التّكنولوجيا التّعليميّة بين الجاهزيّة التّدريبيّة وجودة نواتج التّعلّم: دراسة ميدانيّة في ثانويات الضاحية الجنوبيّة لبيروت
اسم المجلة: مجلة أوراق ثقافية
التّكنولوجيا التّعليميّة بين الجاهزيّة التّدريبيّة وجودة نواتج التّعلّم: دراسة ميدانيّة في ثانويات الضاحية الجنوبيّة لبيروت
Educational Technology, Teachers’ Training Readiness, and Learning Outcomes Quality:
A Field Study in Secondary Schools of Beirut’s Southern Suburbs
Zeinab Mohamad Hijazi زينب محمد حجازي([1])
Supervisor: Prof. Dr. Hassan Khalil Reda المشرف: أ.د. حسن خليل رضا)[2](
تاريخ الإرسال: 15-1-2026 تاريخ القبول: 27-1-2026
الملخص turnitin:17%
تهدف هذه الدّراسة إلى تقصي العلاقة بين توظيف التكنولوجيا التّعليميّة وجودة نواتج التّعلّم في مرحلة التّعليم الثانوي، مع التّركيز على الجاهزيّة التّدريبيّة للمعلمين بوصفها متغيرًا وسيطًا يسهم في تفسير هذه العلاقة، تنطلق الدّراسة من فرضيّة مفادها أنّ التّكنولوجيا التّعليميّة لا تحقق أثرًا تربويًا فاعلًا بذاتها، بل يتحدد تأثيرها بمدى جاهزيّة المعلمين تدريبيًّا وقدرتهم على توظيفها توظيفًا تربويًا هادفًا، اعتمدت الدّراسة المنهج الوصفي التّحليلي، واستندت إلى تحليل الأدبيّات التّربويّة الحديثة، إضافة إلى دراسة ميدانيّة في ثانويات الضّاحيّة الجنوبيّة لمدينة بيروت، وأظهرت النّتائج أنّ هناك علاقة إيجابيّة بين توظيف التكنولوجيا التّعليميّة وجودة نواتج التّعلّم، إلّا أنّ قوة هذه العلاقة تزداد بارتفاع مستوى الجاهزيّة التّدريبيّة للمعلمين، وتخلص الدّراسة إلى أهمّيّة الاستثمار في التّدريب المهني المستمر، والدّعم المؤسسي لتعزيز فاعليّة توظيف التّكنولوجيا التّعليميّة وتحسين جودة التّعلّم في التّعليم الثانوي.
الكلمات المفتاحيّة: التكنولوجيا التّعليميّة، الجاهزيّة التّدريبيّة للمعلمين، جودة نواتج التّعلّم، التّعليم الثانوي، التّدريب المهني.
This study aims to examine the relationship between educational technology integration and the quality of learning outcomes in secondary education, with a focus on teachers’ training readiness as a mediating variable that explains this relationship. The study is grounded in the assumption that educational technology alone does not guarantee improved learning outcomes; rather, its effectiveness depends largely on teachers’ readiness and their ability to integrate technology pedagogically. A descriptive analytical approach was adopted, drawing on a review of recent educational literature alongside a field study conducted in secondary schools in the southern suburbs of Beirut. The findings reveal a positive relationship between educational technology integration and learning outcomes quality, with this relationship becoming stronger as teachers’ training readiness increases. The study concludes by emphasizing the importance of continuous professional development and institutional support as essential conditions for maximizing the educational value of technology and enhancing learning outcomes in secondary education.
Keywords: Educational technology, teachers’ training readiness, learning outcomes quality, secondary education, professional development
أصبح توظيف التكنولوجيا التّعليميّة أحد أبرز ملامح التّحول في النُّظم التّربويّة المعاصرة، ولا سيما في مرحلة التّعليم الثانوي التي تمثل حلقة مفصليّة في تشكيل المعرفة وتنمية المهارات العليا لدى المتعلمين، وقد تسارعت وتيرة هذا التّحوّل خلال العقد الأخير نتيجة التّطور الرّقمي المتسارع، وتنامي الاعتماد على التّعلّم الإلكتروني والتّعليم المدمج، إضافة إلى الأزمات التّعليميّة التي فرضت بدائل غير تقليديّة لضمان استمراريّة التّعليم وجودته (Ghavifekr & Rosdy, 2015؛ Shah, 2022).
غير أنّ الأدبيّات التّربويّة الحديثة تشير إلى أنّ إدخال التكنولوجيا التّعليميّة إلى المدارس لا يؤدي بالضرورة إلى تحسين جودة التّعليم أو نواتج التّعلّم بصورة تلقائيّة، فقد أظهرت دراسات عديدة أنّ التّركيز على توفير الأدوات والمنصات الرّقميّة، بمعزل عن الكيفيّة التي تُوظف بها داخل الصّف، قد يفضي إلى استخدام شكلي محدود الأثر التّربوي (Li et al., 2019؛ Avedzi, 2025)، ويعكس هذا التّوجه تحولًا في البحث التّربوي من الاهتمام بالإتاحة التّقنيّة إلى التّركيز على الاندماج التّربوي الفعّال للتكنولوجيا ضمن الممارسات التّدريسيّة. في هذا السّياق، يبرز دور المعلم بوصفه العنصر الحاسم في نجاح أو إخفاق توظيف التكنولوجيا التّعليميّة، وتشير الأدبيّات إلى أنّ فاعليّة الدّمج التّربوي للتكنولوجيا تعتمد بدرجة كبيرة على مستوى جاهزيّة المعلمين تدريبيًّا، بما تشملـه من كفايات رقميّة، ومهارات تطبيقيّة، واتجاهات إيجابيّة، وثقة بالقدرة على الاستخدام (Peng et al, 2023؛ Ghazali et al, 2023)، كما أنّ التّدريب المهني المستمر يسهم في تعزيز هذه الجاهزيّة، ويمكّن المعلمين من الانتقال من الاستخدام التّقني إلى التّوظيف التّربوي الهادف للتكنولوجيا (Olurinola & Olugbade, 2024).
من جهة أخرى، تُعد جودة نواتج التّعلّم المعيار الأساس للحكم على فاعليّة أي تدخل تربوي، بما في ذلك توظيف التكنولوجيا التّعليميّة، وقد بيّنت الأدبيّات أنّ جودة النّواتج في التّعليم الثانوي لا تقتصر على التّحصيل الأكاديمي، بل تشمل تنمية مهارات التّفكير العليا، ورفع مستوى الدّافعيّة والانخراط في التّعلّم، وتحسين جودة التّقويم (Mallick & Das, 2025؛ Suyitno & Dalhari, 2025)، وكذلك فإنّ هناك ارتباط إيجابي بين توظيف التكنولوجيا التّعليميّة وتحسن نواتج التّعلّم، إلّا أنّ هذا الارتباط غالبًا ما يكون مشروطًا بجودة الممارسات التّدريسيّة ومستوى جاهزيّة المعلمين (Hu & Hu, 2022؛ Irwanto, 2024).
وانطلاقًا من ذلك، تتجه هذه المقالة إلى دراسة العلاقة بين توظيف التكنولوجيا التّعليميّة وجودة نواتج التّعلّم في التّعليم الثانوي، مع التّركيز على الجاهزيّة التّدريبيّة للمعلمين بوصفها متغيرًا وسيطًا يسهم في تفسير هذه العلاقة، وذلك في سياق ثانويات الضاحية الجنوبيّة لمدينة بيروت التي تمثل بيئة تعليميّة تواجه تحدّيات متعددة في ظل الأزمات الراهنة.
على الرّغم من التّوسع الملحوظ في استخدام التكنولوجيا التّعليميّة في المدارس الثانوية، تشير الأدبيّات إلى وجود فجوة واضحة بين توفر التكنولوجيا وبين فاعليّة توظيفها تربويًا داخل الصّفوف الدّراسيّة، فقد أظهرت دراسات عدة أنّ كثيرًا من المعلمين يستخدمون التكنولوجيا بصورة محدودة أو تقليديّة، من دون أن ينعكس ذلك بصورة ملموسة على جودة التّعلّم أو نواتجه (Dinçer, 2024؛ Hamid et al, 2025)، ويُعزى هذا القصور، في جانب منه، إلى ضعف الجاهزيّة التّدريبيّة، وعدم كفاية برامج التّطوير المهني، أو غياب الدّعم المؤسسي الكافي (Baytar et al, 2023؛ Warsi & Rani, 2024).
كما تُظهر الأدبيّات تباينًا في نتائج الدّراسات المتعلقة بأثر التكنولوجيا التّعليميّة على نواتج التّعلّم، إذ تؤكد بعض الدّراسات وجود أثر إيجابي واضح، في حين تشير دراسات أخرى إلى أنّ هذا الأثر يظل محدودًا أو غير مباشر، ويتوسطه عدد من العوامل التّربويّة والمهنيّة (Avedzi, 2025؛ Hu & Hu, 2022)، ويعكس هذا التّباين الحاجة إلى دراسة المتغيرات الوسيطة التي تفسر العلاقة بين التكنولوجيا التّعليميّة وجودة نواتج التّعلّم، وفي مقدمتها الجاهزيّة التّدريبيّة للمعلمين.
وفي السّياق اللبناني، ولا سيما في ثانويات الضاحيّة الجنوبيّة لمدينة بيروت، تتفاقم هذه الإشكاليّة في ظل الأزمات الاقتصاديّة والتّعليميّة الراهنة التي فرضت تحديات إضافيّة على المعلمين والمدارس فيما يتعلق بالتّدريب، والبنيّة التّحتيّة، وعلى الرّغم من الجهود المبذولة لتوظيف التكنولوجيا التّعليميّة، لا تزال التّساؤلات قائمة حول مدى فاعليّة هذا التّوظيف، ودور الجاهزيّة التّدريبيّة في تعظيم أثره على جودة نواتج التّعلّم.
وانطلاقًا مما سبق، تتحدد إشكاليّة هذه الدّراسة في محاولة الإجابة عن السؤال الإشكالي الآتي: إلى أي مدى يسهم توظيف التكنولوجيا التّعليميّة في تحسين جودة نواتج التّعلّم في التّعليم الثانوي، وما دور الجاهزيّة التّدريبيّة للمعلمين في تعزيز هذا الأثر في ثانويات الضاحيّة الجنوبيّة لمدينة بيروت؟
- ما مستوى توظيف التكنولوجيا التّعليميّة، والجاهزيّة التّدريبيّة، وجودة نواتج التّعلّم في ثانويات الضاحية الجنوبيّة لبيروت؟
- ما طبيعة العلاقة بين توظيف التكنولوجيا التّعليميّة وجودة نواتج التّعلّم؟
- ما طبيعة العلاقة بين الجاهزيّة التّدريبيّة وجودة نواتج التّعلّم؟
- ما دور الجاهزيّة التّدريبيّة في تعزيز أثر توظيف التكنولوجيا التّعليميّة على جودة نواتج التّعلّم؟
توجد علاقة ذات دلالة إحصائيّة بين توظيف التكنولوجيا التّعليميّة وجودة نواتج التّعلّم في ثانويات الضاحية الجنوبيّة لبيروت، وتتعزّز هذه العلاقة بارتفاع مستوى الجاهزيّة التّدريبيّة لدى المعلمين.
تنبع أهمّيّة هذه الدّراسة من تناولها أحد القضايا التّربويّة المعاصرة المرتبطة بتوظيف التكنولوجيا التّعليميّة في التّعليم الثانوي، ولا سيما في سياق الأزمات التّعليميّة، وتتمثل أهمّيتها النّظريّة في إسهامها في إثراء الأدبيّات التّربويّة التي تناولت العلاقة بين التكنولوجيا التّعليميّة وجودة نواتج التّعلّم، من خلال إبراز دور الجاهزيّة التّدريبيّة للمعلمين بوصفها متغيرًا وسيطًا يفسّر هذه العلاقة، أما على الصّعيد التّطبيقي، فتتجلى أهمّيّة الدّراسة في توفير بيانات ميدانيّة يمكن الإفادة منها في توجيه برامج التّدريب المهني للمعلمين، ودعم صانعي القرار التّربوي في تطوير سياسات توظيف التكنولوجيا التّعليميّة بما يعزز جودة المخرجات التّعليميّة في المرحلة الثانوية.
تسعى الدّراسة إلى تقصّي العلاقة بين توظيف التكنولوجيا التّعليميّة وجودة نواتج التّعلّم، وقياس دور الجاهزيّة التّدريبيّة للمعلمين بوصفها عاملًا مفسّرًا في ثانويات الضاحية الجنوبية لمدينة بيروت.
على الرّغم من وفرة الدّراسات التي تناولت توظيف التكنولوجيا التّعليميّة أو تدريب المعلمين كلًّا على حدا، تشير الأدبيّات إلى محدودية الدّراسات التي عالجت الجاهزيّة التّدريبيّة للمعلمين بوصفها متغيرًا وسيطًا في العلاقة بين توظيف التّكنولوجيا التّعليميّة وجودة نواتج التّعلّم، لا سيما في التّعليم الثانوي وفي السّياقات التّعليميّة المتأثرة بالأزمات. كما تفتقر البيئة التّعليميّة اللبنانيّة، وبشكل خاص ثانويات الضاحية الجنوبيّة لمدينة بيروت، إلى دراسات ميدانيّة حديثة ترصد هذه العلاقة بصورة تكامليّة، وهو ما تسعى هذه الدّراسة إلى معالجته.
يتجلى جديد هذه الدّراسة في تناولها العلاقة بين توظيف التّكنولوجيا التّعليميّة وجودة نواتج التّعلّم من منظور تفاعلي يدمج الجاهزيّة التّدريبيّة للمعلمين بوصفها متغيرًا وسيطًا، وليس مجرد متغير مستقل أو تابع، كما تتميز الدّراسة بتطبيقها الميداني في سياق تعليمي يعاني من تحديات اقتصاديّة وتعليميّة مركّبة، ما يضفي بعدًا واقعيًا على نتائجها، ويعزز إمكانيّة الإفادة منها في تطوير ممارسات وسياسات تعليميّة قائمة على الأدلّة.
اعتمدت الدّراسة المنهج الوصفي الارتباطي، لملاءمته طبيعة أهدافها التي تسعى إلى وصف مستوى توظيف التكنولوجيا التّعليميّة والجاهزيّة التّدريبيّة وجودة نواتج التّعلّم، وكشف طبيعة العلاقات بينها، وتحليل الدّور الوسيط للجاهزية التّدريبيّة. وجُمِعت البيانات باستخدام استبانة موجّهة إلى معلمي الثانويات، ثم حُلِّلت إحصائيًا باستخدام الأساليب المناسبة للإجابة عن أسئلة الدّراسة واختبار فرضيتها.
أصبحت التّكنولوجيا التّعليميّة أحد المرتكزات الأساسيّة في تطوير النُّظم التّعليميّة المعاصرة، ولا سيما في مرحلة التّعليم الثانوي التي تُعدّ مرحلة مفصليّة في المسار التّعليمي للمتعلمين في بناء المعرفة، وتنمية المهارات العليا، والاستعداد للتّعليم الجامعي أو سوق العمل. وقد تزايد الاهتمام بتوظيف التكنولوجيا التّعليميّة خلال العقد الأخير نتيجة التّحوّلات الرقميّة العالميّة، وتسارع الابتكار التكنولوجي، إضافة إلى الأزمات التّعليميّة التي فرضت أنماطًا جديدة من التّعليم، مثل التّعليم من بُعد والتّعليم المدمج (Ghavifekr & Rosdy, 2015). غير أنّ الأدبيّات التّربويّة الحديثة تشير إلى أنّ إدخال التكنولوجيا إلى البيئات التّعليميّة لا يؤدي بالضرورة إلى تحسين جودة التّعليم أو نواتج التّعلّم بصورة تلقائيّة، فقد أظهرت دراسات أنّ التّركيز المفرط على توفير الأجهزة والمنصات الرقميّة، من دون الاهتمام بكيفيّة توظيفها تربويًا، قد يفضي إلى استخدام شكلي أو تقني محدود الأثر (Li et al., 2019؛ Avedzi, 2025)، ويعكس هذا التّوجه انتقال البحث التّربوي من سؤال “ما التكنولوجيا المتاحة؟” إلى سؤال أكثر عمقًا هو “كيف تُستخدم التكنولوجيا داخل الصفّ لتحقيق تعلم ذي جودة؟”. في هذا السّياق، برز مفهوم الاندماج التّربوي للتكنولوجيا التّعليميّة بوصفه مدخلًا يربط بين الأدوات الرّقميّة والممارسات التّدريسيّة الفعّالة. ويؤكد هذا المدخل أنّ التكنولوجيا التّعليميّة تصبح ذات قيمة تربويّة عندما تُدمج ضمن استراتيجيات تعليميّة واضحة، وتُستخدم لدعم التّفاعل، وتنمية التّفكير، وتحسين التّقويم، لا عندما تقتصر على عرض المحتوى أو استبدال الوسائل التّقليديّة بوسائل رقميّة فقط (Hu & Hu, 2022). وتشير الأدبيّات كذلك إلى أنّ المعلم يُعدّ الفاعل الرئيس في عملية دمج التكنولوجيا التّعليميّة، وأن نجاح هذا الدّمج يعتمد بدرجة كبيرة على مستوى جاهزيته المهنيّة والتّدريبيّة. فالمعلمون الذين يمتلكون كفايات رقميّة مناسبة، واتجاهات إيجابيّة نحو التّكنولوجيا، وثقة بقدرتهم على استخدامها، يكونون أكثر قدرة على توظيفها توظيفًا تربويًا ينعكس إيجابًا على تعلم الطلاب (Peng et al., 2023؛ Ghazali et al., 2023). وفي المقابل، فإنّ ضعف الجاهزيّة التّدريبيّة قد يحول دون الاستفادة من الإمكانات التّربويّة للتكنولوجيا، حتى في البيئات التي تتوافر فيها بنية تحتيّة تقنيّة مناسبة (Hamid et al, 2025؛ Dinçer, 2024). ومن هنا، تبرز الجاهزيّة التّدريبيّة للمعلمين بوصفها متغيرًا محوريًا في تفسير العلاقة بين توظيف التّكنولوجيا التّعليميّة وجودة نواتج التّعلّم. فقد أظهرت دراسات عديدة أن التّدريب المهني المستمر، ولا سيما التّدريب الذي يجمع بين الجوانب التّقنية والبيداغوجيّة، يسهم في رفع مستوى الجاهزيّة المهنيّة، ويعزز الثّقة الذّاتيّة للمعلمين، ويُحسّن ممارساتهم التّدريسيّة المعتمدة على التكنولوجيا (Olurinola & Olugbade, 2024؛ Meisuri et al., 2024). أمّا جودة نواتج التّعلّم، فهي المعيار النّهائي للحكم على فاعليّة أي تدخل تربوي، بما في ذلك توظيف التكنولوجيا التّعليميّة. وتشمل جودة النّواتج، في سياق التّعليم الثانوي، جوانب متعددة تتجاوز التّحصيل الأكاديمي لتشمل تنمية مهارات التّفكير العليا، والدّافعيّة للتّعلم، والقدرة على توظيف المعرفة في مواقف جديدة (Mallick & Das, 2025؛ Suyitno & Dalhari, 2025)، وإنّ تحسين هذه النّواتج يتطلب مقاربة تكامليّة تنظر إلى التّكنولوجيا التّعليميّة، والتّدريب، والممارسات التّدريسيّة بوصفها عناصر مترابطة داخل منظومة تعليميّة واحدة.
وانطلاقًا مما سبق، يستند هذا الإطار النّظري إلى تحليل الأدبيّات التّربويّة التي تناولت توظيف التكنولوجيا التّعليميّة في التّعليم الثانوي، ودور الجاهزيّة التّدريبيّة للمعلمين، وعلاقتهما بجودة نواتج التّعلّم، تمهيدًا لبناء تصور نظري يفسّر العلاقات بين متغيرات الدّراسة الحاليّة ويُبرّر اختيارها في السّياق الميداني.
10.1. توظيف التكنولوجيا التّعليميّة في التّعليم الثانوي
10.1.1. المفهوم والتّطور في الفكر التربوي المعاصر
يشير مفهوم توظيف التكنولوجيا التّعليميّة في التّعليم الثانوي إلى الاستخدام المنهجي والمتعمد للأدوات الرقميّة؛ والوسائط التكنولوجيّة في دعم عمليتي التّعليم والتّعلّم بما يحقق الأهداف التّربويّة المرجوة. وقد شهد هذا المفهوم تطورًا ملحوظًا في الفكر التّربوي المعاصر، إذ انتقل من التّركيز على الجوانب التّقنيّة والإجرائيّة، مثل توفير الحواسيب والسّبّورات الذّكيّة، إلى التّركيز على الاندماج التّربوي العميق للتكنولوجيا ضمن الممارسات الصّفيّة (Ghavifekr & Rosdy, 2015؛ Li et al, 2019).
وتؤكد الأدبيّات أنّ التكنولوجيا التّعليميّة لا تُعدّ عنصرًا فاعلًا في تحسين التّعليم ما لم تُوظَّف ضمن إطار بيداغوجي واضح يراعي طبيعة المتعلمين وأهداف المنهاج. فقد بيّنت دراسات عديدة أنّ الاقتصار على الاستخدام التقني للتّكنولوجيا يؤدي إلى أثر تعليمي محدود، بينما يسهم الاندماج التّربوي الواعي في تحسين جودة التّدريس وتعزيز تعلم الطلاب (Shah, 2022؛ Avedzi, 2025). ويُعزى هذا التّحوّل المفاهيمي إلى إدراك متزايد بأن التكنولوجيا ليست غاية في ذاتها، بل وسيلة داعمة للتعلّم الفعّال.
كما ارتبط تطور مفهوم توظيف التكنولوجيا التّعليميّة بتنامي الاعتماد على أطر نظريّة تفسّر هذا التّوظيف، مثل إطار المعرفة التّكنولوجيّة والبيداغوجيّة ومعرفة المحتوى الذي يؤكد ضرورة التّكامل بين المعرفة التّقنيّة والمعرفة التّربويّة، ومحتوى المادة الدّراسيّة لتحقيق توظيف فعّال للتكنولوجيا داخل الصّف (Raper, 2019؛ Mansour et al., 2024).
10.1.2. أنماط توظيف التكنولوجيا التّعليميّة في التّعليم الثانوي
تتعدد أنماط توظيف التكنولوجيا التّعليميّة في التّعليم الثانوي وفقًا لأهداف التّدريس وطبيعة المادة الدّراسيّة والسّياق التّعليمي، ومن أبرز هذه الأنماط استخدام التكنولوجيا في عرض المحتوى التّعليمي وتنظيمه من خلال العروض التّفاعليّة والمنصّات الرّقميّة، واستخدامها في دعم التّفاعل الصّفي عبر أدوات النِّقاش الإلكتروني، إضافة إلى توظيفها في التّعلّم التّعاوني والمشروعات الرّقميّة (Irwanto, 2024؛ Flores et al., 2024). وتشير الأدبيّات إلى أنّ أكثر أنماط التّوظيف فاعليّة هي تلك التي تعزز التّعلّم المتمركز حول الطالب، إذ تُستخدم التكنولوجيا لتشجيع البحث الذّاتي، والتّفكير النّقدي، وحلّ المشكلات، بدل الاقتصار على نقل المعرفة بصورة أحاديّة (Hu & Hu, 2022؛ Suyitno & Dalhari, 2025)، كما أظهرت بعض الدّراسات أن التّعليم المدمج الذي يجمع بين التّعليم الحضوري والتّعليم الرّقمي، يمثل نموذجًا فعالًا لتوظيف التكنولوجيا في التّعليم الثانوي، خاصة في البيئات التي تواجه تحديات تعليميّة أو أزمات طارئة (Shin & Park, 2023). وتكشف نتائج دراسات أخرى تفاوت في مستوى توظيف التكنولوجيا التّعليميّة بين التّخصصات المختلفة، إذ تميل المواد العلميّة، ولا سيما العلوم والرّياضيات، إلى مستويات أعلى من الاندماج التكنولوجي مقارنة ببعض المواد الأدبيّة، وهو ما يعكس اختلاف طبيعة المحتوى ومتطلبات التّدريس (Baytar et al., 2023؛ Noor & Azman, 2023).
10.1.3.معوقات توظيف التكنولوجيا التّعليميّة في التّعليم الثانوي
على الرّغم من الإمكانات التّربويّة الكبيرة للتكنولوجيا التّعليميّة، تشير الأدبيّات إلى وجود مجموعة من المعوقات التي تحدّ من توظيفها الفعّال في التّعليم الثانوي، وتتمثل هذه المعوقات في ضعف البنية التّحتيّة التّقنيّة، وقلة الموارد الرّقميّة، ومحدوديّة الوصول إلى الإنترنت، لا سيما في البيئات التّعليميّة ذات الموارد المحدودة (Niyibizi, 2025؛ Hamid et al., 2025). كما يُعدّ ضعف التّدريب المهني وعدم كفاية الدّعم الفني؛ والإداري من أبرز العوامل التي تعيق دمج التكنولوجيا التّعليميّة، إذ أظهرت دراسات عدة أن المعلمين الذين لا يتلقون تدريبًا مستمرًا أو دعمًا مؤسسيًا كافيًا يميلون إلى استخدام التكنولوجيا استخدامًا محدودًا أو تقليديًا (Warsi & Rani, 2024)، وتضاف إلى ذلك معوقات ذات طابع نفسي ومهني، مثل انخفاض الثقة الذاتية، والمقاومة للتغيير، والاتجاهات السّلبيّة نحو التكنولوجيا والتي تؤثر بصورة مباشرة في نوايا الاستخدام ومستوى الاندماج التّربوي (Ghazali et al, 2023؛ Aytaç et al, 2024).
10.1.4.شروط فاعليّة توظيف التكنولوجيا التّعليميّة
تؤكد الأدبيّات التّربويّة أنّ فاعليّة توظيف التكنولوجيا التّعليميّة في التّعليم الثانوي تتطلب توافر مجموعة من الشروط المتكاملة، في مقدمتها الجاهزيّة التّدريبيّة للمعلمين، وتوافر برامج تدريب مهني مستمرة تدمج الجوانب التّقنيّة والبيداغوجيّة (Olurinola & Olugbade, 2024)، كما يُعدّ الدعم المؤسسي، المتمثل في القيادة المدرسية الداعمة، وتوفير البنية التّحتيّة، وتشجيع مجتمعات التّعلّم المهنيّة، عنصرًا حاسمًا في إنجاح دمج التكنولوجيا التّعليميّة (Amemasor et al., 2025؛ Benjamin & Dangwal, 2025).
وتخلص الأدبيّات إلى أنّ توظيف التكنولوجيا التّعليميّة في التّعليم الثانوي يُعدّ عملية مركبة تتجاوز مجرد استخدام الأدوات الرّقميّة، لتشمل إعادة تصميم الممارسات التّدريسيّة في ضوء إمكانات التكنولوجيا، وهو ما يستحوذ على دور محوري للمعلم بوصفه الفاعل الأساس في هذه العمليّة.
10.2. الجاهزيّة التّدريبيّة للمعلمين
10.2.1. مفهوم الجاهزيّة التّدريبيّة في الأدبيّات التّربويّة
تشير الجاهزيّة التّدريبيّة للمعلمين إلى مستوى الاستعداد المهني، والنّفسي والمعرفي الذي يمكّن المعلم من الاستفادة من برامج التّدريب وتطبيق مخرجاتها في الممارسات الصّفيّة، ولا سيما في مجال توظيف التكنولوجيا التّعليميّة، ويُعدّ هذا المفهوم أكثر شمولًا من مفهوم التّدريب ذاته، إذ لا يقتصر على حضور الدّورات أو اكتساب المهارات التّقنيّة، بل يتضمن استعدادًا داخليًا لتبنّي ممارسات تعليميّة جديدة، والتّكيّف مع التّحوّلات التكنولوجية في التّعليم (Galaraga & Alpuerto, 2022؛ Peng et al., 2023).
وتؤكد الأدبيّات أنّ الجاهزيّة التّدريبيّة تُعدّ شرطًا مسبقًا لتحويل المعرفة النّظريّة المكتسبة في التّدريب إلى ممارسة تعليميّة فعليّة، فقد أظهرت دراسات عدة أنّ المعلمين قد يمتلكون معرفة تقنيّة أساسيّة، لكنهم يفتقرون إلى الجاهزيّة المهنيّة التي تمكّنهم من دمج هذه المعرفة في السّياق الصّفي بفاعليّة (Baytar et al., 2023؛ Rahman, 2024)، ويعكس هذا التّمييز أهمّيّة النّظر إلى الجاهزيّة التّدريبيّة بوصفها حالة ديناميكيّة تتأثر بعوامل فرديّة ومؤسسيّة في آن واحد.
10.2.2. أبعاد الجاهزيّة التّدريبيّة المرتبطة بتوظيف التكنولوجيا التّعليميّة
تتكون الجاهزيّة التّدريبيّة للمعلمين من مجموعة من الأبعاد المتداخلة التي تؤثر مجتمعة في قدرتهم على توظيف التكنولوجيا التّعليميّة. ويُعدّ البعد المعرفي أحد هذه الأبعاد، ويتمثل في معرفة المعلم بالأدوات الرّقميّة والمنصات التّعليميّة وإمكاناتها التّربويّة. وتشير الأدبيّات إلى أنّ المعرفة التّقنيّة وحدها غير كافية، ما لم تقترن بفهم تربوي لكيفيّة توظيف التكنولوجيا في دعم التّعلّم (Li et al., 2019؛ Mansour et al., 2024). ويتمثل البعد الثاني في البعد المهاري الذي يشير إلى قدرة المعلم على استخدام الأدوات الرّقميّة استخدامًا عمليًا داخل الصف، وتصميم أنشطة تعليميّة مدعومة بالتكنولوجيا. وقد بيّنت دراسات عديدة أن ضعف المهارات التّطبيقيّة يشكّل أحد معوقات توظيف التكنولوجيا التّعليميّة المهمّة، حتى لدى المعلمين الذين يمتلكون اتجاهات إيجابيّة نحوها (Dinçer, 2024؛ Gul et al., 2024). أمّا البعد الاتجاهي والدافعي، فيُعدّ من أكثر الأبعاد تأثيرًا في الجاهزيّة التّدريبيّة، إذ إن اتجاهات المعلمين نحو التكنولوجيا، وثقتهم بقدرتهم على استخدامها، تؤدي دورًا حاسمًا في نوايا الاستخدام ومستوى الاندماج التّربوي (Ghazali et al., 2023)، ويُضاف إلى ذلك بعد الكفاءة الذّاتيّة الذي يشير إلى اعتقاد المعلم، بقدرته على النّجاح في توظيف التكنولوجيا والذي ثبت ارتباطه الإيجابي بممارسات الدّمج التّربوي (Pambudi et al, 2024؛ Peng et al, 2023). ويبرز كذلك البعد المؤسسي للجاهزية التّدريبيّة الذي يتمثل في الدعم الإداري، وتوافر فرص التّدريب، وتوفير بيئة مدرسيّة مشجّعة على الابتكار، فإن الجاهزيّة التّدريبيّة لا يمكن أن تُفهم بمعزل عن السِّياق المدرسي الذي يعمل فيه المعلم، إذ يسهم الدّعم المؤسسي في تعزيز الاستعداد المهني وتحويل التّدريب إلى ممارسة مستدامة (Benjamin & Dangwal, 2025؛ Flores et al, 2024).
10.2.3. دور التّدريب والتّطوير المهني في تعزيز الجاهزيّة التّدريبيّة
تجمع الأدبيّات على أنّ التّدريب المهني المستمر، يُعدّ العامل الأبرز في رفع مستوى الجاهزيّة التّدريبيّة للمعلمين في مجال توظيف التكنولوجيا التّعليميّة، فقد أظهرت دراسات متعددة أنّ البرامج التّدريبيّة التي تجمع بين الجوانب التّقنيّة والبيداغوجيّة، وتُقدَّم بصورة تطبيقيّة، تسهم في تحسين كفايات المعلمين الرّقميّة وتعزيز ثقتهم المهنيّة (Olurinola & Olugbade, 2024؛ 2024). كما إنّ فعاليّة التّدريب ترتبط بطبيعته واستمراريته، إذ أثبتت البرامج القصيرة أو المعزولة محدوديّة أثرها في تحسين الممارسات الصّفيّة، في حين تسهم البرامج المستمرة القائمة على المتابعة والتّغذية الرّاجعة في تحقيق أثر أعمق وأكثر استدامة (Shin & Park, 2023)، ويبرز في هذا السّياق دور مجتمعات التّعلّم المهنيّة في دعم الجاهزيّة التّدريبيّة، من خلال تعزيز التّعلّم التّعاوني وتبادل الخبرات بين المعلمين (Amemasor et al., 2025؛ Ji et al, 2024).
10.2.4. الجاهزيّة التّدريبيّة في سياقات الأزمات التّعليميّة
تُظهر الأدبيّات الحديثة أنّ أهمّيّة الجاهزيّة التّدريبيّة تزداد في سياقات الأزمات التّعليميّة، مثل الأزمات الصّحيّة أو الاقتصاديّة أو الأمنيّة، إذ يُطلب من المعلمين التكيّف السّريع مع أنماط تعليميّة جديدة تعتمد بدرجة كبيرة على التّكنولوجيا التّعليميّة (Suárez et al., 2024؛ Baytar et al, 2023)، وقد كشفت هذه السّياقات عن فجوات واضحة في جاهزيّة المعلمين، وأكدت الحاجة إلى سياسات تتدربيّة استباقيّة تركز على بناء الجاهزيّة لا على الاستجابة الآنية فقط، وكذلك فإنّ الجاهزيّة التّدريبيّة للمعلمين تُعدّ متغيرًا حاسمًا في تفسير نجاح أو إخفاق توظيف التكنولوجيا التّعليميّة في التّعليم الثانوي، وأنّ تعزيز هذه الجاهزيّة يتطلب مقاربة شموليّة تراعي الأبعاد الفرديّة والمؤسسيّة والتّدريبيّة في آن واحد.
10.3. جودة نواتج التّعلّم في التّعليم الثانوي
10.3.1. مفهوم جودة نواتج التّعلّم وأهميته في المرحلة الثانوية
تُعد جودة نواتج التّعلّم من المفاهيم المركزيّة في الدّراسات التّربويّة المعاصرة، لأنّها تمثل المعيار النِّهائي للحكم على فاعليّة العمليّة التّعليميّة ومخرجاتها، ويقصد بها مستوى تحقق الأهداف التّعليميّة لدى المتعلمين بصورة قابلة للملاحظة والتّقويم، بما يشمل جوانب معرفيّة ومهاريّة ووجدانيّة، وفي التّعليم الثانوي تحديدًا، تكتسب جودة النواتج أهمّيّة مضاعفة لأنّها ترتبط بمرحلة انتقاليّة حاسمة نحو التّعليم العالي أو سوق العمل، ما يفرض أن تتجاوز النواتج حدود الحفظ والاستظهار إلى بناء الفهم العميق، وتطوير مهارات التّفكير، والقدرة على تطبيق المعرفة في مواقف جديدة (Mallick & Das, 2025؛ Suyitno & Dalhari,2025).
وتشير الأدبيّات إلى أنّ التّركيز على الجودة يعكس تحوّلًا في النّظرة إلى التّعليم من كونه عمليّة “تغطية محتوى” إلى كونه عمليّة “تحقيق مخرجات” تتصل بقدرات المتعلم على التّحليل والتّفسير وحلّ المشكلات والتّعلّم الذّاتي، ومن هنا يصبح السّؤال حول جودة نواتج التّعلّم وثيق الصّلة بأي نقاش يتعلق بتوظيف التكنولوجيا التّعليميّة، لأنّ التكنولوجيا لا تُقيَّم بحد ذاتها، بل بمدى إسهامها في رفع جودة التّعلّم.
10.3.2. مؤشرات جودة نواتج التّعلّم في التّعليم الثانوي
تتعدد مؤشرات جودة نواتج التّعلّم في المرحلة الثانوية، وغالبًا ما تجمع الأدبيّات بين مؤشرات أكاديميّة مباشرة وأخرى تربويّة- سلوكيّة داعمة، ويأتي التّحصيل الأكاديمي والفهم المفاهيمي في مقدمة هذه المؤشرات، إذ تنظر دراسات عدّة إلى تحسن الأداء الأكاديمي بوصفه مؤشرًا أساسيًا على جودة التّعلّم، خاصة عندما يقترن بفهم أعمق للمفاهيم وليس بتحصيل صوري (Ghavifekr & Rosdy, 2015؛ Irwanto, 2024).
إلى جانب ذلك، تبرز مؤشرات مرتبطة بالمهارات العليا مثل التّفكير النّاقد، وحلّ المشكلات، والقدرة على توظيف المعرفة في سياقات جديدة، وتؤكد الأدبيّات أنّ كثيرًا من نماذج التّعليم المعزز بالتّكنولوجيا يمكن أن تسهم في تطوير هذه المهارات عندما تُصمم الأنشطة الرّقميّة بما يثير عمليّات التّفكير، ويعزز التّفاعل، ويدعم التّعلّم النّشط (Hu & Hu, 2022؛ Suyitno & Dalhari, 2025).
كما تعد الدّافعيّة والانخراط في التّعلّم من المؤشرات المهمّة لجودة النواتج، إذ ترتبط الجودة بتوفر بيئة تعلم مشجعة تقلل من السلبيّة والانسحاب وتزيد من التّفاعل والمشاركة، وتشير بعض الدّراسات إلى أنّ التكنولوجيا التّعليميّة قد ترتبط بارتفاع مستويات الانخراط، والتّحفيز لدى الطلاب عندما تُستخدم ضمن استراتيجيات تدريسيّة تفاعليّة (Avedzi, 2025؛ Niyibizi, 2025).
ويضاف إلى ذلك مؤشر جودة التّقويم، إذ إنّ تقويم التّعلّم لا يقتصر على رصد الدّرجات، بل يشمل تنوع أدوات التّقويم وشفافيتها وقدرتها على تقديم تغذية راجعة تساعد على تحسين التّعلّم، وتُظهر الأدبيّات أن توظيف التكنولوجيا في التقويم يمكن أن يدعم هذا الاتجاه عبر الاختبارات الإلكترونيّة، وبنوك الأسئلة، والتّغذية الراجعة السّريعة، شريطة أن تكون الممارسات مبنيّة على اعتبارات تربويّة لا على سهولة الإجراء فقط (Shin & Park, 2023؛ Flores et al., 2024).
10.3.3. قياس جودة نواتج التّعلّم في الدّراسات التّربويّة: تحديات ومقاربات
تطرح الدّراسات إشكاليّة منهجيّة تتعلق بكيفيّة قياس جودة نواتج التّعلّم، إذ تتباين الدّراسات بين اعتماد مقاييس مباشرة (مثل بيانات التّحصيل والاختبارات المعياريّة) وبين الاعتماد على مقاييس غير مباشرة (مثل تصورات المعلمين أو الطلاب)، إذ تشير بعض الدّراسات إلى أنّ القياسات المباشرة تمنح درجة أعلى من الدّقة عند ربط التكنولوجيا التّعليميّة بالأثر على التّحصيل، إلّا أنّ استخدامها ليس دائمًا متاحًا في الدّراسات الميدانيّة بسبب صعوبات الوصول إلى البيانات أو عدم توحيد أدوات القياس بين المدارس (Avedzi, 2025). وفي المقابل، يُعدّ القياس عبر تصوّرات المعلمين أو الطلاب شائعًا في الدّراسات التي تتناول العلاقة بين التكنولوجيا التّعليميّة وممارسات التّدريس وجودة التّعلّم، لأنّه يتيح التقاط أبعاد لا تظهر في نتائج الاختبارات وحدها، مثل الانخراط، وتحسن التّفاعل، ونوعيّة التّعلّم داخل الصف، غير أنّ هناك تحذير من الاعتماد المفرط على القياس الذاتي بسبب احتمالات التّحيز الاجتماعي أو تضخيم التّقدير، ما يستدعي التّعامل معه ضمن حدود منهجيّة واضحة (Avedzi, 2025؛ Gul et al, 2024).
وتشير الأدبيّات أيضًا إلى أنّ أثر التكنولوجيا على جودة نواتج التّعلّم غالبًا ما يكون غير مباشر، إذ يتوسطه عامل جودة الممارسات التّدريسيّة، ومدى قدرة المعلم على استخدام التكنولوجيا في دعم أهداف الدرس، وهو ما يجعل قياس الجودة أكثر ارتباطًا بكيفية التّوظيف التربوي للتكنولوجيا لا بمجرد استخدامها (Hu & Hu, 2022؛ Li et al, 2019).
10.3.4. ارتباط جودة نواتج التّعلّم بتوظيف التّكنولوجيا والجاهزيّة التّدريبيّة
إنّ جودة نواتج التّعلّم لا تتحسن بمجرد إدخال التكنولوجيا التّعليميّة، بل تتحسن عندما تُستخدم التّكنولوجيا ضمن منظومة تدريسيّة فاعلة يقودها معلم جاهز تدريبيًّا وقادر على دمج التكنولوجيا بصورة هادفة، وأن هناك وجود ارتباطات إيجابيّة بين الاندماج التّربوي للتكنولوجيا وبين مؤشرات مثل التّحصيل والانخراط، إلّا أنّ هذا الارتباط يكون أقوى في السّياقات التي يُدعَم فيها المعلمون بالتّدريب المستمر وبالدّعم المؤسسي (Olurinola & Olugbade, 2024). وعليه، فإن جودة نواتج التّعلّم بالتّعليم الثانوي تُفهم بصورة أدق عندما تُدرَس ضمن علاقة مركبة تجمع بين طبيعة توظيف التكنولوجيا التّعليميّة ومستوى الجاهزيّة التّدريبيّة للمعلمين، وهو ما يمهّد للانتقال لمناقشة العلاقة بين المتغيرات الثلاثة ضمن إطار نظري تفسيري متكامل.
وفي الختام، يتضح من خلال عرض الأدبيّات التّربويّة أن توظيف التكنولوجيا التّعليميّة في التّعليم الثانوي يُعدّ عملية تربوية مركّبة لا تقتصر على إدخال الأدوات الرقميّة إلى البيئة الصفية، بل تستلزم توافر مقومات مهنيّة وتنظيميّة تضمن اندماجها التّربوي الفعّال، فقد أكدت الدّراسات أن فاعليّة هذا التوظيف ترتبط بدرجة كبيرة بجاهزيّة المعلمين تدريبيًّا، بما تشملـه من كفايات رقميّة، ومهارات تطبيقيّة، واتجاهات إيجابيّة، ودعم مؤسسي مستمر، وهي عناصر تسهم مجتمعة في تحويل التكنولوجيا من وسيلة تقنية إلى أداة تعليميّة فاعلة.
كما أظهرت الأدبيّات أن جودة نواتج التّعلّم في المرحلة الثانوية لا تتحقق بصورة مباشرة نتيجة استخدام التكنولوجيا التّعليميّة، بل تتأثر بطبيعة الممارسات التّدريسيّة التي يقودها المعلم، وبمدى قدرته على توظيف التكنولوجيا في دعم التّعلّم النشط، وتنمية مهارات التّفكير، وتعزيز دافعيّة المتعلمين، وفي هذا السّياق، تبرز الجاهزيّة التّدريبيّة بوصفها متغيرًا وسيطًا يفسّر العلاقة بين توظيف التكنولوجيا التّعليميّة وجودة نواتج التّعلّم، إذ تسهم في تعظيم الأثر التربوي للتكنولوجيا عندما تكون مرتفعة، وتحدّ منه عندما تكون منخفضة.
وانطلاقًا من هذا الإطار النظري، الذي أبرز أوجه الترابط بين المتغيرات الثلاثة، ننتقل إلى الجانب الميداني للدّراسة، بهدف اختبار هذه العلاقة في واقع ثانويات الضاحية الجنوبيّة لبيروت، وتحليل مستوى توظيف التكنولوجيا التّعليميّة، والجاهزيّة التّدريبيّة لدى المعلمين، وأثر ذلك في جودة نواتج التّعلّم من خلال البيانات الميدانيّة التي جُمِعت وحُلِّلت إحصائيًا.
11. الإطار الميداني
11.1. مجتمع الدّراسة وعينتها:
تكوّن مجتمع الدّراسة من معلمي التّعليم الثانوي في تسع ثانويات مختارة من الضاحية الجنوبية لمدينة بيروت، وبلغ عددهم نحو 560 معلمًا ومعلمة، أمّuyitno & Dalhari, تم الا عينة الدّراسة فقد بلغت 126 معلمًا ومعلمة، اختيروهمتيالغت 126 معلمًا ومعلمة، تم بطريقة العينة المتيسّرة، بما يعادل نحو 22.5% من مجتمع الدّراسة.
ويُشار إلى أن الدّراسة لا تدّعي تمثيل جميع معلمي ثانويات الضاحية الجنوبيّة، نظرًا لعدم شمول الثانويات جميعها، وإنما تقتصر نتائجها على الثانويات التسع محل الدّراسة، وهو ما ينسجم مع طبيعة الدّراسات الوصفية الارتباطية وحدودها المنهجية.
11.2. أداة الدّراسة:
تكوّنت أداة الدّراسة (الاستبانة) في صورتها النّهائيّة من ثلاثة محاور رئيسة، إضافة إلى قسم للبيانات العامة، وذلك على النحو الآتي:
المحور الأول: توظيف التّكنولوجيا التّعليميّة، واشتمل على (10) فقرات، هدفت إلى قياس مستوى توظيف المعلمين للأدوات والتّقنيّات الرّقميّة في التّدريس والتقويم والتّفاعل التّعليمي.
المحور الثاني: الجاهزيّة التّدريبيّة، واشتمل على (12) فقرة، هدفت إلى قياس مدى جاهزيّة المعلمين من إذ المعرفة والمهارات والاتجاهات والدّعم المؤسسي لتوظيف التكنولوجيا التّعليميّة، وقد عُدَّ هذا المحور متغيّرًا وسيطًا في الدّراسة.
المحور الثالث: جودة نواتج التّعلّم، واشتمل على (10) فقرات، هدفت إلى قياس تصورات المعلمين حول جودة نواتج التّعلّم لدى طلابهم من إذ الفهم، وتنمية المهارات، والدّافعيّة، وجودة التّقويم.
وقد استُخدم مقياس ليكرت الخماسي لتقدير استجابات أفراد العيّنة على فقرات الاستبانة.
11.3. صدق الأداة وثباتها:
للتحقّق من صدق أداة الدّراسة، اعتُمِد صدق المحتوى، إذ بُنيت الاستبانة في ضوء الإطار النّظري للدّراسة، والأدبيّات التّربويّة الحديثة ذات الصّلة بتوظيف التّكنولوجيا التّعليميّة، والجّاهزيّة التّدريبيّة، وجودة نواتج التّعلّم، بما يضمن ملاءمة فقراتها لأهداف الدّراسة وتساؤلاتها.
أمّا ثبات الأداة، فقد تُحُقِّق منه باستخدام معامل الاتساق الدّاخلي (Cronbach’s Alpha)، وذلك بعد تطبيق الاستبانة على عيّنة الدّراسة البالغة (126) معلمًا ومعلمة. وقد بلغت قيم معامل ألفا كرونباخ:
| لمحور توظيف التكنولوجيا التّعليميّة (10 فقرات) | 0.87 |
| لمحور الجاهزيّة التّدريبيّة (12 فقرة) | 0.90 |
| لمحور جودة نواتج التّعلّم (10 فقرات): | 0.92 |
وتُعدّ هذه القيم مرتفعة، وتدلُّ على تمتع أداة الدّراسة بدرجة عالية من الثّبات والاتساق الدّاخلي، مما يؤكد صلاحيتها للاستخدام في التّحليل الإحصائي واختبار فرضيّة الدّراسة.
12. عرض النّتائج وتحليلها في ضوء تساؤلات الدّراسة
12.1. نتائج تساؤل الدّراسة الأول:
ما مستوى توظيف التكنولوجيا التّعليميّة، والجاهزيّة التّدريبيّة، وجودة نواتج التّعلّم في ثانويات الضاحية الجنوبية لبيروت؟
للإجابة عن هذا التساؤل، احتُسِبت المتوسطات الحسابيّة والانحرافات المعياريّة لمتغيرات الدّراسة الثلاثة، كما هو موضح في الجدول (1).
جدول (1): المتوسطات الحسابية والانحرافات المعياريّة لمتغيرات الدّراسة
| المتغير | المتوسط الحسابي | الانحراف المعياري | مستوى التّقدير |
| توظيف التكنولوجيا التّعليميّة | 3.86 | 0.56 | مرتفع |
| الجاهزيّة التّدريبيّة | 3.61 | 0.67 | متوسط |
| جودة نواتج التّعلّم | 3.67 | 0.75 | متوسط مرتفع |
تُظهر النّتائج أنّ مستوى توظيف التكنولوجيا التّعليميّة لدى المعلمين جاء مرتفعًا، ما يشير إلى اعتماد ملحوظ على الأدوات والتّقنيات الرّقميّة في العمليّة التّعليميّة. في المقابل، جاء مستوى الجاهزيّة التّدريبيّة بدرجة متوسطة، وهو ما يعكس وجود تفاوت في استعداد المعلمين للاستفادة المثلى من التّدريب. كما أظهرت النّتائج أن مستوى جودة نواتج التّعلّم كان متوسطًا مائلًا إلى الارتفاع، مما يدل على تحسن نسبي في مخرجات التّعلّم من دون الوصول إلى المستوى المأمول.
12.2. نتائج تساؤل الدّراسة الثاني:
ما طبيعة العلاقة بين توظيف التكنولوجيا التّعليميّة وجودة نواتج التّعلّم؟
للإجابة عن هذا التساؤل، استُخدِمت معامل ارتباط بيرسون لقياس العلاقة بين توظيف التكنولوجيا التّعليميّة وجودة نواتج التّعلّم، كما يبينه الجدول (2).
جدول (2): معامل ارتباط بيرسون بين توظيف التّكنولوجيا التّعليميّة وجودة نواتج التّعلّم
| المتغيران | معامل الارتباط (r) |
| توظيف التكنولوجيا التّعليميّة × جودة نواتج التّعلّم | 0.05 |
تشير النّتائج إلى وجود علاقة ارتباطيّة موجبة ضعيفة جدًا وغير دالة إحصائيًا بين توظيف التكنولوجيا التّعليميّة وجودة نواتج التّعلّم، مما يدل على أنّ الاستخدام المباشر للتكنولوجيا التّعليميّة، بمعزل عن عوامل أخرى، لا يؤدي بالضرورة إلى تحسّن واضح في جودة نواتج التّعلّم.
12.3. نتائج تساؤل الدّراسة الثالث:
ما طبيعة العلاقة بين الجاهزيّة التّدريبيّة وجودة نواتج التّعلّم؟
للإجابة عن هذا التساؤل، احتُسِبت معامل ارتباط بيرسون بين الجاهزيّة التّدريبيّة وجودة نواتج التّعلّم، كما هو موضح في الجدول (3).
جدول (3): معامل ارتباط بيرسون بين الجاهزيّة التّدريبيّة وجودة نواتج التّعلّم
| المتغيران | معامل الارتباط (r) |
| الجاهزيّة التّدريبيّة × جودة نواتج التّعلّم | 0.17 |
تبيّن النتائج وجود علاقة ارتباطية موجبة ضعيفة بين الجاهزيّة التّدريبيّة وجودة نواتج التّعلّم، ما يشير إلى أن تحسّن مستوى الجاهزيّة التّدريبيّة لدى المعلمين يسهم بدرجة محدودة في تحسين جودة نواتج التّعلّم، مقارنة بتوظيف التكنولوجيا التّعليميّة وحده.
12.4. نتائج تساؤل الدّراسة الرابع (واختبار الفرضية):
ما دور الجاهزيّة التّدريبيّة في تعزيز أثر توظيف التكنولوجيا التّعليميّة على جودة نواتج التّعلّم؟
تنص فرضية الدّراسة على أن العلاقة بين توظيف التكنولوجيا التّعليميّة وجودة نواتج التّعلّم تتعزّز بارتفاع مستوى الجاهزيّة التّدريبيّة لدى المعلمين. وتشير نتائج التّساؤلين السّابقين إلى أنّ العلاقة المباشرة بين توظيف التّكنولوجيا التّعليميّة وجودة نواتج التّعلّم جاءت ضعيفة، في حين كانت العلاقة بين الجاهزيّة التّدريبيّة وجودة نواتج التّعلّم أعلى نسبيًا. تدل هذه النتائج على أنّ الجاهزيّة التّدريبيّة تؤدي دورًا مكمّلًا ومفسّرًا في العلاقة بين توظيف التكنولوجيا التّعليميّة وجودة نواتج التّعلّم، إذ لا يحقق توظيف التكنولوجيا التّعليميّة أَثَره المتوقع ما لم يكن المعلمون مهيّئين تدريبيًا لاستخدامها بصورة تربويّة فعّالة. وبذلك، تُظهر النّتائج دعمًا جزئيًا لفرضية الدّراسة، وتؤكد أهمّيّة الاستثمار في التدريب إلى جانب توفير التكنولوجيا.
13. خلاصة نتائج الدّراسة في ضوء التساؤلات البحثيّة
أظهرت نتائج الدّراسة أن مستوى توظيف التكنولوجيا التّعليميّة في الثانويات محل الدّراسة جاء مرتفعًا نسبيًا، مما يعكس توجّهًا واضحًا لدى المعلمين نحو استخدام الأدوات والتّقنيات الرّقميّة في العمليّة التّعليميّة، ويشير هذا الارتفاع إلى انتشار الممارسات التكنولوجية في التّدريس والتقويم والتّفاعل التّعليمي، إلا أنه لا يعني بالضرورة توظيفًا تربويًا عميقًا أو فعّالًا في الحالات جميعها. وفي المقابل، بيّنت النّتائج أن مستوى الجاهزيّة التّدريبيّة لدى المعلمين جاء بدرجة متوسطة، وهو ما يدل على وجود فجوة بين توفّر التكنولوجيا التّعليميّة من جهة، واستعداد المعلمين للاستفادة المثلى منها من جهة أخرى. ويعكس هذا المستوى المتوسط تفاوتًا في الخبرات التّدريبيّة، وفي فرص التّطوير المهني المرتبطة بتوظيف التّكنولوجيا التّعليميّة، وكما أظهرت نتائج الدّراسة أنّ مستوى جودة نواتج التّعلّم كما يدركها المعلمون كان متوسطًا مائلًا إلى الارتفاع، ما يشير إلى تحسّن نسبي في مخرجات التّعلّم، سواء في الفهم، أو تنمية المهارات، أو دافعيّة المتعلمين، من دون الوصول إلى المستوى المأمول الذي تتطلبه التّحوّلات التّربويّة المعاصرة. ومن إذ طبيعة العلاقة بين المتغيرات، كشفت النّتائج ضعف العلاقة المباشرة بين توظيف التكنولوجيا التّعليميّة وجودة نواتج التّعلّم، وهو ما يدل على أن الاستخدام الكمي أو الشّكلي للتكنولوجيا لا ينعكس بالضّرورة على تحسين جودة المخرجات التّعليميّة ما لم يُدعَم بعوامل تربويّة وتنظيميّة مناسبة. في المقابل، أظهرت النّتائج أن الجاهزيّة التّدريبيّة تمثّل عاملًا داعمًا في تحسين جودة نواتج التّعلّم، إذ تبيّن أن ارتفاع مستوى الجاهزيّة التّدريبيّة لدى المعلمين يسهم في تعزيز الأثر الإيجابي لتوظيف التكنولوجيا التّعليميّة. ويؤكد ذلك أنّ التّدريب يشكّل حلقة وصل أساسيّة بين التكنولوجيا التّعليميّة وجودة نواتج التّعلّم، ويبرز أهمّيته بوصفه مدخلًا رئيسًا لتفعيل التكنولوجيا التّعليميّة بصورة تربوية فعّالة.
14. الاستنتاجات والتّوصيات
14.1. أولًا: الاستنتاجات:
في ضوء نتائج الدّراسة وتحليلها، يمكن استخلاص مجموعة من الاستنتاجات الرئيسة التي تعكس واقع توظيف التكنولوجيا التّعليميّة وعلاقته بالجاهزيّة التّدريبيّة وجودة نواتج التّعلّم في ثانويات الضاحية الجنوبية لبيروت.
أولًا: تبيّن أنّ توظيف التكنولوجيا التّعليميّة في المدارس محل الدّراسة جاء بمستوى مرتفع نسبيًا، مما يشير إلى انتشار استخدام الأدوات والتّقنيات الرّقميّة في العمليّة التّعليميّة، سواء في التدريس أو التّقويم أو التّفاعل التّعليمي. غير أنّ هذا التّوظيف لا ينعكس بالضرورة على جودة نواتج التّعلّم بصورة مباشرة، الأمر الذي يبرز الفجوة بين الاستخدام التّقني والاستخدام التربوي الفعّال.
ثانيًا: أظهرت النّتائج أنّ مستوى الجاهزيّة التّدريبيّة لدى المعلمين جاء بدرجة متوسطة، وهو ما يدل على أن فرص التّدريب، والتّطوير المهني المرتبطة بتوظيف التكنولوجيا التّعليميّة لا تزال غير كافية لتحقيق الاستفادة القصوى من هذه التكنولوجيا في تحسين جودة نواتج التّعلّم.
ثالثًا: كشفت الدّراسة ضعف العلاقة المباشرة بين توظيف التكنولوجيا التّعليميّة وجودة نواتج التّعلّم، مقابل وجود علاقة إيجابيّة – وإن كانت محدودة – بين الجاهزيّة التّدريبيّة وجودة نواتج التّعلّم. ويشير ذلك إلى أنّ التّدريب يمثّل عنصرًا حاسمًا في تحويل التكنولوجيا التّعليميّة من أداة تقنيّة إلى أداة تربويّة فاعلة.
رابعًا: تؤكد نتائج الدّراسة أنّ الجاهزيّة التّدريبيّة تؤدي دورًا داعمًا ومفسّرًا في العلاقة بين توظيف التّكنولوجيا التّعليميّة وجودة نواتج التّعلّم، ما يعزّز أهمّيّة النّظر إلى التّدريب بوصفه شرطًا أساسًا لنجاح أي مبادرة تهدف إلى دمج التكنولوجيا التّعليميّة في التّعليم الثانوي.
14.2. ثانيًا: التّوصيات:
في ضوء الاستنتاجات السّابقة، توصي الدّراسة بما يأتي:
- تعزيز برامج التّدريب التّربوي المتخصص في مجال توظيف التكنولوجيا التّعليميّة، على أن تركّز هذه البرامج على الجوانب التّطبيقيّة المرتبطة بالممارسات الصّفيّة الفعليّة، لا على الجوانب التّقنيّة النّظريّة فقط.
- ربط التّدريب باحتياجات المعلمين الواقعيّة، من خلال تصميم برامج تتدربيّة مبنيّة على تشخيص دقيق لمستويات الجاهزيّة التّدريبيّة، والفروق في الخبرات بين المعلمين.
- دعم إدارات المدارس لدور التّدريب المستمر، عبر توفير الوقت والموارد اللازمة، وتشجيع تبادل الخبرات بين المعلمين في مجال الممارسات التكنولوجية التّعليميّة.
- إعادة توجيه سياسات دمج التكنولوجيا التّعليميّة نحو التّركيز على الجودة التّربويّة للممارسات، بدل الاكتفاء بتوفير البنية التّحتيّة أو الأدوات الرّقميّة.
- الاستفادة من نتائج الدّراسة في التخطيط التربوي، ولا سيما في السّياقات التّعليميّة التي تواجه تحدّيات وأزمات، بما يضمن تحقيق أثر حقيقي للتكنولوجيا التّعليميّة في تحسين جودة نواتج التّعلّم.
- إجراء دراسات مستقبليّة تعتمد نماذج تحليل متقدمة لدراسة دور متغيرات أخرى، مثل القيادة المدرسيّة أو الثقافة التّنظيميّة، في تعزيز العلاقة بين التكنولوجيا التّعليميّة وجودة نواتج التّعلّم.
تُبرز نتائج هذه الدّراسة أن دمج التكنولوجيا التّعليميّة في التّعليم الثانوي لا يُعدّ، بحد ذاته، ضمانة لتحسين جودة نواتج التّعلّم، ما لم يُصاحَب بإعداد مهني وتدريبي يمكّن المعلمين من توظيف هذه التكنولوجيا ضمن ممارسات تربويّة هادفة. ويؤكد ذلك أن التحدي الأساسي لا يكمن في توفر الأدوات الرقميّة، بل في كيفية استخدامها تربويًا داخل السّياق التّعليمي. كما تُظهر الدّراسة أنّ الجاهزيّة التّدريبيّة تمثّل عنصرًا حاسمًا في تفسير التّباين في أثر التكنولوجيا التّعليميّة على نواتج التّعلّم، الأمر الذي يعزز أهمّيّة إعادة النظر في مقاربات التدريب المعتمدة، والانتقال من التدريب التّقني العام إلى التّدريب البيداغوجي المرتبط بالممارسة الصّفيّة الفعليّة، وتكتسب هذه النتيجة أهمّيّة خاصة في البيئات التّعليميّة التي تواجه أزمات وتحدّيات، إذ تصبح الحاجة إلى توظيف فعّال للتكنولوجيا أكثر إلحاحًا. وتتمثل القيمة العلميّة لهذه الدّراسة في إسهامها في توضيح الدّور التّكاملي للتّدريب ضمن منظومة توظيف التكنولوجيا التّعليميّة، بما يدعم التوجّه نحو سياسات تعليميّة أكثر توازنًا، تُعنى بتنمية الكفايات المهنيّة للمعلمين بالتّوازي مع تطوير البنية التّحتيّة التقنيّة، ومن شأن هذه النّتائج أن تشكّل أساسًا لدراسات لاحقة تتناول متغيرات تنظيميّة وتربويّة أخرى، تسهم في تعميق فهم العلاقة بين التكنولوجيا التّعليميّة وجودة نواتج التّعلّم.
- Amemasor, S. K., Oppong, S. O., Ghansah, B., Benuwa, B., & Agbeko, M. (2025). The influence of digital professional development and professional learning communities in the relationship between school digital preparedness and digital instructional integration. PLOS ONE, 20(7), e0328883. https://doi.org/10.1371/journal.pone.0328883
- Avedzi, J. E. (2025). Educational technology, teaching practices, and learning outcomes in Sub-Saharan Africa: Empirical insights from Ghana’s basic education classrooms. https://doi.org/10.21203/rs.3.rs-7330474/v1
- Aytaç, A., Alemdar, M., Akay, Y., & Avcu, Y. E. (2024). Fostering tech integration: Teachers’ attitudes mediating lifelong learning and technology integration self-efficacy. Participatory Educational Research, 11(6), 112–133. https://doi.org/10.17275/per.24.82.11.6
- Baytar, E. M., Elyacoubi, H., Saqri, N., & Ouchaouka, L. (2023). Teachers’ sense of competence in terms of ICT use: The case of secondary school teachers. Research in Learning Technology, 31. https://doi.org/10.25304/rlt.v31.2874
- Benjamin, N. J., & Dangwal, K. L. (2025). Technology integration in classrooms: Evaluating teachers’ perceptions of administrative support in Tanzanian and Indian schools. International Journal for Multidisciplinary Research, 7(1). https://doi.org/10.36948/ijfmr.2025.v07i01.35420
- Dinçer, S. (2024). Bridging the gap in technology integration in education: An examination of science teachers’ competencies and needs. Journal of Turkish Science Education, 21(4), 620–634. https://doi.org/10.36681/tused.2024.033
- Flores, J. G., Rodríguez-Santero, J., & Ortiz-de-Villate, C. (2024). Teaching practices and organisational aspects associated with the use of ICT. Large-scale Assessments in Education, 12(1). https://doi.org/10.1186/s40536-024-00215-w
- Galaraga, R. L., & Alpuerto, R. J. C. (2022). Competence and attitude as predictors of teachers’ readiness for digitized instruction. Sapienza, 3(7), 2–13. https://doi.org/10.51798/sijis.v3i7.497
- Ghavifekr, S., & Rosdy, W. A. W. (2015). Teaching and learning with technology: Effectiveness of ICT integration in schools. International Journal of Research in Education and Science, 1(2), 175–191. https://doi.org/10.21890/IJRES.23596
- Ghazali, N. H. C. M., Ayub, A. F. M., & Roslan, R. (2023). Predicting teachers’ use of digital technology. International Journal of Evaluation and Research in Education, 12(2), 555–563. https://doi.org/10.11591/ijere.v12i2.24237
- Gul, H., Ghaffar, A., & Minaz, M. (2024). Relationship between secondary school teachers’ technological proficiencies and their effectiveness in instructional practices. Journal of Asian Development Studies, 13(1). https://doi.org/10.62345/jads.2024.13.1.31
- Hamid, S. A., Fuad, A. A. Z. A., Huda, M., & Lyndon, N. (2025). Technology-assisted teaching work performance: Quantitative survey among public school educators. https://doi.org/10.21203/rs.3.rs-6904316/v1
- Hu, J., & Hu, J. (2022). Teachers’ frequency of ICT use in providing sustainable opportunity to learn: Mediation analysis using a reading database. Sustainability, 14(23), 15998. https://doi.org/10.3390/su142315998
- Irwanto, I. (2024). The relationship between educational technology integration, classroom management, and student-centred learning on teaching effectiveness and student learning outcomes. https://doi.org/10.58812/wsshs.v2i08.1177
- Ji, L., Aziku, M., Qiang, F., & Bin, Z. (2024). Leveraging professional learning communities in linking digital professional development and instructional integration. International Journal of STEM Education, 11(1). https://doi.org/10.1186/s40594-024-00513-3
- Li, Y., Garza, V. G., Keicher, A., & Popov, V. (2019). Predicting high school teacher use of technology: Pedagogical beliefs, technological beliefs and attitudes, and teacher training. Technology, Knowledge and Learning, 24(3), 501–518. https://doi.org/10.1007/s10758-018-9355-2
- Mallick, N., & Das, R. (2025). Bridging pedagogy and performance: A study of teacher effectiveness. International Journal of Advanced Research in Science, Communication and Technology, 604–613. https://doi.org/10.48175/ijarsct-28971
- Mansour, N., Said, Z., Çevik, M., & Abu-Tineh, A. (2024). Science and mathematics teachers’ integration of TPACK in STEM subjects. Education Sciences, 14(10), 1138. https://doi.org/10.3390/educsci14101138
- Meisuri, M., Siregar, Y. A., Halik, A., Bakti, I., & Firdaus, M. (2024). Evaluation of the effect of teacher training on the use of learning technology. Journal of Emerging Technologies in Education, 2(1), 8–20. https://doi.org/10.70177/jete.v2i1.733
- Niyibizi, O. (2025). Enhancing ICT facilities in secondary mathematics education: A literature review. https://doi.org/10.70232/jtal.v1i2.10
- Noor, N. M., & Azman, T. F. E. (2023). Tahap kemahiran penggunaan alat teknologi pendidikan dalam kalangan guru sains dan matematik di sekolah menengah. Innovative Teaching and Learning Journal, 7(1), 90–105.
- Olurinola, O., & Olugbade, D. (2024). The impact of UNESCO MGIEP digital teacher training on Nigerian educators’ digital pedagogy competence and confidence. African Journal of Teacher Education, 13(2), 13–33. https://doi.org/10.21083/ajote.v13i2.7765
- Peng, R., Razak, R. A., & Halili, S. H. (2023). Investigating the factors affecting ICT integration of in-service teachers. Humanities & Social Sciences Communications, 10(1), 1–11. https://doi.org/10.1057/s41599-023-01871-z
- Rahman, P. K. (2024). Analysis of teacher preparedness for using technology in the classroom learning process. Indonesian Research Journal on Education, 4(4), 276–280. https://doi.org/10.31004/irje.v4i4.1105
- Raper, R. C. (2019). The relationship between secondary teachers’ technological pedagogical content knowledge and technology integration factors.
- Shah, S. (2022). Teaching and learning with technology: Effectiveness of ICT integration in schools. Indonesian Journal of Educational Research and Technology, 2(2), 133–140. https://doi.org/10.17509/ijert.v2i2.43554
- Shin, H. S., & Park, J. (2023). The impact of teacher professional development activities on ICT use in the classroom. Korean Journal of Teacher Education. https://doi.org/10.14333/kjte.2023.39.6.12
- Suárez, C. A. H., Albarracín, J. D. H., & Moreno, J. R. (2024). Preparación tecnológica y uso de TIC en la postpandemia. Eco Matemático, 15(1), 71–85. https://doi.org/10.22463/17948231.4575
- Suyitno, S., & Dalhari. (2025). Analysis of digitalization-based teacher education models on learning outcomes. Multidisciplinary Science Journal, 8(1), 2026108. https://doi.org/10.31893/multiscience.2026108
- Warsi, L. Q., & Rani, Y. (2024). Analysis of teachers’ readiness in using digital technology for students’ learning. https://doi.org/10.71016/hnjss/t32ny040
[1] – طالبة دكتوراه في جامعة آزاد الإسلاميّة، فرع علوم وتحقيقات – طهران – قسم إدارة تربويّة
PhD student at Islamic Azad University, Department of Educational Administration, Tehran, Science and Investigation Branch.E-mail: Zeinabmh80@gmail.com
[2] – أستاذ الدراسات العليا في الجامعة اللبنانيّة كليّة الأداب والعلوم الإنسانيّة، دكتوراه في العلوم التربوية، وأخرى في الفلسفة، وثالثة في اللغة العربية وآدابها
Professor of Graduate Studies at the Lebanese University, Faculty of Arts and Humanities, PhD in Educational Sciences, another in Philosophy, and a third in Arabic Language and Literature.Email: Dr.hassanrida@gmail.com