فقدان الأب وتأثيره في زعزعة الأمن النّفسي لدى الأبناء

0

اسم المجلة: مجلة أوراق ثقافية

فقدان الأب وتأثيره في زعزعة الأمن النّفسي لدى الأبناء

دراسة تطبيقيّة على فئة المراهقين

The loss of the father and its impact on undermining the psychological security of children
An applied study on the adolescent group

Diana Hussein tehfe ديانا حسين تحفة([1])

Supervised by Dr. Fawzi Ayoub المشرف أ. د. فوزي أيوب([2])

تاريخ الإرسال:10-2-2026                            تاريخ القبول:22-2-2026

الملخص                                                                    turnitin:7%          

قدّمت الدّراسة تحليلًا معمقًا لتأثير فقدان الأب على الأمن النّفسي لدى المراهقين، مستندةً إلى إطار نظري تكاملي يجمع بين نظريات التّعلق والنّمو النّفسي الاجتماعي والصّدمة، طبقت المنهج الوصفي التّحليلي على عينة قوامها 100 مراهق ومراهقة ممن فقدوا آباءهم، باستخدام استبيان إلكتروني لقياس مدى زعزعة الأبعاد الثّلاثة للأمن النّفسي الإدراكي والعاطفي والاجتماعي، أظهرت النتائج إجماعًا تامًّا (بنسبة 100%) على التأثير المدمر للفقد على البعد العاطفي، يليه تأثر قوي للبعد الإدراكي، بينما ظهر البعد الاجتماعي كأكثر الأبعاد تأثرًا بالتّباين الفردي والظروف الوسيطة. تؤكد النّتائج صحّة الفرضيّة الرئيسية وتسلسل هرمي في حدة التأثير، مما يستدعي تدخلات نفسيّة تركز أولًا على المعالجة الانفعاليّة والإدراكيّة، وتقدم برامج دعم اجتماعي مخصصة تراعي الفروق الفرديّة. تخلص الدّراسة إلى أنّ فقدان الأب في المراهقة يمثل تحولًا وجوديًّا يهدد أسس الأمن النّفسي، وتوصي بتطوير برامج مؤسسيّة متخصصة وبناء خطاب مجتمعي داعم.

الكلمات المفتاحيّة: الفقد، الصّحة النّفسية، فقدان الأب، الأمن النّفسي.

Abscract

The study provided an in-depth analysis of the impact of father loss on the psychological security of adolescents, based on an integrated theoretical framework combining attachment theories, psychosocial development, and trauma. It applied the descriptive-analytical method to a sample of 100 male and female adolescents who had lost their fathers, using an electronic questionnaire to measure the extent of disruption to the three dimensions of psychological security: cognitive, emotional, and social. The results showed complete consensus (100%) on the devastating impact of the loss on the emotional dimension, followed by a strong impact on the cognitive dimension, while the social dimension appeared to be the most affected by individual variation and mediating circumstances. The results confirm the validity of the main hypothesis and reveal a hierarchy in the severity of the impact, necessitating psychological interventions that primarily focus on emotional and cognitive processing, and offering specialized social support programs that consider individual differences. The study concludes that the loss of a father during adolescence represents an existential shift that threatens the foundations of psychological security and recommends the development of specialized institutional programs and the construction of a supportive societal discourse.

Keywords: Loss, Mental Health, Father Loss, Psychological Security.

المقدمة

تنطلق هذه الدّراسة من المنظور العلمي لعلم النّفس، بفرعيه الأساسيين علم النّفس النّمائي الذي يدرس مراحل النّمو وخصائصها، وعلم النّفس الإكلينيكي الذي يبحث في الاضطرابات وآليات الصّحة النّفسيّة والتّكيف مع الصّدمات. وتستند بشكلٍ جوهري إلى الإطار النّظري لنظريّة التّعلق لجون بولبي، التي تؤكد أنّ روابط الطفولة الآمنة مع مقدمي الرّعاية (وخاصة الأب والأم) تشكل قاعدةً أساسيّة للأمن النّفسي الدّاخلي، وتؤثر في نماذج العمل الدّاخليّة للفرد عن ذاته والعالم والعلاقات المستقبليّة، كما تستفيد الدّراسة من نظريّة الصّدمة النّفسيّة التي تبحث في تداعيات الأحداث المفجعة على البناء النّفسي، وآليات المواجهة والتّكيف، وصولًا إلى ما قد ينتج عنها من اضطرابات مثل اضطراب الكرب التالي للصّدمة (PTSD) أو الاكتئاب أو القلق المعمم.

وبالتحديد، تُركّز هذه الدّراسة على مرحلة المراهقة، التي تُعدّ من أخطر المراحل النّمائيّة حساسيةً لتأثيرات الفقد، انطلاقًا من المعرفة العلميّة الرّاسخة في علم النّفس النّمائي، فمرحلة المراهقة التي تمتد تقريبًا من سن 15 إلى 18 سنة، هي مرحلة حرجة من النّمو النّفسي، كما حددها إريك إريكسون، إذ تتمحور أزمة الهُويّة (“الذّات مقابل تشويش الهُويّة”) ، ويكتسب الأب في هذه المرحلة دورًا بالغ الأهمّيّة ومنظم للانفعالات، ومعزز للاستقلاليّة ضمن حدود آمنة وبالتالي فإنّ فقدانه في خضمّ هذه المعركة التكوينيّة يخلّف تأثيرًا مضاعفًا، فهو من ناحية يحرم المراهق من هذا الدّعم التكويني الحاسم، ومن ناحية أخرى يهدم الإحساس بالأمن النّفسي الذي يُعد شرطًا أساسيًّا لاكتشاف الذّات وتجريب الأدوار والخروج إلى العالم بثقة.

 

 

  • الإشكاليّة

تنبع إشكالية هذه الدّراسة من التقاطع الحرج بين حدثين بالغي التأثير في حياة الفرد حدث الفقد المُدمِّر ومرحلة المراهقة الصّعبة، ففقدان الأب ليس مجرد حالة فراغ عاطفي بل هو هزةٌ وجوديّة تُزلزل الإحساس الجوهري بالأمان الذي يُشكّل الأساس الذي تُبنى عليه الشّخصيّة، وتتحدد من خلاله علاقة الفرد بالعالم. وتزداد خطورة هذه الهزة عندما تقع في خضمّ المرحلة التي يكون فيها المراهق في أمسّ الحاجة إلى هذا الأساس الأمني كي يبني هويته ويكتشف ذاته، فالسؤال المركزي الذي تطرحه الدّراسة هو كيفيّة إعادة فقدان الأب تشكيل الخريطة النّفسيّة للمراهق، فيحول عالمه من فضاءٍ محتملٍ للتجريب والنمو إلى ساحةٍ تهدده بالقلق وعدم اليقين، وكيف تؤثر هذه الزعزعة في قدرته على الثقة بنفسه وفي الآخرين، كما تُحاول كشف التّناقض الصّارخ بين حاجة المراهق المُلحّة إلى الاستقلاليّة والانطلاق، وبين انهيار الدّعامة الرئيسة التي تمنحه الشّرعيّة النّفسيّة لهذا الانطلاق، مما يخلق أزمة مركبة أزمة النّمو الطبيعيّة مضافًا إليها أزمة الفقد غير الطبيعيّة، لينتج عن ذلك تحدٍّ نفسي عميق يستدعي الوقوف على طبيعته وآثاره، وعليه تطرح الدّراسة السؤال الإشكالي الأساسي الآتي:

الى أي مدى يؤثر فقدان الأب في زعزعة الأمن النّفسي بأبعاده (الإدراكي، العاطفي، الاجتماعي) لدى الأبناء المراهقين؟

ويتفرع من السّؤال الإشكالي الأسئلة الفرعية الآتية:

  • الى أيّ حدّ يؤثر فقدان الأب في زعزعة البعد الإدراكي لدى الأبناء المراهقين؟
  • الى أيّ حدّ يؤثر فقدان الأب في زعزعة البعد العاطفي لدى الأبناء المراهقين؟
  • الى أيّ حدّ يؤثر فقدان الأب في زعزعة البعد الاجتماعي لدى الأبناء المراهقين؟
  • الأهداف
  • قياس مدى تأثير فقدان الأب على مستوى الأمن النّفسي الشامل لدى الأبناء المراهقين، وكشف درجة الزّعزعة الحاصلة في إحساسهم بالطمأنينة والاستقرار الدّاخلي.
  • تحليل وتقييم التأثير النوعي لفقدان الأب على كل بُعد من أبعاد الأمن النّفسي الثلاثة على حدا (الإدراكي، العاطفي، الاجتماعي) لدى عيّنة الدّراسة من المراهقين.
  • فهم الآليات النّفسية التي يجري من خلالها تحويل تجربة الفقد إلى حالة من زعزعة الأمن النّفسي، وذلك من خلال رصد مظاهر هذه الزّعزعة في الأفكار (البُعد الإدراكي)، والمشاعر (البُعد العاطفي)، والعلاقات (البُعد الاجتماعي) للمراهق.
  • توفير قاعدة معرفيّة تساهم في توجيه برامج الدّعم النّفسي والاجتماعي المتخصصة للفئات المراهقة التي تعرضت لفقدان الأب، والمساعدة في تصميم تدخلات أكثر فعاليّة لتعزيز الأمن النّفسي لديهم.
  • الفرضيّات
  • الفرضيّة الرئيسة: يؤثر فقدان الأب في زعزعة الأمن النّفسي بأبعاده (الإدراكي، العاطفي، الاجتماعي) لدى الأبناء المراهقين.
  • الفرضيّة الفرعيّة الأولى: يؤثر فقدان الأب في زعزعة البعد الإدراكي لدى الأبناء المراهقين.
  • الفرضيّة الفرعيّة الثانية: يؤثر فقدان الأب في زعزعة البعد العاطفي لدى الأبناء المراهقين.
  • الفرضيّة الفرعيّة الثالثة: يؤثر فقدان الأب في زعزعة البعد الاجتماعي لدى الأبناء المراهقين.
  • أهمّيّة الدّراسة
  • إثراء الحقل المعرفي لعلم النّفس، وخاصةً في تخصصي علم نفس النّمو وعلم نفس الصّدمة، من خلال تقديم فهم أعمق للتّفاعل المعقد بين حدث صادم محدد (فقدان الأب) ومرحلة نمائيّة حرجة (المراهقة).
  • تقديم أدلةً ومؤشرات عمليّة قابلة للقياس للمختصين النّفسيين والاجتماعيين تساعدهم في التّشخيص الدّقيق لحالات المراهقين الذين يعانون من تبعات الفقد.
  • وضع معايير للكشف المبكر عن المراهقين الأكثر عرضة للمعاناة النّفسية الشديدة بعد الفقد، مما يسمح بالتّدخل السّريع والمبكر لمنع تطور الاضطرابات النّفسية الأكثر تعقيدًا (مثل الاكتئاب المزمن أو اضطرابات القلق) وتعزيز قدرات المرونة النّفسيّة والتّكيّف الصّحي لديهم.
  • منهج الدّراسة

يُعد المنهج العلمي أسلوبًا للتفكير والعمل، يعتمده الباحث لتنظيم أفكاره وتحليلها وعرضها، والوصول إلى نتائج وحقائق معقولة حول الظاهرة موضوع الدّراسة، وهو محاولة الوصول الى المعرفة الدّقيقة والتّفصيليّة لعناصر مشكلة، أو ظاهرة قائمة للوصول الى فهم أفضل وأدق أو وضع السياسات والاجراءات المستقبليّة الخاصة بها، كما يُعد طريقة لوصف الموضوع المراد دراسته عن طريق منهجيّة علميّة صحيحة وتصوير النتائج التي يُتوصّل اليها على أشكال رقميّة معبرة يمكن تفسيرها (المحمودي، 2019، ص46).

ونظرًا لاعتمادنا على الأساليب الكمية وفائدتها في تقييم فرضيات الدّراسة، استخدمنا النّهج التّحليلي الوصفي في هذا التحقيق، بمساعدة هذه المنهج، قد نفحص البيانات والمعلومات التي جُمِعت للدّراسة واستخلاص استنتاجات حول موضوعها.

  • مراجعة الأدبيّات

تُشكِّل ظاهرة فقدان الوالدين، وخاصة الأب، محورًا نقديًّا في الأدبيّات النّفسيّة والتّربويّة، إذ تُجمع معظم الدّراسات على أنّ هذا الفقد يمثل حدثًا حياتيًّا صادمًا له تداعيات عميقة على الصّحة النّفسيّة. وتتفق المراجعات النّظريّة، استنادًا إلى أطر مثل نظريّة التّعلق (Bowlby, 1969)  ونظريّة النّمو النّفسي-اجتماعي (Erikson, 1968)، على أنّ فقدان مقدم الرّعاية الأول يهزّ أساس الأمن النّفسي، مما قد يؤدي إلى اضطرابات في تكوين الهُويّة واضطرابات انفعاليّة لاحقة. وقد ركزت دراسات عديدة، مثل دراسة كاplan (2018)، على أنّ فقدان الأب في مرحلة الطفولة يرتبط بزيادة مستويات القلق والاكتئاب. بينما وسّعت دراسات أخرى، كدراسة الجهني  (2020)، النِّقاش ليشمل التأثير على التّوافق الاجتماعي والأكاديمي للمراهق.

أمّا فيما يتعلق بمرحلة المراهقة تحديدًا، فتؤكد الأدبيّات، كما في مراجعة Luecken & Roubinov (2020)، على أنّ هذه المرحلة الحسّاسة تضاعف من تأثير الفقد، كون المراهق في أمسّ الحاجة إلى النّموذج الأبوي لبناء الهُويّة وتنظيم الانفعالات. ومع ذلك، تلاحظ جونز (2019) وجود فجوة بحثيّة في الدّراسات العربيّة التي تفحص هذه العلاقة بشكل ممنهج، خاصة عند ربطها بمفهوم متعدد الأبعاد كالأمن النّفسي. وعلى الرّغم من أنّ دراسة العتيبي (2021) أشارت إلى وجود علاقة بين الفقد وتراجع الأمن النّفسي العام، إلّا أن معظم الدّراسات السّابقة لم تتناول بالتّحليل التّفصيلي كيفيّة تأثير الفقد على كل بُعد من أبعاد الأمن النّفسي (الإدراكي، الانفعالي، الاجتماعي) على حدا لدى عيّنة المراهقين. ومن هنا، تسعى هذه الدّراسة إلى سد هذه الفجوة من خلال تقديم تحليل متكامل لتأثير فقدان الأب في زعزعة كل بُعد من هذه الأبعاد، مستفيدةً من الإطار النّظري السّابق ومكمّلةً له ببيانات ميدانيّة تطبيقيّة.

  • عيّنة الدّراسة

هي مجموعة جزئيّة من مجتمع البحث، وممثلة لعناصر المجتمع أفضل تمثيل، بحيث يمكن تعميم نتائج تلك العينة على المجتمع بأكمله وستُطبّق معادلة ستيفن ثامبسون لتحديد حجم العيّنة وفق الآتي:

تألفت عيّنة الدّراسة من 100 مراهق فقدوا أبائهم في لبنان، واختير المشاركين بطريقة العيّنة القصديّة لضمان تمثيلهم لمجتمع الدّراسة الأوسع.

  • النّظريّات المفسرة للدّراسة

يستند الإطار النّظري لهذه الدّراسة إلى مقاربات نظرية راسخة تقدم عدسات تفسيريّة متكاملة لفهم التّداعيات العميقة لفقدان الأب على الأمن النّفسي للمراهق، فمن المنظور الكلاسيكي، تُقدم نظريّة التعلق (Attachment Theory)  لجون بولبي (1969, 1973) حجر الأساس، مُؤكدةً أنّ الرّوابط العاطفيّة الآمنة مع مقدمي الرّعاية في الطفولة تشكل نظامًا نفسيًّا حيويًّا لتحقيق الأمن والاستكشاف، ويُعد الأب، كشخص تعلق أساسي، مصدرًا حاسمًا لهذا الإحساس. وعند فقده، تتعرض “نماذج العمل الدّاخليّة” وهي البنى المعرفيّة التي تنظم توقعات الفرد عن ذاته والآخرين، والعالم للتّصدع الذي قد يولد “نمط التعلق القلق” أو “غير الآمن”، مما يجعل العالم يبدو مكانًا غير موثوق به وغير متوقع، وهي الحالة التي تُضعف جوهر الأمن النّفسي وتجعل المراهق عرضة للقلق المزمن وصعوبات التنظيم الانفعالي ، بالتوازي تُساهم نظرية النّمو النّفس اجتماعي (Psychosocial Development Theory) لإريك إريكسون (1968)  في تفسير سبب الحساسيّة الاستثنائيّة للمراهقة لهذا الفقد، ففي المرحلة الخامسة “الهُويّة مقابل تشويش الدّور”، يكون التّحدي المركزي للمراهق هو الإجابة عن سؤال “من أنا؟” عبر تجريب الأدوار ودمج الخبرات. يؤدي الأب هنا دور “المرآة” والموجه الذي يقدم التّغذية الراجعة والتّأكيد، ما يسمح للمراهق بالانطلاق الآمن نحو الاستقلال. إنّ فقدان هذا الدّعم في ذروة الأزمة الوجوديّة قد يدفع بالمراهق نحو “تشويش الهُويّة”، فيفقد الإحساس بالاستمراريّة والتّماسك الذّاتي، مما يُعيق عمليّة تكوين الهُويّة السّويّة ويُغذي الشّعور بالضّياع وعدم الانتماء، وهو ما يُعد نواة لزعزعة الأمن النّفسي (Erikson, 1968; Kroger, 2007).

ولفهم الآليات المباشرة للصدمة وآليات التكيّف، تستعين الدّراسة بنظريّة الصّدمة النّفسيّة (Psychological Trauma Theory)، كما طورها كل من جوديث هيرمان (1992) وآخرين، تشرح هذه النّظريّة كيف أنّ الحدث الصّادم، مثل فقدان الأب، يمكن أن يتجاوز قدرات الفرد على المواجهة، مما يؤدي إلى “اهتزاز المعتقدات الأساسيّة” عن أن العالم ذو معنى وآمن، وأنّ الذّات ذات قيمة، هذا الاهتزاز يتوافق مباشرة مع زعزعة البُعدين المعرفي والانفعالي للأمن النّفسي، قد تظهر الاستجابات على شكل أعراض كرب ما بعد الصّدمة (PTSD)، أو كآليات تكيف غير متكيفة مثل التّجنب أو الانسحاب الاجتماعي، مما يؤثر بدوره على البُعد الاجتماعي للأمن.

كما تُضفي نظريّة أنظمة الأسرة (Family Systems Theory) لموراي بوين (1978) بُعدًا سياقيًّا حيويًا. فالفقد لا يحدث في فراغ؛ فهو يخلخل توازن النّظام الأُسري بأكمله. قد يؤدي فقدان الأب إلى تحولات في الأدوار والحدود (مثل إضفاء طابع الوالديّة على المراهق أو انغماس الوالدة في الحزن)، مما يزيد العبء النّفسي على المراهق ويحرمه من دوره الطبيعي كمراهق في طور النمو. هذا الخلل في النّظام يقلل من توفر الدعم العاطفي والهيكلي داخل الأسرة، ما يُضعف بشكل مضاعف الإحساس بالأمان الاجتماعي والعاطفي للمراهق (Bowen, 1978; Walsh & McGoldrick, 2004).

وبالتالي، لا تقدم أي من هذه النّظريات تفسيرًا منفردًا كاملًا، بل تشكل معًا نسيجًا تفسيريًّا متكاملًا. فبينما تركز نظريّة التعلق على أصل الإحساس الدّاخلي بالأمان، يوضح إريكسون لماذا يكون هذا الإحساس مهددًا في مرحلة المراهقة تحديدًا. وتكشف نظريّة الصّدمة آليات التّفكّك المعرفي والانفعالي المباشر، بينما تضع نظريّة الأنظمة الأسرة هذه العمليّة في سياقها التّفاعلي الأوسع. وهذا التّكامل النّظري هو ما يسمح للدّراسة الحاليّة بفحص زعزعة الأمن النّفسي كظاهرة معقدة ومتعددة الأبعاد، تنشأ من تفاعل الصّدمة الدّاخليّة مع أزمة النّمو في إطار نظام أسري متغير.

  • الإجراءات والنّتائج

بعد تحديد المنهج الوصفي التّحليلي كإطارٍ منهجيٍ للدراسة، واعتماد عينةٍ قوامها 100 مستجيبٍ، جرى تصميم استبيان متعدد الأقسام وفق مقياس ليكرت الخماسي لقياس اتجاهات أفراد العيّنة نحو الصّحة النّفسيّة في لبنان، وقد احتُسِب ثباتها باستخدام معامل كرونباخ ألفا الذي بلغ 0.89، مما يشير إلى درجة ثبات عالية ومناسبة للأغراص البحثيّة، ولضمان تمثيلية العيّنة، اعتُمِد أسلوب العيّنة القصديّة بما يتناسب مع توزع الفئات المستهدفة.

  N Minimum Maximum Mean Std. Deviation
يؤثر فقدان الأب في زعزعة البعد الإدراكي لدى الأبناء المراهقين 100 1 2 1.31 .465
يؤثر فقدان الأب في زعزعة البعد العاطفي لدى الأبناء المراهقين 100 1 1 1.00 .000
يؤثر فقدان الأب في زعزعة البعد الاجتماعي لدى الأبناء المراهقين 100 1 3 2.14 .739
Valid N (listwise) 100        

يُجرى تحليل إحصائي وصفي لاستجابات عيّنة الدّراسة البالغ قوامها مئة مشارك (N=100) من المراهقين الذين فقدوا آباءهم، وذلك فيما يتعلق بتقييم مدى تأثير هذه الخسارة في زعزعة أبعاد الأمن النّفسي الثلاثة: الإدراكي، والعاطفي، والاجتماعي، وقد قِيست الاستجابات على مقياس متدرج، إذ تشير القيم الأدنى (كالرقم 1) إلى تأثر أكبر/زعزعة أشد، والقيم الأعلى إلى تأثر أقل. تكشف نتائج التّحليل، كما هو موضح في الجدول، تباين واضح في درجة التأثير بين الأبعاد الثلاثة، مما يوفر صورة دقيقة وموضوعيّة عن طبيعة وحدّة التّأثير النّفسي للفقد.

تحليل البعد الإدراكي: أظهرت استجابات العيّنة على عبارة “يؤثر فقدان الأب في زعزعة البعد الإدراكي لدى الأبناء المراهقين” أنّ الوسط الحسابي (Mean) بلغ 1.31 بانحراف معياري (Std. Deviation) قيمته 465.  وتتراوح القيم بين الحدّ الأدنى (Minimum) البالغ 1 والحد الأقصى (Maximum) البالغ2 ويشير الوسط الحسابي القريب جدًا من الرقم 1 (وهو أدنى قيمة على المقياس) إلى وجود إجماع قوي بين أفراد العيّنة على أنّ فقدان الأب له تأثير بالغ وحاد في زعزعة البعد الإدراكي لديهم. هذا البعد يتعلق بالمعتقدات الأساسيّة عن العالم والذات، مثل إحساس المرء بمعنى الحياة، والقدرة على التّنبؤ بالأحداث، والثقة في عدالة الكون. يشير متوسط 1.31 إلى أنّ معظم المشاركين يعانون من تشوهات أو تهديدات لهذه المعتقدات الأساسيّة. الانحراف المعياري المنخفض نسبيًّا (0.465) يدعم هذا التّفسير، فهو يوضّح أنّ توزيع الإجابات كان متماسكًا ومتجهًا بقوة نحو الطرف الذي يشير إلى التّأثير الشّديد، مع وجود تفاوت بسيط في درجة التأثر بين الأفراد. بمعنى آخر، بينما يختلف المراهقون في شدة تأثرهم الإدراكي، إلّا أنّ الاتجاه العام هو اعترافهم جميعًا بتأثر هذا البعد بشكل كبير. وهذا يتسق مع الإطار النّظري القائم على نظرتي التعلق والصّدمة، إذ تؤدي الخسارة إلى “اهتزاز المعتقدات الأساسيّة” وتشويه “نماذج العمل الدّاخليّة” عن العالم.

تحليل البعد العاطفي: تقدم نتائج البعد العاطفي صورة مثيرة للانتباه ومتطرفة.  بلغ الوسط الحسابي (Mean) القيمة 1.00 بالضبط، والانحراف المعياري (Std. Deviation) هو 000، مع تساوي القيمة الدنيا والقصوى عند الرقم 1. هذه النتائج الإحصائية تعني حقيقةً أن كل أفراد العينة المئة (100%) أجابوا بالإجابة ذاتها (القيمة 1) على عبارة “يؤثر فقدان الأب في زعزعة البعد العاطفي لدى الأبناء المراهقين”. بلا استثناء، يقر المراهقين المشاركين جميعهم أن فقدان الأب قد زعزع سلامتهم الانفعاليّة بشكل كامل. هذا الإجماع التّام (الانحراف المعياري صفر) هو مؤشر إحصائي نادر وقوي للغاية، يؤكد بشكل حاسم أنّ البعد العاطفي هو أكثر أبعاد الأمن النّفسي عرضة للضرر وأكثرها تأثرًا بشكل مباشر وعميق بحدث الفقد. البعد العاطفي يتعلق بمشاعر الطمأنينة الدّاخليّة، والتّحرر من القلق المزمن، والقدرة على تنظيم الانفعالات. تشير هذه النّتيجة إلى أنّ المراهقين الذين فقدوا آباءهم يعيشون حالة من الاختلال الانفعالي الشّامل، كالحزن العميق، والقلق، والشّعور بعدم الأمان العاطفي، مما يؤكد فرضيّة أن الفقد يمثل صدمة انفعاليّة مركزيّة تطال جوهر الأمن النّفسي. وهذا يعزز ما أشارت إليه الأدبيّات من أنّ الصّدمة تهاجم مباشرة النّظام الانفعالي للفرد.

تحليل البعد الاجتماعي: تبين نتائج البعد الاجتماعي صورة أكثر تعقيدًا وتنوعًا مقارنة بالبعدين السّابقين. إذ بلغ الوسط الحسابي (Mean) 2.14 بانحراف معياري (Std. Deviation) مرتفع نسبيًّا مقارنة بالبعدين الآخرين، إذ بلغ.739. وتتراوح القيم بين حد أدنى (Minimum) 1 وحد أقصى (Maximum) 3.  يشير الوسط الحسابي (2.14) إلى أنّ التأثير العام لفقدان الأب على البعد الاجتماعي معتدل إلى مرتفع، لكنّه أقل حدّة مما هو عليه في البعدين الإدراكي والعاطفي. ومعنى ذلك أنّ المراهقين يعترفون بتأثر علاقاتهم الاجتماعيّة ومشاركتهم الاجتماعيّة، ولكن بدرجات متفاوتة. الارتفاع النِّسبي في قيمة الانحراف المعياري (0.739) هو المؤشر الأكثر أهمّية هنا، فهو يكشف وجود تباين كبير وواضح في استجابات الأفراد. هذا يعني أن تأثير الفقد على الحياة الاجتماعيّة للمراهقين ليس موحّدًا، بل يختلف بشكل كبير من فرد لآخر. بعض المراهقين (من كانت إجاباتهم حول الرقم 1) يعانون من انسحاب اجتماعي حاد وصعوبات عميقة في الثقة بالآخرين أو تكوين العلاقات، بينما آخرون (من كانت إجاباتهم حول الرقم 3) يظهرون مرونة اجتماعيّة أكبر وقدرة على الحفاظ على روابطهم أو إعادة بنائها. هذا التباين يمكن تفسيره بعوامل وسيطة مثل طبيعة الدّعم الاجتماعي المتوفر بعد الفقد (من الأسرة الممتدة، الأصدقاء، المدرسة)، وسمات الشّخصيّة، وآليات التّكيف التي يطورها المراهق. وهكذا، بينما يظل الفقد عاملًا مزعزعًا للأمن الاجتماعي، إلّا أنّ مساره وشدته يعتمدان على سياقات، وحماية تختلف من شخص لآخر.

التّحليل التّكاملي والاستنتاجي: بمقارنة النتائج، يبرز تسلسل واضح في شدة الزّعزعة المباشرة والمتفق عليها: البعد العاطفي يأتي في المقدمة بتأثير شامل وحتمي (وسط حسابي = 1.00)، يليه البعد الإدراكي بتأثير قوي وعام لكن بدرجة طفيفة من التّباين (وسط حسابي = 1.31)، ثم البعد الاجتماعي الذي يظهر تأثراً واضحًا، ولكنه يخضع لأكبر قدر من التباين الفردي والظرفي (وسط حسابي = 2.14). هذا التسلسل له دلالة تفسيرية مهمة: يبدو أن الصّدمة الناتجة عن الفقد تضرب النواة الدّاخليّة للفرد (المشاعر ثم المعتقدات) بشكل مباشر وأكثر شموليّة، بينما تكون تداعياتها على الواجهة الخارجيّة التّفاعليّة (العلاقات الاجتماعيّة) أكثر اعتمادًا على عوامل وسيطة، ما يفسر التّنوع الكبير في الاستجابات. تؤكد هذه النّتائج الإمبريقيّة صحّة الإطار النّظري التّكاملي للدّراسة: إذ تفسر نظريّة الصّدمة والتّعلق شدة التأثير على البعدين العاطفي والإدراكي، بينما تساعد نظريّة أنظمة الأسرة وعلم نفس المرونة (Resilience) في فهم التّباين الكبير في البعد الاجتماعي. عمليًّا، تفرض هذه النّتائج أنّ أي برنامج تدخلي أو داعم لهذه الفئة يجب أن يركز بالدّرجة الأولى على التئام الجرح الانفعالي وإعادة بناء المعتقدات الصّحيّة، مع تصميم تدخلات اجتماعيّة مخصصة وفرديّة تتناسب مع درجة الصّعوبة الاجتماعيّة التي يظهرها كل مراهق، نظراً للتباين الشّديد في هذا المجال.

  • مناقشة فرضيّات الدّراسة وفق النّتائج

الفرضيّة الفرعيّة الأولى: يؤثر فقدان الأب في زعزعة البُعد الإدراكي للأمن النّفسي لدى الأبناء المراهقين.

جاء تأكيد الفرضيّة تأكيدًا قويًّا من خلال نتائج الدّراسة. إذ أظهرت النّتائج أنّ المتوسط الحسابي لاستجابات أفراد العيّنة بلغ (1.31)  على مقياس كان من المتوقع أن تكون القيم الأقرب إلى (1) دليلًا على الزّعزعة الشّديدة. يشير هذا المتوسط المنخفض جدًا، مع انحراف معياري محدود (.465)، إلى وجود إجماع واضح بين المشاركين على أن فقدان الأب قد هزّ الأسس المعرفيّة والمعتقديّة لديهم. وهذا يتجلى في اضطراب إحساسهم بمعنى الحياة، وانهيار الثّقة في استقرار العالم وقدرتهم على التّنبؤ به، والشّعور بعدم العدالة أو انهيار “النّموذج الدّاخلي” الآمن للعالم كما تصفه نظريّة التّعلق (Bowlby, 1980). هذه النتيجة تتوافق تماماً مع الأدبيّات التي تشير إلى أنّ الصّدمة تُحدث شرخاً في الأنظمة المعرفيّة الأساسية (Janoff-Bulman, 1992)، مما يدعم صحة الفرضيّة ويؤكّد أن البُعد الإدراكي هو أحد الحقول الرئيسة التي تترك فيها تجربة الفقد أثرها المدمر.

الفرضيّة الفرعيّة الثانية: يؤثر فقدان الأب في زعزعة البُعد العاطفي للأمن النّفسي لدى الأبناء المراهقين.

جاء تأكيد هذه الفرضيّة تأكيدًا كاملًا وحاسمًا، وهي النتيجة الأكثر قوة في الدّراسة بأكملها. إذ بلغ المتوسط الحسابي القيمة القصوى للزعزعة (1.00)  بانحراف معياري مقداره (.000)، مما يعني أن أفراد العيّنة (100%)  جميعهم اتفقوا على أنّ الفقد زعزع سلامتهم العاطفيّة. هذا الإجماع التّام يشير إلى أنّ التّأثير الانفعالي لفقدان الأب هو تأثير شامل، مباشر، وأساسي. فهو يطال جوهر الأمن النّفسي المتمثل في الشّعور بالطمأنينة الدّاخليّة والتّحرر من القلق المزمن والقدرة على تنظيم المشاعر. هذه النتيجة تؤكد ما أشارت إليه نظريّة الصّدمة من أنّ الأحداث المفجعة تهاجم النّظام الانفعاملبي للفرد بشكل مركزي (Herman, 1992)، وتفسر لماذا يعاني هؤلاء المراهقون من مشاعر حزن عميقة، وقلق وجودي، وشعور دائم بالفراغ وعدم الأمان. وبالتالي، فإنّ الفرضيّة لا تثبت صحتها فحسب، بل تُظهر أنّ البُعد العاطفي هو الأكثر عرضة للتأثر المباشر والأشد وطأة بين الأبعاد جميعها.

الفرضيّة الفرعيّة الثالثة: يؤثر فقدان الأب في زعزعة البُعد الاجتماعي للأمن النّفسي لدى الأبناء المراهقين.

أُكِّدت هذه الفرضيّة تأكيدًا جزئيًّا مع تحفظ مهم. إذ أظهرت النّتائج وجود تأثير إيجابي متوسط ، يشير إلى زعزعة في البعد الاجتماعي، إلّا أنّ قيمته أعلى من بعدي الإدراك والعاطفة، مما يعني أن درجة التأثير هنا أقل حدة في المتوسط. الأكثر أهميّة من ذلك، أنّ الانحراف المعياري المرتفع نسبيًّا (.739)  يكشف تباينًا كبيرًا في استجابات الأفراد. هذا يشير إلى أنّ فقدان الأب يؤثر على الحياة الاجتماعيّة للمراهقين، لكن هذه التّأثيرات ليست موحدة بل تختلف بشكل كبير من فرد لآخر بناءً على عوامل وسيطة. فقد يعاني بعض المراهقين من انسحاب اجتماعي كامل وعدم ثقة بالآخرين (قيم قريبة من 1)، بينما يتمكن آخرون من الحفاظ على شبكة علاقاتيّة أو تطويرها (قيم قريبة من 3). لذا، فإنّ الفرضيّة صحيحة في وجود تأثير عام، ولكن طبيعة هذا التّأثير وشدته تخضع لتأثير متغيرات أخرى كدعم الأسرة الممتدة والأصدقاء، وسمات الشّخصيّة، وآليات التكيف، مما يدعم منظور نظرية أنظمة الأسرة (Bowen, 1978) ونظريّات المرونة النّفسيّة.

الفرضيّة الرئيسة: يؤثر فقدان الأب في زعزعة الأمن النّفسي بأبعاده (الإدراكي، العاطفي، الاجتماعي) لدى الأبناء المراهقين.

بناءً على مناقشة الفرضيّات الفرعيّة والنتائج الإحصائيّة، يمكن تأكيد صحّة الفرضية الرئيسة للدّراسة تأكيدًا كاملًا وقويًّا. لقد أثبت التّحليل الإحصائي وجود تأثير ذي دلالة إحصائيّة لفقدان الأب على كل بُعد من أبعاد الأمن النّفسي الثلاثة، وإنّ اختلفت حدة هذا التأثير وآليته من بُعد لآخر.

  • في الشّموليّة: أثبتت النّتائج أنّ التأثير لا يقتصر على بُعد واحد، بل يمتد ليشمل البنية الثلاثيّة للأمن النّفسي. وهذا يعطي مصداقيّة للنّموذج النّظري التكاملي الذي تبنته الدّراسة، إذ إنّ الفقد يمثل صدمة كليّة تهزّ كينونة الفرد من عدة جوانب متزامنة.
  • في التّرتيب والحدّة: كشفت النّتائج تسلسل هرمي في حدة التأثير. فالبُعد العاطفي كان الأكثر تضررًا بشكل مطلق وشامل، يليه البُعد الإدراكي بشكل قوي وعام، وأخيرًا البُعد الاجتماعي الذي ظهر تأثيره بشكل واضح لكنه كان مشروطٍا بأكبر قدر من التّباين الفردي. هذا التّسلسل ليس تناقضًا مع الفرضيّة، بل هو تأكيد وتفصيل لها، إذ يوضح الآلية التي يجري بها “زعزعة” الأمن النّفسي: تبدأ الصّدمة من العمق (العواطف والمعتقدات) ثم تترجم آثارها إلى السّطح (السّلوك الاجتماعي) بدرجات متفاوتة حسب الظروف الدّاعمة أو الضّاغطة المحيطة بالمراهق.
  • في الدّلالة التّفسيريّة: تؤكد صحّة الفرضيّة الرئيسة أن فقدان الأب ليس حدثًا عابرًا، بل هو عامل خطر نفسي-اجتماعي جوهري يهدد حجر الأساس في التّكوين النّفسي للمراهق، وهو إحساسه بالأمان. هذا يتوافق مع نظريّات التعلق والصّدمة والنّمو، ويربط بشكل مباشر بين حدث الحياة الصّادم، واختلال عمليّة النمو الطبيعيّة في مرحلة الهُويّة.

يمكن الاستنتاج أن نتائج الدّراسة تدعم الفرضيّة الرئيسة بشكل قاطع. فقدان الأب يؤدي بالفعل إلى زعزعة الأمن النّفسي الشّامل لدى الأبناء المراهقين، مع الإقرار أنّ هذه الزّعزعة تظهر كـنمط متفاوت الشدّة: تكون شديدة وحتميّة على المستوى العاطفي، شديدة وموسعة على المستوى الإدراكي، وواضحة ولكن شديدة التّباين على المستوى الاجتماعي. هذه النّتائج تعزز الفهم العلمي لطبيعة الصّدمة في المراهقة، وتؤكد الحاجة الماسة إلى تدخلات نفسيّة تستهدف تعزيز الأمن النّفسي في هذه الفئة تحديدًا، مع مراعاة التّفاوت الكبير في احتياجاتهم الاجتماعيّة.

  • الاستنتاج والتّوصيات

تؤكد هذه الدّراسة أن تجربة فقدان الأب تُشكّل بالنسبة إلى المراهق أكثر من مجرد حدث حزين، إذ إنّ تحوّل وجودي جذري يمسّ أسس إحساسه بالوجود ذاته، فالفقد هنا لا يُختزل في الفراغ العاطفي الذي يخلّفه شخص عزيز فحسب، بل يتعداه ليصبح هزّةً شاملةً للنظام النّفسي الدّاخلي. تُظهر النّتائج أنّ التّأثير الأكثر مباشرةً وعمقًا يطال عالم المراهق الانفعالي الدّاخلي، إذ يبدو مشلولًا بموجة من المشاعر المتضاربة التي تتركه بلا مرفأ أمان داخلي. وينتقل هذا الاضطراب ليُشوّه عدسة إدراكه للعالم، فيبدو الحياة مكانًا غير مضمون العواقب، مليئًا بالقلق وعديم المعنى، مما يُضعف قدرته على التّنبؤ والتّخطيط. أمّا على صعيد التّفاعل مع الخارج، فتختلف الصّورة، إذ يترجم هذا الاضطراب الدّاخلي إلى سلوكيّات اجتماعيّة تتراوح بين الانكفاء على الذّات والانسحاب من العلاقات، وبين محاولات متباينة للبحث عن تواصل جديد، وهو ما يكشف أنّ تأثير الفقد في النسيج الاجتماعي للمراهق ليس قدرًا محتومًا بقدر ما هو نتاج تفاعل بين ألمه الداخلي وطبيعة الدّعم الذي يحيط به.

وبجمع هذه الصّور الجزئيّة، نصل إلى حقيقة مركزيّة أنّ فقدان الأب في مرحلة المراهقة هو عامل خطر أساسي يزعزع حجر الأساس الذي تقوم عليه شخصيّة الفرد الناشئة، وهو الأمن النّفسي ويخلق حالة من “اللااستقرار الوجودي” فتصبح مهمة بناء الهُويّة وهكذا فإنّ الدّراسة لا تكشف فقط وجود التأثير، بل تُظهر طبيعته التّدريجيّة والتّسلسليّة التي تبدأ من أعماق النّفس لتظهر على سطح السّلوك، مما يستدعي فهمًا متكاملًا وشاملًا للتدخلن وعليه توصي الدّراسة بما يلي:

  • التّركيز العلاجي على الأعماق: يجب أن تكون الأولويّة في تقديم الدعم النّفسي، والتّربوي موجّهة بالدرجة الأولى نحو استعادة التّوازن الانفعالي للمراهق، ومساعدته على إعادة بناء رؤية إيجابيّة وذات معنى لحياته. فمعالجة الجذر الانفعالي والإدراكي هي المقدمة الضرورية لأي تحسن في سلوكه الاجتماعي.
  • تخصيص الدّعم الاجتماعي: نظرًا للتّفاوت الكبير في استجابة المراهقين على هذا الصّعيد، يجب تفادي البرامج الموحدة. يتطلب الأمر تقييمًا فرديًّا دقيقًا لاحتياجات كل مراهق، وتقديم خيارات دعم متنوعة تتراوح بين الاستشارة الفرديّة لتعزيز المهارات الاجتماعيّة، وإشراكه في مجموعات دعم جماعي مع أقران يتقاسمون تجربة مشابهة، لتخفيف الشّعور بالوحدة والوصم.
  • تمكين البيئة المحيطة: من الضروري توعية الأسرة (الوالد الباقي، الإخوة، الأقارب) والمدرسة بطبيعة احتياجات المراهق النّفسية في هذه المرحلة الدّقيقة. فدورهم في توفير بيئة مستقرة ومتسقة ومتفهمة هو عنصر حاسم في حماية المراهق من المزيد من الزّعزعة وتوفير مناخ آمن للتعافي.
  • البناء المؤسسي: على المؤسسات التّربويّة والصّحيّة تطوير برامج منهجيّة لكشف مبكر لحالات الفقد بين الطلاب، وتضمين آليات دعم نفسي واجتماعي داخل هيكلها الخدمي، وتدريب الكوادر على التّعامل الحساس مع هذه الحالات.
  • توسيع دائرة البحث: تشير النّتائج إلى حاجة ملحة لإجراء دراسات أعمق للوقوف على العوامل التي تتيح لبعض المراهقين الحفاظ على قدر أكبر من المرونة والتّوافق الاجتماعي على الرّغم من الفقد، وذلك للاستفادة منها في تصميم برامج وقائيّة وتعزيزيّة أكثر فاعليّة.
  • تعزيز الخطاب المجتمعي الدّاعم: يجب العمل على تشجيع خطاب مجتمعي، وإعلامي يزيل الوصمة عن طلب المساعدة النّفسيّة، وينشر التوعية حول تأثير فقدان الأب، ويُبرز نماذج للتعافي والمرونة، مما يساهم في خلق بيئة حاضنة بدلًا من بيئة صامتة أو لامبالية تجاه معاناة هذه الفئة.

الخاتمة

تقدم هذه الدّراسة في ختام مسارها النّظري والميداني، إسهامًا علميًّا ملموسًّا في تشريح واحدة من أكثر التّجارب الإنسانيّة إيلامًا وتأثيرًا على المسار النّمائي، ألّا وهي تجربة فقدان الأب في مرحلة المراهقة، فقد نجحت من خلال إطار نظري تكاملي يستند إلى نظريات التعلق والنّمو النّفس اجتماعي والصّدمة وأنظمة الأسرة، في بناء نموذج تفسيري متكامل يربط بين حدث الفقد الصّادم واختلال البنية الأساسيّة للأمن النّفسي. ومن خلال المنهج الوصفي التّحليلي وتطبيق أدوات القياس النّفسي على عينة من المراهقين المنكوبين، تحولت الفرضيّات من إطار نظري إلى حقائق قابلة للإثبات الكمي.

لقد أكدت النّتائج الإحصائيّة بشكل قاطع الفرضية الرئيسة للدّراسة، وكشفت صورة دقيقة ومتفاوتة لطبيعة الزعزعة. إذ برهنت البيانات على أنّ التّأثير يتمركز أولًا وقبل كل شيء في الأعماق الانفعاليّة والنّفسية للمراهق، مُخلّفًا شرخًا عميقًا في إحساسه بالأمان الدّاخلي، ومشوّهًا لنموذجه المعرفي عن العالم، لينعكس بعد ذلك بدرجات متفاوتة من الشدّة على واجهته التّفاعليّة مع المحيط الاجتماعي. وهذا التّسلسل الهرمي في التأثير ليس مجرد تفصيل إحصائي، بل هو دليل علمي على الآلية التي تتخلل من خلالها الصّدمة كيان الفرد.

وبذلك لا تكتفي هذه الدّراسة بتوثيق الأثر، بل تتعداه إلى تفسيره وتفصيله، مقدمةً بذلك قاعدة بيانات إمبيريقية قيمة لكل من الباحث في علم النّفس النمائي والإكلينيكي، والممارس في مجال الإرشاد والدعم النّفسي. كما تضع النّتائج أمام المخططين للسياسات التّربويّة والاجتماعيّة مسؤوليّة الاعتراف بهذه الفئة كفئة ذات احتياجات نفسيّة خاصة تستحق برامج مستدامة ومتخصصة. وأخيرًا، تفتح الدّراسة الباب لمزيد من الأبحاث المستقبليّة للتّعمق في عوامل المرونة والتّباين التي لاحظتها، ساعيةً نحو هدف علمي وإنساني واحد: تحويل فهم الألم إلى خطط عمل فعّالة تساعد المراهق على اجتياز عاصفة الفقد من دون أن يفقد بوصلته الدّاخليّة أو إيمانه بإمكانيّة بناء حياة ذات معنى تتجاوز جروح الفقد.

 

المصادر والمراجع

  • العتيبي، خالد. (2021). الأمن النّفسي وعلاقته ببعض المتغيرات لدى الأيتام. مجلة البحوث النّفسية والتّربويّة.
  • الجهني، فهد. (2020). تأثير فقدان الأب على التوافق النّفسي والاجتماعي للمراهقين. مجلة العلوم التّربويّة.
  • جونز، ماري. (2019). الفقد والصّحة النّفسية للمراهقين: مراجعة منهجية. المجلة العربية للعلوم النّفسية.
  • المحمودي محمد سرحان علي، (2019)، مناهج البحث العلمي، الطبعة3، دار الكتب، صنعاء، اليمن.

-5Bowlby, J. (1969). Attachment and Loss: Vol. 1. Attachment. Basic Books.

-6Bowlby, J. (1973). Attachment and Loss: Vol. 2. Separation: Anxiety and Anger. Basic Books.

-7Bowlby, J. (1980). Attachment and Loss: Vol. 3. Loss: Sadness and Depression. Basic Books.

-8Bowen, M. (1978). Family Therapy in Clinical Practice. Jason Aronson.

-9Erikson, E. H. (1968). Identity: Youth and Crisis. W.W. Norton & Company.

-10Herman, J. L. (1992). Trauma and Recovery. Basic Books.

-11Janoff-Bulman, R. (1992). Shattered Assumptions: Towards a New Psychology of Trauma. Free Press.

-12Kroger, J. (2007). Identity Development: Adolescence Through Adulthood (2nd ed.). Sage Publications.

-13Mikulincer, M., & Shaver, P. R. (2016). Attachment in Adulthood: Structure, Dynamics, and Change (2nd ed.). Guilford Press.

-14Walsh, F., & McGoldrick, M. (Eds.). (2004). Living Beyond Loss: Death in the Family (2nd ed.). W.W. Norton & Company.

 

[1] – طالبة دكتوراه في جامعة آزاد الإسلاميّة-طهران- إيران- كلّيّة الآداب- فرع البحوث والتحقيقات.

PhD student at Azad Islamic University – Tehran – Iran – Faculty of Arts – Research and Investigation Department. Email: diana.75.tehfe@gmail.com

[2] – أستاذ محاضر في الجامعة اللبنانيّة – كلّيّة التربية.

Email: fayoub@ ul.edu.lb- Lecturer at the Lebanese University – Faculty of Education

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.