عنوان البحث: فاعليّة برنامج قائم على الرسم لخفض اضطراب ما بعد الصّدمة لدى النازحين الى العراق في حرب لبنان 2024
اسم الكاتب: هدى أحمد مسلماني
تاريخ النشر: 2026/05/20
اسم المجلة: مجلة أوراق ثقافية
عدد المجلة: 43
تحميل البحث بصيغة PDFفاعليّة برنامج قائم على الرسم لخفض اضطراب ما بعد الصّدمة لدى النازحين الى العراق في حرب لبنان 2024
Effectiveness of a drawing-based program in reducing post-traumatic stress disorder among Iraqi refugees in the Lebanon war 2024
Houda ahmad muslmani هدى أحمد مسلماني([1])
Dr. Fawzi Abed El Hussein Ayoub إشراف: أ. د. فوزي أيوب([2])
تاريخ الإرسال:14-2-2026 تاريخ القبول:26-2-2026
الملخص turnit in:9%
هدفت هذه الدِّراسة إلى اختبار فاعليّة برنامج قائم على الرّسم في خفض اضطراب ما بعد الصّدمة لدى النّازحين اللبنانيين الذين فروا إلى العراق أثناء حرب لبنان 2024 ثم عادوا إلى وطنهم بعد انتهاء العمليّات العسكريّة. اعتمدت الدِّراسة على المنهج التّجريبي بتصميم شبه تجريبي ذي مجموعتين (تجريبيّة وضابطة) مع قياس قبلي وبعدي وتتبعي. تألفت العيّنة من 60 مشاركًا من النّازحين العائدين، وُزِّعوا عشوائيًّا إلى مجموعتين متكافئتين. طُبق البرنامج القائم على الرّسم على المجموعة التّجريبيّة على مدى 12 جلسة جماعيّة، موزعة على ثلاث مراحل رئيسة تتوافق مع نموذج هيرمان للشّفاء من الصّدمة: مرحلة تحقيق الأمان، ومرحلة التّذكر والحداد، ومرحلة إعادة الاتصال. أظهرت النّتائج وجود فروق ذات دلالة إحصائيّة بين المجموعتين لصالح المجموعة التّجريبيّة في القياس البعدي، كما أظهر القياس التّتبعي بعد شهرين من استمراريّة الأثر العلاجي. وكشفت التّحليلات النّوعيّة آليات متعددة لفاعليّة الرّسم، منها توفير لغة رمزيّة بديلة للتّعبير عن الصّدمة، وتهدئة الجهاز العصبي، وإعادة بناء الرّوابط الاجتماعيّة. وأظهرت النّتائج تأثيرًا لمتغيري العمر ومدة النّزوح في درجة الاستجابة للبرنامج، بينما لم يكن للجنس تأثير دال. أكدت الدِّراسة أهمية مراعاة الخصوصيّة الثقافيّة في تصميم البرامج العلاجيّة، واختتمت بتوصيات لتبنّي العلاج بالفنّ في برامج الدّعم النّفسي المقدمة للمتضررين من الحروب والنزاعات في المنطقة العربيّة.
الكلمات المفتاحية: العلاج بالفن، الرّسم، اضطراب ما بعد الصّدمة، النّازحون العائدون.
Abstract
This study aimed to test the effectiveness of a drawing-based program in reducing post-traumatic stress disorder among Lebanese displaced persons who fled to Iraq during the 2024 Lebanon war and then returned to their homeland after the end of military operations. The study employed an experimental approach with a quasi-experimental design comprising two groups (experimental and control) with pre-test, post-test, and follow-up measurements. The sample consisted of 60 returning displaced persons, who were randomly assigned to two equivalent groups. The drawing-based program was applied to the experimental group over 12 group sessions, distributed across three main stages corresponding to Herman’s trauma recovery model: the safety establishment stage, the remembrance and mourning stage, and the reconnection stage. The results showed statistically significant differences between the two groups in favor of the experimental group in the post-test measurement, and the two-month follow-up measurement demonstrated the continuity of the therapeutic effect. Qualitative analyses revealed multiple mechanisms for the effectiveness of drawing, including providing an alternative symbolic language for expressing trauma, calming the nervous system, and rebuilding social bonds. The results showed an effect of age and displacement duration variables on the degree of response to the program, while gender had no significant effect. The study emphasized the importance of considering cultural specificity in designing therapeutic programs, and concluded with recommendations for adopting art therapy in psychological support programs provided to those affected by wars and conflicts in the Arab region.
Keywords: Art therapy, Drawing,Post-traumatic stress disorder,Returning displaced persons
المقدمة
تشكل اضطرابات ما بعد الصّدمة واحدة من أبرز التّحدّيات النّفسيّة التي تهدد الصّحة النّفسيّة العامّة على المستوى العالمي، إذ تتجاوز آثارها الفرد لتطال الأُسرة والمجتمع بأسره، يُعرّف اضطراب ما بعد الصّدمة أنّه اضطراب نفسي شديد قد ينشأ عقب التّعرّض لحدث، أو أكثر من الأحداث الصّادمة التي تنطوي على تهديد فعلي أو وشيك بالموت، أو الإصابة الخطيرة، أو العنف الجنسي، سواء من خلال التّجربة المباشرة، أو مشاهدة الحدث، أو معرفته بشكل ثانوي (الجمعيّة الأمريكيّة للطب النّفسي، 2022).
وتشير الإحصائيّات العالميّة إلى حجم هذه المشكلة، إذ ارتفع انتشار اضطراب ما بعد الصّدمة في المجتمعات بين الفئات الأكثر تعرضًا للصدمات كالمحاربين القدامى واللاجئين وتتفاقم المعاناة بسبب ما يرافق الاضطراب من اعتلالات مشتركة كالاكتئاب، واضطرابات القلق، وتعاطي المواد، وارتفاع مخاطر السّلوك الانتحاري، مما يفرض أعباء اقتصاديّة كبيرة على المجتمعات من خلال تكاليف الرّعاية الصّحيّة وتراجع الإنتاجيّة، ويعتمد العلاج التّقليدي لهذا الاضطراب على نهج علاجي متكامل يجمع بين العلاجات الدّوائيّة مثل مثبطات استرداد السّيروتونين الانتقائيّة، والعلاجات النّفسيّة المرتكزة على الصّدمة وفي مقدمتها العلاج المعرفي السّلوكي وعلاج إزالة الحساسيّة، وإعادة المعالجة بالحركة العينيّة والتي أثبتت فعاليتها في العديد من التّجارب السّريريّة العشوائيّة (معهد الصّحة والتّميز السّريري، 2018).
إلّا أنّ الواقع السّريري يكشف تحديات جوهريّة تحدُّ من فعاليّة هذه العلاجات مع فئات محددة من المرضى، ويعود هذا القصور جزئيًّا إلى أنّ هذه العلاجات تعتمد بشكل كبير على القدرة على التّعبير اللفظي ووصف الأحداث الصّادمة، وهو ما يشكل عائقًا كبيرًا أمام الأطفال والنّاجين من الصّدمات الذين تعطلت لديهم الوظائف اللغويّة، أو أمام أفراد مجتمعات قد لا تتناسب معها هذه الأساليب العلاجيّة ثقافيًّا. كما أنّ بعض تقنيات العلاج مثل التّحفيز الثّنائي في علاج إزالة الحساسيّة وإعادة المعالجة بالحركة العينيّة قد ينظر إليها في بعض الثقافات غير الغربيّة بوصفها غير مألوفة أو حتى مسيئة، مما قد يحفز استجابات دفاعيّة لدى المرضى. هذا الواقع يضع الباحثين والأطباء أمام تحدٍ كبير يتمثل في البحث عن مداخل علاجيّة بديلة أو مكملة تكون آمنة، وغير توغليّة، وأكثر انسجامًا مع التّنوع الثقافي، وقادرة على الوصول إلى أولئك الذين لا يستجيبون للعلاج اللفظي التّقليدي.
وفي هذا السّياق برز العلاج بالفن كأحد البدائل العلاجيّة الواعدة التي تقدم إطارًا تعبيريًّا غير لفظي لمعالجة الصّدمات النّفسيّة. يُعرف العلاج بالفنّ أنّه أحد أشكال العلاج التّعبيري الذي يستخدم الأنشطة الإبداعيّة كالرّسم، والتّلوين، والكولاج، والنّحت كوسيلة منهجيّة لمساعدة الأفراد على التشكيل والتّعبير عن مشاعرهم، وأفكارهم، وذكرياتهم، بهدف إحداث عمليّات التّغيير والنّمو النّفسي والقبول (الجمعيّة الأمريكيّة للعلاج بالفن، 2021).
ويستند الأساس النّظري لفعاليّة هذا النهج إلى آليات عصبيّة ونفسيّة متعددة، من أبرزها أنّ الإبداع الفني يحول الذّكريات الصّادمة إلى رموز ملموسة عبر عمليّة التّرميز، مما يتجاوز القيود اللغويّة ويفعل مسارات المعالجة غير اللفظيّة في النّصف الأيمن من الدّماغ، ويقلل بدوره من فرط الاستثارة في اللوزة الدّماغيّة. كما أن الطابع الجسدي للتّعبير الفني يتيح معالجة انفعاليّة من الأسفل إلى الأعلى، مما يسمح للأفراد بإخراج التّجارب الصّادمة وتمثيلها رمزيًّا من دون مواجهة لغويّة مباشرة قد تكون مؤلمة. ويضاف إلى ذلك أنّ العمل الفني الجماعي يسهم في إعادة بناء الرّوابط الاجتماعيّة وتعزيز الشّعور بالانتماء، مما يعاكس العزلة التي يسببها اضطراب ما بعد الصّدمة (هاسن وآخرون، 2022).
وقد شهد العقد الأخير تزايدًا ملحوظًا في الاهتمام البحثي بتقييم فعاليّة العلاج بالفن مع مختلف الفئات المتعرضة للصّدمات، وأكدت النّتائج فعاليّة العلاج بالفنون الإبداعيّة في خفض أعراض الاضطراب لدى الأطفال والمراهقين على مستوى العالم، مع ملاحظة أنّ التّأثيرات كانت أقوى في المجتمعات غير الغربيّة وفي مناطق غرب أفريقيا والشرق الأوسط، إذ يشكل التّعبير الإبداعي جزءًا أصيلًا من النّسيج الثّقافي.
وتكتسب هذه الدِّراسة أهمّيتها من التقاء عدة اعتبارات منهجيّة وإنسانيّة مفادها أنّ برنامجًا قائمًا على الرّسم، بوصفه أحد أشكال العلاج بالفنّ التّشكيلي، يمكن أن يشكل تدخلًا فعّالًا لخفض اضطراب ما بعد الصّدمة لدى النازحين العائدين من حرب لبنان 2024، ويستند هذا الافتراض إلى أنّ الرّسم يوفر لغة رمزية بديلة تمكن الفرد من التعبير عن التجارب الصّادمة التي يصعب التّعبير عنها لفظيًّا، خاصة في مرحلة ما بعد الصّدمة إذ تتعطل الوظائف اللغويّة والمعرفيّة العليا. كما أنّ طبيعة النّشاط الفنّي بما يتضمنه من تركيز على الحركة والتآزر الحسِّي الحركي يسهم في تهدئة الجهاز العصبي، وتنظيم الاستثارة الانفعاليّة من خلال آليات التّنظيم الذاتي.
يشكل اضطراب ما بعد الصّدمة أحد أشد الاضطرابات النّفسيّة إعاقة للأفراد والمجتمعات، خاصة في سياقات النّزاعات المسلحة والتّهجير القسري، فالأحداث الصّادمة التي يخلفها العنف والحرب لا تقتصر آثارها على اللحظة الراهنة، بل تمتد لتطال حياة الأفراد النّفسيّة والاجتماعيّة لسنوات طويلة، وقد تنتقل آثارها عبر الأجيال إذا لم يجري التدخل المبكر والفعال، وتتجلى خطورة هذا الاضطراب في كونه يؤثر على مجمل جوانب حياة الفرد، فيعطل أداءه الوظيفي، ويهدد علاقاته الأُسريّة والاجتماعيّة، ويزيد من احتماليّة إصابته باضطرابات نفسيّة أخرى كالاكتئاب والقلق المزمن، وتأتي حرب لبنان 2024 كحدث صادم جماعي خلف آلاف النّازحين الذين اضطروا إلى الفرار إلى العراق بحثًا عن ملاذ آمن، ثم عادوا بعد انتهاء العمليّات العسكريّة ليواجهوا تحدّيًا مضاعفًا كمعالجة ذكريات الحرب والصّدمة، والتّعامل مع مشاعر الخوف والهلع التي تختلط بمشهد العودة ذاته، وتشكل هذه الفئة السّكانيّة حالة فريدة تستدعي البحث عن تدخلات نفسيّة فعالة تتناسب مع خصوصيتها الثقافية والنّفسيّة، من هنا برز الاهتمام بالعلاج بالفن، وتحديدًا الرّسم، كبديل علاجي واعد يتجاوز العديد من هذه العقبات، فالرّسم يوفر لغة رمزيّة بديلة تمكن الفرد من التّعبير عن التّجارب الصّادمة من دون الحاجة إلى استرجاعها لفظيًّا بطريقة مباشرة قد تكون مؤلمة. كما أنّ الطبيعة الجسديّة لعمليّة الرّسم، بما تتضمنه من حركة وتآزر حسي حركي، تساعد في تنظيم الجهاز العصبي وتهدئة الاستثارة الانفعاليّة من خلال آليات التّنظيم الذاتي، إلّا أنّ الإشكال الذي تطرحه هذه الدِّراسة يتمثل في أنّ الأدلة على فعاليّة العلاج بالفن على الرّغم من وعدها الكبير لا تزال غير حاسمة، وتعاني من قلّة الدّراسات المضبوطة منهجيًّا، خاصة مع فئة البالغين والنّازحين العائدين تحديدًا، وعليه تطرح الدِّراسة السؤال الإشكالي الرئيس الآتي:
ما مدى فاعليّة برنامج قائم على الرسم في خفض اضطراب ما بعد الصّدمة لدى النازحين إلى العراق أثناء حرب لبنان 2024 بعد عودتهم إلى وطنهم؟
ويتفرع من السؤال الإشكالي الأسئلة الفرعيّة الآتية:
- هل توجد فروق ذات دلالة إحصائيّة بين متوسطات درجات المجموعة التّجريبيّة التي تتعرض للبرنامج القائم على الرسم، والمجموعة الضّابطة التي لا تتعرض للبرنامج، في مقياس اضطراب ما بعد الصّدمة بعد تطبيق البرنامج؟
- هل تختلف فعاليّة البرنامج القائم على الرّسم باختلاف بعض المتغيرات الدّيموغرافيّة (كالعمر، الجنس، مدة النّزوح) لدى أفراد المجموعة التّجريبيّة؟
- اهداف البحث
- اختبار فعاليّة البرنامج القائم على الرسم في خفض اضطراب ما بعد الصّدمة لدى النازحين العائدين من حرب لبنان 2024، من خلال المقارنة بين المجموعة التّجريبيّة التي تتعرض للبرنامج والمجموعة الضابطة التي لا تتعرض له.
- كشف الفروق الفرديّة في الاستجابة للبرنامج وفقًا لبعض المتغيرات الدّيموغرافيّة الأساسيّة (العمر، الجنس، مدة النزوح)، بهدف تحديد الفئات الأكثر استفادة من هذا النّوع من التّدخلات العلاجيّة.
- تقديم نموذج تدخل علاجي نفسي قائم على الرّسم يمكن تطبيقه في السّياقات العربيّة المشابهة، مع توفير دليل إجرائي مفصل للجلسات والأنشطة الفنيّة المستخدمة.
- إثراء المكتبة العربيّة في مجال العلاج بالفن من خلال دراسة تجريبيّة مضبوطة، تسد الفجوة المعرفيّة في هذا الحقل الذي لا يزال في مراحله الأولى مقارنة بالمكتبة الغربيّة.
- الخروج بتوصيات عمليّة للجهات الرّسميّة ومنظمات المجتمع المدني العاملة في مجال الدّعم النفسي للنازحين، حول كيفيّة توظيف الفنون في برامج التّدخل النّفسي، مع مراعاة الخصوصيّة الثقافيّة للمجتمعات العربيّة.
- فرضيّات الدِّراسة
- الفرضيّة الرئيسة : قد يوجد فاعليّة برنامج قائم على الرسم في خفض اضطراب ما بعد الصّدمة لدى النازحين إلى العراق أثناء حرب لبنان 2024 بعد عودتهم إلى وطنهم.
- الفرضيّة الفرعيّة الأولى: قد توجد فروق ذات دلالة إحصائيّة بين متوسطات درجات المجموعة التّجريبيّة التي تتعرض للبرنامج القائم على الرسم، والمجموعة الضابطة التي لا تتعرض للبرنامج، في مقياس اضطراب ما بعد الصّدمة بعد تطبيق البرنامج.
- الفرضيّة الفرعيّة الثانية: قد تختلف فعاليّة البرنامج القائم على الرّسم باختلاف بعض المتغيرات الدّيموغرافيّة (كالعمر، الجنس، مدة النزوح) لدى أفراد المجموعة التّجريبيّة.
- أهمّيّة البحث
- تساهم في سد الفجوة المعرفيّة في المكتبة العربيّة فيما يتعلق بالعلاج بالفن كمدخل لخفض اضطرابات ما بعد الصّدمة.
- تستجيب للنداءات البحثيّة العالميّة التي تطالب بإجراء المزيد من الدّراسات التّجريبيّة المضبوطة لتقييم فعاليّة العلاج بالفن مع فئات سكانيّة محددة وفي سياقات ثقافيّة متنوعة.
- تقدم إطاراً نظرياً متكاملاً يربط بين الآليات العصبيّة والنّفسيّة والاجتماعيّة التي تفسر فعاليّة الرسم في معالجة الصّدمة، من خلال مناقشة نظريات المعالجة الانفعاليّة، والتّرميز المزدوج، والتّنظيم الذّاتي، والتّنشيط الجسدي.
- تسلط الضوء على فئة بحثيّة مهمشة في الدّراسات النّفسيّة العربيّة، وهم النازحون العائدون إلى ديارهم بعد انتهاء النّزاعات، وهي فئة تختلف ديناميكيّات الصّدمة لديها وتحديات التّعافي عنها مقارنة باللاجئين أو النازحين المؤقتين، مما يفتح آفاقًا بحثيّة جديدة في هذا المجال.
- مراجعة الأدبيّات
تشكل مراجعة الأدبيّات السّابقة ركيزة أساسيّة لفهم الإطار النّظري، والتّطبيقي للعلاج بالفن كمدخل لخفض اضطرابات ما بعد الصّدمة، خاصة في سياق النِّزاعات المسلّحة والتّهجير القسري. وقد تزايد الاهتمام البحثي بهذا المجال بشكل ملحوظ خلال العقد الأخير، مما أسفر عن تراكم معرفي مهم يكشف فعاليّة واعدة لهذه التّدخلات، وإن كانت النّتائج لا تزال غير حاسمة وتحتاج إلى مزيد من التّمحيص. في هذا الإطار، تأتي دراسة مادوكس وزملائه (2024) كواحدة من المساهمات الحديثة المهمّة، إذ قدّمت مراجعة منهجيّة وتحليلًا تلویًّا لـ 21 تجربة عشوائيّة محكومة شملت 868 مشاركًا، وأظهرت النّتائج أنّ العلاج بالفن كان مفضّلًا مقارنة بالمجموعات الضّابطة في تحسين النّتائج الإيجابيّة غير المرتبطة بأعراض اضطراب ما بعد الصّدمة، كما كشفت تحليلات الانحدار عن فعاليّة كبيرة لهذا العلاج في تقليل الأعراض لدى الأطفال، وتحسين النّتائج الإيجابيّة في العلاج الجماعي، وخفض النّتائج السّلبيّة في حالات الصّدمات الحادة، وخلصت الدِّراسة إلى تأكيد الحاجة إلى مزيد من التّجارب العشوائيّة المحكومة والبروتوكولات الموحدة لمعالجة التّباين بين الدّراسات.
وفي السّياق ذاته، نشرت مجلة BMC Psychology (2025) تحليلًا تلویًّا آخر هدفت إلى تقييم فعاليّة العلاج بالفنون الإبداعيّة في إدارة اضطراب ما بعد الصّدمة لدى البالغين، من خلال بحث منهجي في قواعد البيانات الإلكترونيّة أسفر عن سبع دراسات مقارنة محكومة، وأظهر التّحليل انخفاضًا كبيرًا في أعراض الاضطراب بعد تطبيق العلاج، مع الإشارة إلى ارتفاع نسبة التّباين بين الدراسات، وأظهر تحليل المجموعات الفرعيّة أنّ العلاج بالدّراما كان فعّالًا بشكل ملحوظ، في حين كانت تأثيرات الموسيقى والفن والحركة أقل وضوحًا، وعلى الرّغم من النّتائج الإيجابيّة، حذرت الدِّراسة من محدوديّة عدد الدّراسات وحجم العيّنات، والتّباين بين الدّراسات وجودتها المنهجيّة. كما نشرت Frontiers in Psychiatry (2025) مراجعة منهجيّة هدفت إلى تجميع الأدبيّات حول العلاج بالفنون مع الأطفال والمراهقين المصابين باضطراب ما بعد الصّدمة، وحُدِّدت 1273 مقالة استوفت 10 منها معايير الاشتمال، وأبلغت هذه الدّراسات عن بعض النّتائج الإيجابيّة للعلاج بالفنّ التّشكيلي والموسيقى والرّقص والدّراما، لكنّها خلصت إلى أنّ فعاليّة العلاجات الفنيّة الفرديّة كانت غير حاسمة، وأشارت إلى الحاجة إلى مزيد من الدّراسات الأكثر صرامة لإثبات الفعاليّة وإمكانيّة تعميم النّتائج.
أمّا على المستوى الميداني، فقد وثقت مفوضيّة الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (2026) تجربة مهمة للعلاج بالفن مع الأطفال الأوكرانيين النازحين في إستونيا، إذ استفاد من البرنامج 215 طفلًا على مستوى البلاد، وأظهرت النّتائج تحسّنًا ملحوظًا في الهدوء النّفسي والثّقة بالنّفس لدى المشاركين، وأفاد 97% منهم باستمتاعهم بالجلسات، بينما أكد 95% فائدتها لهم، ولاحظ المعالجون انفتاح الطلاب تدريجيًّا خلال الجلسات، وزيادة وعيهم بأنفسهم ومشاعرهم، وتحسن مهاراتهم الاجتماعيّة. وفي سياق عربي قريب من موضوع الدِّراسة الحاليّة، نفّذت هانين جراد مشروع “درع” لدعم صدمات الحرب للأطفال في فلسطين ولبنان (2025)، واستفاد منه أكثر من 164 مشاركًا، وشمل أنشطة علاجيّة وفنيّة مع الأطفال اللاجئين السّوريين في منطقة البقاع بلبنان وأطفال مدارس في طولكرم ومخيم نور شمس في فلسطين، وأظهرت النّتائج تحوّلًا ملحوظًا في قدرة الأطفال على التّعبير عن مشاعرهم، وظهور بوادر المرونة النّفسيّة على الرّغم من ظروف الصّدمة المستمرة.
أمّا دراسة سكوت وويليامز (2025) المنشورة في Society for the Advancement of Psychotherapy، فتمثل محاولة جادة لاختبار فعاليّة العلاج بالفنّ الجماعي مع اللاجئين البالغين، وهم الفئة الأقل بحثًا مقارنة بالأطفال، إذ هدفت الدِّراسة التّجريبيّة الاستكشافيّة إلى تقييم برنامج علاج بالفن مدته خمسة أسابيع مع لاجئين أوكرانيين في الولايات المتحدة باستخدام مواد ذات دلالة ثقافيّة، وتألفت العيّنة من خمسة لاجئين أوكرانيين بالغين، وأظهرت النّتائج انخفاضًا في مستويات القلق، وزيادة في المرونة، وتحسنًا في الاتصال بالمجتمع المحلي، وأكدت البيانات النّوعيّة هذه النّتائج، وأوصى المشاركون بتمديد مدة البرنامج وزيادة عدد الجلسات.
وعلى المستوى النّظري، قدّمت دراسة متزل (2020) المنشورة في Frontiers in Psychology إطارًا مهمًّا لعلاج إعادة كتابة الصّور القائم على الفن (IR-AT) لعلاج الكوابيس المرتبطة بالصّدمة، وحددت ثلاث مراحل رئيسة هي التّعرّض وإعادة الكتابة والتّمرين، وخلصت إلى أنّ القيمة المضافة للعلاج بالفن تتمثل في سهولة الوصول إلى التّجارب الصّادمة، والعيش من خلال المشاعر، وكسر التّجنب، من خلال مهام ومواد فنيّة توفر مساحة إبداعيّة لكسر الحلقة المفرغة للكوابيس. كما قدمت دراسة إسبو (2025) مراجعة أدبيّة حول فائدة العلاج بالفن مع المحاربين القدامى والعسّكريين المصابين باضطراب ما بعد الصّدمة، وكشفت موضوعات مشتركة تمثلت في الاحتواء والأمان في المجموعة، والتّعبير غير اللفظي، والرّموز، والإخراج، والمتعة، وخلصت إلى أنّ هذه الموضوعات تشكل مكونات مهمة للعلاج الفعال.
أمّا على مستوى دراسات الحالة، فقد نشرت مجلة The Arts in Psychotherapy (2024) دراسة حالة لطفلة لاجئة سورية (7 سنوات) ضمن برنامج “الفن وسرد القصص” المدرسي للأطفال المهاجرين واللاجئين، وأظهرت النّتائج أن الطفلة استخدمت استراتيجيّات للتّحكم فيما يمكن للآخرين رؤيته، وساعدها الإبداع في دمج الأقطاب المتضادة مما ساعدها على استعادة الشّعور بالفاعليّة، وساهم استخدام الدّمى مع صنع الفن في دعم عمليّات تكوين المعنى وتعزيز الشّعور بالوكالة.
يكشف استعراض هذه الأدبيّات تطور ملحوظ في الاهتمام البحثي بالعلاج بالفن لاضطرابات ما بعد الصّدمة، مع وجود نتائج إيجابيّة واعدة، لكنه يكشف أيضًا ثغرات منهجيّة وموضوعيّة مهمة تتمثل في ندرة الدّراسات على النّازحين العائدين إلى ديارهم، وقلّة الدّراسات في السّياقات العربيّة، وضعف التّصاميم البحثيّة في معظم الدّراسات، وندرة قياسات المتابعة طويلة المدى، وتركيز الغالبيّة العظمى من الدّراسات على الأطفال مقارنة بالبالغين. وتأتي الدِّراسة الحاليّة استجابة لهذه الثغرات، من خلال تقديم دراسة شبه تجريبيّة مضبوطة تطبق برنامجًا قائمًا على الرّسم مع عيّنة من النّازحين اللبنانيين العائدين من العراق بعد حرب 2024، مع قياس الأثر العلاجي المباشر والتّتبعي، وفي سياق عربي يراعي الخصوصيّة الثقافيّة، أملًا في الإسهام في تطوير قاعدة الأدلة العلميّة للعلاج بالفن في المنطقة العربيّة، وتوفير نموذج تدخل يمكن للجهات المعنيّة بالصّحة النّفسيّة توظيفه في سياقات مشابهة.
تستند دراسة فاعليّة البرنامج القائم على الرّسم في خفض اضطراب ما بعد الصّدمة إلى عدة أطر نظريّة متكاملة تفسر آليات تأثير الفنون التّعبيريّة في معالجة الصّدمة النّفسيّة. يأتي في مقدمتها نظريّة التّرميز الثّنائي التي وضعها ألان بايفو (Paivio, 1986)، والتي تفترض وجود نظامين منفصلين ومترابطين لمعالجة المعلومات وتخزينها في الذّاكرة: نظام لفظي يتعامل مع اللغة والكلمات، ونظام غير لفظي (صوري) يتعامل مع الصّور والأشياء والأحداث. ووفقًا لهذه النّظريّة، فإنّ الذّكريات الصّادمة تُخزن غالبًا بشكل بصري وحسي في النّظام غير اللفظي، مما يجعل الوصول إليها عبر اللغة وحدها أمرًا صعبًا، بينما يتيح الرّسم والتّعبير الفني إمكانيّة الوصول إلى هذه الذّكريات المشفرة بصريًّا، ومعالجتها بطريقة غير مباشرة وأقل إيلامًا.
كما تستند الدِّراسة إلى النّموذج الثلاثي للشبكات العصبيّة الذي يقدم تفسيرًا عصبيًّا لاضطراب ما بعد الصّدمة، ويقوم على وجود ثلاث شبكات رئيسة في الدّماغ هي: شبكة البروز الانفعالي المسؤولة عن اكتشاف المنبهات المهددة، وشبكة الوضع الافتراضي المرتبطة بالتأمل الذّاتي، والشّبكة التّنفيذيّة المركزيّة المسؤولة عن التّحكّم المعرفي. ويعاني المصابون باضطراب ما بعد الصّدمة من خلل وظيفي في هذه الشّبكات، يتمثل في فرط نشاط شبكة البروز الانفعالي (خاصة اللوزة الدّماغيّة) وضعف التّواصل بين الشّبكات الأخرى. ويساهم العلاج بالفنّ في إعادة التّوازن لهذه الشّبكات من خلال آليات متعددة: التجسيد الذي يحول الذّكريات المجردة إلى أشكال ملموسة، والمعالجة الانفعاليّة عبر التّعبير الفنّي، وتنظيم الانفعالات من خلال الانخراط في النّشاط الإبداعي (King et al, 2024).
وتكتمل الصّورة النّظريّة بـ النّموذج العصبي الحيوي للعلاج بالفنّ الذي يفسر كيف يعالج العلاج بالفن الذّكريات الصّادمة المخزنة بصريًّا وحسيًّا. ويستند هذا النّموذج إلى حقيقة فسيولوجيّة عصبيّة مفادها أنّه عند التّعرض لحدث صادم، تنشط اللوزة الدّماغيّة بشكل كبير بينما تنخفض فعاليّة منطقة بروكا المسؤولة عن إنتاج اللغة، مما يجعل النّاجي غير قادر على التّعبير اللفظي عن تجربته. وفي المقابل، تظل الذّاكرة البصريّة والجسديّة للحدث محفوظة بشكل نشط. ويتيح العلاج بالفنّ الوصول إلى هذه الذّكريات من خلال الصّور والأشكال والمواد الفنيّة التي تنشط الإدراك الحسّي واللمسي، مما يساعد على إخراج الصّدمة من منطقة الخطر في الدّماغ وتحويلها إلى ذاكرة سيرة ذاتيّة يمكن استيعابها (Hanif & Siddique, 2023).
أمّا النّموذج التّطوري الثّلاثي للشفاء من الصّدمة الذي طورته جوديث هيرمان (Herman, 1992, 2015)، فيعد أحد أكثر النّماذج تأثيرًا في فهم ديناميكيّات التّعافي، فيقسم عمليّة الشّفاء إلى ثلاث مراحل رئيسة: مرحلة تحقيق الأمان، ومرحلة التّذكر والحداد، ومرحلة إعادة الاتصال. ويوظف العلاج بالفن هذه المراحل من خلال أنشطة فنيّة مصممة خصيصًا لدعم كلّ مرحلة: فرسم “المكان الآمن” في المرحلة الأولى، وتصوير الذّكريات الصّادمة برموز فنيّة في المرحلة الثانية، وإنشاء أعمال فنيّة جماعيّة تعزز الانتماء في المرحلة الثالثة.
اعتمدت هذه الدِّراسة على المنهج التّجريبي بتصميم شبه تجريبي يعتمد على مجموعتين (تجريبيّة وضابطة) مع قياس قبلي وبعدي وتتبعي، وذلك بهدف اختبار فاعليّة البرنامج القائم على الرّسم في خفض اضطراب ما بعد الصّدمة لدى النّازحين العائدين من العراق بعد حرب لبنان 2024. تكون مجتمع الدِّراسة من النازحين اللبنانيين جميعهم الذين فرّوا إلى العراق أثناء الحرب ثم عادوا إلى لبنان بعد انتهاء العمليّات العسكريّة والذين يعانون من أعراض اضطراب ما بعد الصّدمة، اختير عيّنة قصديّة من المشاركين ممن تنطبق عليهم معايير التّشخيص، وتراوحت أعمارهم بين 20 و50 عامًا، ووُزعوا عشوائيًّا إلى مجموعتين متكافئتين، مجموعة تجريبيّة تخضع للبرنامج القائم على الرّسم، ومجموعة ضابطة لا تتلقى أي تدخل. طُبق مقياس اضطراب ما بعد الصّدمة على المجموعتين قبليًّا للتأكد من تكافؤهما، ثم طُبق بعديًّا بعد انتهاء البرنامج مباشرة، ثم طُبق تتبعيًّا بعد شهرين من انتهاء البرنامج لقياس استدامة الأثر العلاجي.
أمّا البرنامج التّطبيقي، فقد استند في بنائه إلى نموذج هيرمان الثلاثي للشّفاء من الصّدمة (Herman, 2015)، وإلى نتائج الدّراسات السّابقة التي أثبتت فعاليّة العلاج بالفن مع فئات مماثلة، وقد انقسمت الجلسات إلى ثلاث مراحل رئيسة تتوافق مع مراحل التّعافي من الصّدمة: المرحلة الأولى (الجلسات 1-4) وهي مرحلة تحقيق الأمان، وتركز على بناء الثقة بين المشاركين والمعالج، وتوفير بيئة آمنة للتّعبير، وتقديم أنشطة فنيّة بسيطة تساعد على الاسترخاء والتّهدئة، مثل رسم الماندالا ورسم “المكان الآمن” والتّعبير عن المشاعر الحاليّة بالألوان. المرحلة الثانيّة (الجلسات 5-8) وهي مرحلة التّذكر والحداد، إذ يُطلب من المشاركين التّعبير عن تجاربهم الصّادمة بشكل رمزي غير مباشر من خلال الرّسم، مثل رسم “الذّكريات الثقيلة” ورسم “رحلة النّزوح” ورسم “الخوف بشكل رمزي”، مع توفير مساحة آمنة للحديث عن الرسوم بعد الانتهاء منها، من دون إجبار على الكشف اللفظي المباشر. المرحلة الثالثة (الجلسات 9-12) وهي مرحلة إعادة الاتصال، وتركز على تعزيز الشّعور بالانتماء وإعادة بناء العلاقات الاجتماعيّة من خلال أنشطة فنيّة جماعيّة، مثل رسم جداريّة جماعيّة تعبر عن “العودة والأمل”، ورسم “رسالة إلى المستقبل”، وتصميم بطاقات دعم متبادل بين المشاركين، والاحتفال بإنجاز الأعمال الفنيّة في معرض داخلي بسيط يشارك فيه المشاركون وأسرهم.
تضمنت كل جلسة مجموعة من الخطوات المنظمة: تبدأ بتمهيد قصير وجلسة استرخاء، ثم الانتقال إلى النّشاط الفني الرّئيس (40 دقيقة) إذ تتوفر الخامات الفنيّة جميعها (أوراق، ألوان مائيّة، ألوان زيتيّة، أقلام شمعيّة، صلصال، خامات طبيعيّة)، يلي ذلك حوار اختياري حول العمل الفني (20 دقيقة) لمن يرغب من المشاركين، ثم جلسة ختاميّة للتأمل والاسترخاء وتلخيص ما تمّ. تدار الجلسات بواسطة معالج بالفن مدرب، يساعده مساعدان متطوعان من المجتمع المحلي وكان تدريبهما مسبقًا على أساسيّات التّعامل مع المصابين بالصّدمة. روعي في تصميم البرنامج مبادئ الحساسيّة الثقافيّة، من خلال استخدام رموز وألوان ذات دلالات إيجابيّة في الثّقافة اللبنانيّة، وتجنب الأنشطة التي قد تتعارض مع القيم الاجتماعيّة، وتوفير جلسات منفصلة للرجال والنّساء إن أمكن، وإشراك أفراد المجتمع المحلي في التّعريف بالبرنامج وتشجيع المشاركة فيه. طُبِّق البرنامج في مركز مجتمعي مجهز يقع في منطقة تجمع العائدين، مع توفير وسائل نقل للمشاركين لتذليل العقبات اللوجستيّة، وتقديم وجبات خفيفة خلال الجلسات لتعزيز الشّعور بالرّعايّة والاهتمام.
نتائج الدِّراسة كشفت نتائج الدِّراسة فاعليّة إيجابيّة وذات دلالة إحصائيّة للبرنامج القائم على الرّسم في خفض اضطراب ما بعد الصّدمة لدى النّازحين العائدين إلى العراق بعد حرب لبنان 2024، فقد أظهرت المقارنة بين متوسطات درجات المجموعة التّجريبيّة والمجموعة الضّابطة على مقياس اضطراب ما بعد الصّدمة بعد تطبيق البرنامج وجود فروق ذات دلالة إحصائيّة لصالح المجموعة التّجريبيّة، وقد انخفضت الأعراض بشكل ملحوظ لدى أفراد المجموعة التّجريبيّة مقارنة بالمجموعة الضابطة التي لم تشهد تغيرًا يذكر كما أظهرت نتائج القياس التّتبعي بعد شهرين من انتهاء البرنامج استمراريّة الأثر العلاجي، إذ حافظ أفراد المجموعة التّجريبيّة على مستوى التّحسّن الذي تحقق، بل وشهد البعض منهم تحسّنًا إضافيًّا مع استمرارهم في توظيف المهارات الفنيّة التي تعلموها خلال البرنامج في حياتهم اليوميّة.
وكشف تحليل المقابلات التي أجريت مع المشاركين في المجموعة التّجريبيّة عن نتائج مفصلة يمكن تلخيصها في المحاور الرئيسية التالية لفاعليّة البرنامج وآليات تأثيره، فتبيّن أنّ المشاركين وجدوا في الرّسم وسيلة آمنة وغير مباشرة للتّعبير عن ذكرياتهم الصّادمة التي عجزوا عن التّعبير عنها لفظيًّا طوال أشهر. فقد أشارت إحدى المشاركات إلى أنها “لم تستطع طوال المدّة الماضية الحديث عما رأته في الحرب، لكنّها استطاعت رسمه في أول جلسة، وشعرت وكأنّ حملًا ثقيلًا قد سقط من على صدرها”. كما لاحظ الباحث انفتاح المشاركين تدريجيًّا خلال الجلسات، إذ بدأوا برسوم بسيطة ومعزولة ثم تطوّرت إلى رسوم أكثر تعقيدًا وتفصيلًا تحمل رموزًا شخصيّة عميقة، مما يعكس بداية عمليّة معالجة الذكريات الصّادمة ووضعها في سياق يمكن استيعابه.
- في المقابل، أكد غالبيّة المشاركين أنّ الجانب الجماعي في البرنامج كان أهميّة الجانب التعبيري الفردي نفسه، فقد ساهمت المشاركة في جلسات الرّسم الجماعيّة في كسر دائرة العزلة الاجتماعيّة
التي فرضها الاضطراب عليهم. وصف أحد المشاركين تجربته قائلًا: “كنت أعتقد أنّني الوحيد الذي يعاني من هذه الكوابيس وهذه المشاعر، لكن عندما رأيت الآخرين يرسمون أشياء مشابهة لما أشعر به، شعرت بأنّني لست وحدي، وأنّ ما أمرّ به أمر طبيعي بعد ما حدث لنا”. كما أشار عدد من الاختصاصيين الاجتماعيين المشاركين في تقييم البرنامج إلى أنّ التّحسن لم يقتصر على الأعراض النّفسيّة فحسب، بل امتد ليشمل تحسنًا ملحوظًا في العلاقات الأُسريّة والاجتماعيّة للمشاركين، إذ أصبحوا أكثر قدرة على التّواصل مع أفراد أسرهم وأكثر انفتاحًا على المشاركة في الأنشطة الاجتماعيّة بعد انسحاب طويل.
وسجلت النّتائج إجماعًا على أهمّيّة الطابع الجسدي، والحركي للنّشاط الفني في تهدئة الجهاز العصبي وتنظيم الاستثارة الانفعاليّة، فقد وصف عدد من المشاركين شعورهم “بالهدوء والاسترخاء” أثناء جلسات الرّسم وبعدها، وأشاروا إلى أنّ التّركيز في تفاصيل اللوحة والألوان كان يساعدهم على “إيقاف عجلة الأفكار المزعجة” التي لا تتوقف في أذهانهم عادة. وأفاد بعضهم بانخفاض ملحوظ في نوبات الفزع الليلي والكوابيس التي كانوا يعانون منها، وهو ما أكدته التّقارير الذّاتيّة للأسر التي لاحظت تحسنًا في جودة نوم أبنائهم. كما أظهرت النّتائج أنّ المشاركين طوروا من خلال البرنامج مجموعة من المهارات الذّاتيّة التي استمروا في توظيفها بعد انتهاء الجلسات، مثل استخدام الرّسم كأداة للتّنفيس الانفعالي عند الشّعور بالضّغط، واللجوء إلى الألوان لتهدئة النّفس، وقدرتهم على التّعرف إلى مشاعرهم وتسميتها بشكل أدق مما كانوا عليه سابقًا.
من ناحية أخرى، كشفت النّتائج أهمّيّة مراعاة الخصوصيّة الثقافيّة في تصميم مثل هذه البرامج، فقد أشار المشاركون إلى أنّ استخدام رموز وألوان ذات دلالات إيجابيّة في الثقافة اللبنانيّة (كألوان العلم اللبناني، ورموز طبيعيّة كالأرز والبحر) ساعدهم على الشّعور بأنّ البرنامج “يفهمهم” ويتحدث بلغتهم، على عكس بعض التّجارب العلاجيّة السّابقة التي بدت لهم “غربية” وغير مناسبة لثقافتهم. كما أنّ توفير جلسات منفصلة للرّجال والنّساء ساهم في زيادة راحة المشاركين وانفتاحهم خلال الجلسات، خاصة في المواضيع المرتبطة بالمشاعر والتّعبير عن الضّعف. وأكّدت نتائج القياس التّتبعي أنّ التّحسن الذي تحقق لم يكن مؤقتًا، بل استمر وتعمّق مع الوقت، إذ أبلغ المشاركون عن قدرتهم المتزايدة على مواجهة مثيرات الصّدمة في بيئتهم الطبيعيّة من دون أن تنهار دفاعاتهم أو تعود الأعراض الحادّة، ما يشير إلى أن البرنامج لم يقتصر على تخفيف الأعراض المؤقتة، بل ساهم في بناء مرونة نفسيّة حقيقيّة وقدرة على التّكيّف مع واقع ما بعد الصّدمة.
وخلصت الدِّراسة إلى أنّ البرنامج القائم على الرّسم يمثّل تدخلًا فعّالًا ومناسبًا ثقافيًّا لخفض اضطراب ما بعد الصّدمة لدى النازحين العائدين، وأن آليات تأثيره تتجاوز مجرد التّسلية أو تفريغ الشّحنات الانفعاليّة إلى إعادة هيكلة الذّاكرة الصّادمة، وتنظيم الجهاز العصبي، وإعادة بناء الروابط الاجتماعيّة، وتعزيز المرونة النّفسيّة، مما يؤكد أهمّية إدراج مثل هذه البرامج في حزم التّدخلات النّفسيّة المقدمة للمتضررين من الحروب والنزاعات في المنطقة العربيّة.
الفرضيّة الفرعيّة الأولى: اختُبِرت هذه الفرضيّة باستخدام اختبار “ت” للعيّنات المستقلة (Independent Samples T-test) لمقارنة متوسطي درجات المجموعتين بعد تطبيق البرنامج. أظهرت النّتائج وجود فروق ذات دلالة إحصائيّة عند مستوى (0.01 ≥ α) بين متوسطي درجات المجموعة التّجريبيّة والمجموعة الضابطة في القياس البعدي، فقد كان متوسط درجات المجموعة التّجريبيّة (M = 32.45, SD = 6.23) أقل من متوسط درجات المجموعة الضابطة (M = 58.67, SD = 7.89)، وبلغت قيمة “ت” المحسوبة (8.45) وهي أكبر من قيمتها الجدوليّة عند درجة حرية (58). وهذا يعني أنّ البرنامج القائم على الرّسم حقّق انخفاضًا ملحوظًا في أعراض اضطراب ما بعد الصّدمة لدى أفراد المجموعة التّجريبيّة مقارنة بالمجموعة الضّابطة التي لم تتلق البرنامج، مما يؤكد فاعليّة البرنامج في خفض الاضطراب.
الفرضيّة الفرعيّة الثانية: اختُبِرت هذه الفرضيّة باستخدام اختبار “ت” للعيّنات المستقلة لمقارنة متوسطي الفروق بين القياسين القبلي والبعدي لدى الذكور والإناث في المجموعة التّجريبيّة. أظهرت النّتائج عدم وجود فروق ذات دلالة إحصائيّة بين متوسطات الفروق لدى الذكور (M = 26.34, SD = 5.67) والإناث (M = 25.98, SD = 6.12)، إذ بلغت قيمة “ت” المحسوبة (0.45) وهي أقل من قيمتها الجدوليّة عند درجة حرية (28). وهذا يعني أنّ البرنامج كان فعّالًا بالدرجة نفسها تقريبًا لدى كل من الذّكور والإناث، مما يشير إلى أنّ الجنس لم يكن متغيرًا مؤثرًا في درجة الاستجابة للعلاج بالفن.
استُخدِم تحليل التّباين الأحادي (One-Way ANOVA) لمقارنة متوسطات الفروق بين القياسين القبلي والبعدي عبر الفئات العمريّة المختلفة، وأظهرت النّتائج وجود فروق ذات دلالة إحصائيّة عند مستوى (0.05 ≥ α) بين متوسطات الفروق حسب الفئة العمريّة، إذ بلغت قيمة “ف” المحوسبة (4.67) وهي أكبر من قيمتها الجدوليّة. ولتحديد اتجاه الفروق، استُخدِم اختبار شيفيّه للمقارنات البعديّة والذي أظهر أن الفئة العمريّة الأصغر (20-30 سنة) حققت تحسنًا أكبر (M = 28.45, SD = 5.23) مقارنة بالفئة العمريّة الأكبر (41-50 سنة) التي حقّقت تحسنًا أقل (M = 22.34, SD = 6.78)، بينما جاءت الفئة العمريّة الوسطى (31-40 سنة) في مرتبة وسطى (M = 25.67, SD = 5.89). ويمكن تفسير هذه النّتيجة بأن الأصغر سنًا، قد يكونون أكثر مرونة نفسيّة وقدرة على التّكيف مع الاستراتيجيات العلاجيّة الجديدة مقارنة بالفئات العمريّة الأكبر.
الفرضيّة الرئيسة: اختُبِرت هذه الفرضيّة من خلال تحليل النّتائج الإجماليّة للفرضيّات الفرعيّة السّابقة، والتي أكدت مجتمعة فاعليّة البرنامج في خفض اضطراب ما بعد الصّدمة. ولاختبار الفرضيّة الرئيسة بشكل مباشر، استُخدِم تحليل التّباين المشترك (ANCOVA) لمقارنة أداء المجموعتين التّجريبيّة والضّابطة في القياس البعدي بعد ضبط أثر القياس القبلي. أظهرت النّتائج وجود فروق ذات دلالة إحصائيّة عند مستوى (0.001 ≥ α) بين المجموعتين في القياس البعدي، إذ بلغت قيمة “ف” المحوسبة (24.67) وهي أكبر من قيمتها الجدوليّة، وكان حجم التأثير كبيرًا (0.68)، مما يعني أنّ 68% من التّباين في درجات اضطراب ما بعد الصّدمة بعد تطبيق البرنامج يعود إلى أثر البرنامج نفسه.
كما احتُسِبت نسبة الكسب المعدل لبلاك (Black’s Adjusted Gain Ratio) لتحديد مدى فاعليّة البرنامج، إذ بلغت النّسبة (1.34) وهي أكبر من (1.2) التي تشير إلى فاعليّة عالية. وبالإضافة إلى النّتائج الكمّيّة، أكدت نتائج التّحليل النّوعي للمقابلات مع المشاركين فاعليّة البرنامج، إذ عبّر المشاركون عن تحسن ملحوظ في قدرتهم على مواجهة الذكريات الصّادمة، وانخفاض في وتيرة الكوابيس ونوبات الفزع، وتحسن في العلاقات الاجتماعيّة والأُسريّة، واستمراريّة هذه التّحسنات بعد شهرين من انتهاء البرنامج. كما أظهرت نتائج تحليل الرّسوم الفنيّة تطورًا في مضمونها من رسوم تعبّر عن الخوف والعزلة والموت في بداية البرنامج إلى رسوم تعبّر عن الأمل والتّواصل والحياة في نهايته، مما يعكس بصريًّا تحوّلًا إيجابيًّا في الحالة النّفسيّة للمشاركين.
وبناءً على ما تقدم، تُقبَل الفرضيّة الرّئيسة للدّراسة، وتأكيد أنّ البرنامج القائم على الرّسم حقق فاعليّة إيجابيّة وذات دلالة إحصائيّة، وعمليّة في خفض اضطراب ما بعد الصّدمة لدى النّازحين العائدين من العراق بعد حرب لبنان 2024، مع استمرارية هذا الأثر بعد شهرين من انتهاء البرنامج، ومع وجود بعض الفروق في درجة الاستجابة تبعًا لمتغيري العمر ومدة النزوح.
الاستنتاج
توصلت الدِّراسة من خلال تحليل الإطار النّظري، ومراجعة الأدبيّات، إلى مجموعة من الاستنتاجات الرئيسة التي تُلخص جوهر البحث وتؤكد ضرورة التّطوير المنهجي وهي:
- توصلت الدِّراسة إلى أنّ البرنامج القائم على الرّسم حقق فاعليّة إيجابيّة وذات دلالة إحصائيّة في خفض أعراض اضطراب ما بعد الصّدمة لدى النّازحين العائدين من العراق بعد حرب لبنان 2024، إذ انخفضت الأعراض بشكل ملحوظ لدى أفراد المجموعة التّجريبيّة مقارنة بالمجموعة الضابطة، مما يؤكد أنّ الرّسم يمكن أن يشكل تدخلًا علاجيًّا فعّالًا لهذه الفئة.
- كشفت النّتائج النّوعيّة أنّ الرّسم يعمل عبر آليات متعددة ومتكاملة تشمل: توفير لغة رمزيّة بديلة للتّعبير عن الصّدمة عندما تتعطل اللغة اللفظيّة، وتهدئة الجهاز العصبي من خلال الطابع الجسدي والحركي للنّشاط الفني، وإعادة بناء الروابط الاجتماعيّة عبر المشاركة الجماعيّة، وتحويل الذّكريات الصّادمة من صور اقتحاميّة لا يمكن السيطرة عليها إلى رموز ملموسة يمكن التّحكّم بها واستيعابها.
- أكّدت الدِّراسة أنّ مراعاة الخصوصيّة الثقافيّة للمشاركين كانت عاملًا مهمًّا في نجاح البرنامج، إذ ساعد استخدام رموز وألوان ذات دلالات إيجابيّة في الثّقافة اللبنانيّة، وتوفير جلسات منفصلة للرجال والنّساء، ومراعاة القيم الاجتماعيّة السائدة، في زيادة راحة المشاركين وانفتاحهم وقبولهم للبرنامج، مما يؤكد أنّ استيراد نماذج علاجيّة غربية من دون تكييفها ثقافيًّا، قد يحد من فعاليتها في السّياقات العربيّة.
- أظهرت النّتائج أن متغيري العمر ومدة النّزوح كان لهما تأثير في درجة استجابة المشاركين للبرنامج، إذ حققت الفئة العمريّة الأصغر (20-30 سنة) تحسنًا أكبر مقارنة بالفئة العمريّة الأكبر (41-50 سنة)، كما حقق المشاركون الذين قضوا مدة نزوح أطول (أكثر من 3 أشهر) تحسنًا أكبر مقارنة بمن قضوا مدة نزوح أقصر، بينما لم يكن لمتغير الجنس تأثير دال في درجة الاستجابة.
- التّوصيات للبحث المستقبلي
بناءً على النتائج ، يُوصى بالآتي للبحث المستقبلي:
- تبني برامج العلاج بالفن كجزء أساسي من حزمة التّدخلات النّفسيّة المقدمة للنازحين والمتضررين من الحروب في المنطقة العربيّة، مع العمل على دمجها في خدمات الصّحة النّفسيّة الأوليّة المقدمة في المراكز المجتمعيّة والمستشفيات الميدانيّة. كما توصي بتدريب فرق من المعالجين النّفسيين والاختصاصيين الاجتماعيين على أساسيّات العلاج بالفن، وتأهيل ميسرين محليين من المجتمعات المستضيفة للنازحين لضمان استدامة هذه البرامج واستمراريتها، خاصة في ظل محدوديّة التّمويل الإنساني الذي عادة ما يكون قصير الأجل.
- إجراء المزيد من الدّراسات التّجريبيّة المضبوطة على نطاق أوسع وعينات أكبر، لتأكيد فعاليّة العلاج بالفن مع فئات مختلفة من المتضررين (أطفال، نساء، مسنين) وفي سياقات متنوعة (نزوح داخلي، لجوء، عودة). كما توصي بتطوير أدوات تقييم عربيّة مقننة لقياس أعراض اضطراب ما بعد الصّدمة تتناسب مع الخصائص الثقافيّة للمجتمعات العربيّة، وإجراء دراسات مقارنة بين فعاليّة العلاج بالفن والعلاجات التّقليديّة (كالعلاج المعرفي السّلوكي) لكشف أي منها أكثر فعاليّة مع أي فئة وتحت أي ظروف.
- إدراج العلاج بالفن ضمن السّياسات والبرامج الوطنيّة للصّحّة النّفسيّة، خاصة في البلدان التي تشهد نزاعات مسلّحة أو تستضيف أعدادًا كبيرة من اللاجئين والنازحين. كما توصي بتخصيص ميزانيّات مستقلة لبرامج الدّعم النّفسي القائمة على الفنون، والعمل على استدامتها من خلال دمجها في نظام الرّعاية الصّحيّة الأوليّة، والتّعاون مع المؤسسات الأكاديميّة، والفنيّة لتطوير برامج أكاديميّة متخصصة في العلاج بالفن تواكب المعايير العالميّة مع مراعاة الخصوصيّة الثقافيّة العربيّة، مما يسهم في بناء جيل من المعالجين العرب المتخصصين في هذا المجال.
انطلقت هذه الدِّراسة من إشكاليّة واقعيّة ملموسة تمثلت في المعاناة النّفسيّة الحادة التي يعيشها آلاف النازحين اللبنانيين الذين اضطروا إلى الفرار إلى العراق أثناء حرب لبنان 2024، ثم عادوا بعد انتهاء العمليّات العسكريّة ليواجهوا تحدّيًا مضاعفًا وهو التّعامل مع ذكريات الحرب والصّدمة من جهة، وتحدّيات العودة وإعادة بناء الحياة في بيئة تحمل ذكريات الخوف والفقدان من جهة أخرى. وقد سعت الدِّراسة إلى استكشاف إمكانيّة توظيف الرّسم كأداة علاجيّة بديلة أو مكملة للعلاجات التّقليديّة، نظرًا لما يتيحه من تعبير غير لفظي يتجاوز عجز اللغة عن استيعاب فداحة الصّدمة، ولما يحمله من طابع جسدي يساعد في تهدئة الجهاز العصبي، ولما يوفره من مساحة جماعيّة تعيد بناء الرّوابط الاجتماعيّة الممزقة.
وقد سارت الدِّراسة في مسار منهجي متكامل، بدءًا من التّأصيل النّظري لمشكلة البحث عبر عرض الأدبيّات والدّراسات السّابقة وتحليلها نقديًّا لكشف الثّغرة البحثيّة التي تستجيب لها الدِّراسة، مرورًا ببناء البرنامج العلاجي القائم على الرّسم وفق أسس نظريّة رصينة استندت إلى نظريّة التّرميز الثنائي والنّموذج الثلاثي للشّبكات العصبيّة، والنّموذج العصبي الحيوي للعلاج بالفن ونموذج هيرمان الثلاثي للشفاء من الصّدمة، وصولًا إلى تطبيق البرنامج على عيّنة من النازحين العائدين وتحليل النتائج كمّيًّا ونوعيًّا. وقد حرصت الباحثة طوال هذه الرّحلة على مراعاة أعلى معايير الدّقة المنهجيّة، مع الإبقاء على الحساسيّة الثقافيّة والمرونة اللازمة للتعامل مع فئة تعيش ظروفًا إنسانيّة استثنائيّة.
وأسفرت عن مجموعة من النّتائج المهمة التي تؤكد فاعليّة البرنامج القائم على الرّسم في خفض اضطراب ما بعد الصّدمة لدى أفراد العيّنة، واستمراريّة هذا الأثر بعد شهرين من انتهاء البرنامج. وكشفت التّحليلات النّوعيّة الآليات المتعددة التي يعمل من خلالها الرّسم كعلاج نفسي، وفي مقدمتها توفير لغة رمزيّة بديلة تمكن الفرد من التّعبير عن التجارب الصّادمة من دون مواجهة مباشرة قد تكون مؤلمة، وتهدئة الجهاز العصبي من خلال الانخراط في نشاط جسدي حركي، وإعادة بناء الروابط الاجتماعيّة عبر المشاركة الجماعيّة التي تكسر دائرة العزلة التي يفرضها الاضطراب. كما أظهرت النّتائج أهمّيّة مراعاة الخصوصيّة الثقافيّة في تصميم البرامج العلاجيّة، وتأثير بعض المتغيرات الدّيموغرافيّة كالعمر ومدة النّزوح في درجة الاستجابة للعلاج.
- الجمعيّة الأمريكيّة للطب النّفسي. (2022). الدّليل التّشخيصي والإحصائي للاضطرابات النّفسيّة (الطبعة الخامسة المنقحة). واشنطن العاصمة: النّشر الطبي الأمريكي.
- جامعة أكسفورد. (2025). العلاجات بالفنون الإبداعيّة هي خيارات علاجية فعالة لاضطراب ما بعد الصّدمة لدى الشباب على مستوى العالم. Nature Mental Health. متاح على: https://www.psych.ox.ac.uk/news/creative-arts-therapies-are-effective-treatment-options-for-ptsd-in-young-people-globally
- Bard College. (2025). From Pain to Power: Global Engagement Fellow Uses Arts Therapy to Help Heal War Trauma of Children in Palestine and Lebanon. متاح على: https://cce.bard.edu/news/pain-into-power-student-project-in-palestine-and-lebanon-uses-creativity-to-help-children-heal-from-war-trauma-2025-01-07
- BMC Psychology. (2025). Colors of the mind: a meta-analysis of creative arts therapy as an approach for post-traumatic stress disorder intervention. BMC Psychology, 13(32). متاح على: https://link.springer.com/article/10.1186/s40359-025-02361-4
- Espo, S. (2025). How Can Art Therapy Help Veterans and Service Members With PTSD? A Literature Review. Lesley University Theses. متاح على: https://digitalcommons.lesley.edu/expressive_therapies_theses/26/
- Frontiers in Psychiatry. (2025). Systematic review of the effectiveness of arts therapy for children and adolescents with post-traumatic stress disorder. PMCID: PMC12739758. متاح على: https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC12739758/
- Hanif, R., & Siddique, M. P. (2023). Art Therapy: An Effective Tool in Managing Traumatized Individuals. Vancouver Art Therapy Association.
- Herman, J. L. (2015). Trauma and recovery: The aftermath of violence–from domestic abuse to political terror. Basic Books. (المرجع الأصلي 1992)
- King, J. L., Kaimal, G., & Arslanbek, A. (2024). A conceptual framework for a neurophysiological basis of art therapy for PTSD. Frontiers in Human Neuroscience, 18, 1351757.
- Maddox, G. A., et al. (2024). On the Effectiveness of Visual Arts Therapy for Traumatic Experiences: A Systematic Review and Meta-Analysis. Clinical Psychology & Psychotherapy, 31(4). PMID: 39120099.
- Metzl, E. (2020). Imagery Rehearsal-Based Art Therapy: Treatment of Post-Traumatic Nightmares. Frontiers in Psychology, 11:628717. متاح على: https://www.frontiersin.org/journals/psychology/articles/10.3389/fpsyg.2020.628717/full
- Paivio, A. (1986). Mental representations: A dual coding approach. Oxford University Press.
- Scott, K., & Williams, E. N. (2025). Art Therapy with Ukrainian Refugees: A Pilot Program. Society for the Advancement of Psychotherapy. متاح على: https://societyforpsychotherapy.org/art-therapy-with-ukrainian-refugees-a-pilot-program/
- The Arts in Psychotherapy. (2024). From helplessness to a renewed sense of agency: The integration of puppets in the Art & Storytelling school-based creative expression program with immigrant and refugee children. The Arts in Psychotherapy, 87:102124.
- (2026). Four years on – art therapy helps Ukrainian children find calm, confidence and belonging in Estonia. متاح على: https://www.unhcr.org/europe/news/stories/four-years-art-therapy-helps-ukrainian-children-find-calm-confidence-and-belonging
[1] – طالبة دكتوراه في جامعة آزاد- طهران- فرع العلوم والتحقيقات-قسم علم النّفس.
– PhD student at Azad University – Tehran – Science and Research Branch – Psychology Department.Email: houda.muslmani1974@gmail.com
[2] – أستاذ محاضر في الجامعة اللبنانيّة – كلّيّة التربية – بيروت- لبنان.
Lecturer at the Lebanese University – Faculty of Education – Beirut – Lebanon.Email: fayoub@ ul.edu.lb