مفهوم الخصوصيّة، ما يعرض الأفراد لانتهاكات تطال حياتهم الخاصة وأمنهم الاجتماعي (مطالقة والعمري، 2018).

2-3- مفهوم العلاقات الأُسريّة والعوامل المؤثرة

تشير العلاقات الأُسريّة إلى مجموعة الروابط التي تجمع أفراد الأسرة في ما بينهم، سواء أكانت قائمة على الزّواج أو القرابة المباشرة مثل الأبوة والأمومة والأخوة. وتمثل هذه العلاقات وحدة اجتماعيّة تتأسس على التفاعل المستمر بين أعضائها، فتتشكل أنماط من التّواصل والأدوار والمسؤوليّات التي تنظم الحياة داخل الأسرة. وتُعدُّ هذه الروابط إطارًا أساسيًّا في بناء البيئة العاطفيّة والاجتماعيّة للأسرة، إذ يسهم كل فرد من أفرادها في التّأثير على غيره من خلال ما يؤديه من دور داخل هذا النّطاق (بحيري وبن لوصيف، 2016).

لا تُعد الأسرة مجرد الإطار الذي ينتمي إليه الأفراد، بل تمثل نظامًا اجتماعيًّا متشابكًا تتداخل فيه الأدوار والعلاقات بين أعضائه. ووفقًا للاتجاهات المستمدة من نظريّة أنظمة الأسرة (family systems theory)، فإنّ كفاءة الأسرة تظهر من خلال طبيعة التّفاعلات والعمليّات التي يقوم بها أفرادها لتلبية احتياجاتهم، اتخاذ القرارات المشتركة، تحديد الأهداف، وتنظيم القواعد التي تحكم سلوكهم الفردي والجماعي. وتُعد درجة وضوح الاتصال الدّاخلي وفعاليّة التّفاعلات بين الأعضاء مؤشرًا مهمًّا على قدرة الأُسرة على العمل بصورة متوازنة، الأمر الذي يرتبط بنتائج إيجابيّة تنعكس على الفرد والأسرة في آن واحد (Procentese et al., 2019).

تشير الدِّراسات الحديثة إلى أن الأسرة تتأثر بمجموعة من العوامل المترابطة، ويمكن تلخيصها على النّحو الآتي:

  • العوامل الاجتماعيّة والاقتصاديّة: توضح الأبحاث أنّ الظروف السّكنيّة غير الملائمة، مثل الاكتظاظ أو غياب مساكن ميسّرة التكلفة، ترتبط بتراجع جودة الحياة ومستويات الصِّحة الأُسريّة على المدى الطويل (Eveleigh et al., 2025).
  • الدّعم العاطفي والاجتماعي داخل الأسرة: تشير الأدلة إلى أنّ ارتفاع مستوى الدّعم الأُسري المتبادل يسهم في تعزيز الرّفاهيّة النّفسيّة والاجتماعيّة للأفراد، ما ينعكس إيجابًا على ديناميات الأسرة ككل (An et al., 2024).
  • ضغط الوالدين وتبعاته: تبيّن أنّ ارتفاع مستويات الضغط لدى الوالدين يرتبط بانخفاض رفاهيتهم الشّخصيّة، الأمر الذي قد يؤثر سلبًا على قدرتهم على أداء أدوارهم ما يترك أثرًا مباشرًا على نتائج الطفل ونموه (Rusu et al., 2025).
  • التّكنولوجيا ووسائل التّواصل الاجتماعي: تكشف دراسات حديثة أن الاستخدام المفرط للمنصات الرّقميّة قد يقلل من جودة التّفاعل المشترك بين أفراد الأسرة، كما يمكن أن يؤدي إلى انشغال أفراد الأسرة بأجهزتهم أثناء الأنشطة العائليّة، ما يحدُّ من التوافق العاطفي ويزيد من التّوتر داخل العلاقات ((McDaniel & Radesky, 2018). وأظهرت دراسات أنّ الإفراط في استخدام الوسائط قد يرتبط بضعف الروابط العائليّة مع مرور الزّمن (Coyne et al., 2021).

2-4- الأثر الايجابي والسّلبي لوسائل التّواصل الاجتماعي على العلاقات الأُسريّة

تتوافر في شبكات التّواصل الاجتماعي مجموعة من المزايا التي قد تُسهم في تعزيز العلاقات داخل الأسرة، ومن أبرز هذه الإيجابيّات ما يلي (بورني وبخوش، 2020):

  • قد تُسهم المنصّات المتخصصة في نشر المحتوى العلمي مثل المحاضرات، الدروس والمكتبات الرّقميّة في توسيع دائرة المعرفة لدى الأبناء، وتزويدهم بمصادر تعليميّة يمكن الاستفادة منها في الدّراسة والبحث. كما أنّ التّفاعل عبر التّعليقات والمناقشات يفتح المجال أمام بناء خبرة معرفيّة أعمق وتبادل وجهات النّظر.
  • تتيح منصات التّواصل التعرف إلى أساليب متنوعة في إدارة شؤون المنزل، سواء في مجالات المهارات اليدويّة أو الرّعاية الصّحيّة أو الوصفات العلاجيّة، الأمر الذي يمكن أن يعزز روح التّعاون والتّشارك بين أفراد الأسرة ويساعد في مواجهة المشكلات اليوميّة بصورة عمليّة.
  • تمنح وسائل التّواصل الاجتماعي الأُسر المقيمة في المناطق النائية فرصة متابعة المستجدات في المجالات الثقافيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة والتّعليميّة، ما يسهم في تقليل الشّعور بالعزلة ويعزز اندماجها في التغيرات المجتمعيّة الأوسع.

على الرّغم من المزايا التي ذكرناها سابقًا عن مواقع التّواصل الاجتماعي، إلّا أنّ هذا لا ينفي وجود سلبيّات لهذه المواقع، إذ تشير الدِّراسات إلى أنّ الاستخدام المفرط وغير المنضبط لمواقع التّواصل الاجتماعي قد يسهم في توتر العلاقات الأُسريّة وتراجع الاستقرار الزّوجي، إذ ارتبطت بعض حالات الطلاق بالخيانة التي تتم عبر المنصات الرّقميّة. كما يؤدي الانشغال الطويل بالأجهزة إلى ارتفاع مستويات الضّغط النّفسي داخل الأسرة وتراجع الاستقرار العاطفي بين أفرادها (الشاعر، 2018). إضافة إلى ذلك، قد ينعكس الانشغال الرّقمي على دور الوالدين التّربوي، ما يجعل الأبناء يشعرون بالإهمال وقد يتطور ذلك إلى إدمان رقمي يؤثر سلباً على التحصيل الدراسي. ويُلاحظ أيضًا ارتباط الإفراط في الاستخدام بزيادة العزلة داخل الأسرة، إذ ينفصل كل فرد في عالمه الرّقمي على حساب التّواصل المباشر، ما يضعف الانتماء والتّماسك الأُسري (بورني وبخوش، 2020).

2-5- نظريات الدّراسة : تعتمد هذه الدّراسة على نظريتين رئيستين:

نظرية النّظام الأُسري (Family Systems Theory): توضح نظريّة النّظام الأُسري التي أنشأها (Bowen, 1978) أنّ الأسرة وحدة مترابطة، وأن أي تغيير في تواصل أحد أفرادها يؤثر في العلاقات والتوازن الداخلي للأسرة (Crossno, 2011). وبناءً على ذلك، تعتمد هذه الدّراسة على هذه النّظريّة لتفسير أن الاستخدام المكثف لوسائل التّواصل الاجتماعي قد يؤدي إلى إضعاف التفاعل المباشر داخل الأسرة، ما يسهم في ظهور الصّراع، وتبرز أهمّيّة جودة التّواصل وجهًا لوجه كعامل وسيط، قد يحافظ على تماسك الأسرة أو يزيد من الصّراع.

نظرية الاستخدامات والإشباعات (Uses and Gratifications Theory): تفترض هذه النّظريّة أن الأفراد يستخدمون وسائل الإعلام الرّقميّة لإشباع حاجات نفسيّة واجتماعيّة معيّنة مثل الهروب، بناء الهوية والحصول على الانتماء الاجتماعي (آل عشوه، 2021). تُعد هذه النّظريّة ضروريّة لفهم دوافع طلاب الجامعات اللبنانيين في استخدام وسائل التّواصل الاجتماعي وكيف أن هذه الدّوافع قد تؤدي إلى إهمال التّفاعلات الأُسريّة المباشرة.

2-6- الدِّراسات السّابقة

أجرى الباحثان سحاري وبوهدة (2021) دراسة ميدانيّة في ولاية المديّة بالجزائر تناولت أثر استخدام شبكات التّواصل الاجتماعي في طبيعة العلاقات داخل الأسرة. لقد شملت الدّراسة عيّنة من عدد من الأسر واستخدمت الاستبيان لجمع البيانات. وأظهرت النتائج أن الاستخدام المتزايد لهذه المنصات، وخاصة موقع فيسبوك، ارتبط بتراجع التفاعل بين أفراد الأسرة وارتفاع مستويات العزلة وإضعاف الروابط داخل المنزل.

أجرى الباحث آل عشوه (2021) دراسة في المملكة العربية السعودية استهدفت فحص تأثير استخدام تطبيقات التّواصل الاجتماعي على مستوى التفاعل الأسري والتوافق الاجتماعي لدى الشباب، وذلك بالاعتماد على المنهج الوصفي التّحليلي وتوظيف الاستبانة لجمع البيانات من عيّنة بلغت (528) مشاركًا. وبيّنت النتائج أنّ غالبية أفراد العيّنة يستخدمون تلك التّطبيقات بصورة دائمة بنسبة وصلت إلى (95.5%). كما أوضحت الدّراسة أنّ أثر هذه الوسائط مزدوج؛ إذ يمكن أن تسهم في توثيق الصّلات مع الأقارب والأصدقاء، إلّا أنّ استخدامها غير المنظم، قد يؤدي إلى تراجع التّفاعل المباشر داخل الأسرة وضعف الحوار بين أفرادها. ومن ثم أوصت الدّراسة بضرورة ترشيد استخدام مواقع التّواصل وتعزيز مهارات الحوار حفاظًا على التماسك الأسري.

أجرت الباحثة الناصر (2019) دراسة هدفت إلى الكشف عن أثر استخدام وسائل التّواصل الاجتماعي على العلاقات الاجتماعيّة والأُسريّة لدى طلبة الجامعة السّعوديّة، وذلك باستخدام المنهج الوصفي التّحليلي على عيّنة بلغت (315) طالبًا وطالبة. أظهرت نتائج الدّراسة أن واتساب هو الأكثر استخدامًا بين الطلاب يليه إنستغرام، وأن ذلك الاستخدام له أثر كبير على الحياة الاجتماعيّة في حين كان له أثر منخفض على العلاقات الأُسريّة.

أجرت الباحثتان مطالقة والعمري (2018) دراسة في جامعة اليّرموك هدفت إلى معرفة تأثير استخدام شبكات التّواصل الاجتماعي في طبيعة العلاقات الأُسريّة من وجهة نظر الشّباب الجامعي، وذلك باعتماد المنهج الوصفي المسحي وتطبيق استبانة على عيّنة عشوائيّة شملت (565) من الطلبة. وأظهرت النتائج أن لاستخدام هذه المواقع أثرًا ملموسًا على العلاقات داخل الأسرة، قد احتلت الجوانب الدّينيّة والأخلاقيّة المرتبة الأكثر تأثرًا، تلتها الآثار الاجتماعيّة، ثم الجوانب الصّحيّة والنّفسيّة.

هدفت دراسة الباحث عبد الجواد (2018) إلى التعرف بأنماط استخدام الأسرة العربيّة لوسائل التّواصل الاجتماعي وأثر ذلك على طبيعة العلاقات والتّفاعل الأُسري. تناولت الدّراسة الشبكات الأكثر أَهمّيّة استخدامًا، دوافع الاستخدام وشكل الحوار الأسري الناتج عنها، وذلك من خلال استبيان وُزّع على عيّنة من الأسر العربية. أظهرت النتائج أن أفراد الأسرة يعتمدون بشكل كبير على وسائل التّواصل ولا يستطيعون الاستغناء عنها في حياتهم اليوميّة، وأنّ هذا الاستخدام المتزايد أدى إلى ظهور خلافات أُسريّة عدة مثل ارتفاع مستويات الشّجار، الانسحاب العاطفي وتراجع الحوار المباشر بين أفراد الأسرة. كما بينت الدّراسة أنّ الاستخدام المفرط لتلك الوسائل ارتبط بانخفاض التّحصيل الدّراسي لدى الأبناء، نتيجة قضاء وقت طويل أمام الأجهزة، وانشغال كل فرد عن الآخر.

أجرى Procentese وآخرون دراسة العام 2019 هدفت إلى تحليل دور تصورات الوالدين حول أثر وسائل التّواصل الاجتماعي على النّظام الأُسري، وذلك من خلال فحص العلاقة بين الكفاءة الأُسريّة الجماعية وانفتاح التّواصل داخل الأسرة التي تضم مراهقين. أظهرت النّتائج أنّ تصورات الوالدين حول تأثير وسائل التّواصل الاجتماعي تعمل كعامل وسيط بين الكفاءة الأُسريّة الجماعيّة وانفتاح التّواصل، ما يشير إلى أن ما يؤثر في العلاقات الأُسريّة ليس فقط الاستخدام الفعلي لوسائل التّواصل، بل أيضًا كيفيّة إدراك الوالدين لقدرتهم على إدارة هذا الاستخدام والحفاظ على علاقات أُسريّة متوازنة.

أجرى الباحثان (2020) Mahmoud & Shafik دراسة وصفيّة استهدفت بحث تأثير استخدام شبكات التّواصل الاجتماعي على العلاقات داخل الأسرة، وذلك من خلال عيّنة مكوّنة من (170) فردًا من زوار ناديين اجتماعيين. وأشارت نتائج الدّراسة إلى أنّ غالبيّة المبحوثين يرون أن لوسائل التّواصل أثرًا ذا طبيعة مزدوجة؛ فقد تتيح فرصًا للتّقارب والتّواصل، وفي الوقت نفسه يمكن أن تُضعف العلاقات الأُسريّة إذا لم يُحسن تنظيم استخدامها. كما كشفت النتائج عن تفاوت درجة التأثير على نوع العلاقات الأُسريّة؛ إذ بلغ تأثير الاستخدام على العلاقة بين الزوجين (63%)، وعلى العلاقة بين الوالدين والأبناء (53.5%)، بينما بلغ التأثير على العلاقات الأُسريّة بشكل عام (59.1%).

أجرى (Ghaddar et al., 2019) دراسة ميدانيّة في لبنان هدفت إلى فحص أثر استخدام وسائل التّواصل الاجتماعي والأدوات التّكنولوجيّة على العلاقات الزوجيّة والأُسريّة. أظهرت النّتائج أن نسبة ملحوظة من المشاركين ترى أنّ التكنولوجيا تعزل الأطفال عن الوالدين، وأنّ انشغال أحد الزّوجين بوسائل التّواصل يرتبط بانخفاض مستوى الرضا والرفاه العاطفي داخل العلاقة. كما بيّنت الدّراسة أنّ هناك تصوّرًا شائعًا بأن وسائل التّواصل تسهّل فرص الخيانة، الأمر الذي يعزّز من حدة التوتر والثقة المهزوزة بين الشريكين.

2-7- التّعليق على الدِّراسات السّابقة

تُظهر الدِّراسات السابقة اتفاقًا عامًا على أنّ الاستخدام المفرط لوسائل التّواصل الاجتماعي يترك آثارًا سلبيّة على طبيعة العلاقات الأُسريّة، أبرزها ضعف الحوار المباشر، ارتفاع مستويات العزلة وتراجع التّرابط العاطفي بين أفراد الأسرة، كما أشار إلى ذلك كل من سحاري وبوهدة (2021) وآل عشوه (2021) وعبد الجواد (2018). بينما بينت دراسات أخرى أجرتها مطالقة والعمري (2018) والنّاصر (2019) أن تأثير وسائل التّواصل ليس دائمًا سلبيًا، إذ يمكن أن يسهم في تعزيز الصّلات الأُسريّة والاجتماعيّة عند الاستخدام المنظم والمتوازن. أمّا الدِّراسات الأجنبيّة مثل (Procentese et al., 2019) فقد بيّنت أن تصورات الوالدين حول تأثير وسائل التّواصل الاجتماعي تُمثّل عاملًا وسيطًا بين الكفاءة الأُسريّة الجماعيّة وانفتاح التّواصل داخل الأسرة. وبينما ركّزت هذه الدِّراسات على التأثيرات المباشرة أو التّصورات، فإن الدّراسة الحاليّة تتبنى مقاربة أكثر شموليّة من خلال فحص المسارات المباشرة وغير المباشرة للتأثير، مع التّركيز على دور جودة التّواصل وجهًا لوجه كمتغير وسيط بين استخدام وسائل التّواصل الاجتماعي والنتائج الأُسريّة والنّفسيّة. كما تتميز الدّراسة الحاليّة بتطبيقها على السياق اللبناني، ما يُثري الأدبيّات العربيّة التي لا تزال محدودة في هذا المجال، وبالتالي سدّ فجوة بحثيّة من خلال فهم أعمق للآليات التي تتوسط العلاقة بين الاستخدام التّكنولوجي والعلاقات الأُسريّة.

3- الإطار المنهجي

يتناول هذا الفصل العرض التّفصيلي للإجراءات المنهجيّة المعتمدة في الدّراسة، إذ يشمل توضيح المنهج المستخدم، عيّنة الدّراسة، أداة البحث، إضافة إلى الأساليب الإحصائيّة المستخدمة في تحليل البيانات.

3-1- منهج الدّراسة

اعتمدت الدّراسة المنهج الوصفي التّحليلي لملاءمته لطبيعة الموضوع المدروس، إذ يسمح هذا المنهج برصد الظواهر الاجتماعيّة كما تتجلى في سياقها الواقعي، وتحليل العلاقات القائمة بين متغيراتها استنادًا إلى تصورات الأفراد وتجاربهم. ومن خلال هذا المنهج، تُحدَّد درجة استخدام طلاب الجامعات لوسائل التّواصل الاجتماعي، ودراسة تأثيره على العلاقات والصّراعات داخل الأسرة، إلى جانب تفسير أثر جودة التّواصل المباشر وجهًا لوجه بوصفه متغيرًا وسيطًا يساهم في توضيح طبيعة التّرابط بين المتغيرات قيد الدّراسة (جابر، 2017).

3-2- مجتمع وعيّنة الدّراسة

يتمثّل مجتمع البحث لهذه الدّراسة بطلبة الجامعات في لبنان، إذ تعدُّ هذه الفئة الأكثر استخدامًا لوسائل التّواصل الاجتماعي. وقد شمل المجتمع عددًا من الجامعات في لبنان وهي الجامعة اللبنانيّة (LU)، جامعة بيروت العربيّة (BAU)، الجامعة اللبنانيّة الدّوليّة (LIU)، الجامعة الإسلاميّة في لبنان (IUL)، الجامعة اللبنانيّة الأميركيّة (LAU)، الجامعة الأميركيّة في بيروت (AUB). ولتحقيق أهداف الدّراسة، اختيِرت عيّنة عشوائيّة بسيطة من 300 طالب وطالبة من هذه الجامعات، بما يتيح تمثيلًا مناسبًا للمجتمع ويعزز إمكانيّة تعميم النتائج.

3-3- أدوات الدّراسة

اعتمدت هذه الدّراسة على الاستبانة كأداة رئيسة لجمع البيانات من أفراد العيّنة، وقد وُزعت بشكل مباشر على المشاركين. وقد تضمنت الاستبانة خمسة أقسام خُصص القسم الأول للبيانات الدّيموغرافيّة، بينما تضمنت الأقسام الأربعة الأخرى بنودًا مصاغة وفق مقياس ليكرت لقياس متغيرات الدّراسة. قِيس استخدام وسائل التّواصل الاجتماعي استنادًا إلى المقياس المعتمد في دراسة الضّمور (2022)، في حين اعتمد قياس جودة التّواصل وجهًا لوجه داخل الأسرة على الأداة المطورة في دراسة (Lyu et al. 2024). أمّا متغيرا العزلة والانطواء والمشاكل والصّراعات الأُسريّة، فقد استُعين في قياسهما بمقاييس مأخوذة من دراسة بحيري وبن لوصيف (2016). وقد اختير مقياس ليكرت الخماسي لما يوفره من سهولة في الإجابة للمشاركين ودقّة في تحليل الاتجاهات والدّرجات عند المعالجة الإحصائيّة.

3-4- ثبات الاستبيان

تُحُقق من ثبات أداة الدّراسة باستخدام معامل الاتساق الدّاخلي كرونباخ ألفا، وهو إجراء إحصائي يُستخدم لتقدير مدى انسجام بنود المقياس مع بعضها البعض، فيعكس درجة موثوقيّة الاستبيان وقدرته على قياس المتغيرات المستهدفة بصورة مستقرة.

جدول رقم (1): ثبات الاستبيان

كرونباخ ألفا المتغير
0.984 مدى استخدام وسائل التّواصل الاجتماعي
0.964 جودة التّواصل وجهًا لوجه
0.993 العزلة والانطواء
0.956 المشاكل والصراعات الأُسريّة

 

يتضح من الجدول رقم (1) أن قيم معامل كرونباخ ألفا للمتغيرات المدروسة تراوحت بين (0.956) و(0.993)، وهي جميعها أعلى من الحدّ الأدنى المقبول للثبات وهو (0.70). وبناءً على ذلك، يمكن القول إنّ مقاييس الدّراسة تتمتع بدرجة عالية من الموثوقيّة والاتساق الدّاخلي.

3-5- أساليب التّحليل الإحصائي

تعتمد هذه الدّراسة في تحليل بياناتها على مجموعة من الأساليب الإحصائيّة باستخدام البرنامج الإحصائي SPSS. فقد كان أولًا استخدام الإحصاءات الوصفيّة مثل التكرارات والنسب المئويّة بالإضافة إلى المتوسطات والانحرافات المعياريّة من أجل وصف الخصائص الدّيموغرافيّة لعيّنة الدّراسة والمتغيرات المدروسة. كما احتسب معامل كرونباخ ألفا للتحقق من مستوى الثبات لمقاييس الاستبانة. ولغرض اختبار فرضيات الدّراسة، استُخدِم تحليل الانحدار المتعدد. أمّا من أجل اختبار الدّور الوسيط لجودة التّواصل وجهًا لوجه في العلاقة بين استخدام وسائل التّواصل الاجتماعي وكل من العزلة والانطواء والمشاكل والصّراعات الأُسريّة، فقد اعتُمِد على أسلوب أداة Process Macro لاختبار الأثر المباشر وغير المباشر.

4- نتائج الدّراسة

يقدّم هذا القسم عرضًا لنتائج الدّراسة المتعلقة بأثر استخدام وسائل التّواصل الاجتماعي على العلاقات الأُسريّة لدى طلبة الجامعات في لبنان.

جدول رقم (2): الإحصاء الوصفي للخصائص الديموغرافية

المتغير المجموعة التكرارات النسب المئوية
الجنس أنثى 165 55.0%
ذكر 135 45.0%
العمر بين 18 و24 سنة 194 64.7%
بين 25 و30 سنة 91 30.3%
أكثر من 30 سنة 15 5.0%
عدد أفراد الأسرة 2–3  أفراد 85 28.3%
4–5  أفراد 150 50.0%
6  أفراد فأكثر 65 21.7%
السنة الدّراسيّة سنة أولى 64 21.3%
سنة ثانية 81 27.0%
سنة ثالثة 85 28.3%
سنة رابعة 37 12.3%
دراسات عليا 33 11.0%
المنصة الأكثر استخدامًا إنستغرام 90 30.0%
تويتر (X) 6 2.0%
تيك توك 70 23.3%
سناب شات 9 3.0%
فيسبوك 33 11.0%
واتساب 67 22.3%
يوتيوب 25 8.3%

تُظهر نتائج الإحصاء الوصفي للخصائص الدّيموغرافيّة في الجدول رقم (2) أنّ غالبيّة أفراد العيّنة من الإناث بنسبة (55%) مقابل (45%) من الذكور. ويتبين أنّ الفئة العمريّة الأكثر تمثيلًا هي فئة (18–24 سنة) بنسبة (64.7%). أمّا في حجم الأسرة، فقد جاءت غالبيّة المشاركين من أسر مكوّنة من (4–5 أفراد) بنسبة (50%). وفي ما يتعلق بالسنة الدّراسيّة، فقد توزعت العيّنة على مختلف السّنوات، مع ارتفاع ملحوظ في صفوف السنة الثانية والثالثة بنسبة (27%) و(28.3%) على التوالي. كما أظهرت النتائج أنّ منصة إنستغرام هي الأكثر استخدامًا بين الطلبة بنسبة (30%)، تليها منصتا تيك توك (23.3%) وواتساب (22.3%).

جدول رقم (3): الإحصاء الوصفي لمتغيرات الدّراسة

درجة الموافقة الانحراف المعياري المتوسط المتغير
متوسطة 1.35 3.08 مدى استخدام وسائل التّواصل الاجتماعي
متوسطة 1.26 3.04 جودة التّواصل وجهًا لوجه
متوسطة 1.47 2.88 العزلة والانطواء
متوسطة 1.44 2.72 المشاكل والصراعات الأُسريّة

 

تُظهر النّتائج في الجدول رقم (3) أنّ متغيرات الدّراسة جميعها جاءت ضمن المستوى المتوسط، إذ بلغ متوسط استخدام وسائل التّواصل الاجتماعي (3.08) وجودة التّواصل وجهًا لوجه (3.04)، ما يشير إلى استخدام ملحوظ يقابله تواصل أسري مقبول لكنه غير قوي. كما ظهرت العزلة والانطواء عند مستوى متوسط (2.88) والمشكلات والصّراعات الأُسريّة بمستوى متوسط منخفض نسبيًا (2.72)، ما يعني وجود تأثيرات اجتماعيّة وأسريّة محتملة

  • اختبار الفرضيّة الأولى:

تتناول الفرضيّة الأولى اختبار تأثير استخدام وسائل التّواصل الاجتماعي بوصفه المتغير المستقل على مستوى جودة التّواصل وجهًا لوجه لدى طلبة الجامعات في لبنان بوصفه المتغير التّابع.

جدول رقم (4): نتائج اختبار الفرضيّة الأولى

 R   اختبار (F) مستوى الدلالة (p) قيمة (T) قيمة (β) النّموذج
0.879 0.773 0.000 0.000 64.208 5.562 ثابت
0.000 -31.831 -0.820 استخدام وسائل التّواصل الاجتماعي

 

تشير نتائج تحليل الانحدار في الجدول رقم (4) إلى وجود علاقة إحصائيّة دالة بين استخدام وسائل التّواصل الاجتماعي وجودة التّواصل وجهًا لوجه لدى طلبة الجامعات في لبنان، إذ يفسّر المتغير المستقل بنحو (77.3%) من التّغير في جودة التّواصل وجهًا لوجه (R² = 0.773). لقد ظهر تأثير استخدام وسائل التّواصل الاجتماعي سالبًا ومعنويًا إحصائيًا (β = -0.820, p = 0.000)، ما يعني أنّه كلما ازداد الاستخدام بوحدة واحدة، تراجعت جودة التّواصل المباشر داخل الأسرة ب 0.820 وحدة. وبناءً على ذلك، تُقبل الفرضيّة الأولى التي تفيد بوجود تأثير ذي دلالة إحصائيّة لاستخدام وسائل التّواصل الاجتماعي على جودة التّواصل وجهًا لوجه. بشكل عام، تُظهر النتائج أنّ زيادة الاستخدام لوسائل التّواصل الاجتماعي تُقلل من مستوى الحوار المباشر بين أفراد الأسرة لدى طلبة الجامعات في لبنان. ويمكن تفسير ذلك أنّ الوقت الذي يقضيه الطلبة على منصات التّواصل الاجتماعي يأتي على حساب الوقت المخصص للتّفاعل المباشر مع أفراد الأسرة. كما أنّ الانشغال المستمر بالهواتف الذّكيّة، وتصفح المحتوى الرقمي يقلل من التّركيز والحضور الذّهني أثناء الجلسات العائليّة. بالإضافة إلى ذلك، فإن الاعتماد المتزايد على وسائل التّواصل الاجتماعي يضعف مهارات التّواصل التي تعدُّ أساسيّة للتّفاعل الفعّال وجهًا لوجه.

  • اختبار الفرضيّة الثانية

تتناول الفرضيّة الثانية اختبار تأثير استخدام وسائل التّواصل الاجتماعي بوصفه المتغير المستقل على العزلة والانطواء لدى طلبة الجامعات في لبنان بوصفه المتغير التابع.

جدول رقم (5): نتائج اختبار الفرضيّة الثانية

 R   اختبار (F) مستوى الدلالة (p) قيمة (T) قيمة (β) النّموذج
0.699 0.489 0.000 0.000 3.561 0.538 ثابت
0.000 16.886 0.759 استخدام وسائل التّواصل الاجتماعي

 

تُظهر النتائج في الجدول رقم (5) أثرًا إيجابيًا دالًا إحصائيًا لاستخدام وسائل التّواصل الاجتماعي على العزلة والانطواء لدى الطلبة، إذ بلغت نسبة التفسير R² = 0.489، ونسبة معامل الانحدار موجب ودال (β = 0.759, p = 0.000)، ما يعني أنه كلما ارتفع الاستخدام بوحدة واحدة زادت مستويات العزلة والانطواء ب 0.759 وحدة. وعليه، ثبتت الفرضيّة الثانية. وبالتالي، تشير النّتائج إلى أنّ الإفراط في استخدام وسائل التّواصل الاجتماعي يجعل طلبة الجامعات في لبنان أكثر ابتعادًا من التّفاعل الأسري والاجتماعي. وقد يعود ذلك إلى أنّ الاستخدام المفرط لهذه الوسائل يخلق شعورًا بالاكتفاء الزّائف بالعلاقات الافتراضيّة على حساب العلاقات الواقعيّة. كما أنّ التّعرض المستمر لحياة الآخرين المثاليّة على وسائل التّواصل الاجتماعي قد يولد شعورًا بعدم الثّقة والرّغبة في الانطواء.

  • اختبار الفرضيّة الثالثة

تتناول الفرضيّة الثالثة اختبار تأثير استخدام وسائل التّواصل الاجتماعي بوصفه المتغير المستقل على المشاكل والصراعات الأُسريّة لدى طلبة الجامعات في لبنان بوصفه المتغير التابع.

جدول رقم (6): نتائج اختبار الفرضيّة الثالثة

 R   اختبار (F) مستوى الدلالة (p) قيمة (T) قيمة (β) النّموذج
0.315 0.099 0.000 0.000 8.499 1.679 ثابت
0.000 5.727 0.336 استخدام وسائل التّواصل الاجتماعي

 

تشير نتائج الجدول رقم (6) إلى وجود علاقة دالة بين مستوى استخدام وسائل التّواصل الاجتماعي والمشكلات والصراعات الأُسريّة لدى الطلبة، إذ بلغ معامل التفسير (R² = 0.099)، ما يدلّ على أن استخدام هذه الوسائل يفسر ما نسبته (9.9%) من التّباين في حدة المشكلات الأُسريّة. كما أظهر معامل الانحدار قيمة موجبة ودالة إحصائيًا (β = 0.336, p = 0.000)، ما يشير إلى أنّه مع زيادة استخدام وسائل التّواصل الاجتماعي بوحدة واحدة يرتفع مستوى المشكلات الأُسريّة لدى أفراد العيّنة ب 0.336 وحدة. وبناءً على ذلك، تُقبل الفرضيّة الثالثة. ما يعني أن استخدام وسائل التّواصل الاجتماعي يؤدي الى زيادة المشاكل والصّراعات الأُسريّة لدى طلبة الجامعات في لبنان، وما يدل على أن الإفراط في الاستخدام يولّد توترًا داخل الأسرة. وقد يُعزى ذلك إلى أن الانشغال المستمر بوسائل التّواصل الاجتماعي وشعور الآخرين بالإهمال قد يُثير استياء أفراد الأسرة ويخلق توترات. كما أنّ نشر تفاصيل خاصة عن الحياة الأُسريّة على منصات التّواصل الاجتماعي قد يسبب خلافات وانتهاكًا لخصوصيّة الأسرة. بالإضافة إلى ذلك، فإنّ مقارنة الحياة الأُسريّة بحياة الآخرين على هذه المنصات، قد يولد توقعات غير واقعية وعدم رضا يؤدي إلى صراعات داخليّة.

  • اختبار الفرضيّة الرابعة

تقوم الفرضيّة الرابعة بتحليل تأثير جودة التّواصل وجهًا لوجه بوصفه المتغير المستقل على العزلة والانطواء لدى طلبة الجامعات في لبنان بوصفه المتغير التابع.

جدول رقم (7): نتائج اختبار الفرضيّة الرابعة

 R   اختبار (F) مستوى الدلالة (p) قيمة (T) قيمة (β) النّموذج
0.705 0.497 0.000 0.000 34.150 5.365 ثابت
0.000 -17.149 -0.820 جودة التّواصل وجهًا لوجه

 

تُظهر النتائج في الجدول رقم (7) أثرًا سلبيًا دالًا إحصائيًا لجودة التّواصل وجهًا لوجه على العزلة والانطواء لدى الطلبة، إذ بلغت نسبة التفسير R² = 0.497، وكان معامل الانحدار سالبًا ودالًا إحصائيًا (β= -0.820, p = 0.000)، ما يشير إلى أنه كلما ارتفعت جودة التّواصل المباشر داخل الأسرة انخفضت مستويات العزلة والانطواء لدى طلبة الجامعات. وبناءً على ذلك، ثبتت الفرضيّة الرابعة. ما يعني أن جودة التّواصل وجهًا لوجه تؤثر سلبًا على العزلة والانطواء لدى طلاب الجامعات في لبنان، أي أنّ تحسّن التّواصل المباشر يقلل من مشاعر الانسحاب الاجتماعي. ويُفسّر ذلك بأن التّواصل المباشر الفعّال يوفر الدّعم العاطفي والشعور بالانتماء الذي يحتاجه الطلبة، كما أن الحوارات العائلية المنتظمة تعزز الثقة بالنّفس والمهارات الاجتماعيّة، ما يشجع الطلبة على المشاركة الإيجابيّة مع الأسرة. علاوة على ذلك، فإنّ وجود بيئة أسرية داعمة تتميز بالتّواصل الفعال يمنح الطلبة شعورًا بالأمان النّفسي الذي يحميهم من الانطواء والعزلة.

  • اختبار الفرضيّة الخامسة

تسعى الفرضيّة الخامسة لاختبار تأثير جودة التّواصل وجهًا لوجه بوصفه المتغير المستقل على المشاكل والصراعات الأُسريّة لدى طلبة الجامعات في لبنان بوصفه المتغير التابع.

جدول رقم (8): نتائج اختبار الفرضيّة الخامسة

 R   اختبار (F) مستوى الدلالة (p) قيمة (T) قيمة (β) النّموذج
0.390 0.152 0.000 0.000 20.287 4.074 ثابت
0.000 -7.318 -0.447 جودة التّواصل وجهًا لوجه

 

تُظهر النتائج في الجدول رقم (8) أثرًا سلبيًا دالًا إحصائيًا لجودة التّواصل وجهًا لوجه على المشاكل والصراعات الأُسريّة لدى الطلبة، إذ بلغت نسبة التفسير R² = 0.152، وكان معامل الانحدار سالبًا ودالًا (β= -0.447, p = 0.000)، ما يعني أنه كلما تحسّنت جودة التّواصل المباشر داخل الأسرة انخفضت حدة المشكلات والصّراعات الأُسريّة. وعليه، تُقبل الفرضيّة الخامسة. ما  يعني أن ارتفاع جودة التّواصل وجهًا لوجه يؤدي إلى انخفاض مستوى المشاكل والصراعات الأُسريّة لدى طلاب الجامعات في لبنان، ما يشير إلى أن الحوار المفتوح يحدّ من التّوتر داخل الأسرة. ويمكن تفسير ذلك أن التّواصل الفعّال يتيح فرصًا أفضل لفهم وجهات نظر أفراد الأسرة جميعهم وحلّ الخلافات بشكل بنّاء. كما أنّ القدرة على التّعبير عن المشاعر والاحتياجات بوضوح خلال التّفاعل المباشر تمنع تراكم المشاعر السلبيّة التي قد تتحول إلى صراعات. بالإضافة إلى ذلك، فإنّ التّواصل الجيد يعزز الاحترام المتبادل والتّفاهم بين أفراد الأسرة، ما يخلق مناخًا أسريًا إيجابيًا يُقلّل من احتمالات نشوء المشكلات.

  • اختبار الفرضيّة السّادسة

تفحص الفرضيّة السّادسة الدور الوسيط لجودة التّواصل وجهًا لوجه بين استخدام وسائل التّواصل الاجتماعي والعزلة، والانطواء لدى طلبة الجامعات في لبنان.

جدول رقم (9): نتائج اختبار الفرضيّة السّادسة

الأثر غير المباشر فاصل الثقة (95%) قيمة (β) الوسيط  
القيمة العليا القيمة الدنيا  
دال إحصائياً 0.5535 0.1936 0.3780 جودة التّواصل وجهًا لوجه

 

تشير النتائج في الجدول رقم (9) إلى وجود أثر غير مباشر دال إحصائيًا لاستخدام وسائل التّواصل الاجتماعي على العزلة والانطواء من خلال جودة التّواصل وجهًا لوجه، إذ بلغت قيمة الأثر غير المباشر (β= 0.3780)، وجاء فاصل الثّقة عند مستوى (95%) بين (0.1936) و(0.5535)، وهو نطاق لا يشمل الصفر، ما يؤكد دلالة الأثر الإحصائيّة. ويعني ذلك أن استخدام وسائل التّواصل الاجتماعي يؤدي إلى تراجع جودة التّواصل المباشر والذي بدوره يسهم في زيادة مستويات العزلة والانطواء لدى الطلبة. وبناءً عليه، ثبتت الفرضيّة السادسة. على العموم، تؤكد النتائج أن جودة التّواصل وجهًا لوجه تؤدي دورًا وسيطًا بين استخدام وسائل التّواصل والعزلة والانطواء لدى طلاب الجامعات في لبنان، أيّ أن ضعف التّواصل المباشر هو الآلية التي من خلالها يؤدي الاستخدام الزائد إلى العزلة. وقد يُعزى ذلك إلى أن استخدام وسائل التّواصل الاجتماعي يُضعف أولًا من جودة التفاعل الأسري المباشر عبر تقليل الوقت والاهتمام المخصص له. وعندما تتراجع جودة التّواصل الأُسري، يفقد الطلبة مصدرًا مهمًا للدعم الاجتماعي والعاطفي الذي يحتاجونه. وهذا النّقص في الدعم الأسري بدوره يدفع الطلبة نحو مزيد من الانعزال والانطواء كآلية للتعامل مع الفراغ العاطفي الناتج.

  • اختبار الفرضيّة السّابعة

تفحص الفرضيّة السّابعة الدور الوسيط لجودة التّواصل وجهًا لوجه بين استخدام وسائل التّواصل الاجتماعي والمشاكل والصراعات الأُسريّة لدى طلبة الجامعات في لبنان.

جدول رقم (10): نتائج اختبار الفرضيّة السابعة

الأثر غير المباشر فاصل الثقة (95%) قيمة (β) الوسيط
القيمة العليا القيمة الدنيا
دال إحصائياً 0.6711 0.2617 0.4690 جودة التّواصل وجهًا لوجه

 

تُظهر النتائج في الجدول رقم (10) وجود أثر غير مباشر ودال إحصائيًا لاستخدام وسائل التّواصل الاجتماعي على المشاكل والصراعات الأُسريّة عبر جودة التّواصل وجهًا لوجه. إذ بلغت قيمة الأثر غير المباشر (β= 0.4690)، وجاء فاصل الثقة عند مستوى (95%) بين (0.2617) و(0.6711)، وهو نطاق لا يشمل الصفر، ما يدل على دلالة هذا التأثير. وهذا يعني أن استخدام وسائل التّواصل الاجتماعي يؤدي إلى تراجع جودة التّواصل المباشر داخل الأسرة، الأمر الذي يسهم بدوره في زيادة مستوى المشكلات والصّراعات الأُسريّة. وبالتالي، تُقبل الفرضيّة السّابعة. ومن منظور شامل، تشير النتائج إلى أن جودة التّواصل وجهًا لوجه تتوسط العلاقة بين استخدام وسائل التّواصل والمشكلات الأُسريّة لدى طلاب الجامعات في لبنان، ما يعني أن الاستخدام لا يؤدي إلى الخلافات مباشرة، بل الى إضعاف الحوار الأسري المباشر. ويمكن تفسير ذلك أن الاستخدام المكثف لوسائل التّواصل الاجتماعي يُقلّل من فرص الحوار الأسري الحقيقي والعميق الذي يساعد على حلّ المشكلات قبل تفاقمها. فعندما تضعف قنوات التّواصل المباشر، تتراكم المشاعر السلبيّة دون معالجتها، ما يؤدي إلى تصعيد الصراعات.

مناقشة النّتائج

تتوافق نتائج الدّراسة الحالية مع ما توصّلت إليه معظم الدِّراسات السّابقة حول أثر وسائل التّواصل الاجتماعي على العلاقات الأُسريّة. فقد أكدت النتائج أنّ الاستخدام المفرط لتلك الوسائل يؤدي إلى انخفاض جودة التّواصل وجهًا لوجه، ارتفاع مستويات العزلة والانطواء والمشكلات الأُسريّة، وهو ما يتفق مع ما أشار إليه كل من سحاري وبوهدة (2021) وآل عشوه (2021) وعبد الجواد (2018) من أن الانشغال بوسائل التّواصل الاجتماعي يُضعف الروابط الواقعيّة داخل الأسرة. كما تتشابه النتائج جزئيًا مع دراسة مطالقة والعمري (2018) والناصر (2019) ودراسة (2020 Mahmoud & Shafik,) حول الطبيعة المزدوجة للتأثير، وقد لاحظت الدّراسة الحاليّة أن الأثر السلبي يزداد مع ضعف جودة التّواصل وجهًا لوجه، ما يعني أن جودة الحوار المباشر تُمثّل عاملا! توازنًا أساسيًا. وتتشابه أيضًا دراستنا مع دراسة (Procentese et al. (2019 في تناولها للدور الوسيط، إذ وجد الباحثون أن تصورات الوالدين حول تأثير وسائل التّواصل تمثل وسيطًا بين الكفاءة الأُسريّة وانفتاح التّواصل، وبالمثل أظهرت دراستنا أنّ جودة التّواصل وجهًا لوجه تمثل متغيرًا وسيطًا يُفسّر العلاقة بين استخدام وسائل التّواصل الاجتماعي وكل من العزلة والصّراعات الأُسريّة.

وتؤكّد هذه النتائج مجتمعة أنّ التأثير السلبي لا يكمن في الوسائل التّقنية ذاتها، بل في غياب الوعي والتّنظيم في استخدامها. إذ إنّ الاستخدام المكثّف لوسائل التّواصل الاجتماعي يؤدي إلى تراجع جودة التّواصل وجهًا لوجه داخل الأسرة، ما يسهم بدوره في زيادة مستويات العزلة والانطواء وارتفاع حدة الصراعات الأُسريّة بين طلبة الجامعات في لبنان، ما يفتح المجال أمام بحوث مستقبليّة تسعى إلى وضع نماذج تدخّل تربوية تعيد التّوازن بين التّفاعل الرّقمي والحوار المباشر داخل الأسرة اللبنانيّة.

الخاتمة

تُسلّط هذه الدّراسة الضوء على التّحديات المعاصرة التي تواجه الأسرة اللبنانيّة في ظل الثورة الرّقميّة، حيث باتت وسائل التّواصل الاجتماعي جزءًا لا يتجزأ من حياة الشّباب الجامعي. وقد كشفت النتائج مفارقة مقلقة، فبينما تُروّج هذه المنصات لفكرة “التّواصل”، فإنّها في الواقع تُسهم في تآكل جوهر التّواصل الحقيقي داخل الأسرة. فالوقت الذي يُستنزف أمام الشاشات، والانشغال الذّهني المستمر بالعالم الافتراضي، يأتيان على حساب الحوار العائلي والحضور العاطفي المشترك.

لقد أظهرت النتائج أن استخدام وسائل التّواصل الاجتماعي لدى طلاب الجامعات في لبنان يرتبط بشكل واضح بتراجع جودة التّواصل وجهًا لوجه داخل الأسرة، ارتفاع مستويات العزلة والانطواء وظهور مشكلات وصراعات أُسريّة. كما تبين أن جودة التّواصل وجهًا لوجه تؤدي دورًا وسيطًا في تفسير هذه العلاقات، أي أن التأثير السلبي لا ينتج فقط عن الاستخدام المرتفع لوسائل التّواصل، بل يتعزز عندما يضعف الحوار المباشر والتفاعل الإنساني داخل الأسرة. ويشير هذا الأمر إلى أنّ التّحدي الرئيسي ليس في وجود التكنولوجيا بحد ذاته، بل في كيفية إدارتها داخل الحياة الأُسريّة. كما أشارت النّتائج الى أن تراجع جودة التّواصل المباشر لا يقتصر على كونه نتيجة مباشرة فحسب، بل يتحول إلى وسيلة تُغذّي العزلة والانطواء وتفاقم الصّراعات الأُسريّة. وهنا تكمن خطورة الظاهرة، إذ يفقد الطلبة مصدرهم الأساسي للدعم النّفسي والانتماء، ليجدوا أنفسهم محاصرين بين عالم افتراضي يوهمهم بالاتصال، وعالم واقعي يعانون فيه من الانفصال. وفي ضوء ما سبق، يُطرح تساؤل مهم: هل المشكلة في التكنولوجيا ذاتها، أم في غياب الوعي والتوجيه حول كيفية استخدامها؟

التّوصيات

وبناءً على ما توصلت إليه الدّراسة من نتائج، يمكن تقديم مجموعة من التّوصيات التي تسهم في الحد من الآثار السلبيّة لوسائل التّواصل الاجتماعي وتعزيز التفاعل الأسري:

  • تعزيز ثقافة الحوار وجهًا لوجه داخل الأسرة عبر تخصيص أوقات يوميّة من دون هواتف أو شاشات.
  • توعية الطلاب والأهل بأن الاستخدام غير المنظم لوسائل التّواصل يمكن أن يؤدي إلى العزلة وضعف الروابط الأُسريّة.
  • إدراج برامج إرشاد نفسي واجتماعي في الجامعات لتعزيز مهارات التّواصل العاطفي المباشر لدى الشّباب.
  • دعم مبادرات مدرسيّة وجامعيّة تستبدل التّواصل الافتراضي بأنشطة تشاركيّة وجماعيّة واقعيّة.

المراجع

  • المراجع العربية
  1. الشاعر، عبد الرحمان بن ابراهيم. (2018). مواقع التّواصل الاجتماعي والسلوك الإنساني (ط1)، دار صفاء للنشر والتوزيع، عمان.
  2. الضمور، عدنان محمد. (2022). مواقع التّواصل الاجتماعي وأثرها على الأمن المجتمعي “دراسة على عيّنة من مستخدمي موقع فيس بوك في المجتمع الإماراتي”. مجلة العلوم الشرطية والقانونية، 13(1)، المادة 5.
  3. العيساوي، لبنى، وخليل، هدى. (2022). تأثير مواقع التّواصل الاجتماعي على الاتصال الأسري: دراسة ميدانية ببلدية بوعاتي محمود، رسالة ماجستير. جامعة 8 ماي 1945 قالمة، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعيّة.
  4. الناصر، منال محمد بن حمد. (2019). تأثير وسائل التّواصل الاجتماعي على العلاقات الاجتماعيّة والأُسريّة لدى طلبة الجامعة السعودية الإلكترونية بمدينة الرياض، (رسالة ماجستير). جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الرياض، المملكة العربية السعودية.
  5. آل عشوه، ظافر علي. (2021). برامج التّواصل الاجتماعي وأثرها على استقرار الأسرة (دراسة ميدانية). المجلة الدولية لنشر البحوث والدِّراسات، 3(26)، 91–127.
  6. بحيري، نجيبة.، وبن لوصيف، نورة. (2016). أثر استخدام شبكات التّواصل الاجتماعي على العلاقات الأُسريّة لدى الطالب الجامعي – الفيسبوك نموذجاً، رسالة ماجستير، جامعة 08 ماي 1945 قالمة، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعيّة.
  7. بورني، نسيم.، وبخوش، وليد. (2020). مواقع التّواصل الاجتماعي وتأثيرها على الأسرة. مجلة علوم الإنسان والمجتمع، 9(03)، 289-314.
  8. جابر، جابر عبد الحميد. (2017). مناهج البحث في علم النفس. القاهرة: دار النهضة العربية.
  9. سحاري، مصطفى، وبوهدة، خير الدين. (2021). تأثير مواقع التّواصل الاجتماعي على العلاقات الأُسريّة – دراسة ميدانية على عيّنة من الأسر في ولاية المدية – من جانفي إلى جوان 2018. مجلة البحوث والدِّراسات العلمية، 15(01)، 51–72.
  10. عبد الجواد، خالد أحمد. (2018). علاقة استخدام وسائل التّواصل الاجتماعي بمشكلات الأسرة العربية. المجلة المصرية لبحوث الإعلام، 64، 95–138.
  11. مطالقة، أحلام محمود علي، والعمري، رائقة علي. (2018). أثر مواقع التّواصل الاجتماعي على العلاقات الأُسريّة من وجهة نظر طلبة جامعة اليرموك في ضوء بعض المتغيرات. مجلة دراسات: علوم الشريعة والقانون، 45(4)، 263–283.
  • المراجع الأجنبية
  1. An, J., Zhu, X., Shi, Z., & An, J. (2024). A serial mediating effect of perceived family support on psychological well-being. BMC Public Health, 24(1), 940.
  2. Coyne, S. M., Rogers, A. A., Zurcher, J. D., Stockdale, L., & Booth, M. (2020). Does time spent using social media impact mental health?: An eight-year longitudinal study. Computers in human behavior, 104, 106160.
  3. Crossno, M. A. (2011). Bowen family systems theory. Marriage and family therapy: A practice-oriented approach, 39-64.
  4. Eveleigh, E. R., Nixon, L., O’Donoghue, M., Singh, P., McDonald, R., Ucci, M., & Sheringham, J. (2025). Interconnected factors influencing family health and wellbeing in overcrowded homes and points for intervention–A qualitative study in London. Wellbeing, Space and Society, 8, 100250.
  5. Ghaddar, A., Hamadani, M., & Yamout, F. (2019). Effects of social media on relationships in Lebanon: A study case for Lebanon. In Politics of the Machine Beirut 2019. BCS Learning & Development, 48-53.
  6. Lyu, W., Shi, X., Xiong, Z., & Mu, Y. (2024). Development of the Parent–Child Communication Quality Scale from the Perspective of Children’s Psychological Needs. Behavioral Sciences, 14(10), 933.
  7. Mahmoud, H., & Shafik, S. A. (2020). The effect of social media on family relationships. IOSR Journal of Nursing and Health Science, 9(6), 47-57.
  8. McDaniel, B. T., & Radesky, J. S. (2018). Technoference: Parent distraction with technology and associations with child behavior problems. Child development, 89(1), 100-109.
  9. Rusu, P. P., Candel, O. S., Bogdan, I., Ilciuc, C., Ursu, A., & Podina, I. R. (2025). Parental Stress and Well-Being: A Meta-analysis. Clinical child and family psychology review, 1-20.
  10. Sultana, S. (2017). Social Networking Sites (SNS) and family relationship: A study on youths of Dhaka City. IOSR Journal of Humanities and Social Science, 22(4), 46-52.
  11. Wei, W. X., Zhao, X. X., & Chooi, W. T. (2025). Family Conflict is Associated with Increased Risk of Problematic Digital Media Use in Children and Adolescents: A Systematic Review with Narrative Synthesis. Adolescent Research Review, 1-14.

[1] – أستاذ مساعد في الجامعة اللبنانيّة، معهد العلوم الاجتماعيّة – بيروت – لبنان.

– Assistant Professor at the Lebanese University, Institute of Social Sciences – Beirut – Lebanon  . Email: Manal.hamzeh@ul.edu.lb

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.