الإضراب عن الطّعام في السّجون اللبنانيّة: بين القانون وحقوق الإنسان والتّداعيّات الاجتماعيّة

0

اسم المجلة: مجلة أوراق ثقافية

الإضراب عن الطّعام في السّجون اللبنانيّة: بين القانون وحقوق الإنسان والتّداعيّات الاجتماعيّة

Hunger Strikes in Lebanese Prisons: Between Law, Human Rights, and Social Implications

  1. Dr.Amer Ziad El-HAJJAR       د.عامر زياد الحجّار ([1])

تاريخ الإرسال:1-12-2025                                   تاريخ القبول:13-12-2025

ملخّص                                                                 turnitin:14%

تبحث هذه المقالة الإضراب عن الطّعام كسلوك احتجاجي داخل السّجون، بوصفه لغة جسديّة تُحوّل الألم إلى رأس مال رمزي يضغط على السّلطة ويجذب أطرافًا أخرى إلى المشهد. تقدّم تعريفًا تشغيليًّا للإضراب عن الطّعام والتّغذية القسريّة، وتُميّز بين القرار الطّبّي المشروع واحتمالات الإكراه الطّبّي عند توافر الأهليّة والرّفض الصّريح. تُؤطِّر النّقاش بمعايير دوليّة مرجعيّة كإعلان مالطا للجمعيّة الطّبّيّة العالميّة وقواعد نيلسون مانديلّا، وتستعين بعدسات نظريّة (فوكو، غوفمان، سكوت، بورديو) لفهم تحويل الجسد إلى خطاب تفاوضي. تُسقط ذلك على الحالة اللبنانيّة حيث تتفاقم الهشاشة البنيويّة (اكتظاظ مزمن، توقيف احتياطي متمادٍ، تدهور الرّعاية الصّحيّة والغذائيّة، بنى تحتيّة متعِبة) بما يرفع قابليّة الاحتجاج ويُفسِّر ميل السّلطة إلى سياسة “الاحتواء المبكر” بالمزج بين الأمني والإداري والطّبّي. وتعرض ديناميّات إنهاء الإضرابات عمليًّا (عزل القادة، مساومات جزئيّة، تبدّل الإسناد الخارجي، إحاطة صحّيّة عند الخطر) مع تحفّظ أخلاقي حيال أي تدخّل قسري خارج شروط إنقاذيّة صارمة. وتخلص المقالة إلى توصيات مبنيّة على تخفيف الدّوافع البنيويّة وبناء قنوات تظلّم، وتمثيل داخلي وتثبيت استقلاليّة القرار الطّبّي، بما يوازن بين حماية الحياة وصون الكرامة.

الكلمات المفاتيح: الإضراب عن الطّعام، السّجون، التّغذية القسريّة، الاحتجاج الجسدي، الرأسمال الرّمزي، الهشاشة البنيويّة في السّجون اللّبنانيّة، سياسات الاحتواء المبكر، الأخلاقيّات الطّبّيّة.

 

 

 

Abstract

This article examines hunger strike as a form of protest within prisons, conceptualizing it as a bodily language that converts pain into symbolic capital capable of exerting pressure on the authorities and drawing additional actors into the scene. It proposes operational definitions of hunger strike and forced feeding, and distinguishes between legitimate medical decision-making and the risk of medical coercion when decision-making capacity is present and explicit refusal has been expressed. The discussion is framed by key international standards, such as the World Medical Association’s Malta Declaration and the Nelson Mandela Rules, and draws on theoretical lenses (Foucault, Goffman, Scott, Bourdieu) to understand how the body is converted into a negotiating discourse. This framework is then applied to the Lebanese context, where structural fragility is intensifying (chronic overcrowding, prolonged pretrial detention, deterioration in health and nutritional care, worn-out infrastructure), thereby heightening the propensity for protest and helping to explain the authorities’ tendency toward a policy of “early containment” that blends security, administrative, and medical measures. The article further outlines the practical dynamics through which hunger strikes are brought to an end (isolation of leaders, partial concessions, shifts in external support, intensified medical oversight when life is at risk), while expressing ethical reservations about any form of coercive intervention that does not meet strict life-saving criteria. It concludes with recommendations focused on alleviating structural drivers, establishing effective grievance channels and internal representation, and safeguarding the independence of medical judgment, in a manner that balances the protection of life with the preservation of dignity.

Keywords: Hunger strike, prisons, forced feeding, bodily protest, symbolic capital, structural fragility in Lebanese prisons, early containment policies, medical ethics.

 

المقدّمة

في زنزانة مكتظّة ومضاءة بنورٍ خافت، يعلن سجين قراره: “من اليوم… أمتنع عن الطّعام”. القرار لا يصدر من فراغ، هو لغة تفاوض حين تُغلق الأبواب المؤسّسيّة والقانونيّة. في هذا الفضاء الذي يحكم أدق تفاصيل الجسد، يتحوّل الامتناع عن الطّعام إلى رسالة موجّهة إلى إدارة السّجن، وإلى الطّبيب، وإلى القاضي، وإلى الجمهور وراء الجدران. تتصاعد الأسئلة: هل يملك الفرد حقّ التّصرّف في جسده حتى حدود المخاطرة بالحياة؟ ماذا يفعل الطّبيب حين تتعارض حياة المريض مع احترام استقلاليّته؟ وأين تنتهي “حماية الحياة” وتبدأ الإكراهات التي تمسّ الكرامة؟ تنطلق هذه المقالة من الأسئلة لتبني، خطوةً خطوة، فهمًا سوسيولوجيًّا وأخلاقيًّا وقانونيًّا للإضراب عن الطّعام، قبل إسقاطه على السّياق اللّبناني الذي تتقاطع فيه أزمة السّجون مع الأزمة الاقتصاديّة والصّحّيّة والاجتماعيّة.

تعريفات تشغيليّة مختصرة

  • الموافقة المستنيرة (الرضى أو الرفض المستنير): هي إذن بالموافقة يمنحه شخص، للسّماح باتخاذ إجراء يخصّه، عقب معرفة المخاطر جميعها والعواقب والبدائل المتعلّقة به، كشرط ضروري لإعطاء الموافقة على التّنفيذ.
  • الأهليّة: هي قدرة الشَّخص على استيعاب المعلومات واتّخاذ قرار مُتَّسق.
  • الرّعاية الدّائمة: هي متابعة طبّيّة من قبيل تقديم سوائل وفيتامينات ومراقبة حثيثة مترافقة مع احترام قرار المُضرِب عن الطّعام بالموافقة عليها أو رفضها.
  • الإكراه الطّبّي: وهو ما يُعرف بالتّغذية القسريّة وهو إطعام المُضرب رغمًا عن إرادته وبعد إعلان صريح برفضه للعلاج.

 

 

أوّلًا: ما هو الإضراب عن الطّعام؟

الإضراب عن الطّعام هو امتناعٌ طوعيٌّ منظّم عن تناول الغذاء (أحيانًا السوائل)، قد يكون فرديًا أو جماعيًا، يُستخدَم كتكتيك ضغط لتحقيق مطالب محدّدة سياسيّة أو إجرائيّة أو حقوقيّة داخل السّجون. هذا الإضراب لا يُعدّ صومًا دينيًا ولا سلوكًا انتحاريًا بالضّرورة، إنما أداة تفاوضيّة يُستخدَم فيها الجسد كمنصّة خطاب. (World Medical Association, 2017; ICRC, 2023)

في أدبيّات السّوسيولوجيا السّياسيّة، يحوّل الإضراب الجسدَ إلى “لغة” مرئيّة تُحرج السّلطة أخلاقيًا وتستدعي تضامنًا اجتماعيًا وإعلاميًا، يمنح المُضرب شرعيّة رمزيّة تُعادل الفارق المادّي في موازين القِوى. (Boyd, 2015)

ثانيًا: ما هي التّغذية القسريّة؟ وكيف تُنفَّذ؟ وما مخاطرها؟

التّغذية القسريّة هي إدخال غذاء إلى جسم المُضرب عن الطّعام على الرّغم من رفضه الصّريح وبعد ثبوت أهليّته، باستخدام وسائل طبّيّة ووسائل تقييد، هذه الوسائل هي كرسي خاص مع معدّات تقييد للرّأس واليدين والرّجلين لتنفيذ الإجراء بالقوّة. تعدُّ الجمعيّة الطّبّيّة العالميّة (WMA) أنّ “التّغذية القسريّة هي نوعٌ من أنواع التَّعذيب والمعاملة اللّاإنسانيّة المُهينة خاصّة عندما يكون المُضرِب راشدًا ذا أهليّة، وتُشدّد على احترام قراره وكرامته الإنسانيّة”. (World Medical Association, 2017)

تؤكّد الأدبيّات المهنيّة أنّ ثمّة فارقًا جوهريًّا بين الرّعاية الدّائمة بموافقة المُضرِب وبين الإطعام القسري المرفوض أخلاقيًّا للمضرِب الكفء. (United Nations, 2015)

·        كيف تُنفَّذ التّغذية القسريّة؟

تُنفّذ التّغذية القسريّة من خلال عدّة طرق نوجز منها:

  • إدخال أنبوب أنفي – مِعدي (NG TUBE): يُدخل أنبوب من الأنف إلى المعدة لتسريب سوائل غذائيّة، غالبًا يترافق مع تقييد جسدي أو كرسي تقييد لمنع نزع الأنبوب. قد تُستخدَم مُسكّنات ومُهدّئات للسّيطرة على المُضرِب عن الطّعام. (World Medical Association, n.d.)
  • تغذية وريديّة خارج الجهاز الهضمي (TPN): من خلال تسريب محاليل غذائيّة عبر الوريد، وأحيانًا تُجرى قسطرة وريديّة مركزيّة. قد تُستخدم حين يتعذّر الوصول للمعدة أو عند مضاعفات متعلّقة بالجهاز الهضمي. (Boyd, 2015)
  • إجراءات مرافِقة لعمليّة التّغذية القسريّة: إجراء فحوصات سريعة، يُثبَّت الرّأس والذّراعين والقدمين والجسد، مراقبة المؤشّرات الحيويّة خلال وبعد الإجراء. مواكبة وحضور أمني، ما يزيد الإكراه والوصم لهذه العمليّة. (The Lancet, 2008)

·        مخاطر التّغذية القسريّة

المخاطر السّريريّة:

  • إصابات موضعيّة من قبيل نزف أنفي، تمزّق مخاطي، التهاب جيوب، التهاب في البلعوم، جرح مريئي.
  • شفط رئوي واختناق إذا وُضع الأنبوب في مجرى التّنفّس خطأً يؤدّي إلى ذبحة قلبيّة والموت.
  • اضطرابات كهرباء الدّم خصوصًا عند متلازمة إعادة التّغذية مع اضطراب البوتاسيوم، الفوسفور، المغنيزيوم.
  • التهابات مرتبطة بالقسطرة الوريديّة عند إدخال الأنبوب، ومضاعفات قلبيّة وأيضًا كلويّة عند بعض الفئات. هذه المخاطر موثّقة في الأدبيّات الطّبّيّة السّريريّة. (The Lancet, 2008)

المخاطر النّفسيّة:

  • صدمة وإذلال نتيجة الإكراه الجسدي، وما يرافقه من آلام وتقييد لكامل الجسد، وقد يُخلّف قلقًا واكتئابًا وأعراض صدمة لاحقة، وهذا يقوّض الثّقة بالطّبيب وبالمنظومة الصّحّيّة داخل السجن. (Boyd, 2015)

ثالثًا: لمحة تاريخيّة وسياقات عالميّة وعربيّة حول الإضراب عن الطّعام في السّجون

يعود حضور الإضراب عن الطّعام بوصفه فعلًا احتجاجيًا منظّمًا إلى أواخر القرن التّاسع عشر وبدايات القرن العشرين، حين استخدمته حركات سياسيّة وحقوقيّة داخل السّجون لانتزاع اعترافٍ بـصفةٍ سياسيّة أو لتحسين المعاملة.

في بريطانيا، دشّنت المُناضِلة ماريون والِس دنلوب تقليدًا جديدًا سنة 1909 بإضرابها عن الطّعام داخل السّجن للمطالبة بالاعتراف بها كسجينة سياسيّة، فتوالت إضرابات السّجناء المنتميات لحركة السّفراجِت (Suffragettes)  وتعرّضن لعمليّات تغذية قسريّة، ما دفع الحكومة إلى سنّ قانون “القطّ والفأر” سنة 1913 الذي يُتيح الإفراج المؤقّت عن المُضرِبات عن الطّعام ثمّ اعتقالهنّ ثانية بعد تعافيهنّ، وقد تحوّل هذا الملف إلى فضيحة أخلاقيّة غذّت تعاطفًا عامًا مع الحركة النّسويّة آنذاك. (UK Parliament, 2025)

في الهند، وظّف المهاتما غاندي الإضراب عن الطّعام ضمن فلسفة المقاومة اللّاعنفيّة لإحراج السّلطة أخلاقيًا والحصول على تنازلات في نزاعات عمّاليّة وسياسيّة. (Britannica, 2025)

أمّا في إيرلندا الشّمالية، فقد مثّل الإضراب عن الطّعام العام 1981 في سجن الميز (مايز) لحظة مفصليّة، إذ توفي عشرة أسرى من الجيش الجمهوري الإيرلندي، بينهم بوبي ساندز الذي فاز بمقعد في البرلمان البريطاني خلال إضرابه، فصار المثال الأشهر على تحويل الجسد إلى “منصّة سياسيّة” تُنتج رأس مال رمزي ضخم وتعيد تشكيل السّردية العامّة للصّراع. (Wallenfeldt, 2025)

وفي مطلع الألفيّة، نقلت غوانتانامو هذه الظّاهرة إلى ساحة عالميّة جديدة، إضرابات عن الطّعام جماعيّة، وتغذية قسريّة بأنابيب أنفيّة معدِيّة. وقد وثّقت تقارير إعلاميّة وحقوقيّة موجات إضراب عن الطّعام واسعة العام 2013 وما بعدها، مع جدل أخلاقي ومهنيّ حادّ داخل الجسم الطبّي العسكري والمدني حول شرعيّة الإطعام القسري ودَور الممرّضين والأطبّاء. (Calamur, 2013)

سياقات عربيّة معاصِرة في فلسطين، صار الإضراب عن الطّعام أداة مقاومة متكرّرة لدى الأسرى احتجاجًا على الاعتقال الإداري وسوء الظّروف، ويبرز مثال خضر عدنان الذي توفي في أيار/مايو 2023 بعد نحو 87 يومًا من الإضراب، في أول حالة وفاة لمضرب فلسطيني في سجون الاحتلال منذ أكثر من ثلاثة عقود. (Al-Mughrabi & Chacar, 2023)

وفي البحرين، خاض مئات السّجناء السّياسيين في سجن جوّ إضرابًا جماعيًّا عن الطّعام هو الأكبر في تاريخ البلاد صيف 2023، احتجاجًا على ظروف الاحتجاز والرّعاية الصّحيّة، وأدّى الضّغط إلى وعود حكوميّة بتحسينات، فتوقّف الإضراب مؤقتًا قبل تجدّد المطالب بالمتابعة والتّنفيذ. تقدم هذه الحالة نموذجًا على توظيف الإضراب عن الطّعام الجماعي لفرض أجندة حقوقيّة على طاولة التّفاوض. (Human Rights Watch, 2023)

وفي مصر، استُخدم الإضراب عن الطّعام (وأحيانًا الإضراب المائي الجزئي) كتكتيك رمزي لرفع الكلفة الأخلاقيّة لاعتقال معارضين وإحراج الحكومة دوليًّا، كما حدث مع النّاشط علاء عبد الفتّاح إبّان قمّة المناخ العام 2022 حين تحوّل جسده إلى منصّة تُحرج الدّولة أمام الرّأي العام العالمي. (Syed, 2022)

تكشف هذه الأمثلة ثبات منطق الإضراب عن الطّعام عالميًا (تحويل الألم الخاص إلى خطاب عامّ يُراكم شرعيّة رمزيّة)، مع اختلاف بالأساليب بحسب السّياقات.

 

رابعًا: أين تقف المعايير الدّوليّة من الإضراب عن الطّعام ومن التّغذية القسريّة؟

  • بالنّسبة إلى الإضراب عن الطّعام:

لم ينصّ القانون الدّولي في الاتفاقيّات والمواثيق الدّوليّة على حق السّجين في الإضراب عن الطّعام. لكنّه نصّ على وجوب إدارته من قِبَل السّلطة وفق معايير حقوق الإنسان والرّعاية الصّحّيّة المكافِئة وعدم تحويله إلى عقوبة. هذا الخطّ العام تعكسه قواعد نيلسون مانديلّا كمرجع لإدارة السّجون في العالم، والتي تؤكّد على الكرامة، الرّعاية الصّحّيّة المعادِلة لما هو خارج السّجن، والاستقلاليّة الطّبّيّة. (United Nations, n.d.)، كما نصّ على حظر العقوبات المرتبطة بالغذاء، فلا يجوز استخدام تقليل الطّعام أو الماء كعقوبة أو وسيلة ضغط. هذا مذكور بوضوح ضمن شرح الأمم المتّحدة للقواعد، وبمواد شارحة متخصّصة. (Gilmour, 2019)

ووفقًا للقرارات والمواثيق الدّوليّة عندما يقع الإضراب، على الإدارة إجراء عِدّة أمور منها:

  1. فتح قنوات تواصل فعّالة للمطالِب.
  2. إجراء متابعة صحّيّة مهنيّة مستقلّة مع احترام السّرّيّة الطّبّيّة.
  3. تمكين المُضرِب من الاتّصال بالمحامين أو الأهل.
  4. الرّعاية الدّاعمة مدّة الإضراب، والتي تتمثّل بمتابعة العلامات الحيويّة للمضرِب، تزويد معلومات شفّافة عنه، إتاحة السّوائل، محاليل فمويّة، فيتامينات بحسب رغبة المُضرِب، معالجة الأعراض (دوخة، تشنّجات، قرحات)، وتوثيق كل ما يجري. لكن لا تحصل هذه الرّعاية إلّا إذا كان المُضرِب راضيًا بالحصول عليها، فيجب احترام قرار المُضرِب إذا كان قادرًا على اتّخاذ القرار.

إنّ توجّهات اللّجنة الدّوليّة للصّليب الأحمر وسياسة الجمعيّة الطّبّيّة العالميّة الخاصّة بالمضربين تؤكّدان أن دورهما ليس الحكم على دوافع الإضراب، بل ضمان المعاملة الإنسانيّة واحترام الاختيارات، وزيادة الزّيارات أثناء الإضراب لتقليل المخاطر. (ICRC, 2023)

  • بالنّسبة إلى التّغذية القسريّة:
    1. إعلان مالطا للمضربين عن الطّعام العام 1991 ومحدّث العام 2017:

ينص إعلان مالطا بمصادقة مرجعيّة من أطبّاء مختصّين أنّه يوجب احترام استقلاليّة المُضرِب ذي الأهليّة، ويُقرّر بوضوح أن التّغذية القسريّة غير مبرَّرة أخلاقيًا، وأن أي علاج  من دون الرّضى المستنير للمُضرِب هو علاج “غير جائز”. (World Medical Association, 2017)

  1. موقف اللّجنة الدّوليّة للصّليب الأحمر العام 2013 ومحدّث العام 2023:

تُعلِن اللّجنة الدّوليّة للصّليب الأحمر رفضها التّام للتّغذية القسريّة وتؤكّد أن دورها هو متابعة محايدة لصحّة المُضربين واحترام كرامتهم وخياراتهم، وزيادة الزّيارات أثناء الإضراب، من دون الخوض في دوافعهم السّياسيّة. وتتماهى أخلاقيًا مع إعلان مالطا. (ICRC, 2013)

  1. قواعد نيلسون مانديلا — الأمم المتحدة العام 2015-2016:

هي “القواعد الّنموذجيّة الدّنيا” لمعاملة السّجناء، إذ تُلزم السّلطات بتوفير رعاية صحّيّة مكافِئة لمن هم خارج السّجن، واحترام الاستقلاليّة الطّبّيّة والكرامة، وحظر استخدام الغذاء أو الماء كعقوبة. بهذا الإطار، يُعدّ الإكراه الطّبّي مسًّا بالكرامة وقد يندرج ضمن المعاملة القاسية واللّاإنسانيّة. (الأمم المتّحدة، 2016)

  1. خبراء الأمم المتّحدة (المقرّرون الخاصّون) — بيانات 2014/2015

وصفوا الإطعام القسري بأنه قاسٍ ولاإنساني، وحذّروا من تشريعات تُجيزه، مع تأكيد أنّ احترام الإرادة والأهليّة هو مبدأ حاكم. هذه بيانات أمميّة رسمّية تضع وزنًا حقوقيًا على الموقف الطّبّي. (الأمم المتّحدة حقوق الإنسان مكتب المفوّض السّامي، 2014)

  1. الاجتهاد الأوروبي لحقوق الإنسان 2005:

قرّرت المحكمة الأوروبيّة في قضيّة Nevmerzhitsky v. Ukraine العام 2005 أنّ ظروف الإطعام القسري فيها خرقت المادّة 3 التي تقول بحظر المعاملة القاسية واللّاإنسانيّة والمُهينة للمُضرِب عن الطّعام، إذ تُظهر الأحكام أنّ أي تدخّل قسري من دون ضرورة طبّيّة صارمة ومع غياب ضمانات الاستقلاليّة والكرامة قد يّشكّل انتهاكًا صارخًا لحقوق وكرامة الإنسان. (European Court of Human Rights, 2005)

  1. أدبيّات أخلاقيّات الطّب:

تؤكّد هذه الأدبيّات أنّ تحويل الطّبيب إلى ذراع لإكراه المُضرِب، يُخالِف مبادئ الاستقلاليّة وعدم الإيذاء ويقوّض الثّقة، وأنّه غير جائز حين تثبت الأهليّة والرّفض المُستنير. (Boyd, 2015)

  1. إعلان طوكيو (الجمعيّة الطّبّيّة العالميّة، 1975):

إعلان طوكيو هو مدوّنة توجيهيّة للأطّباء بشأن تّعذيب المضربين عن الطّعام أو المعاملة القاسية أو اللّاإنسانيّة أو المُهينة. ويحدّد هذا الإعلان واجبات الطّبيب في رفض أي مشاركة أو تواطؤ مع ممارسات تنتهك الكرامة الإنسانيّة للمُضرِب عن الطّعام. (World Medical Association [WMA], 1975/2016)

خامسًا: نظريّات تفسّر ظّاهرة الإضراب عن الطّعام

1.    فوكو: “السّلطة الحيويّة” وضبط الأجساد

يرى ميشيل فوكو أنّ السّلطة الحديثة لم تعد تكتفي بالعقاب والقسر المباشر، بل امتدّت إلى إدارة الحياة نفسها للأفراد: الصّحّة، التّغذية، التّكاثر، ومتوسّط العمر، الإحياء، والإماتة. هذا التّحوّل للسّلطة يسمّيه فوكو “السّلطة الحيويّة”، أي ذلك النّمط الذي تُنظِّم من خلاله الدّولة والمؤسّسات تفاصيل الجسد الفردي و”جسد السّكّان” معًا.

في السّجون، يصبح الجسد موضوع سياسة يُراقَب ويُقاس ويُعالَج، ما يجعل الإضراب عن الطّعام قلبَ المشكلة. إذ يُعطِّل المضرب خوارزميّة الإدارة على جسده فيحوّله من “موضوع ضبط” إلى فاعل مقاوِم يفرض على المؤسّسة إعادة التّفاوض. هذا المنظور يساعدنا على فهم شدّة النّزاع حول “التّغذية القسريّة”، فهي عودة قسريّة إلى منطق التّحكّم بالحياة ضدّ قرار الموت بكرامة لصاحب الجسد، فالسّلطة هي التي تحدّد قرارات الحفاظ على الحياة والإماتة، هي التي تنفّذ أحكام الإعدام وهي التي تفرض الحياة البائسة أو الظّالمة على الموت بكرامة عبر عمليّة التّغذية القسريّة، فحق الموت والحياة يتمثّل بيد السّلطة. (شطارة، 2022، الصفحات 95-110)

2.    غوفمان: السّجن كمؤسّسة شاملة

يُعرّف إرفنغ غوفمان المؤسّسة الشّاملة بوصفها فضاءً منغلقًا يُقْصى فيه الأفراد عن العالم الخارجي ويُعاد تشكيل ذواتهم عبر قواعد دقيقة للوقت والحركة والحديث واللّباس. السّجن نموذج مكثّف لهذا النّمط، إذ تتحوّل اليوميّات إلى طقوس ضبط تُنتج هويّة “سجين”. في هذا السّياق، يقرأ غوفمان الإضراب عن الطّعام فردًا كان أو جماعة أنّه يُعيد للسّجين حقّ تعريف وضعه ويكسر روتين المؤسّسة، عبر قواعد ذاتيّة وضَعها السّجين لتحقيق مطالبه. الإضراب هنا ليس مجرّد رفض للطّعام، بل سياسة تُعيد رسم الحدود بين الفرد والمؤسّسة، تُنتج تضامنًا في مواجهة الإدارة الطّبّيّة والأمنيّة. (الطّاهري، 2024)

3.    جيمس سكوت: “أسلحة الضّعفاء” والمقاومة اليوميّة

يُبيّن جيمس سكوت أن المُهيمَن عليهم لا يخضعون صامتين، بل يطوّرون أشكال مقاومة منخفضة الكلفة، كالامتناع عن تنفيذ الأوامر، العصيان الهادئ، والرّسائل الرّمزيّة. وهنا يستخدم السّجناء الإضراب عن الطّعام كسلاح ضعيف ظاهريًّا لعدم توفّر الإمكانات لديهم، لكن هذا السّلاح مفعوله الرّمزي قوي جدًا، إذ لا يحتاج عدّة ولا وسائل، لكنه يُحرج السّلطة أخلاقيًا ويستدعي وسطاء (منظمات، أطباء، إعلام). تُظهر قراءة سكوت أيضًا أن نجاح هذه المقاومة يتوقّف على جمهور يتلقّى الرّسالة، لذا تُدمَج الإضرابات عادةً بخطاب موجّه للأهالي والرّأي العام. فيكون الجسد هو الرّسالة التي كانت محجوبة داخل الجدران. (سكوت، 2018)

4.    بورديو: الرأسمال الرمزي وشرعنة الفعل

يقترح بيير بورديو مفهوم الرّأسمال الرّمزي، أي الرّصيد من الاعتراف والوجاهة والشّرعية الذي يحمله الفرد في عيون الآخرين. ففي الإضراب عن الطّعام، لا يمتلك السّجين موارد مادّيّة أو مؤسّسيّة، لكنّه يبني رأس مالًا رمزيًا عبر التّضحية المنظّمة وضبط الألم، ما يُكسب مطالبه مصداقيّة أخلاقيّة ويدفع فاعلين آخرين للاصطفاف معه (محامون، رجال دين، صحافة..). كما تُسعِفنا منظومة بورديو في ربط الإضراب بحقول متداخلة (الحقل القضائي والحقل الصّحّي والحقل الإعلامي وغيره) كلّ حقل له رهاناته ورساميله وقواعد لعبته. يتنقّل المضرِب بينها ليحوّل معاناته إلى قيمة مُعترف بها تُحرِج المؤسّسة وتضطرّها لفتح باب التّفاوض. (أبو دوح، 2019، الصفحات 334-336)

سادسًا: ديناميّات الإضراب داخل السّجون

·        كيف يبدأ الإضراب؟

غالبًا ما يبدأ الإضراب من نقطة ضغط متراكمة، كاكتظاظ شديد، تأخّر محاكمات، أو تدهور الرّعاية الصّحّيّة. يتداول السّجناء فيما بينهم الأفكار، ثم تُحسم الخطوة الرّمزيّة، والتي تتمثّل بالامتناع المنظّم عن الطّعام بهدف إعلان مطالب محدّدة. في الإضرابات الجماعيّة، يجري اختيار متحدّثين للتّواصل مع الإدارة والمحامين ومنظّمات حقوق الإنسان، ويُتّفَق على قواعد انضباط أساسيّة (التزام الهدوء، تجنّب الاحتكاك، عدم التّخريب داخل المهاجع، والمحافظة على رسائل موحّدة حول المطالب). هذه القواعد ليست تفصيلًا، فهي ما يضبط “إيقاع” الإضراب ويمنع تحوّله إلى فوضى تُفقده شرعيّته أمام الجمهور والوسطاء.

منذ اليوم الأوّل، يتقرّر شكل الإضراب (مفتوح أو محدّد المدّة)، وكامل (امتناع عن الطّعام بشكل كُلّي) أو جزئي (سُوائل وأملاح وفيتامينات). الهدف هو الموازنة بين قوّة الرّسالة وسلامة المُضرِبين، مع الحفاظ على القُدرة على التّفاوض. هنا يظهر دور الأطبّاء والممرّضين داخل السّجن (قياس العلامات الحيويّة، التّوثيق الطّبّي، وتفسير المخاطر وإجراءات الأمان للمضربين ذوي الأهليّة). توصي الأدلّة المهنيّة بأن تكون المتابعة منتظمة ومحايدة، مع احترام قرار المُضرِب إذا كان قادرًا على اتخاذه. (ICRC, 2023)

·        مَن هم الفاعلون وما هي أدوارهم؟

  1. السّجناء: هم أصحاب القرار والرّسالة. يسعون لبناء تضامن داخلي وتواصل منضبط مع الخارج.
  2. إدارة السّجن: الطّرف الذي يملك أدوات التّنظيم والعقوبات والتّسهيلات. توازن بين “الأمن” وبين الالتزامات المعياريّة (المعاملة الإنسانيّة والرّعاية الصّحّيّة المكافئة). قواعد نيلسون مانديلا تُعدّ المرجع العالمي لمعايير الإدارة والرّعاية. (United Nations, 2015)
  3. الأطبّاء والطّواقم الصّحّيّة: دورهم صحي-مهني وليس أمني. تؤكّد اللّجنة الدّوليّة للصّليب الأحمر (ICRC)على متابعة الحالة الصّحّيّة (الوزن، الضّغط، السّكّر، الأملاح..) وتقديم تقرير شامل عن حالته للجهات المختصّة وإخباره بحالته أوّل بأوّل، واحترام خيارات المُضرِب ذي الأهليّة، وزيادة الزّيارات خلال الإضراب، دون الانحياز إلى دوافعه السّياسيّة. (ICRC, 2023)
  4. الأهالي والمحامون: جسر اتّصال ومساءلة، ينقلون المطالب إلى القضاء والجهات الرّسميّة، ويضغطون لفتح قنوات تفاوض.
  5. المنظّمات الحقوقيّة: تراقب الشّروط الصّحّيّة والقانونيّة، توثّق الانتهاكات، وتقدّم وساطات مهنيّة. تقارير هيومن رايتس ووتش عن لبنان أنّه يعمل غالبًا على تجاهل المطالب. (Human Rights Watch, 2023)
  6. الإعلام والرّأي العام: يحدّدان “اتّجاه الرّيح”. سرديّة إيجابيّة أو سلبيّة قادرة على تقوية موقف أي طرف.
  7. المرجعيّة الدّينيّة والشّخصيّات العامّة: قد تلعب دور وسيط أخلاقي يضبط السّقف ويشجّع حلولًا إنسانيّة.

 

 

سابعًا: سياسات التّعامل مع المضربين عن الطّعام

تتعامل الدّول مع المُضرب عن الطّعام بطرائق متباينة، فبعضها يترك الإضراب عن الطّعام يسير إلى نهاياته ولو أدّى ذلك إلى وفاة السّجين، كما حدث في إيرلندا الشّماليّة العام 1981 حين توفّي عشرة سجناء بينهم بوبي ساندز رغم الضّغط الشّعبي الواسع آنذاك. (Ostberg, 2025)

وفي حالات أخرى تُسارع السّلطات إلى تلبية المطالب (كلّها أو بعضها) اتّقاءً لانقلاب الرّأي العام، على نحو ما جرى في روسيا مع المعارض الرّوسي أليكسي نافالني العام 2021 وقد أضرب عن الطّعام لمدة 24 يومًا احتجاجًا على الرّعاية الطّبّيّة غير الكافية. وانتهى الإضراب بأن سمحت السّلطّات فحصه من قبل طبيبه الخاص.

فيما تختار دول ثالثة التّدخّل الطّبّي القسري لدرء الحرج السّياسي ومنع حدوث وفيّات داخل السّجون، مثلما فعل الإسرائيليّون إذ أقرّوا قانونًا العام 2015 يُجيز التّغذية القسريّة للمُضربين، وتعرّض لانتقادٍ أممي واضح، وكذلك وُثِّقت ممارسات التّغذية القسريّة في معتقل غوانتانامو خلال إضراب 2013. (Aljazeera, 2015)

ضمن هذا السّياق نسأل، أيّ السّياسات يتّبع لبنان في التّعامل مع المضربين عن الطّعام؟

ثامنًا: بنية السّجون في لبنان وظروف الإضراب عن الطّعام

منذ انفجار الأزمة الاقتصاديّة (2019–2025) تدهورت أوضاع السّجون في لبنان على نحوٍ حادّ، اكتظاظ مُزمن، تراجع الرّعاية الصّحّيّة، أزمات غِذاء وأدوية، إلى جانب بطء قضائي رفع نسبة الموقوفين من دون أحكام إلى مستويات قياسيّة.

وصفت صحيفة هيومن رايتس ووتش المشهد داخل السّجون في لبنان على الشّكل التّالي:

  • الإزدحام داخل السّجون بات “القاعدة”: ففي العام 2023، بلغ إجمالي عدد المسجونين في لبنان 8502 شخصًا، بينما تبلغ الطّاقة الاستيعابيّة الإجماليّة 4760 شخصًا، بينهم 4000 شخص محتجزين في سجن رومية (أكبر سجن في لبنان) الذي يستوعب فقط 1200 سجينًا، وفقًا لنقابة المحامين في بيروت. (هيومن رايتس ووتش، 2023)
  • تأخّر المحاكمات: تُشير المعطيات الرّسميّة إلى أنّ غالبيّة النّزلاء في السّجون اللبنانيّة هم في التّوقيف الاحتياطي نتيجة تأخّر المحاكمات، ففي شهر آب 2023، كان 87% من السّجناء في انتظار المحاكمة، أي أنّ فقط 1094 سجينًا محكومًا من أصل 8502، وفقًا لوزارة الدّاخليّة في حكومة تصريف الأعمال آنذاك، وقوى الأمن الدّاخلي التي تُشرف على عمليّات السّجون. (هيومن رايتس ووتش، 2023)
  • تدنّي خدمات الرّعاية الصّحّيّة: هناك قصور كبير في التّغطية الطّبّيّة وتأمين الدّواء فصيدليّات السّجون اللبنانيّة تكاد تكون فارغة، وتأخير وتسويف في نقل الحالات الطّارئة إلى المستشفيات. حيث وثّقت منظّمة العفو الدّوليّة ارتفاع معدّل الوفيّات في السّجون اللبنانيّة من 14 في العام 2015 إلى 18 في العام 2018 و34 في العام 2022. هذا المؤشّر يجب أن يكون جرس الإنذار للإصلاح العاجل والجذري. (منظّمة العفو الدّوليّة، 2023؛ هيومن رايتس ووتش، 2023)
  • قلّة الإمدادات الغذائيّة: فقد هدّدت 6 شركات بالتّوقف عن توفير الإمدادات الغذائيّة لسجون مختلفة اعتبارًا من 31 ديسمبر 2023، بسبب عدم تسديد قوى الأمن الدّاخلي التي تُدير السّجون المدفوعات المستحقّة لهذه الشّركات منذ العام 2020 بسبب أزمة التّمويل والتّضخم الحاصل في البلد. ففي العام ٢٠٢١، أعلنت اللّجنة الوطنيّة لحقوق الإنسان أن الطّعام في سجن رومية غير صالح للأكل أضف إلى أنّه غير كافٍ. أمّا المياه التي توفّرها إدارة السّجن فهي غير صالحة للشّرب. (Prison Insider, 2024)
  • الحالة السّيّئة للمباني: في العام 2022 لاحظت المنظّمة الإيطاليّة ARCS CULTURE SOLIDALI([2]) من خلال دراسة أجرتها على السّجون اللبنانيّة، ارتفاع نسبة الرّطوبة، وانعدام أنظمة التّدفئة والتّبريد، وقلّة ضوء الشّمس وانعدام النّظافة في سجني رومية (بيروت) والقبّة (طرابلس). (Khatib, 2022, pp. 15-19; GOV.UK, 2024) أمّا المرافق الصّحّيّة فهي غير كافية وقذرة، وتفتقر إلى مواد التّنظيف مثل الصّابون لليدين وغسيل الملابس والماء السّاخن. (Prison Insider, 2024; Khatib, 2022) كما يحق للسّجناء قضاء ثلاث ساعات يوميًا في الهواء الطّلق بحسب المادة 50 من المرسوم رقم 14310، لكن نادرًا ما يحصل السّجناء على ضوء الشّمس والهواء النّقي لأنّ مساحة السّاحات الخارجيّة غير كافية لعدد السّجناء في المنشآت. وفي بعض السّجون، لا تتوفّر ساحات أو مساحات مفتوحة أصلًا. (Prison Insider, 2024)

ضمن هذا السّياق، يجد السّجين نفسه أمام آليّات اعتراض محدودة، فيلجأ إلى جسده بوصفه لغة صارخة للاحتجاج، ووسيلة للاعتراف بأحقيّة مطالبه. فيسعى عبر الامتناع المنظّم عن الطّعام إلى دفع الإدارة إلى تصحيح الاختلالات البنيويّة أو تسريع وتيرة المحاكمات. وليس الإضراب هنا غايةً في ذاته، بل وسيلة اضطراريّة يراها بعض السّجناء أهون من الاستسلام لظروفٍ تمسّ كرامتهم.

تاسعًا: مدوّنة الأخلاقيّات الطّبّيّة الصّادرة عن نقابة الأطبّاء اللّبنانيين

لا يوجد قانون أو نصّ لبناني خاص معروف وعلني يُشرعن التّغذية القسريّة، لكن يوجد صلاحيّة للطّبيب بالتّدخّل في حال تعرّضت حياة المُضرِب عن الطّعام للخطر، حتى لو كان المُضرِب غير راضٍ بالتّدخّل وذي أهليّة. فقد ورد في مدوّنة الأخلاقيّات الطّبّيّة عن نقابة الأطبّاء اللّبنانيين:

  • في المادّة 27 بند رقم 6: للسّجين أن يقبل أو يرفض العلاج، إلّا إذا كان ذلك يُعرّض سلامته أو سلامة الآخرين للخطر وفق تقرير الطّبيب، وفي هذه الحال يمكن للنّيابة العامّة اتخاذ الإجراءات المناسبة. (نقابة الأطبّاء اللّبنانيين، 2012، صفحة 12)
  • وكذلك ورد في المادة 27 نفسها في بند رقم 7: في حال إضراب السّجين عن الطّعام، يتدخل الطّبيب لإقناع المريض بإنهائه، وإذا استحال ذلك وأصبحت حالته في خطر وشيك، يطلب الطّبيب نقله إلى المستشفى. (نقابة الأطبّاء اللّبنانيين، 2012، صفحة 13)

هذه المواد تفتح باب التدخّل الطّبّي العاجل عند الخطر الوشيك، تحت إشراف قضائي واستشفائي. وهنا يكون التّدخّل الطّبّي عن طريق التّغذية القسريّة لإزالة الخطر عن المُضرِب السّجين، وهذا يتنافى مع القرارات والمعايير الدّوليّة التي تقول بحق المُضرِب عن الطّعام في تقرير مصيره.

عاشرًا: لماذا تميل السّلطة اللبنانيّة إلى التّدخّل القسري؟ (تحليل سوسيولوجي أمني)

في سياق لبناني يتّسم بتعدّدية طائفيّة ومناطقيّة مع انقسام سياسيّ مزمن وتنوّع ديموغرافي يضمّ مقيمين ونازحين من خلفيّات متعدّدة، ومع مشهد إعلاميّ غير محايد، قد تدفع بعض التّغطيات التّحريضيّة إلى تسريع انتقال الحدث إلى الشّارع. وغالبًا ما تبدو الاستجابات الأولى في قطع الطّرقات وتعطيل المرافق الحيويّة، ويتولّد عنها ردّات فعل عنيفة تشمل التّعدّي على الأملاك العامّة وأحيانًا الخاصّة.

ضمن هذه السّياقات الحسّاسة، تميل السّلطة إلى الحسم السّريع عبر التّدخّل القسري والاحتواء المُبكر للمشكلة -أمنيًّا وإداريًّا وأحيانًا طبّيًّا- لمنع تفاقم الأحداث وتطوّرها والحدّ من كلفة أيّ اهتزاز أمنيّ أو اجتماعيّ على البلد. ويُمكن ردّ هذا الخيار للعوامل التّالية:

أوّلًا: إطفاء الشّرارة قبل اتّساعها: تميل السّلطة إلى التّدخّل القسري عندما يكون للمُضرب رمزيّة دينيّة أو طائفيّة أو حزبيّة، خشية تحوّل قصّته إلى “قضيّة شارع” تؤدّي إلى قطع الطّرقات أو الاحتجاج وإحداث شلل في البلد واضطرابات بشكل عام. كما حصل في 8 آذار 2018 في دعوة الشّيخ الإسلامي المعتقل خالد حبلص للإضراب المفتوح عن الطّعام حتى صدور عفو عام للمسجونين الإسلاميين فتحوّلت إلى شرارة أشعلت الشّارع. وقد قام أهالي هؤلاء السّجناء بإغلاق الطّرقات الرّئيسة في طرابلس والبقاع تضامنًا مع أبنائهم. وعلى الرّغم من سلميّة التّحركات حينها، ظلّ الهاجس الأمني حاضرًا، فأي وفاة أو تصعيد يشقّ المجتمع وقد يسوق البلد إلى أمور لا تُحمَد عُقباها. (Civil Society Knowledge Centre, 2018)

ثانيًا: منع توسّع الإضرابات والتّمرّد داخل السّجون الأخرى: تتشدّد الأجهزة حين تخشى من توسّع الإضراب والتّمرّد داخل السّجون. فيُنظَر إلى الإضراب كـنموذج قابل للتّكرار أو للتّمدّد داخل الجناح الواحد أو مع سجون أخرى، لذلك تميل الإدارة إلى تطبيق سياسة “الحسم المُبكِر” من خلال كسر رمزيّة الإضراب بشكل سريع لمنعه من التّكرار. ولدى لبنان سوابق حسّاسة، ففي 22 شباط 2019، أعلن نزلاء في سجن رومية بالمتن إضرابًا عن الطّعام للمطالبة بالعفو العام والاحتجاج على ظروف السّجن، ولحِقه في اليوم التّالي سجناء من سجن القبّة بحملة إضراب عن الطّعام تحت الأهداف نفسها وبخطاب موحّد يقوده سجناء من نفس العشائر. ومع تعثّر التّفاوض لجأ السّجناء في القبّة إلى إشعال النّيران داخل السّجن، وقام أهاليهم بحرق الإطارات خارج السّجون وقطع الطّرقات الرّئيسة في طرابلس. فعملت الإدارة في كِلا السّجنين بالتّدخّل السّريع عبر عزل القادّة الدّاعين للإضراب عن الطّعام (وهم من العشائر) وتفعيل رقابة مشدّدة عليهم، وتدخّل صحّي لحالات الإعياء ونقلهم إلى المستشفى قسرًا، تزامن ذلك مع إطلاق وعود بإجراء محاكمات سريعة وإصدار عفو عام عن بعض السّجناء، ترافق ذلك مع تدخّل سريع للقوى الأمنيّة خارج السّجون لفتح الطّرقات، وخلال أيام خفّ وهج هذا الإضراب تدريجيًّا (Civil Society Knowledge Centre, 2019).

وفي نموذج آخر من الاحتواء السّريع والحسم المبكر، أقدم سجناء يوم الجمعة 17 نيسان 2015 في سجن رومية، المبنى “د”، على إشعال النّار في فراشهم واحتجاز عدد 20 من الحرّاس كرهائن، وأتت أعمال الشّغب هذه ردًّا على تطبيق قواعد صارمة لمنع تهريب الهواتف والمخدّرات والأسلحة إلى السّجناء في السّجن. ما اضطّر وحدات مكافحة الشّغب التّابعة لقوى الأمن الدّاخلي إلى اقتحام المبنى والتّدخّل السّريع وتحرير الرّهائن من الحرس. (Civil Society Knowledge Centre, 2015) هذا النّمط من “الاحتواء السّريع” هو نفسه الذي يُستَحضر عندما يكون الاحتجاج إضرابًا عن الطّعام، إذ تُبرَّر التّدخّلات القسريّة ومنها “التّغذية القسريّة” بوصفها وسائل لمنع انتشار نموذج الاحتجاج إلى مرافق أخرى أو إلى أجنحة إضافيّة داخل المنشأة.

ثالثًا: واجب حماية الحياة من منطلق المسؤوليّة القانونيّة: تعدُّ إدارات السّجون اللبنانيّة بأنّها مُلزمة قانونًا بحماية حياة الموقوفين المضربين عن الطّعام خاصة عند بلوغ مراحل الخطر من فشل أعضاء في الجسم أو هبوط حاد. فتُقدَّم التّدخّلات الطبيّة بغير رضى المُضرِب عن الطّعام بوصفها إنقاذًا. وهذا غير مبني على قرار رسمي أو نظام داخلي مُقرّ رسميًّا لإدارات السّجون اللبنانيّة، وهذا أيضًا لا يتوافق مع المعايير الدّوليّة. ففي بيان أصدرته الشّبكة السّورية في لاهاي بشأن المسجونين السّوريين، دعت فيه الحكومتين السّوريّة واللبنانيّة إلى تحرك عاجل لإنهاء معاناة المسجونين السّوريين في لبنان، وتحقيق مطالبهم، بعد إعلانهم الإضراب المفتوح عن الطّعام. ففي سجن رومية، أعلن مئة وعشرون سجينًا سوريًّا دخولهم في إضراب مفتوح عن الطّعام بدءًا من 11 شباط 2025، احتجاجًا على ظروف احتجازهم القاسية، ومطالبة ترحيلهم إلى سوريا. وأيضًا بسبب التّدهور المستمر للأوضاع الإنسانيّة داخل السّجون اللبنانيّة، التي تشمل الاكتظاظ الشّديد، وانعدام الرّعاية الصّحّيّة والغذائيّة، وانتشار الأمراض المُعدية، وحرمانهم من التّواصل مع ذويهم، بالإضافة إلى احتجازهم التّعسّفي لسنوات من دون استجابة رسميّة لمطالبهم. كل هذه الأسباب جعلتهم يلجأون للإضراب عن الطّعام. لكن بسبب تدهور صحّة بعض الموقوفين، قامت إدارة السّجن في رومية بنقل حالات إعياء إلى المستشفيات مع تقارير حقوقيّة عن تدخّلات طبّيّة غير رضائيّة، وتكثيف المتابعة الطّبّيّة على الآخرين داخل السّجن وإلزامهم بقطع إضرابهم من خلال تقديم العلاجات حفاظًا على حياتهم، إذ تعدُّ أنّ مسؤوليّتها القانونيّة هي الحفاظ على حياة المسجونين لديها تحت أي ظرف. (الشَّبكة السورية لحقوق الإنسان، 2025)

 

 

إحدى عشرًا: كيف تنتهي الإضرابات عن الطّعام في السّجون اللبنانيّة؟

في واقع السّجون اللبنانيّة، “نادرًا” ما تُكسر الإضرابات بقرار مُعلَن حول اللّجوء إلى التّغذية القسريّة، إنّما تنتهي الإضرابات عن الطّعام غالبًا عبر مزيج تدريجي من أربع آليّات:

  • عزل قادة الإضراب وتفكيك المجموعة: تعمل إدارة السّجون اللبنانيّة على فصل المؤثّرين الدّاعين إلى الإضراب عن الطّعام عن السّجناء الآخرين وعزلهم بين الأجنحة، لقطع الاتصال والتّواصل معهم، وكذلك تعمل على فصل المجموعات وتشتيتها لتفكيك ترابط هذه السّلسلة، فيستمر الأفراد على نحو منفرد لكن سرعان ما يتوقف الإضراب عند الأغلبيّة لعدم قدرتهم على الاستمرار لوحدهم. فتتراجع قوة الضّغط وتفشل محاولاتهم.
  • المساومة على الحلول الجزئيّة: تبدأ إدارة السّجن بفتح قنوات مع ممثّلي المضربين (أحيانًا عبر رجال دين أو محامين أو وفود رسميّة) وتقديم وعودٍ ملموسة جزئيًا بحسب المطالب مثل تسريع ملفات توقيف احتياطي، تحسينات غذائيّة وصحّيّة، دراسة عفو، تخفيض عقوبة وغيرها من الأمور… هذه الآليّة تجعل المضربين عن الطّعام يتراجعون عن إضرابهم إذ يعدُّونها إشارة تقدّم (ولو رمزيّة) للوصول إلى مطالبهم.
  • تخفيف الإسناد الخارجي: كثيرًا ما يتزامن الإضراب مع تحرّكات للأهالي وقطع للطّرقات. لكن إذا انخفض الزّخم في الشّارع مع تدخّل القوى الأمنيّة أو تبدّل جدول الأخبار بحدث جديد، يفقد الإضراب عامل الإسناد الخارجي، فيميل إلى التّلاشي.
  • الإحاطة الصّحّيّة التّصاعديّة: إذا طالت مدّة الإضراب، تلجأ إدارة السّجن مع أي تدهور صحّي للمضربين عن الطّعام بنقل الأضعف إلى المستشفيات الحكوميّة مع عدم الرّضى المستنير، فتُقدّم له السّوائل، وتجعله تحت المراقبة. هذا الإجراء يُخفّض المخاطر ويخلق نافذة زمنيّة للتّفاوض.

ثاني عشرًا: توصيات عمليّة للحدّ من الإضراب عن الطّعام داخل السّجون اللبنانيّة

  • على مستوى السّياسات العامّة
  • وضع خطة وطنيّة لتخفيف الاكتظاظ داخل السّجون كإطلاق سراح مشروط، تسريع المحاكمات للـموقوفين احتياطيًا..
  • تفعيل سياسة مكاسب مقابل تعليق الإضراب تعمل الإدارة على حصول المُضرب على حزم صغيرة فوريّة (مثل فحص طبي شامل، تحسينات سريعة في النّظافة أو المياه، غذاء مناسب) مترافقة مع جدول لمعالجة المطالب الأكبر.
  • اعتماد بروتوكول وطني موحّد للتّعامل مع الإضراب عن الطّعام يوازن بين واجب حماية الحياة واحترام قرار المضرب وكرامته. من خلال تقديم العناية الدائمة له (مراقبة، فيتامينات، …) وعدم إذلاله وإهانته بالتّغذية القسريّة.
  • إنشاء لجنة تنسيق دائمة تجمع بين وزارات العدل والدّاخليّة والصّحّة تُفعَّل هذه اللّجنة فور الإعلان عن الإضراب، مع صلاحيّات لاتخاذ إجراءات عاجلة بشأن مطالب المضربين عن الطّعام (مثل نقل موقوفين، حلول مؤقتة، تأمين تغذية سليمة، …).
  • على مستوى إدارة السّجون
  • اعتماد نظام إنذار مُبكر يرصد مؤشّرات التّوتّر (شح بالدّواء، فقر بالغذاء، شكاوى متكرّرة، تأخّر مواعيد المحاكم) ورفعها للمعنيّين قبل تحوّلها إلى إضراب.
  • فتح قنوات تظلّم فعّالة وسريعة داخل السجن مثل وضع صندوق شكاوى مع الوعد بالردّ الخطّي خلال 72 ساعة.
  • إنشاء مجالس لجان من السّجناء مُنتخَبة بشكل نزيه وشفّاف على مستوى الجناح أو المبنى ترفع المطالب وتكون وسيطًا للحوار مع السّجناء ضمن صلاحيّات محدّدة ومضبوطة. مع ضمانات لها ضد الانتقام والتّرهيب. وهذا الإجراء يخفف كثيرًا من التّصعيد أو الوصول إلى الإضراب عن الطّعام.
  • وضع إطار إرشادي يضبط خطاب القوى الأمنيّة عند الأزمات، يؤكّد تهدئة اللّغة وعدم الاستفزاز وسلامة المعلومة وصدقها وعدم تقديم الوعود الكاذبة لأنّ تداعياتها ستكون أخطر في حال أخذ القرار بالاستمرار أو التّصعيد.
  • التّمييز بين قادة الإضراب وعموم المشاركين: تجنّب العقوبات الجماعيّة، ومنع الممارسات التي تُفاقم التّصعيد.
  • تحسين الخدمات الأساسية التي تُشعل الإضرابات عادةً: مياه نظيفة، غذاء كافٍ، وصول منتظم للطبيب والدواء، وتمكين السجناء من الاتصال بعائلاتهم ومحاميهم.
  • تمكين العائلات من التّواصل المضبوط والمنتظم مع المضربين عن الطّعام لتخفيف الاحتقان خارج السّجون ما يقلّل ضغط الشّارع، وإقناعهم بالعدول عن الإضراب لما فيه من مخاطر جسيمة على المُضرِب، أو إقناعهم بأخذ السّوائل والفيتامينات ما يقلل من حدّة الخطر عليهم.
  • على المستوى الصحي والأخلاقي
  • عقود شفافة مستدامة للغذاء والأدوية والمستلزمات، رقابة صحّيّة مستقلّة، وإحالات طبّيّة سريعة.
  • تشكيل فريق طبي مستقل داخل السّجن بإشراف وزارة الصّحّة، يزور المضربين يوميًا، يقدّم عناية داعمة (سوائل، فيتامينات، مراقبة العلامات الحيويّة)، ويُوثّق الرضى أو الرّفض المستنير.
  • ضمان الاستقلال المهني للأطباء: لا يخضع الطّبيب لتعليمات أمنيّة تخالف أخلاقيّات المهنة.
  • تحديد معايير واضحة للتحويل إلى المستشفى (نقص وزن حرِج، اضطراب كهرباء الدم، فشل كلوي أو كبدي، اضطراب نظم قلبي…) وخطة عودة آمنة.
  • توفير دعم نفسي واجتماعي للمضربين وأسرهم، ما يخفّف دوافع التّصعيد.
  • تعيين ناطق رسمي موحّد يُصدر بيانات دورية دقيقة عن الحالة الصّحّيّة والإجراءات المتّخذة، لتجنّب الشّائعات والتّضخيم الإعلامي.
  • على المستوى القضائي الإجرائي
  • إقامة خطّة طوارئ لتقليص التّوقيف الاحتياطي (جلسات سريعة، بدائل غير احتجازيّة، استئناف عمل العدليّة، وضع جداول زمنيّة ملزمة للبتّ بالدّعاوى، تصفية الملفّات القديمة، إقامة جلسات مسائيّة مؤقّتة) هذا وحده يخفّض الاكتظاظ ويُقلل من دوافع الإضراب.
  • إطلاق مراجعة شهريّة لحالات التّأخير القضائي الطّويل، مع تقارير علنيّة مختصرة حول المعالجة.
  • عند الإضراب المرتبط بمطلب قانوني، يُسمّى قاضٍ يُكلّف بالتّواصل وإطلاع المضربين على المسار والجدول الزّمني لتنفيذ المطلب أو الوعد بالحلول الجزئيّة.
  • الرّقابة والشّفافيّة
  • السّماح بزيارات الآليات الوطنية للوقاية من التعذيب، واللجنة الدولية للصليب الأحمر، ومنظمات موثوقة، ونشر ملخّصات تقييم غير كاشفة للهوية.
  • إنشاء لوحة مؤشرات شهرية (الاكتظاظ، الزيارات الطبية، الشكاوى المعالجة، مدد التوقيف الاحتياطي) تُنشر مختصرًا لزيادة المساءلة.
  • توثيق كل حالة إضراب بملفّ طبي/إداري موحّد (التواريخ، الفحوص، جلسات الحوار، القرارات) لغايات التعلم المؤسسي ومنع تكرار الأخطاء.
  • خطّة طوارئ متدرّجة في حال حصول الإضراب
  1. اليوم 1-3: يُعمَل على توثيق رسمي للإضراب، تقييم أهليّة القرار، فتح قناة حوار، فحوص أساسيّة، إبلاغ القضاء والصّحّة.
  2. اليوم 4-10: إقامة زيارات يوميّة للطّبيب، مع دعم غذائي غير قسري (سوائل/ محاليل فمويّة)، اجتماعات تفاوض موثّقة، تحديث إعلامي منتظم، وإدخال الأهل وإمكانيّة تأثيرهم على المُضرِب للعدول عن قراره.
  3. بعد اليوم 10: بروتوكول مستشفى واضح عند مؤشرات الخطر مع الرضى المستنير، استمرار الحوار مع ضمان احترام قرار المُضرب ذي الأهليّة، تقديم حلول مرحليّة ملموسة.
  4. ممنوعات أخلاقيّة: الإطعام القسري للمضرب ذي الأهليّة، العقوبات الجماعيّة، منع الاتّصال بالمحامين أو بالعائلات، استخدام الرّعاية الصّحّيّة كأداة ردع.

خاتمة

ليست الغاية شرعنة الإضراب عن الطّعام ولا شيطنته، بل تحييده كأداة تفاوض تُدار بمعايير إنسانيَّة وقانونيَّة واضحة. ويبقى الرّهان الفعّال في خفض دوافعه البنيويَّة (الاكتظاظ، التّوقيف الاحتياطي، الرّعاية الصّحّيّة)، وتثبيت استقلاليّة المهنة الطّبّيّة، وشفافيَّة الإدارة ومصداقيّتها. فكل انزلاق نحو الإكراه الطّبّي يُقوِّض الثّقة ويرفع كلفة النّزاع على المؤسَّسة والمجتمع معًا.

 

 

مصادر ومراجع

-1Aljazeera. (2015, 8 9). UN criticises Israel’s force-feeding policy. Retrieved from Aljazeera: https://www.aljazeera.com/news/2015/8/9/un-criticises-israels-force-feeding-policy?

-2Al-Mughrabi, N., & Chacar, H. (2023, 5 3). Ceasefire agreed after death of Palestinian hunger striker in Israeli custody sparks fighting. Retrieved from Reuters: https://www.reuters.com/world/middle-east/palestinian-hunger-striker-khader-adnan-dies-israeli-prison-israel-says-2023-05-02/?

-3Boyd, J. W. (2015, 10). Force-Feeding Prisoners Is Wrong. American Medical Association Journal of Ethics, 17(10), 904-908. Retrieved from https://journalofethics.ama-assn.org/article/force-feeding-prisoners-wrong/2015-10

-4Britannica. (2025, 10 6). What was the outcome of the Ahmedabad Mill Strike? Retrieved from Britannica: https://www.britannica.com/question/What-was-the-outcome-of-the-Ahmedabad-Mill-Strike?

-5Calamur, K. (2013, 4 29). Medics Arrive At Guantanamo As Hunger Strikers Increase. Retrieved from KUER: https://www.kuer.org/2013-04-29/medics-arrive-at-guantanamo-as-hunger-strikers-increase?

-6Civil Society Knowledge Centre. (2015). Riot in Roumieh prison. Lebanon: Civil Society Knowledge Centre.

-7Civil Society Knowledge Centre. (2018). Families block roads as Islamist prisoners begin hunger strike. Lebanon: The centre for Social Sciences Research & Action.

-8Civil Society Knowledge Centre. (2019). Prisoner hunger strike for amnesty escalates. Lebanon: Civil Society Knowledge Centre.

-9European Court of Human Rights. (2005, 4 5). Nevmerzhitsky v. Ukraine Judgment. Retrieved from European Court of Human Rights: https://hudoc.echr.coe.int/eng#{%22itemid%22:[%22002-3914%22]}

-10Giles Birchely. (2021, 6 1). The Theorisation of best interests in bioethical accounts of decision-making. Retrieved from BMC Medical Ethics: https://bmcmedethics.biomedcentral.com/articles/10.1186/s12910-021-00636-0

-11Gilmour, A. (2019, 18 7). The Nelson Mandela Rules: Protecting the Rights of Persons Deprived of Liberty. Retrieved from United Nations: https://www.un.org/en/un-chronicle/nelson-mandela-rules-protecting-rights-persons-deprived-liberty?

-12GOV.UK. (2024, 4 15). Lebanon – Prisoner Pack. Retrieved from GOV.UK: https://www.gov.uk/government/publications/lebanon-prisoner-pack/lebanon-prisoner-pack?

-13Human Rights Watch. (2023, 9 1). Bahrain: Address Hunger Strike Grievances Release All Unjustly Detained; Treat All Prisoners Humanely. Retrieved from Human Rights Watch: https://www.hrw.org/news/2023/09/01/bahrain-address-hunger-strike-grievances?

-14Human Rights Watch. (2023, 8 23). Lebanon: Harrowing Prison Conditions Dangerous Overcrowding, Not Enough Food. Retrieved from Human Rights Watch: https://www.hrw.org/news/2023/08/23/lebanon-harrowing-prison-conditions?

-15ICRC. (2013, 1 30). Hunger Strikes in prisons: The ICRC’s position. Retrieved from International Committee of the Red Cross: https://www.icrc.org/en/document/hunger-strikes-prisons-icrc-position?

-16ICRC. (2023, 6 8). The ICRC’s role in hunger strikes and key working principles. Retrieved from International committe of the red cross: https://www.icrc.org/en/document/hunger-strikes-prisons-israel-and-occupied-territories?

-17Khatib, J. (2022, 11). BASIC NEEDS IN ROUMIEH,BEK AND TRIPOLI PRISONS LEBANON. Retrieved from ARCS CULTURE SOLIDALI: https://www.ldn-lb.org/upload/Prisons%20in%20Lebanon_ARCS%20Needs%20Assessment%202022.pdf

-18Ostberg, R. (2025, 10 15). hunger strike political or social protest. Retrieved from Britannica: https://www.britannica.com/biography/Bobby-Sands

-19Prison Insider. (2024, 8). Prison Life Index Lebanon. Retrieved from Prison Insider: https://www.prison-insider.com/en/countryprofile/liban-2025?s=prison-life-index-codegroupsection

-20Syed, A. (2022, 11 15). Egyptian Activist Alaa Abd El-Fattah’s Sister on the Aftermath of His COP27 Water Strike. Retrieved from TIME: https://time.com/6233777/egyptian-activist-alaa-abd-el-fattah-cop27/?

-21The Lancet. (2008, 9 6). Clinical care of hunger strikers. The Lancet, 372(9641), 777. Retrieved from https://www.thelancet.com/journals/lancet/article/PIIS0140-6736%2808%2961313-6/fulltext?

-22UK Parliament. (2025). Deeds not words. Retrieved from UK Parliament: https://www.parliament.uk/about/living-heritage/transformingsociety/electionsvoting/womenvote/overview/deedsnotwords/?

-23United Nations. (2014, 6 25). Force-feeding is cruel and inhuman – UN experts urge Israel not to make it legal. Retrieved from United Nations Human Rights Office Of The High Commissioner: https://www.ohchr.org/en/press-releases/2014/06/force-feeding-cruel-and-inhuman-un-experts-urge-israel-not-make-it-legal

-24United Nations. (2015, 12 17). The United Nations Standard Minimum Rules for the Treatment of Prisoners (the Nelson Mandela Rules). Retrieved from United Nations Office on Drugs and Crime [UNODC]: https://www.unodc.org/documents/justice-and-prison-reform/Nelson_Mandela_Rules-E-ebook.pdf?

-25United Nations. (n.d.). Nelson Mandela International Day. Retrieved from United Nations office on drugs and crime [UNODC]: https://www.un.org/en/events/mandeladay/mandela_rules.shtml?

-26Wallenfeldt, J. (2025, 10 23). The Sunningdale Agreement, hunger strikes, Bobby Sands, and the Brighton bombing. Retrieved from Britannica: https://www.britannica.com/event/The-Troubles-Northern-Ireland-history/The-Sunningdale-Agreement-hunger-strikes-Bobby-Sands-and-the-Brighton-bombing?

-27World Medical Association [WMA]. (1975/2016). WMA Declaration of Tokyo: Guidelines for physicians concerning torture and other cruel, inhuman or degrading treatment or punishment in relation to detention and imprisonment. Retrieved from World Medical Association [WMA]: https://www.wma.net/policies-post/wma-declaration-of-tokyo-guidelines-for-physicians-concerning-torture-and-other-cruel-inhuman-or-degrading-treatment-or-punishment-in-relation-to-detention-and-imprisonment/

-28World Medical Association. (2017). WMA Declaration of Malta on Hunger Strikers. Retrieved from World Medical Association [WMA]: https://www.wma.net/policies-post/wma-declaration-of-malta-on-hunger-strikers/

-29World Medical Association. (n.d.). WMA condemns all forced feeding. Retrieved from World Medical Association: https://www.wma.net/news-post/wma-condemns-all-forced-feeding/

أدلة-30 MSD. (2025, 8). لقضايا القانونية والأخلاقيّة “الموافقة المستنيرة”. Retrieved from أدلة MSD: https://www.msdmanuals.com/home/fundamentals/legal-and-ethical-issues/informed-consent

 

31-الأمم المتّحدة. (2016). قرار اتّخذته الجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة في 17 كانون الأول من عام 2015 بناءً على تقرير اللّجنة الثالثة A70/490. الأمم المتّحدة.

الأمم المتّحدة حقوق الإنسان مكتب المفوّض السّامي. (2014, 6 25). 32-التغذية بالإكراه قاسية وغير إنسانية – خبيران في الأمم المتحدة يحثان إسرائيل على عدم جعلها قانونية. Retrieved from الأمم المتّحدة: https://www.ohchr.org/ar/press-releases/2014/06/force-feeding-cruel-and-inhuman-un-experts-urge-israel-not-make-it-legal?

الشَّبكة السورية لحقوق الإنسان. (2025). 33-الشَّبكة السورية لحقوق الإنسان تدعو الحكومتين السورية واللبنانية إلى تحرك عاجل لإنهاء معاناة المعتقلين السوريين في لبنان. دمشق: الشَّبكة السورية لحقوق الإنسان.

34-جيمس سكوت. (2 5, 2018). أن تنظر كأنك دولة (تعريف بأعمال سكوت بالعربية). تم الاسترداد من متراس: https://metras.co/جيمس-سكوت-أن-تنظر-كأنّك-دولة/?

35-خالد كاظم أبو دوح. (2019). رأٍس المال الثّقافي مقاربة سوسيولوجيّة. التّفاهم، 14(63)، 321-336.

36-عامر شطارة. (2022). مفهوم السّياسات الحيويّة بين ميشيل فوكو وجورجيو أغامبين. تبيُّن، 10(40)، 93-114.

37-فاروق الطّاهري. (22 5, 2024). مفهوم المؤسسة الشمولية عند إرفنغ غوفمان: السلطة، الإماتة والمقاومة. تبيُّن، 12(48)، 23-42.

38-منظّمة العفو الدّوليّة. (7 7, 2023). ‏لبنان: الزيادة الحادة في الوفيات أثناء الاحتجاز يجب أن تكون جرس إنذار للسلطات. تم الاسترداد من منظّمة العفو الدّوليّة: https://www.amnesty.org/en/latest/news/2023/06/lebanon-sharp-increase-of-deaths-in-custody-must-be-a-wake-up-call-for-authorities/

39-نقابة الأطبّاء اللّبنانيين. (2012). مدونة أخلاقيات المهنة الطبية في لبنان (القانون رقم ٢٤٠ المعدّل بتاريخ ٢٢ أكتوبر ٢٠١٢) (تعديل القانون رقم ٢٨٨ بتاريخ ٢٢ فبراير ١٩٩٤) الفصل الأول أحكام عامة. لبنان: القانون اللبناني.

40-هيومن رايتس ووتش. (23 8, 2023). لبنان: أوضاع مروّعة في السجون اكتظاظ خطير وقلة غذاء (سجن رومية). تم الاسترداد من هيومن رايتس ووتش: https://www.hrw.org/ar/news/2023/08/23/lebanon-harrowing-prison-conditions

 

 

[1] – دكتور  في علم اجتماع الجريمة ومحاضر في الأدلّةالجنائيّة

Doctor of Criminological Sociology and Lecturer in Forensic Evidence. Email: amerh1981@gmail.com.

[2] تعمل في مجال التّعاون التّنموي الدّولي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.