المعتقدات الدِّينيّة في ضوء العلاج المعرفي السّلوكي للوسواس القهري: دراسة وصفيّة تحليليّة

0

اسم المجلة: مجلة أوراق ثقافية

المعتقدات الدِّينيّة في ضوء العلاج المعرفي السّلوكي للوسواس القهري: دراسة وصفيّة تحليليّة

Religious beliefs in light of cognitive behavioral therapy for obsessive-compulsive disorder: a descriptive and analytical study

Fatima Ali Kazen فاطمة علي قازان([1])

Supervised by Dr. Fawzi Ayoub إشراف الدكتور فوزي أيوب([2])

تاريخ الإرسال:28-1-2026                                   تاريخ القبول:7-2-2026

الملخص                                                                       11% turnitin:

هدفت هذه الدِّراسة إلى تحليل العلاقة بين المعتقدات الدِّينية وشدة أعراض اضطراب الوسواس القهري، وبيان دور العلاج المعرفي السّلوكي في تعديل هذه المعتقدات وتعزيز الاستفادة العلاجيّة المدركة لدى المرضى. اعتمدت الدِّراسة المنهج الوصفي التّحليلي، وطُبِّقت على عينة مكونة من (92) مريضًا يعانون من أعراض وسواس قهري ذي محتوى ديني. استُخدمت استمارة بحث ميداني لقياس شدة أعراض الوسواس القهري، والمعتقدات الدِّينية التكيفيّة وغير التكيفيّة، ودرجة التعرّض للعلاج المعرفي السّلوكي، والاستفادة المدركة منه.

أظهرت النتائج وجود علاقة ذات دلالة إحصائيّة بين المعتقدات الدِّينية غير التكيفيّة وارتفاع شدة أعراض الوسواس القهري، في حين ارتبطت المعتقدات الدِّينية التكيفيّة بانخفاض شدة الأعراض. كما كشفت النتائج علاقة إيجابيّة دالة بين المعتقدات التكيفيّة والاستفادة المدركة من العلاج المعرفي السّلوكي، إضافة إلى وجود فروق ذات دلالة إحصائيّة في المعتقدات الدِّينية تُعزى إلى درجة التعرّض للعلاج. وتبرز هذه النّتائج أهمّيّة دمج البعد المعرفي الدِّيني ضمن التّدخلات النّفسيّة الموجهة لعلاج الوسواس القهري ذي المحتوى الدِّيني.

الكلمات المفتاحية: الوسواس القهري، الوسواس الدِّيني، المعتقدات الدِّينية، العلاج المعرفي السّلوكي، التعرض ومنع الاستجابة.

Abstract

This study aimed to examine the relationship between religious beliefs and the severity of obsessive–compulsive disorder (OCD) symptoms, and to investigate the role of cognitive behavioral therapy (CBT) in modifying these beliefs and enhancing perceived therapeutic benefit among patients. The study employed a descriptive–analytical design and was conducted on a sample of 92 patients experiencing religious-content OCD symptoms. A field questionnaire was used to assess OCD symptom severity, adaptive and maladaptive religious beliefs, degree of exposure to CBT, and perceived treatment benefit. The findings revealed a statistically significant relationship between maladaptive religious beliefs and higher OCD symptom severity, whereas adaptive religious beliefs were associated with lower symptom severity. In addition, a significant positive relationship was found between adaptive religious beliefs and perceived benefit from CBT. Significant differences in religious beliefs were also observed according to the level of exposure to CBT. These results underscore the importance of integrating religious cognitive dimensions within CBT-based interventions for religious-content OCD.

Keywords: Obsessive–Compulsive Disorder, Religious OCD, Religious Beliefs, Cognitive Behavioral Therapy, Exposure and Response Prevention.

1.     المقدمة

يُعد اضطراب الوسواس القهري (Obsessive–Compulsive Disorder; OCD) من الاضطرابات النّفسيّة التي تتميز بوجود أفكار أو صور ذهنيّة أو اندفاعات متطفلة ومتكررة (وساوس)، يتبعها غالبًا سلوكيّات أو طقوس متكررة أو أفعال عقلية (أفعال قهريّة) يقوم بها الفرد لتخفيف القلق أو منع حدثٍ متخيَّل، على الرّغم من إدراكه في كثير من الأحيان لعدم منطقيّة هذا المسار أو مبالغته (Borges, 2023). ويكتسب الاضطراب أهمية خاصة عندما يتخذ محتوى دينيًا أو أخلاقيًا، إذ تتقاطع الخبرة النّفسيّة مع منظومة المعتقد الدِّيني، فتزداد شدة المعاناة نتيجة حساسيّة الموضوع وارتباطه بمعايير الطّهارة والعبادة والذّنب والنّية، وما يرافق ذلك من صراع داخلي بين “الالتزام الدِّيني” و”الخوف المرضي” (Abramowitz & Buchholz, 2020).

يُشار إلى هذا النمط أحيانًا بمصطلح الوسواس الدِّيني/التّدين القهري (Scrupulosity) بوصفه صورة من صور الوسواس القهري تتسم بوساوس ذات مضامين دينيّة أو أخلاقيّة، وطقوس قد تتجسد في تكرار الاستغفار أو الصلاة أو الفحص المفرط للنية أو السعي إلى يقين كامل قبل إنهاء العبادة (Greenberg & Huppert, 2010). وتكمن خصوصيّة هذا النمط في أنّ السّلوك القهري قد يبدو “مشابهًا ظاهريًا” لممارسة دينيّة مألوفة، ما يزيد صعوبة التّمييز بين التدين السوي وبين الطقوس القهريّة التي يغذيها القلق، ويؤدي إلى تأخر طلب المساعدة أو الوقوع في أنماط علاج غير ملائمة (Himle et al., 2011).

من منظور العلاج المعرفي السّلوكي (Cognitive Behavioral Therapy; CBT)، لا يُفهم الوسواس القهري بوصفه “فكرة سيئة” بحد ذاتها، بل بوصفه كيفيّة تفسير الفكرة المتطفلة وتقييمها؛ إذ تتحول الفكرة العابرة إلى تهديد نفسي عندما تُحمّل بمعانٍ كارثيّة (مثل: “هذه الفكرة دليل على فساد إيماني” أو “إن لم أكرر العبادة فلن تُقبل”)، فينشأ القلق وتظهر الاستجابات القهريّة التي تُخفِّف القلق مؤقتًا ثم تُعزز الحلقة الوسواسيّة على المدى الطويل (Yule et al., 2023). وعليه، يصبح الاشتغال العلاجي موجّهًا نحو المعتقدات (Beliefs) والتقييمات المعرفيّة (Appraisals) التي تدير الاستجابة للوسواس، إضافة إلى تقنيات سلوكيّة محورية كالتعرض ومنع الاستجابة (Exposure and Response Prevention; ERP) (Siev & Huppert, 2016).

وفي ضوء هذا الفهم، تبرز أهمّيّة دراسة طبيعة المعتقدات الدِّينية لدى مرضى الوسواس القهري، ومدى ارتباطها بشدة الأعراض وبالاستفادة المدركة من العلاج المعرفي السّلوكي، الأمر الذي تسعى الدِّراسة الحاليّة إلى تناوله تحليلًا ميدانيًا من خلال اختبار العلاقات والفروق بين هذه المتغيرات في سياق علمي منضبط.

2.      إشكاليّة الدِّراسة:

تتمثل الإشكاليّة المركزيّة في أن المعتقدات الدِّينية قد تؤدي دورًا مزدوجًا في خبرة الوسواس القهري: فمن جهة، قد تشكّل المعتقدات الدِّينية السّويّة موردًا للطمأنينة والمعنى والدّعم النّفسي، ومن جهة أخرى، قد تتحول بعض التّفسيرات الدِّينية غير المرنة أو غير الدّقيقة—حين تتداخل مع قلق الوسواس—إلى “معتقدات غير تكيفيّة” تزيد شدة الأعراض، وتدفع إلى طقوس قهريّة متكررة تحت عنوان “الاحتياط” أو “طلب اليقين” أو “الخوف من عدم القبول” (Abramowitz & Buchholz, 2020; Greenberg & Huppert, 2010).

وتبرز الإشكاليّة في نقطتين مترابطتين:

  1. صعوبة التّفريق بين التدين السّوي والتّدين القهري:إذ قد تتشابه بعض الممارسات الدِّينية المتكررة مع الطقوس القهريّة، لكن الفارق الحاسم يكون في “وظيفة السّلوك” ودافعه النّفسي: هل هو تعبد متزن، أم استجابة قهرية هدفها خفض القلق وتحييد الشك؟ إن غياب هذا التّفريق قد يقود إلى سوء فهم الحالة: إما بتطبيع الأعراض وعدَّها مجرد “ورع”، أو بتجريم التدين ذاته واعتباره “مصدر المرض”، وكلا الاتجاهين غير دقيق سريريًا (Himle et al., 2011).
  2. التّحدي العلاجي عند تطبيق CBT في الوسواس الدِّيني:على الرّغم من أنّ CBT وERP يمثلان خطًا علاجيًا أساسيًا للوسواس القهري، فإن تطبيقهما في الوسواس الدِّيني يتطلب حساسيّة ثقافيّة ودينيّة، لأنّ بعض التّمارين قد تُفهم خطأً على أنّها تعارض التّدين أو تُشعر المريض بأنّه يُطلب منه “التّخلي عن دينه”، بينما الهدف العلاجي الحقيقي هو كسر الحلقة القهريّة وليس المساس بالمعتقد (Siev & Huppert, 2016). لذلك تظهر الحاجة إلى تأطير معرفي علاجي يوضح أنّ العلاج يعمل على إعادة تنظيم العلاقة بين الفكرة المتطفلة وبين معناها، وعلى تمييز العبادة السّويّة عن الطقس القهري.

وانطلاقًا من ذلك، تُعالج هذه الدِّراسة موضوع المعتقدات الدِّينيّة في ضوء العلاج المعرفي السّلوكي للوسواس القهري بوصفه تقاطعًا بين بُعدين: بُعد معرفي-سريري يفسر كيف تُبنى المعتقدات غير التكيفيّة وكيف تُحافظ على الأعراض، وبُعد ديني-نفسي يقتضي ضبط المفاهيم؛ مثل: اليقين، الذّنب، قبول العبادة، الشّك، والنية؛ بحيث تُفهم ضمن لغة نفسية بحثية لا وعظية.

وبناءً عليه، تتمحور الإشكاليّة البحثيّة للدراسة الحاليّة حول السؤال الرئيس الآتي: إلى أي مدى ترتبط المعتقدات الدِّينيّة بشدة أعراض الوسواس القهري، وما دور العلاج المعرفي السّلوكي في تعديل هذه المعتقدات وتعزيز الاستفادة العلاجيّة لدى المرضى؟

3.     فرضية الدِّراسة

الفرضيّة  الأولى: توجد علاقة ذات دلالة إحصائيّة بين المعتقدات الدِّينية وشدة أعراض الوسواس القهري لدى المرضى.

الفرضيّة  الثانية: توجد علاقة ذات دلالة إحصائيّة بين المعتقدات الدِّينية والاستفادة المدركة من العلاج المعرفي السّلوكي لدى مرضى الوسواس القهري.

الفرضيّة  الثالثة: توجد فروق ذات دلالة إحصائيّة في المعتقدات الدِّينية تُعزى إلى درجة التعرّض للعلاج المعرفي السّلوكي.

الفرضيّة  الرّابعة: توجد فروق ذات دلالة إحصائيّة في شدة أعراض الوسواس القهري تُعزى إلى مستوى المعتقدات الدِّينية.

4.     أهمية البحث

تنبع أهمّيّة هذا البحث من تناوله لأحد الموضوعات الإكلينيكيّة الحساسة التي تتقاطع فيها الأبعاد النّفسيّة والدِّينية، والمتمثلة في اضطراب الوسواس القهري ذي المحتوى الدِّيني. إذ تمثل المعتقدات الدِّينية عنصرًا مركزيًا في خبرة عدد من مرضى الوسواس القهري، سواء بوصفها عامل حماية يخفف من المعاناة النّفسيّة، أو بوصفها عامل خطر حين تتحول إلى معتقدات غير تكيفيّة تغذي القلق والسّلوك القهري. وتكمن أهمّيّة البحث في إسهامه في توضيح الدّور المعرفي لهذه المعتقدات في شدة الأعراض وفي الاستجابة للعلاج المعرفي السّلوكي، بما يعزز الفهم العلمي المتوازن للوسواس الدِّيني بعيدًا من التّفسيرات الاختزاليّة أو الوعظية. كما تكتسب الدِّراسة أهمّيّة تطبيقيّة من خلال ما يمكن أن تقدمه من مؤشرات تساعد المعالجين النفسيين على تصميم تدخلات أكثر حساسيّة للبعد الدِّيني، وأكثر فاعليّة في تحسين النّتائج العلاجيّة.

5.     أهداف البحث

يهدف هذا البحث إلى دراسة العلاقة بين المعتقدات الدِّينية وشدة أعراض الوسواس القهري لدى المرضى، وتحليل طبيعة هذه المعتقدات في كونها تكيفيّة أو غير تكيفيّة في سياق الخبرة الوسواسيّة. كما يسعى البحث إلى كشف العلاقة بين المعتقدات الدِّينية والاستفادة المدركة من العلاج المعرفي السّلوكي، وبيان مدى إسهام هذا العلاج في تعديل المعتقدات المرتبطة بالوسواس القهري ذي المحتوى الدِّيني. إضافة إلى ذلك، يهدف البحث إلى فحص الفروق في المعتقدات الدِّينية تبعًا لدرجة التعرّض للعلاج المعرفي السّلوكي، بما يتيح فهمًا أعمق لدور العملية العلاجيّة في إعادة تشكيل البنية المعرفيّة لدى المرضى.

6.     الفجوة البحثيّة

على الرّغم من تزايد الاهتمام باضطراب الوسواس القهري في الأدبيات النّفسيّة، فإنّ الدِّراسات التي تناولت المعتقدات الدِّينيّة بوصفها متغيرًا معرفيًا محددًا في شدة الأعراض والاستجابة للعلاج ما تزال محدودة، ولا سيما في السّياقات الثقافية والدِّينية غير الغربية. كما أن عددًا من الدِّراسات ركز على وصف الوسواس الدِّيني أو فعالية العلاج المعرفي السّلوكي بصورة عامة، دون الربط المنهجي بين طبيعة المعتقدات الدِّينيّة ودرجة الاستفادة العلاجيّة المدركة من منظور المرضى أنفسهم. وتبرز الفجوة البحثيّة كذلك في قلة الدِّراسات التي تميز بوضوح بين المعتقدات الدِّينية التكيفيّة وغير التكيفيّة ضمن إطار معرفي-سلوكي، وتفحص أثر التعرّض للعلاج في تعديل هذه المعتقدات.

7.     جديد البحث

يتجلى جديد هذا البحث في تناوله المعتقدات الدِّينية بوصفها بنية معرفيّة قابلة للقياس والتّحليل في سياق الوسواس القهري، وليس مجرد خلفيّة ثقافيّة أو عامل ثانوي، كما يتميز البحث بدمجه بين ثلاثة متغيرات رئيسة في نموذج واحد، هي: المعتقدات الدِّينيّة، وشدة أعراض الوسواس القهري، والاستفادة المدركة من العلاج المعرفي السّلوكي، مع فحص أثر درجة التعرّض للعلاج، ويُضاف إلى ذلك اعتماد البحث صياغة بحثية غير وعظية للمعتقدات الدِّينيّة، بما يسهم في تقديم نموذج علمي يمكن الإفادة منه في الممارسة الإكلينيكية وفي الأبحاث المستقبلية ذات الصلة.

8.     منهج البحث

اعتمدت الدِّراسة المنهج الوصفي التّحليلي، لملاءمته لطبيعة الأهداف التي تسعى إلى وصف الظاهرة المدروسة وتحليل العلاقات بين متغيراتها كما هي في الواقع من دون تدخل الباحث. ويقوم هذا المنهج على جمع البيانات من عينة الدِّراسة باستخدام استمارة بحث ميداني أُعدت لهذا الغرض، ثم تحليلها إحصائيًا لكشف العلاقات الارتباطيّة والفروق ذات الدّلالة بين المتغيرات. ويسمح هذا المنهج بفهم التّفاعل بين المعتقدات الدِّينية وشدة أعراض الوسواس القهري والاستفادة من العلاج المعرفي السّلوكي، وتفسير النّتائج في ضوء الإطار النّظري المعتمد في الدِّراسة.

9.     إطار النظري

يتناول هذا الإطار النظري فهم الوسواس القهري ذي المحتوى الدِّيني بوصفه تداخلًا بين آليات وسواسيّة معرفية-سلوكية وبين تقييمات ومعتقدات دينيّة قد تكون تكيفيّة أو غير تكيفيّة. ويُعد هذا التّناول ضروريًا لأن المحتوى الدِّيني يرفع الحساسية الانفعاليّة تجاه الفكرة المتطفلة، ويزيد احتمالات تفسيرها تفسيرات أخلاقيّة/إيمانيّة صارمة، بما يعزز الحلقة الوسواسيّة ويؤثر في الاستجابة للعلاج المعرفي السّلوكي (Abramowitz & Buchholz, 2020; Greenberg & Huppert, 2010).

9.1     مفاهيم أساسيّة تمهيديّة (تعريفات تشغيليّة/نظريّة)

الوسواس القهري (OCD): يشير الوسواس القهري إلى نمط من المعاناة يتمثل في وساوس متكررة تثير القلق، يعقبها سلوك قهري أو طقوس عقليّة لتخفيف القلق أو منع حدث متخيَّل، مع بقاء الأثر العلاجي مؤقتًا عما يؤدي إلى استمرار الدائرة الوسواسيّة (Borges, 2023).

الوسواس الدِّيني (Scrupulosity): الوسواس الدِّيني هو نمط من الوسواس القهري تتمحور فيه الوساوس والطقوس حول موضوعات دينيّة أو أخلاقية (كالطهارة، النية، الذنب، الكفر، القبول)، ويستدعي حساسيّة خاصة في التّشخيص والعلاج بسبب تداخله الظاهري مع ممارسات دينيّة مشروعة (Greenberg & Huppert, 2010).

المعتقدات الدِّينية التكيفيّة وغير التكيفيّة: المعتقدات التكيفيّة: أنماط فهم ديني تتسم بالمرونة والواقعية النّفسيّة (مثل: عدم تحميل الأفكار المتطفلة دلالة أخلاقيّة، أو قبول مبدأ اليسر)، بما يقلل القلق ويحد من الاستجابة القهريّة.

المعتقدات غير التكيفيّة: تفسيرات جامدة أو مُتشددة تُضخم المسؤولية والذنب وتطلب يقينًا مطلقًا، مما يزيد القلق ويُعزز الطقوس القهريّة (Yule et al., 2023).

العلاج المعرفي السّلوكي (CBT) والتّعرض ومنع الاستجابة (ERP): CBT إطار علاجي يركز على تعديل الأفكار والتقييمات والسّلوكيات التي تحافظ على الاضطراب، فيما يعد ERP مكوّنًا أساسيًا لعلاج الوسواس القهري عبر تعريض المريض لمحفزات القلق بصورة تدريجيّة ومنع السّلوك القهري، بما يسمح بتراجع القلق طبيعيًا وانطفاء الارتباط الشرطي بين القلق والفعل القهري (Siev & Huppert, 2016).

9.2     الخصائص النّفسيّة والمعرفيّة للوسواس القهري

يرتبط الوسواس القهري بجملة عمليّات نفسيّة تجعل الفكرة المتطفلة ذات أثر أكبر من حجمها الواقعي. فالأفكار المتطفلة ظاهرة إنسانيّة شائعة، لكن الإشكال في OCD يظهر حين تُقيَّم الفكرة على أنّها مؤشر خطير أو دليل أخلاقي أو تهديد لا بد من تحييده. هنا يتصاعد القلق وتظهر الاستجابة القهريّة كحل سريع لتسكين القلق. غير أن هذا “الحل” يعمل بوصفه تعزيزًا سلبيًا: انخفاض القلق بعد الطقس يجعل احتمال تكراره أعلى مستقبلًا، فتترسخ الحلقة (Yule et al, 2023).

وتتضمن هذه الحلقة ثلاثة عناصر مركزيّة:

  • وسواس/فكرة متطفلة (مثيرة للتهديد).
  • تقييم معرفي مشوّه يضخم المعنى (كالمسؤوليّة أو الكارثيّة).
  • استجابة قهريّة (سلوك/طقس/تجنب) تخفف القلق لحظيًا وتُبقي المشكلة طويلًا (Borges, 2023).

وبذلك، فإنّ شدة الأعراض لا ترتبط بمحتوى الفكرة وحده، بل بقوة التّقييم المعرفي لها، وبمقدار اعتماد الفرد على الطقوس كاستراتيجيّة تنظيم انفعالي.

9.3     خصوصيّة الوسواس ذي المحتوى الدِّيني وتمييزه عن التّدين السّوي

يمثل الوسواس الدِّيني تحديًا تشخيصيًا وعلاجيًا لأن بعض الطقوس القهريّة قد تتخذ شكل عبادات أو احتياطات دينيّة. ومع ذلك، يظل التمييز ممكنًا إذا كان التّركيز على وظيفة السّلوك وخصائصه السّريريّة: التدين السّوي غالبًا يتسم بالمعنى والطمأنينة والمرونة، ولا يرافقه قلق شديد أو إلحاح قهري أو تعطّل وظيفي ملحوظ.

الوسواس الدِّيني يتسم بالإلحاح، والتكرار القهري، وارتفاع القلق، والسعي المتصل إلى يقين كامل، وتنامي الوقت المستنزف، مع انخفاض جودة الحياة وازدياد الاجترار الذّهني (Greenberg & Huppert, 2010; Himle et al., 2011).

وتزداد المشكلة حين تتغذى الوساوس من موضوعات دينيّة حساسة (الذّنب، الكفر، صحة العبادة)، لأنّ الفكرة المتطفلة قد تُفسَّر بوصفها “إثمًا” أو “خللًا إيمانيًا”، فتتعاظم الاستجابة الانفعاليّة لها. لذلك يصبح محور التّدخل العلاجي ليس “إلغاء الدين”، بل إعادة تنظيم معنى الفكرة المتطفلة داخل الإطار الدِّيني من دون تحويله إلى محرك قهري (Abramowitz & Buchholz, 2020).

9.4     المعتقدات الدِّينيّة غير التكيفيّة كآليات محافظة على الأعراض

تتضح أهمية “المعتقدات” في الوسواس الدِّيني لأنّ كثيرًا من الأعراض تُدار عبر منظومة من الافتراضات مثل:

“لا بد من اليقين التّام قبل إنهاء العبادة”، “أي خطأ صغير يبطل العبادة”، “مجرد وجود الفكرة يعني أنني أريدها أو أنني سيئ”، هذه الافتراضات تُنتج نمطين من النّتائج:

  1. تصعيد القلق عبر تضخيم الخطر الأخلاقي/الدِّيني للفكرة.
  2. تكثيف الطقوس القهريّة (إعادة، تفقد، تكرار) بوصفها محاولة للوصول إلى يقين أو طمأنينة كاملة (Siev et al., 2011; Abramowitz & Buchholz, 2020).

في المقابل، تُعد المعتقدات الدِّينية التّكيفيّة عامل حماية معرفي لأنها:

  • تفصل بين الفكرة المتطفلة وبين الهوية الدِّينية.
  • تقلل من اعتقاد “ضرورة السّيطرة التامة على التّفكير”.
  • تسمح بقدر من عدم اليقين من دون عدّ ذلك فشلًا دينيًا.

وبالتالي تضعف الحاجة للطقس القهري وتخفض شدة الأعراض (Yule et al., 2023).

9.5     العلاج المعرفي السّلوكي للوسواس الدِّيني: منطق التفسير وآليات التغيير

يفسر CBT الوسواس الدِّيني ضمن منطق: الفكرة المتطفلة + التقييم المشوه + الاستجابة القهريّة. وعليه، يعمل التّدخل عبر مسارين متكاملين:

9.5.1  إعادة البناء المعرفي (Cognitive Restructuring):

يركز على كشف الأفكار التّلقائيّة والتفسيرات القاطعة (مثل التفكير الثنائي: قبول/رفض العبادة)، ثم اختبارها منطقيًا ووظيفيًا، وإنتاج بدائل معرفية أكثر واقعيّة ومرونة. في الوسواس الدِّيني، تتمثل القيمة العمليّة لإعادة البناء المعرفي في تقليل “الحِمل الأخلاقي” للفكرة المتطفلة، من دون الدّخول في مناقشات وعظية أو جدل ديني خارج نطاق العلاج (Yule et al., 2023; Abramowitz & Buchholz, 2020).

9.5.2  التّعرض ومنع الاستجابة (ERP):

يعد ERP تقنية محوريّة لأن كثيرًا من أعراض الوسواس الدِّيني تتغذى من “السعي إلى الطمأنينة” عبر الطقوس. ومنع الاستجابة (أي عدم القيام بالطقس) يسمح بانخفاض القلق تدريجيًا، ويعلم المريض أنّ القلق يمكن تحمله وأن “اليقين الكامل” ليس شرطًا وظيفيًا للاستمرار (Siev & Huppert, 2016). وقد أظهرت الكتابات السّريريّة أن تكييف ERP وفق حساسية التّدين—مع الحفاظ على جوهر التّقنيّة—يرفع تقبل العلاج ويقلل المقاومة (Huppert et al., 2007).

9.6     تكييف CBT مع الحساسيّة الدِّينية: الضوابط العامة

من أهم ما تشير إليه الأدبيات أن نجاح العلاج في الوسواس الدِّيني يرتبط بقدرة المعالج على:

  • عدم وصم التدين أو تصويره كمصدر للمرض، بل توجيه الاهتمام إلى الآلية الوسواسيّة.
  • تمييز الممارسة الدِّينية الطبيعيّة عن الطقس القهري عبر تحليل الوظيفة (خفض قلق/طلب يقين).
  • تقديم تفسير علاجي يحترم الهوية الدِّينية ويزيل الالتباس بين العلاج والتّقصير الدِّيني (Williams et al., 2020; Abramowitz & Buchholz, 2020).

كما قد يكون من المفيد سريريًا—عند الحاجة وضمن حدود أخلاقيّة واضحة—الاستفادة من الإطار القيمي للمريض لزيادة الدافعية العلاجيّة من دون تحويل الجلسات إلى إرشاد ديني، مع الحفاظ على دور العلاج النفسي بوصفه تدخلًا علميًا (Costa & Moreira-Almeida, 2021).

9.7     نموذج تصوري موجز يربط متغيرات الدِّراسة

في ضوء ما سبق، يمكن صياغة نموذج تفسيري يخدم فرضيات الدِّراسة على النّحو الآتي:

  1. المعتقدات الدِّينية غير التكيفيّة تُسهم في تضخيم تقييم الفكرة المتطفلة (تهديد/ذنب/مسؤوليّة) ⇒ زيادة القلق ⇒ زيادة الطقوس ⇒ ارتفاع شدة الأعراض.
  2. المعتقدات الدِّينية التكيفيّة تقلل التفسير الكارثي للفكرة ⇒ تقلل الاعتماد على الطقوس ⇒ انخفاض شدة الأعراض.
  3. التعرّض لـ CBT وERP يعمل على تفكيك الاعتقاد بضرورة الطقس للوصول للطمأنينة، ويعدل التقييمات المعرفيّة ⇒ تحسن المعتقدات وتراجع غير التّكيفي منها.
  4. تحسن المعتقدات والتعامل مع القلق من دون طقوس يدعم الاستفادة المدركة من العلاج ويعزز الشّعور بالتحكم والفهم (Siev & Huppert, 2016; Yule et al., 2023).

وفي الختام ظهر أنّ الوسواس القهري ذي المحتوى الدِّيني لا يمكن فهمه أو التعامل معه بمعزل عن البنية المعرفيّة التي يفسّر من خلالها الفرد أفكاره المتطفلة وممارساته الدِّينيّة، فقد تبيّن أن جوهر الإشكال لا يكمن في وجود الفكرة الدِّينية بحد ذاتها، وإنما في طبيعة المعتقدات والتقييمات المعرفيّة التي تُحمِّل هذه الفكرة معاني تهديديّة أو أخلاقيّة مبالغًا فيها، بما يؤدي إلى تصاعد القلق وتكريس السّلوكيات القهريّة.

كما أظهر الإطار النّظري أهمية التمييز بين التدين السوي الذي يتسم بالمرونة والطمأنينة الوظيفيّة، وبين التدين القهري الذي تحكمه الحاجة القهريّة إلى اليقين الكامل وتجنب الذنب بأي ثمن، وهو تمييز أساسي لتجنّب سوء التّشخيص أو الخلط بين الممارسة الدِّينية الطبيعيّة والأعراض المرضيّة، وفي هذا السِّياق، برزت المعتقدات الدِّينية غير التكيفيّة بوصفها آليات معرفيّة محافظة على شدة الوسواس القهري، في حين تمثل المعتقدات التكيفيّة عاملًا واقيًا يسهم في خفض الأعراض وتحسين التكيّف النّفسي.

من منظور العلاج المعرفي السّلوكي، أوضح الإطار النّظري أن تعديل المعتقدات والتقييمات المشوّهة، إلى جانب تطبيق التّعرض ومنع الاستجابة بصورة تراعي الحساسيّة الدِّينية، يشكّل مدخلًا علاجيًا فعالًا للتّعامل مع الوسواس القهري الدِّيني، من دون تعارض مع الهُويّة الدِّينية للمريض. كما أكد أنّ درجة التعرّض للعلاج والالتزام بمكوناته ترتبط بتغيرات ملموسة في طبيعة المعتقدات الدِّينيّة وفي الخبرة الذاتيّة للسيطرة على الأعراض.

وانطلاقًا من هذه المرتكزات النّظريّة، تبرز الحاجة إلى فحص العلاقة بين المعتقدات الدِّينيّة وشدة أعراض الوسواس القهري، وتحليل دور العلاج المعرفي السّلوكي في تعديل هذه المعتقدات وتعزيز الاستفادة العلاجيّة المدركة لدى المرضى، وهو ما تسعى الدِّراسة الحاليّة إلى تناوله ميدانيًا، وعليه، ينتقل البحث في الإطار الميداني إلى اختبار هذه العلاقات والفروق إحصائيًا من خلال أدوات قياس محددة وإجراءات منهجيّة، بما يسمح بالتحقق من الفرضيات المطروحة في ضوء الواقع التطبيقي.

10. الإطار الميداني

10.1 منهج الدِّراسة

اعتمدت الدِّراسة المنهج الوصفي التّحليلي؛ بهدف وصف المعتقدات الدِّينية المرتبطة بالوسواس القهري، وتحليل علاقتها بكلٍّ من شدة أعراض الوسواس القهري والاستفادة المدركة من العلاج المعرفي السّلوكي، إضافة إلى كشف الفروق في المعتقدات الدِّينية تبعًا لدرجة التّعرّض للعلاج.

10.2 مجتمع الدِّراسة وعينتها

يتكوّن مجتمع الدِّراسة من الأفراد الذين يعانون من أعراض وسواس قهري ذي محتوى ديني، ممن سبق لهم التعرّض للعلاج المعرفي السّلوكي.

أمّا عينة الدِّراسة فقد بلغت (92) مشاركًا، جُمعت بياناتهم باستخدام استمارة البحث الميداني.

10.3 خصائص عينة الدِّراسة

الجدول (1): الخصائص الديموغرافية والكلينيكية لأفراد العينة (ن = 92)

المتغير الفئة التكرار النسبة %
الجنس ذكر 46 50.0
أنثى 46 50.0
العمر 18–24 6 6.5
25–34 49 53.3
35–44 34 37.0
45  فأكثر 3 3.3
المستوى التعليمي ثانوي فأقل 42 45.7
بكالوريوس 48 52.2
دراسات عليا 2 2.1
تشخيص سابق بالوسواس القهري من مختص نعم 82 89.1
لا 10 10.9
مدة ظهور أعراض الوسواس أقل من 3 سنوات 8 8.7
3–7 سنوات 58 63.0
أكثر من 7 سنوات 26 28.3

يُظهر الجدول توازنًا تامًا في توزيع الجنس، وتمركزًا عمريًا في الفئة (25–34)، مع ارتفاع نسبة التّشخيص السابق (89.1%). كما تشير مدة ظهور الأعراض إلى طابعٍ شبه مزمن لدى العينة؛ إذ إنّ غالبيّة المشاركين تقع مدة الأعراض لديهم ضمن (3–7 سنوات) بنسبة (63.0%)، يليها أكثر من 7 سنوات (28.3%).

10.4 أداة الدِّراسة

استُخدِمت استمارة بحث ميداني مكوّنة من ستة أقسام رئيسة:

  1. البيانات العامة
  2. نوع الوسواس الأكثر حضورًا
  3. التعرّض للعلاج المعرفي السّلوكي (CBT)
  4. شدة أعراض الوسواس القهري (5 بنود)
  5. المعتقدات الدِّينية (8 بنود: تكيفيّة وغير تكيفيّة)
  6. الاستفادة المدركة من العلاج المعرفي السّلوكي (4 بنود)

اعتمدت الاستمارة مقياس ليكرت الخماسي (1–5).

10.5 ترميز المتغيرات وبناء المؤشرات

احتُسِب المتوسط الحسابي لكل بُعد على النّحو الآتي:

  • شدة أعراض الوسواس القهري
  • المعتقدات الدِّينية التّكيفيّة
  • المعتقدات الدِّينية غير التكيفيّة
  • الاستفادة المدركة من العلاج المعرفي السّلوكي

واستُخدمت هذه المتوسطات في التحليلات الإحصائيّة اللاحقة.

10.6 صدق وثبات أداة الدِّراسة

10.6.1                الصدق

تحقق الصدق الظاهري ومحتوى الأداة من خلال عرضها على مختصين في علم النّفس، وأُجريت التعديلات اللازمة بناءً على ملاحظاتهم.

10.6.2                الثبات

الجدول (2): معاملات الثبات (Cronbach’s Alpha) لمقاييس الدِّراسة

المقياس عدد البنود معامل ألفا
شدة أعراض الوسواس القهري 5 0.93
المعتقدات الدِّينية التكيفيّة 4 0.68
المعتقدات الدِّينية غير التكيفيّة 4 0.75
الاستفادة المدركة من CBT 4 0.69

تعكس قيمة ألفا لمقياس شدة الأعراض (0.93) اتساقًا داخليًا مرتفعًا جدًا. كما تُعد قيم ألفا لبعد المعتقدات غير التّكيفيّة (0.75) وبعد المعتقدات التكيفيّة (0.68) والاستفادة المدركة (0.69) مقبولة في الدِّراسات الوصفية التّحليليّة، وتدعم الاعتماد على المتوسطات المركبة لهذه الأبعاد في اختبار الفرضيّات.

10.7 إجراءات الدِّراسة

نُفّذت الدِّراسة وفق الخطوات الآتية:

  1. إعداد استمارة البحث الميداني في صورتها الأوليّة بالاستناد إلى الأدبيات النّفسيّة الحديثة في مجال الوسواس القهري والعلاج المعرفي السّلوكي.
  2. عرض الاستمارة على عدد من المختصين في علم النّفس الإكلينيكي للتحقق من وضوح الصِّياغة وملاءمة البنود لأهداف الدِّراسة.
  3. تطبيق الاستمارة بصيغتها النّهائيّة على عينة الدِّراسة إلكترونيًا، مع توضيح أهداف البحث وطبيعته للمشاركين.
  4. جمع الاستمارات والتحقق من اكتمال البيانات وصلاحيتها للتّحليل الإحصائي.
  5. إدخال البيانات إلى برنامج SPSS ومعالجتها إحصائيًا وفق الخطة المعتمدة.

10.8 الأساليب الإحصائيّة المستخدمة

استُخدِم برنامج SPSS  لتطبيق المعالجات الإحصائيّة الآتية:

  • الإحصاءات الوصّفيّة: المتوسطات الحسابيّة، الانحرافات المعياريّة، التكرارات، والنِّسب المئويّة.
  • معامل ارتباط بيرسون (Pearson) لاختبار العلاقة بين:
    • المعتقدات الدِّينيّة وشدة أعراض الوسواس القهري.
    • المعتقدات الدِّينيّة والاستفادة المدركة من العلاج المعرفي السّلوكي.
  • اختبار (t-test)  وتحليل التّباين الأحادي (One-Way ANOVA)  لدراسة الفروق في المعتقدات الدِّينية تبعًا لدرجة التعرّض للعلاج المعرفي السّلوكي.
  • اعتماد مستوى الدّلالة الإحصائيّة (α ≤ 0.05) للحكم على دلالة النَّتائج.

10.9 حدود الدِّراسة

تُحدد نتائج الدِّراسة في ضوء الحدود الآتية:

  • الحدود البشريّة: اقتصرت الدِّراسة على أفراد يعانون من أعراض وسواس قهري ذي محتوى ديني.
  • الحدود الموضوعيّة: اقتصرت على دراسة المعتقدات الدِّينية في علاقتها بشدة الوسواس القهري والعلاج المعرفي السّلوكي.
  • الحدود المنهجيّة: اعتماد المنهج الوصفي التحليلي والاستبانة كأداة لجمع البيانات.
  • الحدود المكانيّة والزمانيّة: ارتبطت بوقت تطبيق الاستمارة والبيئة التي أُجريت فيها الدِّراسة.

11. نتائج الدِّراسة

11.1  نتائج الفرضيّة  الأولى

نص الفرضيّة : توجد علاقة ذات دلالة إحصائيّة بين المعتقدات الدِّينية وشدة أعراض الوسواس القهري لدى المرضى.

لاختبار هذه الفرضيّة ، استُخدِمت معامل ارتباط بيرسون لقياس العلاقة بين:

  • المعتقدات الدِّينية التّكيفيّة وشدة أعراض الوسواس القهري
  • المعتقدات الدِّينية غير التكيفيّة وشدة أعراض الوسواس القهري

الجدول (3): معاملات ارتباط بيرسون بين المعتقدات الدِّينية وشدة أعراض الوسواس القهري (ن = 92)

المتغير شدة أعراض الوسواس
المعتقدات الدِّينية التكيفيّة r = -0.41**
المعتقدات الدِّينية غير التكيفيّة r = 0.56**

مستوى الدلالة: p ≤ 0.01

تشير النتائج إلى وجود علاقة ارتباطية سالبة دالة إحصائيًا بين المعتقدات الدِّينية التّكيفيّة وشدة أعراض الوسواس القهري، بما يعني أنّه كلما ارتفع مستوى المعتقدات التّكيفيّة انخفضت شدة الأعراض. في المقابل، أظهرت النتائج وجود علاقة ارتباطيّة موجبة دالة إحصائيًا بين المعتقدات الدِّينيّة غير التّكيفيّة وشدة أعراض الوسواس القهري، ما يدل على أن هذه المعتقدات تسهم في زيادة حدّة الأعراض.

وبذلك تُقبل الفرضيّة  الأولى.

11.2  نتائج الفرضيّة  الثانية

نص الفرضيّة: توجد علاقة ذات دلالة إحصائيّة بين المعتقدات الدِّينيّة والاستفادة المدركة من العلاج المعرفي السّلوكي لدى مرضى الوسواس القهري.

استُخدِم معامل ارتباط بيرسون لقياس العلاقة بين أبعاد المعتقدات الدِّينية ومؤشر الاستفادة المدركة من العلاج المعرفي السّلوكي.

الجدول (4): معاملات ارتباط بيرسون بين المعتقدات الدِّينية والاستفادة المدركة من CBT (ن = 92)

المتغير الاستفادة المدركة من CBT
المعتقدات الدِّينية التكيفيّة r = 0.48**
المعتقدات الدِّينية غير التكيفيّة r = -0.39**

مستوى الدلالة: p ≤ 0.01

تُظهر النّتائج وجود علاقة ارتباطيّة موجبة دالة إحصائيًا بين المعتقدات الدِّينية التكيفيّة والاستفادة المدركة من العلاج المعرفي السّلوكي، في حين وُجدت علاقة سالبة دالة إحصائيًا بين المعتقدات الدِّينيّة غير التّكيفيّة والاستفادة المدركة من العلاج. وتشير هذه النّتائج إلى أن طبيعة المعتقدات الدِّينية تؤدي دورًا مهمًا في مدى إدراك المرضى لفائدة العلاج المعرفي السّلوكي.

وبذلك تُقبل الفرضيّة  الثانية.

11.3  نتائج الفرضيّة  الثالثة

نص الفرضيّة : توجد فروق ذات دلالة إحصائيّة في المعتقدات الدِّينية تُعزى إلى درجة التعرّض للعلاج المعرفي السّلوكي.

قُسِّم أفراد العيّنة إلى ثلاث فئات وفق عدد الجلسات العلاجيّة، ثم استُخدِم تحليل التّباين الأحادي (One-Way ANOVA).

الجدول (5): نتائج تحليل التباين الأحادي للفروق في المعتقدات الدِّينية تبعًا لدرجة التعرّض لـ CBT

المتغير قيمة F مستوى الدلالة
المعتقدات الدِّينية التكيفيّة 4.27 0.017*
المعتقدات الدِّينية غير التكيفيّة 6.13 0.003**

تشير النّتائج إلى وجود فروق ذات دلالة إحصائيّة في كلٍّ من المعتقدات الدِّينية التّكيفيّة وغير التّكيفيّة تُعزى إلى درجة التعرّض للعلاج المعرفي السّلوكي، فقد كانت الفروق أكثر وضوحًا لدى الأفراد ذوي التعرّض الأعلى للعلاج، خاصة فيما يتعلق بانخفاض المعتقدات غير التكيفيّة.

وبذلك تُقبل الفرضيّة  الثالثة.

11.4  نتائج الفرضيّة  الاختياريّة

نص الفرضيّة : توجد فروق ذات دلالة إحصائيّة في شدة أعراض الوسواس القهري تُعزى إلى مستوى المعتقدات الدِّينية.

قُسِّم المشاركون إلى ثلاث فئات (منخفض – متوسط – مرتفع) وفق مستوى المعتقدات الدِّينية غير التكيفيّة، ثم استُخدِم تحليل التّباين الأحادي.

الجدول (6): نتائج تحليل التباين الأحادي للفروق في شدة أعراض الوسواس القهري تبعًا لمستوى المعتقدات الدِّينية غير التكيفيّة

المتغير قيمة F مستوى الدلالة
شدة أعراض الوسواس القهري 7.89 0.001**

أظهرت النتائج وجود فروق ذات دلالة إحصائيّة في شدة أعراض الوسواس القهري تُعزى إلى مستوى المعتقدات الدِّينية غير التكيفيّة، فقد ارتفعت شدة الأعراض لدى الأفراد ذوي المستويات المرتفعة من هذه المعتقدات مقارنة بغيرهم.

وعليه تُقبل الفرضيّة  الاختياريّة.

11.5 خلاصة النّتائج

بصورة عامة، أكدت نتائج الدِّراسة وجود دور محوري للمعتقدات الدِّينية—وخاصة غير التكيفيّة—في شدة أعراض الوسواس القهري، كما أبرزت أهمّيّة العلاج المعرفي السّلوكي في تعديل هذه المعتقدات وتحسين الاستفادة العلاجيّة المدركة لدى المرضى.

12. مناقشة النتائج

هدفت هذه الدِّراسة إلى تحليل العلاقة بين المعتقدات الدِّينية وشدة أعراض الوسواس القهري، وبيان دور العلاج المعرفي السّلوكي في تعديل هذه المعتقدات وتحسين الاستفادة العلاجيّة لدى المرضى. وقد أسفرت النَّتائج عن مجموعة من المؤشرات المهمة التي يمكن مناقشتها على النحو الآتي:

12.1  المعتقدات الدِّينيّة وشدة أعراض الوسواس القهري

أظهرت نتائج الفرضيّة  الأولى وجود علاقة دالة إحصائيًا بين المعتقدات الدِّينية وشدة أعراض الوسواس القهري؛ حيث ارتبطت المعتقدات الدِّينية غير التكيفيّة بارتفاع شدة الأعراض، في حين ارتبطت المعتقدات الدِّينية التّكيفيّة بانخفاضها. ويمكن تفسير هذه النتيجة في ضوء النّموذج المعرفي للوسواس القهري الذي يفترض أنّ طريقة تفسير الفرد لأفكاره—وليس مجرد وجودها—هي العامل الحاسم في استمرار الاضطراب.

فالمعتقدات غير التّكيفيّة، مثل تضخيم المسؤوليّة الدِّينية، والسعي إلى اليقين الكامل، والشّعور المفرط بالذّنب بسبب أفكار غير مقصودة، تؤدي إلى تصعيد القلق وتدفع الفرد إلى الانخراط في السّلوكيّات القهريّة بوصفها وسيلة مؤقتة لتخفيف هذا القلق. وعلى العكس، فإنّ المعتقدات الدِّينية التّكيفيّة—التي تميّز بين الوسواس والتّكليف الشّرعي، وتقرّ بيسر الشّريعة وعدم محاسبة الفرد على الأفكار القهريّة—تسهم في تقليل حدة الاستجابة الانفعالية للأفكار الوسواسيّة، وبالتالي الحدّ من شدتها وتأثيرها الوظيفي.

12.2  المعتقدات الدِّينية والاستفادة المدركة من العلاج المعرفي السّلوكي

بينت نتائج الفرضيّة  الثانية وجود علاقة ذات دلالة إحصائيّة بين طبيعة المعتقدات الدِّينية ومستوى الاستفادة المدركة من العلاج المعرفي السّلوكي. فقد ارتبطت المعتقدات التّكيفيّة بارتفاع الاستفادة المدركة، في حين ارتبطت المعتقدات غير التكيفيّة بانخفاضها.

وتشير هذه النّتيجة إلى أن العلاج المعرفي السّلوكي لا يعمل فقط على تقليل الأعراض السّلوكيّة الظاهرة، بل يسهم في إعادة تشكيل الإطار المعرفي الذي يفسر به المريض خبرته الدِّينية والنّفسيّة. فكلما كان الفرد أكثر استعدادًا لتبنّي معتقدات دينيّة مرنة وغير صارمة، كان أكثر قدرة على تقبّل مبادئ العلاج—خاصة التّعرض ومنع الاستجابة—والالتزام بها، مما ينعكس إيجابًا على تقييمه الذاتي لفعاليّة العلاج.

12.3  أثر درجة التعرّض للعلاج المعرفي السّلوكي في المعتقدات الدِّينية

دعمت نتائج الفرضيّة الثالثة وجود فروق ذات دلالة إحصائيّة في المعتقدات الدِّينية تُعزى إلى درجة التعرّض للعلاج المعرفي السّلوكي، لا سيما فيما يتعلق بانخفاض المعتقدات الدِّينية غير التكيفيّة لدى الأفراد ذوي التعرّض الأعلى للعلاج.

وتعكس هذه النتيجة الطبيعة التّراكمّيّة للتدخل المعرفي السّلوكي؛ إذ إنّ زيادة عدد الجلسات والالتزام بالواجبات العلاجيّة يتيحان فرصًا أوسع لتحدي المعتقدات الخاطئة، واختبارها سلوكيًا، وبناء تفسيرات بديلة أكثر واقعية واتزانًا. كما يشير ذلك إلى أنّ التّغير في المعتقدات الدِّينية ليس فوريًا، بل يحدث تدريجيًا مع تكرار الخبرة العلاجيّة.

12.4  مستوى المعتقدات الدِّينية وشدة الأعراض (الفرضيّة  الاختيارية)

أظهرت نتائج الفرضيّة الاختياريّة وجود فروق دالة في شدة أعراض الوسواس القهري تُعزى إلى مستوى المعتقدات الدِّينية غير التّكيفيّة، فقد ارتفعت شدة الأعراض لدى الأفراد ذوي المستويات المرتفعة من هذه المعتقدات.

وتؤكد هذه النّتيجة الطابع التنبؤي للمعتقدات الدِّينية غير التّكيفيّة في تفسير شدة الوسواس القهري، وتبرز أهمية التعامل معها بوصفها هدفًا علاجيًا أساسيًا، وليس مجرد عامل ثانوي أو مرافق للاضطراب.

12.5 خلاصة المناقشة

تشير مجمل نتائج الدِّراسة إلى أنّ المعتقدات الدِّينية تمثل متغيرًا محوريًا في فهم شدة الوسواس القهري والاستجابة للعلاج المعرفي السّلوكي، وأنّ فاعليّة العلاج ترتبط بدرجة كبيرة بقدرته على تعديل هذه المعتقدات، لا سيما تلك التي تتسم بالصّرامة والتّضخيم واليقين القهري. كما تبرز النّتائج أهمّيّة دمج البعد المعرفي الدِّيني ضمن التدخلات النّفسيّة الموجهة لاضطراب الوسواس القهري ذي المحتوى الدِّيني.

13. التّوصيات

في ضوء نتائج الدِّراسة وما أسفرت عنه من دلالات، يمكن تقديم التوصيات الآتية:

  1. تعزيز التّركيز على المعتقدات الدِّينيّة في العلاج النّفسي، ولا سيما في حالات الوسواس القهري ذي المحتوى الدِّيني، باعتبارها عاملًا معرفيًا مؤثرًا في شدة الأعراض واستمراريتها.
  2. تضمين إعادة البناء المعرفي للمعتقدات الدِّينيّة غير التّكيفيّة ضمن برامج العلاج المعرفي السّلوكي، مع مراعاة الخصوصية الدِّينية والثقافية للمرضى.
  3. الاهتمام بتطبيق تمارين التّعرض ومنع الاستجابة (ERP) بصورة منهجيّة ومدروسة في علاج الوسواس القهري الدِّيني، لما لها من دور واضح في تقليل السّلوكيات القهريّة المرتبطة بالسعي إلى اليقين الدِّيني.
  4. تشجيع المرضى على الاستمرار في العلاج والالتزام بالواجبات العلاجيّة، نظرًا لما أظهرته النتائج من ارتباط بين درجة التعرّض للعلاج وتحسّن المعتقدات الدِّينيّة.
  5. إعداد برامج تدريبية متخصصة للمعالجين النّفسيين تهدف إلى رفع كفاءتهم في التعامل مع الوسواس القهري ذي المحتوى الدِّيني، بما يوازن بين الفهم النّفسي والمعرفي والبعد الدِّيني غير الوعظي.
  6. الاستفادة من أدوات القياس المستخدمة في الدِّراسة في تقييم المعتقدات الدِّينية المرتبطة بالوسواس القهري، مع تطويرها مستقبلًا بما يرفع من خصائصها السّيكومتريّة.

14. الخاتمة

خلصت هذه الدِّراسة إلى أنّ المعتقدات الدِّينية تمثل عنصرًا أساسيًا في فهم شدة أعراض الوسواس القهري والاستجابة للعلاج المعرفي السّلوكي، فقد أظهرت النّتائج أنّ المعتقدات الدِّينية غير التّكيفيّة ترتبط بارتفاع شدة الأعراض، في حين تسهم المعتقدات التّكيفيّة في التخفيف منها وتعزيز الاستفادة العلاجيّة المدركة.

كما أكدت الدِّراسة أنّ العلاج المعرفي السّلوكي لا يقتصر على تعديل السّلوك القهري الظاهر، بل يمتد تأثيره إلى إعادة تشكيل البنية المعرفيّة التي تفسر الخبرة الدِّينية لدى المريض، ولا سيما مع زيادة درجة التّعرّض للعلاج والالتزام بمكوناته العلاجيّة.

وبذلك تسهم الدِّراسة في إبراز أهمية التكامل بين المنظور المعرفي السّلوكي وفهم المعتقدات الدِّينيّة في علاج الوسواس القهري ذي المحتوى الدِّيني، وتؤكد الحاجة إلى تدخلات نفسيّة تراعي البعد المعرفي والدِّيني بصورة علميّة متوازنة، بعيدًا من التفسير الوعظي أو الإهمال العلاجي.

15. المراجع

  1. Abramowitz, J. S., & Buchholz, J. L. (2020). Spirituality/religion and obsessive–compulsive-related disorders. In The Oxford handbook of obsessive-compulsive and related disorders. Elsevier. https://doi.org/10.1016/B978-0-12-816766-3.00004-5
  2. Borges, V. F. (2023). Obsessive-compulsive disorder: Conceptual and clinical aspects. Concilium, 23(3), 424–438. https://doi.org/10.53660/clm-901-23b48
  3. Costa, M. D. A., & Moreira-Almeida, A. (2021). Religion-adapted cognitive behavioral therapy: A review and description of techniques. Journal of Religion and Health. https://doi.org/10.1007/S10943-021-01345-Z
  4. Greenberg, D., & Huppert, J. D. (2010). Scrupulosity: A unique subtype of obsessive-compulsive disorder. Current Psychiatry Reports, 12(4), 282–289. https://doi.org/10.1007/s11920-010-0127-5
  5. Himle, J. A., Chatters, L. M., Taylor, R. J., & Nguyen, A. W. (2011). The relationship between obsessive-compulsive disorder and religious faith: Clinical characteristics and implications for treatment. Psychology of Religion and Spirituality, 3(4), 241–258. https://doi.org/10.1037/a0023478
  6. Huppert, J. D., Siev, J., & Kushner, E. S. (2007). When religion and obsessive-compulsive disorder collide: Treating scrupulosity in ultra-Orthodox Jews. Journal of Clinical Psychology, 63(10), 925–941. https://doi.org/10.1002/jclp.20404
  7. Siev, J., & Huppert, J. D. (2016). Treatment of scrupulosity-related obsessive-compulsive disorder. In Obsessive-compulsive disorder (Chapter). Springer. https://doi.org/10.1007/978-3-319-17139-5_4
  8. Siev, J., Steketee, G., Fama, J. M., & Wilhelm, S. (2011). Cognitive and clinical characteristics of sexual and religious obsessions. Journal of Cognitive Psychotherapy, 25(3), 167–176. https://doi.org/10.1891/0889-8391.25.3.167
  9. Williams, M. T., Rouleau, T. M., Torre, J. T. L., & Sharif, N. (2020). Cultural competency in the treatment of obsessive-compulsive disorder: Practitioner guidelines. The Cognitive Behaviour Therapist, 13, e30. https://doi.org/10.1017/S1754470X20000501
  10. Yule, M. A., Whittal, M. L., & Robichaud, M. (2023). Cognitive treatment for obsessive-compulsive disorder. In The Oxford handbook of obsessive-compulsive and related disorders. Oxford University Press. https://doi.org/10.1093/oxfordhb/9780190068752.013.20

 

 

[1] – طالبة دكتوراه في جامعة آزاد الإسلاميّة- فرع علوم وتحقيقات (طهران) – قسم علم النّفس

PhD student at Azad Islamic University – Science and Research Branch (Tehran) – Department of of Psycholog, Email: fatima-kazan1@hotmail.com

[2] – أستاذ محاضر في الجامعة اللبنانيّة – كلّيّة التربية

Email: fayoub@ ul.edu.lb – Lecturer at the Lebanese University – Faculty of Education

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.