عنوان البحث: التّنمّر المدرسي في المرحلة المتوسطة: قراءة نظريّة في ضوء الإرشاد النّفسي
اسم الكاتب: إحسان محمد شمص
تاريخ النشر: 2026/05/20
اسم المجلة: مجلة أوراق ثقافية
عدد المجلة: 43
تحميل البحث بصيغة PDFالتّنمّر المدرسي في المرحلة المتوسطة: قراءة نظريّة في ضوء الإرشاد النّفسي
School Bullying in the Middle School Stage: A Theoretical Analysis from the Perspective of Psychological Counseling
إحسان محمد شمص([1]) Ehsan mohammad chamas
Dr. Fawzi Abed El Hussein Ayoub إشراف: أ. د. فوزي أيوب([2])
تاريخ الإرسال:24-1-2026 تاريخ القبول:4-2-2026
الملخص Turnitin:17%
تهدف هذه الدِّراسة إلى تقديم قراءة نظرية تحليليّة لظاهرة التّنمّر المدرسي في المرحلة المتوسطة في ضوء الإرشاد النّفسي المدرسي، مع التّركيز على أنماطه اللفظيّة والاجتماعيّة والإلكترونيّة، وبالاستناد إلى المنظور الاجتماعي–البيئي. اعتمدت الدِّراسة المنهج الوصفي التّحليلي من خلال مراجعة منظمة للأدبيّات العلميّة المحكمة ذات الصّلة بالتّنمّر المدرسي والإرشاد النّفسي. وتوصلت الدِّراسة إلى أنّ التّنمّر المدرسي يمثل ظاهرة نفسيّة–اجتماعيّة مركبة تتشكل داخل تفاعلات جماعة الأقران والمناخ المدرسي والسّياق الثّقافي والرّقمي، ولا يمكن تفسيرها أو معالجتها من منظور فردي ضيق. كما أبرزت النّتائج النّظريّة الدّور المحوري للإرشاد النّفسي المدرسي في الوقاية من التّنمّر والحد من آثاره النّفسية والاجتماعيّة، من خلال آليات الوقاية المبكرة، والتّوجيه السّلوكي، والدّعم النّفسي والاجتماعي. وتؤكد الدِّراسة أهمّيّة تبني مقاربات إرشاديّة تكامليّة تسهم في بناء بيئات مدرسيّة آمنة وداعمة.
الكلمات المفتاحيّة: التّنمّر المدرسي، الإرشاد النّفسي المدرسي، المرحلة المتوسطة، المنظور الاجتماعي–البيئي، الصحة النّفسية المدرسية
Abstract
This study aims to provide a theoretical and analytical reading of school bullying in the middle school stage from the perspective of school psychological counseling, with a focus on verbal, social, and cyberbullying, based on the social–ecological perspective. The study adopts a descriptive–analytical approach through a systematic review of peer-reviewed scientific literature related to school bullying and psychological counseling. The findings indicate that school bullying is a complex psychosocial phenomenon shaped by peer group interactions, school climate, and cultural and digital contexts, and cannot be adequately explained or addressed through a narrow individual perspective. The theoretical analysis also highlights the pivotal role of school psychological counseling in preventing bullying and mitigating its psychological and social consequences through early preventive mechanisms, behavioral guidance, and psychological and social support. The study emphasizes the importance of adopting integrative counseling approaches that contribute to creating safe and supportive school environments.
Keywords: School bullying; School psychological counseling; Middle school stage; Social–ecological perspective; School mental health
1. المقدمة
أصبحت ظاهرة التّنمّر المدرسي من القضايا التّربويّة والنّفسية البارزة التي تحظى باهتمام متزايد في الأدبيّات المعاصرة، نظرًا لما تخلّفه من آثار نفسية واجتماعية وتربوية عميقة لدى التلاميذ، سواء كانوا ضحايا أو منخرطين في سلوك التّنمّر أو حتى متفرجين عليه، وقد أظهرت الدِّراسات أن التّنمّر لا يقتصر على أشكال العدوان الجسدي المباشر، بل يتخذ أنماطًا متعددة تشمل التّنمّر اللفظي والاجتماعي والإلكتروني، وهي أنماط تزداد تعقيدًا مع تطور العلاقات الاجتماعيّة والتكنولوجية داخل البيئة المدرسية (Marsh et al., 2023؛ Görzig & Macháčková, 2015؛ Timmons-Mitchell et al., 2021).
وتكتسب المرحلة المتوسطة أهمّيّة خاصة في دراسة التّنمّر المدرسي، كونها تمثل مرحلة انتقالية حساسة في النمو النّفسي والاجتماعي، تتسم بتزايد تأثير جماعة الأقران، وتبلور الهوية، واشتداد الحاجة إلى الانتماء والمكانة الاجتماعيّة، وتشير الأدبيّات إلى أن هذه الخصائص تجعل التّلاميذ في هذه المرحلة أكثر عرضة للانخراط في سلوكيّات التّنمّر أو الوقوع ضحايا لها، خاصة في البيئات المدرسيّة التي تفتقر إلى الدّعم النّفسي والمناخ الإيجابي (Ma et al, 2001؛ Lam et al, 2015؛ Ma et a., 2025).
وقد شهدت الأطر النّظريّة المفسّرة للتّنمر تطورًا ملحوظًا، وقد انتقلت من التّركيز على السِّمات الفرديّة والسّلوكيّات الظاهرة إلى تبني مقاربات أكثر شموليّة، وفي مقدمتها المنظور الاجتماعي–البيئي الذي ينظر إلى التّنمّر بوصفه ظاهرة ناتجة عن تفاعل معقد بين الفرد، وجماعة الأقران، والمُناخ المدرسي، والسّياق الأُسري والمجتمعي، بما في ذلك البيئة الرّقميّة (Espelage, 2014؛ Espelage et al, 2013؛ Mishna et al, 2022)، ويؤكد هذا المنظور أنّ فاعليّة التّعامل مع التّنمّر تستلزم تدخلات متعددة المستويات تتجاوز الاستجابات الفرديّة أو العقابيّة.
في هذا السّياق، يبرز الإرشاد النّفسي المدرسي كأحد المداخل المهنيّة الأساسية لمواجهة التّنمّر المدرسي، من خلال أدواره الوقائيّة والعلاجيّة والتّنمويّة، إذ تشير الأدبيّات إلى أنّ الإرشاد النّفسي يسهم في تعزيز الصّحة النّفسية للتلاميذ، وتنمية مهاراتهم الاجتماعيّة والانفعالية، وتحسين المناخ المدرسي، بما يحد من انتشار سلوكيّات التّنمّر ويخفف من آثارها النّفسية والاجتماعيّة (Foon et al., 2020؛ Ulum et al., 2025؛ Souza, 2024). كما تتزايد الدّعوات إلى توظيف الإرشاد النّفسي في إطار مقاربات شموليّة تراعي ديناميّات الجماعة وأدوار المتفرجين والتّفاعلات الرّقميّة الحديثة (O’Brien et al, 2024؛ Patel & Quan-Haase, 2022).
وانطلاقًا من ذلك، تأتي هذه الدِّراسة لتقديم قراءة نظريّة لظاهرة التّنمّر المدرسي في المرحلة المتوسطة، في ضوء الإرشاد النّفسي المدرسي، مع التّركيز على التّنمّر اللفظي والاجتماعي والإلكتروني، وبالاستناد إلى المنظور الاجتماعي بوصفه إطارًا تفسيريًّا جامعًا يساعد على فهم الظاهرة وبناء استجابات إرشاديّة أكثر فاعليّة.
2. إشكالية الدِّراسة
على الرّغم من تزايد الاهتمام البحثي بظاهرة التّنمّر المدرسي، وتعدد الدِّراسات التي تناولت أنواعه وآثاره وأساليب التّعامل معه، إلّا أنّ تحليل الأدبيّات يكشف عددًا من الإشكالات النّظريّة والتّطبيقيّة التي ما تزال قائمة، فمن جهة، ركزت نسبة معتبرة من الدِّراسات على الجوانب الوصّفيّة أو الميدانيّة للتّنمر، مع اهتمام أقل بالبناء النّظري المتكامل الذي يربط بين التّنمّر والإرشاد النّفسي المدرسي ضمن إطار اجتماعي–بيئي شامل (Foon et al, 2020؛ Siqueira, 2024).
ومن جهة أخرى، تميل بعض المقاربات إلى معالجة التّنمّر بوصفه سلوكًا فرديًا ناتجًا عن خصائص نفسيّة، أو معرفيّة للمتنمر أو الضّحيّة في حين تُظهر الدِّراسات الحديثة أنّ ديناميّات جماعة الأقران، والمناخ المدرسي، والأدوار الاجتماعيّة (مثل دور المتفرجين)، تمثل عوامل مركزيّة في نشوء التّنمّر واستمراره (Duffy, 2005؛ Hamsah et al, 2024؛ Tordjman, 2022)، ويؤدي هذا التّركيز الفردي المحدود إلى تدخلات إرشاديّة قد تكون غير كافية لمعالجة الجذور الاجتماعيّة للظاهرة.
كما تبرز إشكاليّة إضافيّة تتمثل في محدوديّة التّكامل النّظري بين أدوار الإرشاد النّفسي المدرسي وأنماط التّنمّر المختلفة، لا سيما التّنمّر الإلكتروني، الذي أضاف أبعادًا جديدة مرتبطة بالبيئة الرّقميّة، مثل الاتساع واللازمنيّة وصعوبة الضّبط، وهي أبعاد لا تزال غير مدمجة بشكل كافٍ في كثير من الأطر الإرشاديّة التقليدية (Patel & Quan-Haase, 2022؛ Görzig & Macháčková, 2015؛ Timmons-Mitchell et al, 2021).
وتشير الأدبيّات أيضًا إلى تفاوت في وضوح أدوار المرشدين النّفسيين داخل المدارس، وتحدِّيات تتعلق بالتّدريب والموارد والتّكامل مع المعلمين والإدارة المدرسيّة، مما يحد من فاعليّة الإرشاد النّفسي في الوقاية من التّنمّر والتّدخل لمعالجته (Burlet, 2019؛ O’Brien et al., 2024؛ Bahauddin et al., 2025).
وانطلاقًا من هذه المعطيات، تتحدد إشكاليّة الدِّراسة في الحاجة إلى بناء قراءة نظريّة تحليليّة متكاملة لظاهرة التّنمّر المدرسي في المرحلة المتوسطة، تنطلق من المنظور الاجتماعي–البيئي، وتبرز دور الإرشاد النّفسي المدرسي في الوقاية من التّنمّر والحد من آثاره النّفسية والاجتماعيّة، مع مراعاة خصوصيّة أنماطه اللفظيّة والاجتماعيّة والإلكترونيّة، وتسعى هذه الدِّراسة إلى الإسهام في سد هذا النقص من خلال تنظيم وتحليل الأدبيّات ذات الصلة، بما يدعم تطوير أطر إرشاديّة أكثر شمولًا وملاءمة للسياق المدرسي المعاصر.
3. تساؤلات الدِّراسة
تسعى الدِّراسة إلى الإجابة عن التساؤلات الآتية:
- ما المقصود بالتّنمّر المدرسي في المرحلة المتوسطة، وما أبرز أنماطه وخصائصه؟
- ما النّظريات النّفسية والاجتماعيّة المهمّة المفسرة لظاهرة التّنمّر المدرسي؟
- كيف يسهم الإرشاد النّفسي المدرسي في الوقاية من التّنمّر والحدّ من آثاره النّفسيّة والاجتماعيّة؟
- ما الآليات الإرشاديّة النّفسيّة الأكثر ملاءمة لمواجهة التّنمّر اللفظي والاجتماعي والإلكتروني في المرحلة المتوسطة؟
4. فرضية الدِّراسة
تنطلق الدِّراسة من فرضيّة مفادها أن: الإرشاد النّفسي المدرسي، في ضوء المنظور الاجتماعي–البيئي، يمثل مدخلًا نظريًا فاعلًا للوقاية من التّنمّر المدرسي والحدّ من آثاره النّفسية والاجتماعيّة لدى تلاميذ المرحلة المتوسطة، خاصة في أشكاله اللفظيّة والاجتماعيّة والإلكترونيّة.
5. أهمّيّة البحث
تتمثل أهمّيّة البحث في الآتي:
- أهميته النّظريّة: الإسهام في تنظيم وتحليل الأدبيّات المتعلقة بالتّنمّر المدرسي من منظور إرشادي نفسي، وإبراز البعد الاجتماعي–البيئي في تفسير الظاهرة.
- أهميته التّطبيقيّة: إفادة المرشدين النّفسيين والمعلمين وصنّاع القرار التربوي في تطوير ممارسات وقائيّة وعلاجيّة أكثر شمولًا لمواجهة التّنمّر في المرحلة المتوسطة.
6. أهداف البحث: تهدف الدِّراسة إلى
- توضيح مفهوم التّنمّر المدرسي وأنماطه وخصائصه في المرحلة المتوسطة.
- تحليل أبرز النّظريات المفسرة للتنمر المدرسي في ضوء الأدبيّات المعاصرة.
- إبراز دور الإرشاد النّفسي المدرسي في الوقاية من التّنمّر والتدخل لمعالجته.
- تقديم تصور نظري متكامل للآليات الإرشاديّة النّفسية الملائمة لمواجهة التّنمّر المدرسي.
7. الفجوة البحثيّة
على الرغم من كثرة الدِّراسات التي تناولت التّنمّر المدرسي، إلّا أنّ معظمها ركّز على الجوانب الوصفيّة أو التّدخلات الميدانيّة، مع محدوديّة الدِّراسات النّظريّة التي تعالج الظاهرة من منظور إرشادي نفسي تكاملي يستند إلى الإطار الاجتماعي–البيئي. كما تُظهر الأدبيّات نقصًا في الرّبط المنهجي بين أنماط التّنمّر المختلفة (اللفظي، الاجتماعي، والإلكتروني) ودور الإرشاد النّفسي المدرسي في مواجهتها، لا سيما في سياق المرحلة المتوسطة.
8. جديد البحث
يتجلى جديد البحث في تقديم قراءة نظريّة تحليليّة متكاملة لظاهرة التّنمّر المدرسي في المرحلة المتوسطة، من خلال توظيف المنظور الاجتماعي–البيئي لربط النّظريات المفسرة للتنمر بأدوار وآليات الإرشاد النّفسي المدرسي. كما يتميز البحث بتنظيم الأدبيّات الحديثة وربطها بأنماط التّنمّر المختلفة، بما يسهم في بناء إطار مرجعي يمكن الإفادة منه في تطوير الممارسات الإرشاديّة المدرسيّة.
9. منهج البحث
اعتمدت الدِّراسة على المنهج الوصفي التّحليلي، من خلال مراجعة نظريّة منظمة وتحليل محتوى الدِّراسات العلميّة المحكمة ذات الصلة بالتّنمّر المدرسي والإرشاد النّفسي المدرسي، بهدف استخلاص الأطر النّظريّة والآليات الإرشاديّة المناسبة لمواجهة التّنمّر في المرحلة المتوسطة.
الإطار النظري
10. المبحث الأول: مفهوم التّنمّر المدرسي
10.1 تعريف التّنمّر المدرسي
يُعدّ التّنمّر المدرسي من الظواهر النّفسية–الاجتماعيّة المركّبة التي تتجاوز كونه سلوكًا عدوانيًا عابرًا، إذ يرتبط عادةً بعناصر بنيويّة أهمها: اختلال ميزان القوة بين طرفين، وتكرار الإيذاء أو احتماليّة استمراره، ووقوعه داخل سياقات مدرسية تشكّلها معايير جماعة الرفاق ومناخ المدرسة. لذلك فإن فهم التّنمّر يتطلب النّظر إليه بوصفه عمليّة اجتماعيّة تُمارَس داخل شبكة العلاقات الصّفيّة والمدرسيّة، وليس مجرد سلوك فردي منفصل (Espelage, 2014؛ Espelage et al, 2013).
وتؤكد الأدبيّات المبكرة أنّ التّنمّر يتخذ طابعًا “مؤسسيًا” حين تسمح البيئة المدرسيّة—بشكل مباشر أو غير مباشر—بتمريره عبر التّساهل الاجتماعي أو ضعف الضّبط أو قصور الاستجابات التّربويّة، وهو ما يجعل “علاجه” لا يقتصر على معاقبة الفاعل، بل يمتد إلى بناء مناخ مدرسي أكثر دعمًا وانتماءً ووضوحًا في المعايير (Ma et al, 2001؛ Beane, 2005). كما تشير المقاربات السوسيولوجيّة–البيئيّة إلى أنّ التّنمّر يُفهم بدقّة أكبر عندما نحلله على مستويات متعددة: الفرد، جماعة الأقران، الصّف، المدرسة، الأسرة، والمجتمع (Espelage, 2014؛ Görzig & Macháčková, 2015).
10.2. أنواع التّنمّر المدرسي
تشير المراجعات التّكامليّة الحديثة إلى أهمّيّة التّمييز بين أنماط التّنمّر، لأنّ لكل نمط دينامياته وارتباطاته ونتائجه النّفسية والاجتماعيّة، ومن التّصنيفات المستخدمة على نطاق واسع التمييز بين:
- التّنمّر اللفظي: كالسّخريّة، الإهانة، التّحقير، إطلاق الألقاب.
- التّنمّر الاجتماعي/العلاقاتي (Relational/Social): كالعزل، نشر الشّائعات، الإقصاء من الجماعة، تخريب السّمعة داخل جماعة الأقران.
- التّنمّر الإلكتروني: الذي يُمارس عبر الوسائط الرّقميّة، ويتميز بخصائص مثل الاتساع وسرعة الانتشار واحتمالات الإخفاء واللازمنيّة (أي إمكانية تكرار الأذى عبر إعادة النّشر أو بقاء المحتوى) (Marsh et al., 2023؛ Patel & Quan-Haase, 2022؛ Görzig & Macháčková, 2015).
وتبيّن الأدبيّات أن الفصل بين التّنمّر التّقليدي والإلكتروني مفيد تحليليًا لكنّه ليس فصلًا صارمًا في الواقع؛ إذ قد تتداخل الأدوار والأنماط، وقد يتعرض بعض الطلاب لأشكال مركبة (تقليدي + إلكتروني) مع اختلاف المتنبئات والنتائج، ما يستدعي مقاربات تدخليّة أكثر دقة وتخصيصًا (Guo, 2021؛ Timmons-Mitchell et al., 2021).
10.3. خصائص التّنمّر في المرحلة المتوسطة
تكتسب المرحلة المتوسطة خصوصيتها من كونها مرحلة انتقاليّة في النّمو النّفسي والاجتماعي؛ إذ تتسارع عمليات تشكّل الهوية، وترتفع حساسيّة المراهق لمكانته داخل جماعة الأقران، ويزداد تأثير “المعايير غير الرسمية” التي تنتجها الجماعات الصّفيّة وشبكات الصّداقة. في هذا السّياق، يصبح التّنمّر أحيانًا “أداة اجتماعيّة” تُستخدم لاكتساب المكانة أو تثبيت النّفوذ أو فرض الانتماء، وهو ما تؤكده المقاربات التي تفسر التّنمّر بوصفه عمليّة جماعيّة تتداخل فيها الأدوار (المتنمر، الضّحيّة، المتفرج/المساند/المدافع) ضمن توازنات السّلطة داخل الجماعة (Duffy, 2005؛ Hamsah et al., 2024؛ Tordjman, 2022).
كما تُظهر الأبحاث أنّ مناخ الصّف والمدرسة (الدّعم المعلمّي، الانتماء المدرسي، وضوح القواعد، الطابع التّعاوني مقابل التّنافسي) يرتبط بقوة بمعدلات التّنمّر وتجارب الضّحايا. وتؤكد الدِّراسات ذات المنظور البيئي–الاجتماعي أن دعم المعلم والانتماء المدرسي يعملان كعوامل واقية تقلل احتمالات التّعرّض للتنمر وتخفف آثاره (Zhu & Teng, 2022؛ Ma et al., 2025؛ Lam et al., 2015).
وعلى مستوى التّنمّر الإلكتروني، تزداد التّعقيدات في المرحلة المتوسطة مع توسع استخدام الهواتف الذّكيّة والمنصّات الرّقميّة، وتصبح البيئة الرّقميّة “طبقة بيئيّة” قائمة بذاتها داخل النّموذج الاجتماعي–البيئي، ما يستدعي فهمًا يتجاوز حدود المدرسة الماديّة إلى المجال الرقمي الذي يعيش فيه الطلبة جزءًا معتبرًا من تفاعلاتهم (Patel & Quan-Haase, 2022؛ Görzig & Macháčková, 2015). وتوضح الأدبيّات كذلك أن ضحايا التّنمّر الإلكتروني قد يواجهون ضغوطًا نفسيّة واجتماعيّة خاصة، ترتبط بالتّعرض العلني والتّشهير وتكرار المشاهدة، ما يعمّق الحاجة إلى دعم نفسي–اجتماعي موجه (Wulandari & Sujarwo, 2024).
11. المبحث الثاني: النّظريات المفسرة للتنمر
تتعدد النّظريات المفسرة للتنمر تبعًا لزاوية النّظر: هل نركز على السّلوك الظاهر؟ أم على العمليّات المعرفيّة والانفعاليّة؟ أم على بنى العلاقات والهُويَّة والمعايير الاجتماعيّة؟ أم على حاجات الفرد للنمو وتحقيق الذَّات؟ وتُظهر الأدبيّات أنّ الاقتصار على منظور أحادي يختزل الظاهرة، بينما يتيح التّكامل النّظري فهمًا أدق للتّنمر بوصفه سلوكًا ذا جذور فرديّة، لكنّه يُنتَج ويُعزَّز اجتماعيًا داخل سياقات مدرسيّة ورفاقيّة (Espelage, 2014؛ Mishna et al, 2022؛ Marsh et al, 2022).
11.1. النّظريّة الاجتماعيّة (المنظور الاجتماعي–البيئي وديناميّات الجماعة)
يُعدّ المنظور الاجتماعي–البيئي من أكثر الأطر حضورًا في تفسير التّنمّر، إذ ينطلق من أن سلوك التّنمّر لا يتشكل داخل الفرد فقط، بل يتأثر بمنظومات متداخلة تشمل الأسرة وجماعة الأقران والمدرسة والمجتمع، بما في ذلك السياسات والثقافة العامة. وقد دعّم هذا المنظور تصورًا أساسيًا مفاده أن خفض التّنمّر لا يتحقق عبر تدخلات فردية فحسب، بل عبر مقاربة متعددة المستويات تشمل تحسين المناخ المدرسي وتفعيل دور المعلمين والأسرة والشّراكات المجتمعيّة (Espelage, 2014؛ Espelage et al., 2013؛ Merrin et al., 2018).
ومن داخل هذا الإطار، تظهر أهمّيّة “ديناميّات جماعة الرفاق” بوصفها محركًا مباشرًا للتّنمر: فالمعايير الجماعيّة، والتّراتبيّة، والسّعي للمكانة، وأدوار المتفرجين—كلها عناصر تعيد إنتاج التّنمّر أو تحدّ منه. وتشير أدبيّات الهُويّة الاجتماعيّة والتّصنيف الذّاتي إلى أنّ الفرد قد يمارس التّنمّر أحيانًا بوصفه سلوكًا يخدم الانتماء للجماعة أو تثبيت موقعه داخلها، بحيث تصبح المعايير الداخلية للجماعة (وليس فقط خصائص الفرد) متنبئًا بسلوك التّنمّر (Duffy, 2005؛ Hamsah et al, 2024). كما يبرز نموذج “العنف الجماعي والإقصاء” بوصفه تفسيرًا للتنمر بوصفه سعيًا لاحتلال مكانة داخل المجموعة عبر إقصاء الآخر، ما يفسر مركزيّة دور المتفرجين وخطورة صمتهم (Tordjman, 2022).
ويمتد التّحليل الاجتماعي–البيئي ليشمل المناخ المدرسي بوصفه عاملًا واقيًا أو محفزًا. فالمناخ الإيجابي—بما يتضمنه من دعم معلمي، وعدالة في الضّبط، وتعاون صفّي—يرتبط بانخفاض التّنمّر وارتفاع السّلوكيات المدافعة عن الضحايا (Zhu & Teng, 2022؛ Ma et al, 2025؛ Damayanti et al, 2024). كما توضح بعض الأعمال أنّ خصائص السّياق الثقافي والاجتماعي (التّراتبيّة الاجتماعيّة، الاختلاف الاجتماعي، القيم السّائدة) قد تشكّل خبرة التعرّض للتنمر وتفسر اختلافاته بين البيئات (Yao, 2022؛ Maunder & Crafter, 2012).
وفيما يخص التّنمّر الإلكتروني، تقترح نماذج موسعة أن البيئة الرّقميّة ليست مجرد قناة للسّلوك، بل “بيئة” اجتماعيّة لها معاييرها وآليات تأثيرها الخاصة؛ إذ تسهم خصائص الوسائط الرّقميّة في إعادة تشكيل علاقات القوة والظهور والسّمعة، ما يفرض على الإرشاد النّفسي المدرسي دمج البعد الرّقمي ضمن فهمه للسّياق الاجتماعي للتنمر (Patel & Quan-Haase, 2022؛ Görzig & Macháčková, 2015؛ Timmons-Mitchell et al., 2021).
11.2. النّظريّة السّلوكيّة
تنطلق النّظريّة السّلوكيّة من افتراض أساسي مفاده أنّ السّلوك الإنساني—بما في ذلك سلوك التّنمّر—هو نتاج أنماط من التّعلم الشّرطي والتّعزيز، فتُكتسب الاستجابات السّلوكية وتُحافَظ عليها أو تُطفأ تبعًا للعواقب التي تترتب عليها. ووفق هذا المنظور، يُفهم التّنمّر بوصفه سلوكًا يتكرر عندما يُكافَأ بشكل مباشر أو غير مباشر، سواء عبر تحقيق مكاسب اجتماعيّة (الهيمنة، المكانة، لفت الانتباه) أو عبر غياب العواقب الرّادعة داخل البيئة المدرسيّة (Ma et al, 2001؛ Beane, 2005).
وتشير الأدبيّات إلى أنّ البيئة الصّفيّة والمدرسيّة قد تسهم أحيانًا في تعزيز التّنمّر بشكل غير مقصود، عندما يتلقى المتنمر دعمًا ضمنيًا من الأقران أو صمتًا من المعلمين، أو عندما يفشل النّظام المدرسي في فرض قواعد واضحة ومتسقة. في هذه الحالة، يصبح التّنمّر سلوكًا “وظيفيًا” بالنسبة إلى الفاعل، ما يفسر استمراره وتكراره (Espelage et al, 2013؛ Marsh et al, 2022).
من منظور الإرشاد النّفسي المدرسي، تبرز النّظريّة السّلوكيّة كإطار عملي لتوجيه التّدخلات القائمة على تعديل السّلوك، من خلال إعادة هيكلة أنماط التعزيز داخل الصّف والمدرسة، وتعزيز السّلوكيات الاجتماعيّة الإيجابيّة، وتقليص المكاسب المرتبطة بالتّنمّر. وتشير مراجعات التّدخلات الإرشاديّة إلى أنّ استخدام استراتيجيّات مثل التعزيز الإيجابي للسّلوكيات التّعاونيّة، ووضع عواقب واضحة للسّلوكيات المؤذية، والتدريب على المهارات الاجتماعيّة، يسهم في الحد من مظاهر التّنمّر، خاصة في أشكاله اللفظيّة والاجتماعيّة (Peng et al, 2022؛ Jueajinda et al, 2021؛ RAZIM et al, 2024).
ومع ذلك، تُظهر الأدبيّات أيضًا أنّ الاقتصار على المنظور السّلوكي، قد يكون محدود الفاعليّة إذا لم يُدمَج مع فهم أعمق للدوافع المعرفيّة والاجتماعيّة الكامنة وراء التّنمّر، خاصة في المرحلة المتوسطة فتتداخل الاعتبارات السّلوكية مع قضايا الهُويّة والانتماء والمكانة الاجتماعيّة (Marsh et al, 2023).
11.3. النّظريّة المعرفيّة
تركّز النّظريّة المعرفيّة على العمليّات الذّهنيّة التي توجه السّلوك، مثل أنماط التّفكير، والتّفسيرات المعرفيّة، والمعتقدات المرتبطة بالذات والآخرين. وفي سياق التّنمّر، تفترض هذه النّظريّة أن بعض الطلبة، قد يمتلكون تحيزات معرفية أو أنماط تفسيرية مشوهة—كإسناد نوايا عدائية للآخرين، أو تبرير إيذاء الزملاء بوصفه “مستحقًا” أو “طبيعيًا”—ما يسهم في ظهور واستمرار سلوك التّنمّر (Zhu, 2023؛ Horton, 2014).
وتشير دراسات متعددة إلى أنّ هذه العمليّات المعرفيّة لا تعمل بمعزل عن السّياق الاجتماعي، بل تتشكل داخل بيئات صفية وثقافية قد تعزز بعض المعتقدات السّلبيّة حول القوّة والهيمنة والاختلاف الاجتماعي. كما تُظهر الأبحاث أنّ الضحايا أنفسهم قد يطورون أنماطًا معرفيّة سلبيّة (كاللوم الذاتي أو التّوقع الدائم للرفض)، ما يزيد من هشاشتهم النّفسية ويعمّق آثار التّنمّر (Liu et al, 2025؛ Wulandari & Sujarwo 2024).
في ضوء الإرشاد النّفسي المدرسي، تبرز أهمّيّة المقاربات المعرفيّة—وخاصة تلك المستندة إلى الإرشاد المعرفي–السّلوكي—في مساعدة الطلبة على إعادة بناء أفكارهم وتفسيراتهم المتعلقة بالتّفاعلات الاجتماعيّة. وتؤكد مراجعات التّدخلات أن العمل على تعديل المعتقدات الدّاعمة للتّنمر، وتنمية الوعي بالانفعالات، وتطوير مهارات التّنظيم الانفعالي، يسهم في خفض السّلوكيّات العدوانيّة، وتحسين التّكيف النّفسي لكل من المتنمرين والضحايا (Ihsany et al, 2025؛ Foon et al, 2020).
كما توضح بعض الدِّراسات أنّ التّدخلات المعرفيّة تكون أكثر فاعليّة عندما تُدمج ضمن برامج مدرسيّة أوسع تراعي ديناميات الجماعة، فلا يُختزل التّغيير في الفرد فقط، بل يُدعَم بتغييرات في المناخ الصفّي ومعايير الأقران (Marsh et al., 2022؛ Espelage, 2014).
11.4. النّظريّة الإنسانيّة
تنطلق النّظريّة الإنسانيّة من تصور إيجابي للطبيعة الإنسانيّة، يؤكد أنّ السّلوك المشكل—بما في ذلك التّنمّر—قد يكون انعكاسًا لإحباط الحاجات النّفسيّة الأساسية، مثل الحاجة إلى القبول والانتماء والتّقدير وتحقيق الذات. ووفق هذا المنظور، قد يُفسَّر التّنمّر بوصفه محاولة غير تكيفيّة لإشباع حاجات نفسيّة لم تُلبَّ داخل الأُسرة أو المدرسة أو جماعة الأقران (Maunder & Crafter, 2012؛ Siqueira, 2024).
وتُبرز الأدبيّات ذات المنحى الإنساني أهمّيّة العلاقة الدّاعمة والبيئة المدرسيّة الآمنة بوصفها شروطًا أساسيّة للوقاية من التّنمّر والحدّ من آثاره. إذ تشير الدِّراسات إلى أن غياب الشّعور بالأمان والانتماء داخل المدرسة قد يدفع بعض الطلبة إلى تبني أدوار عدوانيّة أو انسحابيّة، بينما يسهم المناخ الإيجابي القائم على الاحترام والدعم المتبادل في تقليص السّلوكيات المؤذية وتعزيز التعاطف (Damayanti et al, 2024؛ Souza 2024).
وفي مجال الإرشاد النّفسي المدرسي، تكتسب النّظريّة الإنسانيّة أهمّيّة خاصة في العمل مع الضّحايا، من خلال توفير مساحات آمنة للتّعبير عن المشاعر، وتعزيز تقدير الذّات، وبناء الإحساس بالكفاءة والقدرة على المواجهة. كما تشير بعض الأدبيّات إلى أنّ المقاربات الإنسانيّة تسهم في إعادة دمج الطلبة داخل الجماعة المدرسية، وتدعم نمو التعاطف والمسؤولية الاجتماعيّة، وهو ما ينسجم مع أهداف الوقاية طويلة المدى من التّنمّر (Rodrigues & Andrade, 2024؛ Silva et al, 2024).
وعلى الرغم من الطّابع الدّاعم لهذا المنظور، تُظهر المراجعات أنّ فعاليته تكون أكبر عندما يُدمج مع أطر أخرى—سلوكيّة ومعرفيّة واجتماعيّة—ضمن مقاربة إرشاديّة تكامليّة، تأخذ في الحسبان حاجات الفرد، وأنماط تفكيره، وسلوكياته، والسّياق الاجتماعي الذي يتحرك داخله (Espelage, 2014؛ Mishna et al 2022).
يتضح من العرض السّابق أنّ كل نظريّة من النّظريات المفسرة للتّنمر تسلط الضوء على جانب محدد من الظاهرة: فالنّظريّة السّلوكية تفسر “كيف يُحفَظ السّلوك”، والمعرفيّة تشرح “كيف يُفكَّر فيه ويُبرَّر”، والإنسانيّة تركز على “لماذا يظهر بوصفه تعبيرًا عن حاجات غير مشبعة”، بينما يوفّر المنظور الاجتماعي–البيئي الإطار الأشمل الذي يربط هذه المستويات داخل سياق المدرسة وجماعة الأقران. ومن ثمّ، فإنّ الإرشاد النّفسي المدرسي الأكثر فاعليّة هو ذاك الذي يستند إلى تكامل نظري يترجم هذه الرؤى إلى تدخلات وقائيّة وعلاجيّة متعددة المستويات، وهو ما يمهّد للانتقال إلى المبحث الثالث المتعلق بالإرشاد النّفسي المدرسي وأدواره في مواجهة التّنمّر.
12. المبحث الثالث: الإرشاد النّفسي المدرسي
12.1. مفهوم الإرشاد النّفسي المدرسي
يُعدّ الإرشاد النّفسي المدرسي أحد المكونات الأساسية في منظومة المدرسة الحديثة، إذ يهدف إلى دعم النّمو النّفسي والاجتماعي والتّربوي للمتعلمين، ومساعدتهم على التّكيف مع متطلبات البيئة المدرسيّة وتحقيق التّوافق النّفسي والاجتماعي. ويُنظر إلى الإرشاد النّفسي المدرسي بوصفه عمليّة مهنيّة منظمة تستند إلى أسس علم النّفس، وتُمارَس داخل السّياق المدرسي من خلال مختصين مؤهلين، بهدف الوقاية من المشكلات النّفسية والسّلوكية والتّدخل لمعالجتها عند ظهورها (Foon et al, 2020؛ Ulum et al, 2025).
وتؤكد الأدبيّات المعاصرة أنّ الإرشاد النّفسي المدرسي لم يعد يقتصر على التّعامل مع الحالات الفرديّة، بل تطور ليأخذ طابعًا نسقيًا يراعي العلاقات المتبادلة بين الطالب، وجماعة الأقران، والمعلمين، والأُسرة، والمناخ المدرسي العام. ويعكس هذا التّطور التحول نحو تبني المنظور الاجتماعي–البيئي في فهم المشكلات السّلوكيّة، ومنها التّنمّر، بوصفها نتاج تفاعل معقد بين عوامل فرديّة واجتماعيّة ومؤسسيّة (Espelage, 2014؛ Mishna et al, 2022).
وفي هذا السّياق، يُنظر إلى المرشد النّفسي المدرسي بوصفه فاعلًا محوريًا يسهم في بناء بيئة مدرسيّة داعمة، ويعمل على تعزيز الصّحّة النّفسيّة والوقاية من السّلوكيات الخطرة، وليس مجرد معالج للمشكلات بعد تفاقمها (O’Brien et al, 2024؛ Rodrigues & Andrade, 2024).
12.2. أهداف الإرشاد النّفسي المدرسي
تتعدد أهداف الإرشاد النّفسي المدرسي تبعًا لطبيعة الفئة العمريّة والسّياق الثقافي والمؤسسي، إلّا أنّ الأدبيّات تشير إلى مجموعة من الأهداف المركزيّة التي تشكّل إطارًا عامًا لعمل الإرشاد داخل المدارس. ومن أبرز هذه الأهداف:
- تعزيز التّوافق النّفسي والاجتماعي لدى الطلبة، وتنمية مهاراتهم في التعامل مع الضّغوط والتّحديات المدرسيّة.
- دعم النّمو الانفعالي والاجتماعي، بما في ذلك تنمية مهارات التّواصل، وضبط الانفعالات، وبناء العلاقات الإيجابيّة مع الأقران والمعلمين.
- الوقاية من المشكلات السّلوكيّة والانفعاليّة، وكشف مظاهر الخطر المبكر مثل السّلوك العدواني والتّنمّر.
- المساهمة في بناء مناخ مدرسي آمن وداعم يعزز الانتماء والشّعور بالقبول (Souza, 2024؛ Silva et al, 2024؛ Ulum et al., 2025).
وفيما يتعلق بالتّنمّر المدرسي، تبرز أهمّيّة الإرشاد النّفسي في تحقيق التّوازن بين الأهداف الوقائيّة والعلاجيّة، من خلال العمل على تعديل أنماط السلوك غير التّكيفيّة، ودعم الضّحايا نفسيًا، وتمكين المتفرجين من أداء أدوار إيجابية داخل جماعة الأقران (Foon et al, 2020؛ Liu et al, 2025).
12.3. مجالات الإرشاد النّفسي المدرسي
تتنوع مجالات الإرشاد النّفسي المدرسي، وتشير الأدبيّات إلى أنّ فعاليته ترتبط بقدرته على العمل عبر مستويات متعددة داخل المدرسة، ومن أبرز هذه المجالات:
أولًا: الإرشاد الفردي:
يركز على مساعدة الطلبة الذين يواجهون صعوبات نفسيّة أو سلوكيّة محددة، سواء أكانوا ضحايا للتّنمر أو منخرطين فيه كسلوك متكرر. ويهدف هذا النّوع من الإرشاد إلى تعزيز الوعي بالذات، وتنمية مهارات التكيّف، وإعادة بناء أنماط التفكير والانفعال غير السّويّة (Ihsany et al, 2025؛ Silva et al, 2024).
ثانيًا: الإرشاد الجمعي (الجماعي):
يُعدّ الإرشاد الجمعي من المجالات المهمة في التّعامل مع قضايا التّنمّر، نظرًا لطبيعته الاجتماعيّة. إذ يتيح العمل مع مجموعات صغيرة من الطلبة معالجة قضايا مثل العلاقات بين الأقران، والتّعاطف، والضّبط الذاتي، وحل النّزاعات، بما يسهم في تعديل ديناميّات الجماعة التي قد تغذي سلوك التّنمّر (Jueajinda et al, 2021؛ RAZIM et al, 2024).
ثالثًا: الإرشاد الصفي والمدرسي الشامل:
يتضمن أنشطة إرشاديّة تُنفّذ على مستوى الصّف أو المدرسة ككل، مثل برامج التّعلم الاجتماعي–الانفعالي، وحملات التّوعية، والعمل على تحسين المناخ المدرسي. وتشير الدِّراسات إلى أن هذا المستوى من التّدخل يعزز الوقاية الأوليّة، ويحدّ من انتشار التّنمّر عبر تغيير المعايير الاجتماعيّة السائدة داخل المدرسة (Almardiyah et al, 2025؛ Rizqi, 2025).
رابعًا: الإرشاد التشاركي مع الأسرة والمعلمين:
تؤكد الأدبيّات أن فعاليّة الإرشاد النّفسي المدرسي تتعزز عندما يعمل المرشد بالتّعاون مع المعلمين وأولياء الأمور، من خلال تبادل المعلومات، وبناء استراتيجيّات مشتركة لدعم الطلبة، وتحسين الاستجابات المؤسسيّة لحالات التّنمّر (Ulum et al., 2025؛ Wang, 2024).
12.4. الأدوار الوقائية والعلاجية للإرشاد النّفسي المدرسي
تُجمع الدِّراسات على أنّ الإرشاد النّفسي المدرسي يؤدي دورًا مزدوجًا في التعامل مع التّنمّر: وقائيًا وعلاجيًا، وهذان الدّوران متكاملان ولا يمكن الفصل بينهما بشكل صارم.
أولًا: الدّور الوقائي:
يتمثل الدّور الوقائي في الحدّ من ظهور التّنمّر قبل تحوله إلى مشكلة مزمنة، من خلال تعزيز المهارات الاجتماعيّة والانفعاليّة، وبناء ثقافة مدرسيّة قائمة على الاحترام والدّعم المتبادل. وتشير الأدبيّات إلى أنّ برامج الوقاية التي يقودها المرشدون النّفسيون، مثل برامج التّعلم الاجتماعي–الانفعالي، تسهم في خفض معدلات التّنمّر وتحسين العلاقات بين الطلبة (Almardiyah et al, 2025؛ Souza, 2024). كما يؤدي المرشد دورًا مهمًا في رصد المؤشرات المبكرة للسّلوكيّات الخطرة، والتّدخل السّريع قبل تفاقمها (O’Brien et al., 2024).
ثانيًا: الدّور العلاجي:
أمّا الدّور العلاجي فيتمثل في تقديم الدّعم النّفسي للطلبة المتأثرين بالتّنمّر، سواء أكانوا ضحايا أو متنمرين أو متفرجين متأثرين نفسيًا. ويشمل ذلك العمل على خفض الضّغوط النّفسيّة، وتعزيز التكيّف، وتنمية مهارات التّنظيم الانفعالي، وإعادة دمج الطلبة داخل الجماعة المدرسيّة بشكل إيجابي (Liu et al., 2025؛ Bahauddin et al, 2025).
وتؤكد الدِّراسات أنّ التّدخل العلاجي يكون أكثر فاعليّة عندما يُنظر إلى التّنمّر ضمن سياقه الاجتماعي، فلا يُحمَّل الفرد وحده مسؤوليّة التغيير، بل يُدعَم عبر تدخلات على مستوى الصّف والمدرسة والمناخ العام (Foon et al, 2020؛ Espelage, 2014). كما تشير بعض الأدبيّات إلى أنّ محدوديّة الموارد وضعف وضوح أدوار المرشدين قد تعيق فاعليّة هذه التّدخلات، ما يستدعي تعزيز التّدريب المهني وتكامل الجهود المؤسسية (Burlet, 2019؛ O’Brien et al, 2024).
يتضح أنّ الإرشاد النّفسي المدرسي يشكّل إطارًا مهنيًا متكاملًا لدعم الصّحة النّفسيّة للطلبة والوقاية من المشكلات السّلوكيّة، وفي مقدمتها التّنمّر المدرسي. ومن خلال تنوع مجالاته وتكامله بين الأدوار الوقائيّة والعلاجيّة، يتيح الإرشاد النّفسي إمكانيّة التعامل مع التّنمّر بوصفه ظاهرة فرديّة–اجتماعيّة في آن واحد. ويمهّد هذا الفهم للانتقال إلى المبحث الرابع الذي يركز على الآليات الإرشاديّة النّفسيّة في مواجهة التّنمّر بصورة أكثر تحديدًا.
13. المبحث الرابع: الإرشاد النّفسي في مواجهة التّنمّر المدرسي
يمثل الإرشاد النّفسي المدرسي أحد أكثر المداخل فاعليّة في مواجهة ظاهرة التّنمّر، نظرًا لقدرته على الجمع بين الفهم النظري للظاهرة والتّدخل العملي متعدد المستويات. وتؤكد الأدبيّات أنّ نجاح التّدخل الإرشادي في الحد من التّنمّر يرتبط بقدرته على معالجة العوامل الفرديّة والاجتماعيّة والمؤسسية التي تسهم في ظهوره واستمراره، بدل الاقتصار على الاستجابات العقابيّة أو الفرديّة الضّيقة (Espelage, 2014؛ Mishna et al., 2022). وفي هذا السّياق، تبرز ثلاث آليات رئيسة يعتمد عليها الإرشاد النّفسي في مواجهة التّنمّر: آليات الوقاية، والتوجيه السّلوكي، والدّعم النّفسي والاجتماعي.
13.1. آليات الوقاية من التّنمّر
تُعد الوقاية حجر الأساس في استراتيجيّات الإرشاد النّفسي المدرسي لمواجهة التّنمّر، إذ تهدف إلى الحدّ من ظهور السّلوكيات المتنمّرة قبل ترسّخها داخل الثقافة المدرسيّة. وتشير الأدبيّات إلى أن الوقاية الفاعلة تتطلب تبني مقاربة شموليّة تتجاوز الفرد لتشمل الصّف والمدرسة والمجتمع المدرسي بأكمله، انسجامًا مع المنظور الاجتماعي–البيئي (Espelage, 2014؛ Espelage et al, 2013).
ومن أبرز آليات الوقايّة الإرشاديّة: تعزيز المناخ المدرسي الإيجابي القائم على الدعم والانتماء والعدالة في الضبط. إذ تؤكد الدِّراسات أن المدارس التي يسود فيها دعم المعلمين، ووضوح القواعد، والتّفاعل الإيجابي بين الطلبة، تشهد معدلات أقل من التّنمّر وتجارب أقل حدّة لدى الضحايا (Zhu & Teng, 2022؛ Ma et al., 2025؛ Damayanti et al., 2024). ويضطلع المرشد النّفسي بدور محوري في دعم هذه البيئة من خلال العمل مع المعلمين والإدارة المدرسيّة لتبني سياسات وقائية واضحة ومتسقة.
كما تُعد برامج التعلم الاجتماعي–الانفعالي من الآليات الوقائية الأساسيّة، فتركّز على تنمية مهارات التّعاطف، والتّنظيم الانفعالي، وحلّ النّزاعات، والتّواصل الإيجابي. وتُظهر المراجعات أنّ دمج هذه البرامج ضمن المناهج المدرسيّة يسهم في خفض السّلوكيّات العدوانيّة، وتعزيز العلاقات الإيجابيّة بين الطلبة، ما يحد من فرص ظهور التّنمّر (Almardiyah et al, 2025؛ Rizqi, 2025).
وتشمل الوقاية أيضًا العمل على تمكين المتفرجين داخل جماعة الأقران، من خلال تعزيز الوعي بأدوارهم وتأثيرهم الاجتماعي، وتحفيز السّلوكيات المدافعة عن الضحايا. إذ تشير الأدبيّات إلى أنّ تغيير استجابات المتفرجين يمكن أن يضعف البنية الاجتماعيّة الدّاعمة للتنمر، ويحد من استمراره (Marsh et al, 2022؛ Tordjman, 2022). وفيما يتعلق بالتّنمّر الإلكتروني، تؤكد الدِّراسات أهمّيّة إدماج التربية الرّقميّة ومحوّ الأميّة الإعلاميّة ضمن الجهود الوقائية، نظرًا لخصوصية البيئة الرّقميّة وتعقيداتها (Patel & Quan-Haase, 2022؛ Görzig & Macháčková, 2015).
13.2. التوجيه السّلوكي في مواجهة التّنمّر
يُعد التوجيه السّلوكي أحد الآليات الأساسية التي يعتمد عليها الإرشاد النّفسي المدرسي لمعالجة مظاهر التّنمّر القائمة، مستندًا إلى مبادئ تعديل السّلوك والتّعلم الاجتماعي. ووفق هذا المدخل، يُنظر إلى التّنمّر بوصفه سلوكًا مكتسبًا يمكن تعديله من خلال إعادة تنظيم أنماط التعزيز والعواقب داخل البيئة المدرسيّة (Ma et al., 2001؛ Beane, 2005).
وتشير الأدبيّات إلى أنّ فعاليّة التوجيه السّلوكي ترتبط بوضوح القواعد المدرسية واتساق تطبيقها، إذ يدرك الطّلبة أن سلوك التّنمّر لا يحقق مكاسب اجتماعيّة أو رمزيّة، بل يقابل باستجابات تربويّة عادلة ومتدرجة. كما يسهم تعزيز السّلوكيات البديلة—كالتّعاون، واحترام الآخر، وحلّ النِّزاعات سلميًا—في تقليص الاعتماد على السّلوك العدواني بوصفه وسيلة للتّفاعل الاجتماعي (Peng et al., 2022؛ RAZIM et al., 2024).
وفي إطار الإرشاد النّفسي، لا يقتصر التّوجيه السّلوكي على ضبط السّلوك الظاهر، بل يتكامل مع العمل على تعديل المعتقدات المعرفيّة الدّاعمة للتّنمر، خاصة لدى الطلبة الذين يبررون سلوكهم بالهيمنة أو المكانة الاجتماعيّة. وتشير بعض الدِّراسات إلى أن الجمع بين التّوجيه السّلوكي والتّدخلات المعرفيّة–السّلوكيّة يحقق نتائج أفضل في خفض السّلوكيات المتنمّرة وتحسين التكيّف الاجتماعي (Ihsany et al., 2025؛ Foon et al., 2020).
كما يُبرز المنظور الاجتماعي أهمّيّة توجيه السّلوك على مستوى الجماعة الصّفيّة، وليس الفرد فقط، عبر إعادة تشكيل المعايير الاجتماعيّة داخل الصّف، وتقليل الدّعم الضّمني الذي قد يتلقاه المتنمر من الأقران. ويُعد هذا التّوجه ضروريًا خصوصًا في المرحلة المتوسطة، إذ تؤدي جماعة الرّفاق دورًا حاسمًا في توجيه السّلوك (Hamsah et al, 2024؛ Marsh et al, 2023).
13.3. الدعم النّفسي والاجتماعي للطلبة المتأثرين بالتّنمّر
يمثل الدّعم النّفسي والاجتماعي محورًا أساسيًا في تدخلات الإرشاد النّفسي المدرسي، خاصة في التّعامل مع الآثار النّفسيّة العميقة التي قد يخلّفها التّنمّر لدى الضحايا والمتفرجين، وأحيانًا لدى المتنمرين أنفسهم. وتشير الأدبيّات إلى أن التّعرض المتكرر للتنمر يرتبط بمظاهر القلق والاكتئاب والانسحاب الاجتماعي وتدني تقدير الذات، ما يستدعي تدخلًا نفسيًا داعمًا يتجاوز المعالجة السّلوكية السطحية (Liu et al, 2025؛ Silva et al, 2024).
ويتمثل أحد أبعاد الدعم النّفسي في تعزيز المرونة النّفسيّة لدى الطلبة، من خلال مساعدتهم على تطوير استراتيجيات فعالة للتكيّف، وبناء الإحساس بالكفاءة والقدرة على المواجهة. وقد أظهرت الدِّراسات أن تنمية المرونة النّفسيّة تسهم في التّخفيف من الآثار السّلبيّة للتّنمر، وتعزز التّعافي النّفسي والاجتماعي لدى الضحايا (Wędzińska, 2024؛ Liu et al, 2025).
كما يتضمن الدّعم النّفسي والاجتماعي العمل على إعادة بناء العلاقات الاجتماعيّة داخل المدرسة، من خلال تعزيز شبكات الدّعم بين الأقران، وتفعيل دور المعلمين في توفير بيئة صفيّة آمنة وداعمة. وتؤكد الأدبيّات أنّ الدّعم الاجتماعي من الأصدقاء والمعلمين والأسرة يشكل عاملًا واقيًا يخفف من حدة آثار التّنمّر، ويساعد الطلبة على استعادة الشعور بالانتماء (Souza, 2024؛ Merrin et al., 2018).
وفي حالات التّنمّر الإلكتروني، تبرز أهمّيّة الدّعم النّفسي المتخصص الذي يراعي خصوصيّة التّجربة الرّقميّة، بما في ذلك مشاعر العجز المرتبطة بالانتشار الواسع للمحتوى المسيىء واستمراريته. وتشير الدِّراسات إلى ضرورة دمج الدعم النّفسي مع التّوعية الرّقميّة، والعمل مع الأسرة والمدرسة لضمان استجابات منسقة تحد من إعادة الإيذاء وتعزز الشّعور بالأمان (Wulandari & Sujarwo, 2024؛ Timmons-Mitchell et al., 2021).
كما تؤكد بعض الأدبيّات أنّ تقديم الدعم لا ينبغي أن يقتصر على الضحايا، بل يشمل المتنمرين بوصفهم طلبة يعانون أحيانًا من صعوبات نفسيّة أو اجتماعيّة أو أُسريّة، وأنّ معالجة هذه العوامل قد تسهم في تقليص السلوك المتنمّر على المدى البعيد (Bahauddin et al, 2025؛ Rodrigues & Andrade, 2024).
يتضح أنّ الإرشاد النّفسي المدرسي يوفّر إطارًا متكاملًا لمواجهة التّنمّر من خلال الجمع بين آليات الوقاية، والتّوجيه السّلوكي، والدّعم النّفسي والاجتماعي. ويُبرز هذا التكامل أهمّيّة الانتقال من الاستجابات الجزئية أو العقابيّة إلى تدخلات شموليّة تراعي الفرد وجماعة الأقران والمناخ المدرسي والبيئة الرّقميّة. كما تؤكد الأدبيّات أنّ فاعليّة هذه التدخلات تعتمد على وضوح أدوار المرشدين النّفسيين، وتكامل الجهود بين المدرسة والأُسرة، وتبني مقاربات قائمة على الفهم الاجتماعي–البيئي للتنمر، بما يسهم في بناء بيئات مدرسيّة أكثر أمانًا ودعمًا.
14. مناقشة الإطار النظري والإجابة عن فرضية الدِّراسة
سعت هذه الدِّراسة إلى تحليل ظاهرة التّنمّر المدرسي في المرحلة المتوسطة في ضوء الإرشاد النّفسي المدرسي، اعتمادًا على المنظور الاجتماعي–البيئي، وانطلقت من فرضيّة مفادها أن الإرشاد النّفسي المدرسي يمثل مدخلًا نظريًا فاعلًا للوقاية من التّنمّر والحد من آثاره النّفسية والاجتماعيّة، خاصة في أشكاله اللفظيّة والاجتماعيّة والإلكترونيّة. ويُظهر تحليل الأدبيّات وبناء الإطار النّظري أن هذه الفرضيّة تحظى بدعم واضح من التّوجهات النّظريّة والبحثيّة المعاصرة.
أولًا: تؤكد نتائج التّحليل النّظري أن التّنمّر المدرسي لا يمكن فهمه أو معالجته بوصفه سلوكًا فرديًا منعزلًا، بل هو ظاهرة اجتماعيّة مركّبة تنشأ داخل شبكات من العلاقات، والضّغوط والمعايير التي تفرضها جماعة الأقران والمناخ المدرسي. فقد أظهرت الأدبيّات أن ديناميّات الجماعة، وأدوار المتفرجين، ومعايير القبول والهيمنة، تمثل عوامل حاسمة في نشوء التّنمّر واستمراره، وهو ما يتسق مع المنظور الاجتماعي–البيئي الذي اعتمدته الدِّراسة (Espelage, 2014؛ Duffy, 2005؛ Hamsah et al, 2024). ويدعم هذا الفهم التّوجه نحو تدخلات إرشاديّة تتجاوز التّركيز على الفرد لتشمل الصّف والمدرسة كنسق اجتماعي متكامل.
ثانيًا: تكشف مناقشة النّظريات المفسرة للتنمر أنّ كل منظور نظري يقدّم تفسيرًا جزئيًا للظاهرة، بينما يوفر التّكامل بينها أساسًا أكثر شمولًا للتّدخل الإرشادي. فالنّظريّة السّلوكية تفسر استمرارية التّنمّر من خلال التعزيزات الاجتماعيّة وغياب العواقب الرادعة، في حين تركز النّظريّة المعرفيّة على أنماط التفكير والمعتقدات المشوّهة التي تبرر السلوك المتنمّر أو تزيد من هشاشة الضحايا. أمّا النّظريّة الإنسانيّة فتسلط الضوء على الحاجات النّفسية غير المشبعة والشّعور بعدم الانتماء أو التّقدير. ويشير هذا التّعدد إلى أن الإرشاد النّفسي المدرسي الأكثر فاعليّة هو ذاك الذي يستند إلى مقاربة تكامليّة توظف هذه الأطر مجتمعة بدل الاكتفاء بإحداها (Ma et al., 2001؛ Ihsany et al, 2025؛ Maunder & Crafter, 2012).
ثالثًا: تُظهر نتائج الإطار النّظري أن للإرشاد النّفسي المدرسي دورًا محوريًا في الوقاية من التّنمّر قبل تحوله إلى نمط سلوكي راسخ. فقد أكدت الأدبيّات أنّ البرامج الوقائيّة التي تركز على تنمية المهارات الاجتماعيّة والانفعاليّة، وتعزيز التّعاطف، وتحسين المناخ المدرسي، تسهم في خفض معدلات التّنمّر وتعزيز السّلوكيات الداعمة داخل جماعة الأقران (Almardiyah et al, 2025؛ Rizqi, 2025؛ Zhu & Teng, 2022). كما يبرز دور المرشد النّفسي في التّنسيق مع المعلمين والإدارة المدرسية لضمان وضوح القواعد واتساق تطبيقها، وهو ما يقلل من المكاسب الاجتماعيّة التي قد يحققها المتنمر.
رابعًا: فيما يتعلق بالتوجيه السّلوكي، تشير النّتائج النّظريّة إلى أنّ تعديل أنماط التعزيز داخل البيئة المدرسيّة، وتعزيز السّلوكيات البديلة الإيجابيّة، يمثلان آلية فعالة للحد من التّنمّر، خاصة عندما يُدمج التوجيه السّلوكي مع تدخلات معرفيّة تهدف إلى تعديل المعتقدات الدّاعمة للسلوك العدواني. وتؤكد الأدبيّات أن هذا التكامل يسهم في تقليل السّلوكيات المتنمّرة وتحسين التكيف الاجتماعي لدى الطلبة في المرحلة المتوسطة (Peng et al, 2022؛ Foon et al, 2020؛ RAZIM et al, 2024).
خامسًا: تدعم نتائج المناقشة النّظريّة أهمّيّة الدعم النّفسي والاجتماعي بوصفه عنصرًا أساسيًا في مواجهة آثار التّنمّر، لا سيما لدى الضحايا. إذ تشير الدِّراسات إلى أن تعزيز المرونة النّفسيّة، وتوفير شبكات دعم اجتماعي داخل المدرسة، يسهمان في التّخفيف من الآثار النّفسية السّلبيّة للتنمر مثل القلق والاكتئاب والانسحاب الاجتماعي، ويعززان شعور الطلبة بالانتماء والأمان (Liu et al, 2025؛ Souza, 2024؛ Merrin et al, 2018). كما توضح الأدبيّات أن المتنمرين أنفسهم قد يستفيدون من الدّعم النّفسي الذي يعالج الصّعوبات الكامنة وراء سلوكهم، وهو ما يعزز الطابع العلاجي الشامل للإرشاد النّفسي المدرسي (Bahauddin et al, 2025).
سادسًا: تكشف مناقشة الأدبيّات أن التّنمّر الإلكتروني يمثل تحديًا خاصًا يتطلب توسيع الأطر الإرشاديّة التقليدية لتشمل البيئة الرّقميّة بوصفها جزءًا من النّسق الاجتماعي الذي يعيش فيه التلاميذ. فقد أظهرت الدِّراسات أن خصائص الفضاء الرقمي، مثل الاتساع واللازمنيّة وصعوبة الضبط، تزيد من حدة الآثار النّفسية للتنمر، ما يستدعي دمج التوعية الرّقميّة والدعم النّفسي المتخصص ضمن تدخلات الإرشاد النّفسي المدرسي (Patel & Quan-Haase, 2022؛ Görzig & Macháčková, 2015؛ Timmons-Mitchell et al., 2021).
وبناءً على ما سبق، يمكن القول إنّ نتائج التّحليل النظري تدعم فرضيّة الدِّراسة، وتؤكد أنّ الإرشاد النّفسي المدرسي، عندما يُبنى على المنظور الاجتماعي–البيئي ويُنفَّذ من خلال مقاربة تكامليّة تشمل الوقاية والتّوجيه السّلوكي والدّعم النّفسي والاجتماعي، يشكل مدخلًا فاعلًا لمواجهة التّنمّر المدرسي في المرحلة المتوسطة والحدّ من آثاره. كما تُبرز المناقشة أنّ فاعليّة هذا الدّور ترتبط بوضوح أدوار المرشدين النّفسيين، وتكامل جهود المدرسة والأسرة، وتبني سياسات مدرسيّة داعمة، بما يعزز التّحوّل من الاستجابات الفرديّة المحدودة إلى تدخلات شمولية مستدامة.
15. الخاتمة
تناولت هذه الدِّراسة ظاهرة التّنمّر المدرسي في المرحلة المتوسطة من خلال قراءة نظريّة تحليليّة في ضوء الإرشاد النّفسي المدرسي، مع التّركيز على أنماطه اللفظيّة والاجتماعيّة والإلكترونيّة، واعتماد المنظور الاجتماعي–البيئي إطارًا تفسيريًا جامعًا. وقد أظهرت الدِّراسة، من خلال تحليل الأدبيّات وبناء الإطار النّظري، أن التّنمّر المدرسي يمثل ظاهرة نفسيّة–اجتماعيّة مركبة لا يمكن اختزالها في خصائص فرديّة أو سلوكيات معزولة، بل تتشكل داخل سياقات اجتماعيّة تتداخل فيها ديناميّات جماعة الأقران، والمناخ المدرسي، والعوامل الثقافيّة والرّقميّة المعاصرة.
وبيّنت النّتائج النّظريّة أن الإرشاد النّفسي المدرسي يشكّل مدخلًا فاعلًا لمواجهة التّنمّر، من خلال أدواره الوقائيّة والعلاجيّة والتّنمويّة، ولا سيما عندما يُوظَّف ضمن مقاربة تكامليّة تراعي التّفاعل بين الفرد والبيئة المدرسية. كما أكدت الدِّراسة أن آليات الوقاية المبكرة، والتّوجيه السّلوكي القائم على تعديل أنماط التّعزيز، وتوفير الدعم النّفسي والاجتماعي للطلبة المتأثرين، تمثل عناصر أساسيّة للحد من انتشار التّنمّر والتّخفيف من آثاره النّفسية والاجتماعيّة في المرحلة المتوسطة.
كما أبرزت الدِّراسة أهمّيّة توسيع أطر الإرشاد النّفسي المدرسي لتشمل التّنمّر الإلكتروني بوصفه امتدادًا للنسق الاجتماعي المدرسي في البيئة الرّقميّة، الأمر الذي يستدعي دمج التّوعية الرّقميّة، وتنمية المهارات الاجتماعيّة والانفعاليّة، وتعزيز التّعاون بين المدرسة والأسرة والمجتمع المحلي. وأكّدت الخاتمة أنّ فاعليّة الإرشاد النّفسي في هذا المجال ترتبط بوضوح أدوار المرشدين النّفسيين، وتكامل الجهود المؤسسيّة، وتبني سياسات مدرسيّة داعمة تعزز المناخ الإيجابي والانتماء المدرسي.
وفي ضوء ما سبق، توصي الدِّراسة بأهمّيّة اعتماد الإرشاد النّفسي المدرسي بوصفه ركيزة أساسيّة في السياسات التّربويّة الهادفة إلى مواجهة التّنمّر المدرسي، وتدعو إلى مزيد من الدِّراسات النّظريّة والميدانيّة التي تسهم في تطوير نماذج تدخل إرشاديّة قائمة على أسس علميّة تكامليّة، تراعي خصوصي~ة المرحلة المتوسطة ومتغيرات السّياق الاجتماعي والثقافي المعاصر.
المراجع
- Almardiyah, A. Z., Agustiningsih, R. D., & Husnaini, R. (2025). Evaluating the effectiveness of multidimensional social-emotional learning (SEL) programs in reducing school bullying: A global systematic literature review of primary and secondary education interventions (2014–2024). Indonesian Journal of Islamic Psychology, 7(2), 115–131. https://doi.org/10.18326/ijip.v7i2.4973
- Bahauddin, A., Hamidah, H., & Hamzah, H. (2025). Peran layanan konseling dalam menangani dan mencegah kasus bullying di sekolah. https://doi.org/10.64431/annamatulausath.v3i1.301
- Beane, A. L. (2005). Bullying in American schools: A socio-ecological perspective on prevention and intervention. The Journal of Primary Prevention, 26(5), 467–468. https://doi.org/10.1007/s10935-005-0007-7
- Burlet, R. E. (2019). Cyberbullying prevention and intervention: Perspectives of school psychologists and school counselors (Doctoral dissertation).
- Damayanti, S., Suryadi, K., & Wahyuni, S. (2024). School climate and bullying prevention: A civic education perspective. Journal of Education Research, 5(4), 4980–4990. https://doi.org/10.37985/jer.v5i4.1369
- Duffy, A. L. (2005). Bullying in schools: A social identity perspective. https://doi.org/10.25904/1912/3227
- Espelage, D. L. (2014). Ecological theory: Preventing youth bullying, aggression, and victimization. Theory Into Practice, 53(4), 257–264. https://doi.org/10.1080/00405841.2014.947216
- Espelage, D. L., Rao, M. A., & Rue, L. D. L. (2013). Current research on school-based bullying: A social-ecological perspective. Journal of Social Distress and the Homeless, 22(1). https://doi.org/10.1179/1053078913Z.0000000002
- Foon, L. W., Hassan, S. A., & Nordin, M. H. M. (2020). Counselling intervention to address school bullying: A systematic review of literature. International Journal of Academic Research in Business and Social Sciences, 10(16), 175–192. https://doi.org/10.6007/IJARBSS/V10-I16/8301
- Görzig, A., & Macháčková, H. (2015). Cyberbullying from a socio-ecological perspective: A review of evidence from cross-national data.
- Hamsah, H., Mesra, R., Winoto, D. E., Kasenda, M. A., & Mongan, D. (2024). Social group dynamics and its role in the phenomenon of bullying in secondary schools. Technium Education and Humanities, 9(2), 1–6. https://doi.org/10.47577/teh.v9i.12012
- Horton, K. B. (2014). Relational aggression from a school social work perspective: A social information processing counseling activity. School Social Work Journal, 38(2).
- Ihsany, M. A. Y., Naqiyah, N., & Habsy, B. A. (2025). Perspektif penanganan bullying berdasarkan paradigma konseling kognitif perilaku. As-Syari: Jurnal Bimbingan dan Konseling Keluarga, 7(1), 1–20. https://doi.org/10.47467/as.v7i1.5585
- Jueajinda, S., Stiramon, O., & Ekpanyaskul, C. (2021). Social intelligence counseling intervention to reduce bullying behaviors among Thai lower secondary school students: A mixed-method study. Journal of Preventive Medicine and Public Health, 54(5), 340–351. https://doi.org/10.3961/JPMPH.21.110
- Lam, S., Law, W., Chan, C., Wong, B. P. H., & Zhang, X. (2015). A latent class growth analysis of school bullying and its social context: The self-determination theory perspective. School Psychology Quarterly, 30(1), 75–90. https://doi.org/10.1037/spq0000067
- Liu, H., Kvintová, J., Křeménková, L., & Kantor, J. (2025). The role of psychological resilience in school bullying: Perspectives on victims, perpetrators, and bystanders. https://doi.org/10.31234/osf.io/6e47y_v1
- Ma, X., Stewin, L. L., & Mah, D. L. (2001). Bullying in school: Nature, effects and remedies. School Psychology International, 22(3), 247–270. https://doi.org/10.1080/02671520126826
- Ma, X., Hooi, L. B., Tingxiu, Z., & Zhang, W. (2025). Classroom climate and bullying behavior: A socio-ecological approach. Asian Journal of Environment-Behaviour Studies, 10(30), 1–15. https://doi.org/10.21834/aje-bs.v10i30.465
- Marsh, H. W., Guo, J., Parker, P. D., Pekrun, R., Basarkod, G., Dicke, T., … Devine, E. K. (2023). Peer victimization: An integrative review and cross-national test of a tripartite model. Educational Psychology Review, 35(2), 1–51. https://doi.org/10.1007/s10648-023-09765-x
- Marsh, H. W., Reeve, J., Guo, J., Pekrun, R., Parada, R. H., … Cheon, S. H. (2022). Overcoming limitations in peer-victimization research that impede successful intervention. Perspectives on Psychological Science, 18(4), 812–828. https://doi.org/10.1177/17456916221112919
- Maunder, R., & Crafter, S. (2012). Bullying from a sociocultural perspective.
- Merrin, G. J., Espelage, D. L., & Hong, J. S. (2018). Applying the social-ecological framework to understand bullying perpetration. Psychology of Violence, 8(1), 43–56. https://doi.org/10.1037/vio0000084
- Mishna, F., Birze, A., & Greenblatt, A. (2022). Understanding bullying and cyberbullying through an ecological systems framework. International Journal of Bullying Prevention, 4(3), 220–229. https://doi.org/10.1007/s42380-022-00126-w
- O’Brien, S. O., Campbell, M., & Whiteford, C. (2024). Exploring the role of school psychologists/counsellors in addressing bullying. Journal of Psychologists and Counsellors in Schools. https://doi.org/10.1177/20556365241295299
- Patel, M., & Quan-Haase, A. (2022). The social-ecological model of cyberbullying. New Media & Society. https://doi.org/10.1177/14614448221136508
- Peng, Z., Li, L., Su, X., & Lu, Y. (2022). A pilot intervention study on bullying prevention among junior high school students. BMC Public Health, 22(1). https://doi.org/10.1186/s12889-022-12669-0
- RAZIM, M., Hanis, N. M., & Shalaby, A. M. A. (2024). The impact of developing social skills in reducing bullying behavior among middle school students in Abu Dhabi. https://doi.org/10.21608/ajphh.2024.383614
- Rizqi, P. U. (2025). Addressing adolescent bullying: The role of restorative practices and SEL across diverse educational contexts. Sinergi International Journal of Psychology, 2(2), 120–134. https://doi.org/10.61194/psychology.v2i2.520
- Rodrigues, R. G., & Andrade, A. L. D. A. (2024). Atuação do psicólogo e a violência nas escolas: Estratégias de prevenção ao bullying. Revista Multidisciplinar do Nordeste Mineiro, 9(1). https://doi.org/10.61164/rmnm.v9i1.2871
- Silva, A. L. A. D., Medeiros, C. P., & Rocha, W. S. D. (2024). O papel do psicólogo escolar: Impactos do bullying na saúde mental da vítima. Contemporânea, 4(11), e6681. https://doi.org/10.56083/rcv4n11-141
- Souza, R. P. P. (2024). Enhancing school safety through psychological support. Revista Científica Sistemática, 14(4), 990–994. https://doi.org/10.56238/rcsv14n4-019
- Timmons-Mitchell, J., Noriega, I., & Flannery, D. J. (2021). Bullying in school and cyberspace. https://doi.org/10.1093/acrefore/9780190264079.013.606
- Tordjman, S. (2022). School bullying and group violence: How to occupy a place in the group by exclusion. L’Encéphale, 48, S19–S29. https://doi.org/10.1016/j.encep.2022.08.002
- Ulum, N. H., Astuti, B., & Basuki, A. T. (2025). Peran konselor sekolah dalam mencegah bullying. Cerdika, 5(1), 44–56. https://doi.org/10.59141/cerdika.v5i1.2425
- Wędzińska, M. (2024). Shaping resilience against cyberbullying through social skills training. https://doi.org/10.12775/spi.2024.1.001
- Wulandari, T., & Sujarwo, S. (2024). Psychological and social dynamics of cyberbullying victims. Psikoborneo: Jurnal Ilmu Psikologi, 12(4), 434. https://doi.org/10.30872/psikoborneo.v12i4.14487
- Zhu, Y. (2023). Bullying in school among children and adolescents from cognitive and developmental perspectives. https://doi.org/10.56397/sssh.2023.06.05
- Zhu, Y., & Teng, Y. (2022). Influences of teachers, students and school climate on bullying victimization. Best Evidence of Chinese Education, 12(1), 1547–1571. https://doi.org/10.15354/bece.22.or065
[1] – طالبة دكتوراه في جامعة آزاد الإسلاميّة- فرع علوم وتحقيقات (طهران) – قسم علم النّفس.
PhD student at Azad Islamic University – Science and Research Branch (Tehran) – Department of of Psychology, Email: ehsan.batoul@gmail.com
[2] – أستاذ محاضر في الجامعة اللبنانيّة – كلّيّة التربية – بيروت- لبنان.
Lecturer at the Lebanese University – Faculty of Education – Beirut – Lebanon.Email: fayoub@ ul.edu.lb