الفنان اللبناني جبران طرزي كما عرفته الصحافة اللبنانيّة

0

اسم المجلة: مجلة أوراق ثقافية

الفنان اللبناني جبران طرزي كما عرفته الصحافة اللبنانيّة

                                     من 1993 إلى 2017

An Artist in the Headlines:

Gebran Tarazi as Chronicled by Lebanese Press

(1993 to 2017)

Khudhair AL ZAIDI خضير الزّيدي([1])

            Reviewed and edited by Rana SAIFI تنقيح وتحرير: رنا الصّيفي([2])

تاريخ الإرسال:14-4-2026                            تاريخ القبول:26-4-2026

الملخّص                                                                    turnitin:2%

يتناول هذا البحث تجربة الفنان اللبناني جبران طرزي 1944 – 2010 الذي وُلد في كنف بيت دمشقي عريق امتهن الحرف المشرقيّة، فتشبّع منها وطوّرها مُحافظًا على أصالتها مُرسّخًا الهُويّة المشرقيّة والعربيّة، ومقدّمًا رؤية فلسفيّة للفن ترفض التبعيّة لتيارات الفنّ الغربي والذَّوبان فيها، من دون صدّها بل مواكبتها وأخذ ما يُناسب الفن المشرقي والعربي منها. ويُسهب البحث في استعراض ما جاء عن الفنان جبران طرزي في أرشيف الصّحافة اللبنانيّة التي دُهشت لمنجزه الإبداعي الفني التجديدي ورؤاه التقدّمية على مرّ الأعوام 1993 إلى 2017 فعمدت إلى توثيقه. كما يفنّد مواكبة الصّحافة اللبنانيّة لمحطات إنجازاته الأساسيّة بدءًا من معرضه الفردي الأول في العام 1993 الذي بشّر بولادة “مجنون الهندسة التّجريديّة والممثّل الجدّي” لها الذي استطاع ترويض المربع وتحويله إلى مقامات بصريّة تنبض روحًا وحياةً، ووصفته بأنّه “فنان اليقظة العقليّة” الذي “قد يغمض عينيه ليرسم بهندسة متمكّنة” لدرجة يخال معها المشاهد أنّه “أمام بناء هندسي لمدينة رومانيّة قديمة”، وصولًا إلى معرضه الفردي الثاني الذي كرّس توجّهه الفني.  كما يأتي البحث على ذكر نتاجه الأدبي وتحديدًا رواية “معصرة زيتون” التي كشفت وجهًا إبداعيًّا آخر للفنان، كأديب يتأمل في القضايا الوجوديّة ويدعو إلى التّعايش بسلام.

ويتتبّع البحث جهود أسرة جبران طرزي في صون الأمانة، وتمكين حضوره في الفضاء الفني بعد رحيله وإحياء ذكراه عبر معارض استعادية، وكذلك يسلّط البحث على الاهتمام المحلّي والعالمي بأعمال جبران طرزي، ومؤلّفاته التي حُوّلت من شكلها الورقي إلى شكلّ رقمي توثيقي متوافر للمؤرّخين والمهتمّين بالفن. كما يوثق البحث وصول لوحاته إلى العالميّة واقتناء المتاحف العربيّة لها مثل غوغنهايم أبوظبي، والمتحف العربي للفن الحديث في قطر إضافة إلى إدراج تجربته الفريدة في مناهج الدّراسات العليا في الجامعة اللبنانيّة. ويخلص البحث إلى أنّ طرزي لم يكن مجرد حرفي مغامر، أو فنان تشكيلي عادي بل كان عقلا فذًّا تمكّن من مزاوجة التّقليد، والحداثة مما وضعه في مصاف الفنانين المجدّدين العرب الأوائل، وأحد أكثر الوجوه الفنيّة حضورًا وتأثيرًا في الذّاكرة الثقافيّة المعاصرة والصّحافة اللبنانيّة والعربيّة. ويُشير البحث إلى كونه القسم الأول من مشروع بحثي متكامل يهدف لاستعراض حضور جبران طرزي في الصّحافة اللبنانيّة العربيّة تأكيدًا على كونه قيمة فنيّة راسخة في التّجريد الهندسي والفن التّشكيلي يُعتزّ بها.

الكلمات المفتاحيّة: جبران طرزي، تجريد هندسي، فن تشكيلي، أرشيف، صحافة لبنانيّة، توثيق، خطاب فني، زخرفة عربيّة، حرفة، هُويّة مشرقيّة، هُويَّة عربيّة، تجريب فني، حداثة، أصالة، تراث، إرث، فلسفة فنيّة، ذاكرة بصريّة، ذائقة جماليّة، حوارات صحفيّة، معرض فردي أول، معرض فردي ثان، معرض استعادي.

Abstract

This research study examines the career of Lebanese artist Gebran Tarazi (1944-2010) who was born into a prominent Damascene family that mastered traditional oriental and Levantine craftsmanship. Tarazi immersed himself in such craft, developed and refined it while preserving its authenticity and consolidating the Levantine and Arab identity. At the same time, he articulated a philosophical vision of art that calls for independence from Western artistic currents without refuting them but rather keeping up with them and appropriating what could be meaningfully integrated into Levantine and Arab art.

This research study offers an extensive review of how Tarazi was chronicled in the Lebanese press archive over the period from 1993 to 2017. The press presented and documented him with notable admiration for his innovative artistic achievements and forward-looking vision. The study further lists the press’s coverage of Tarazi’s career’s milestones beginning with his first solo exhibition in 1993. At the time, critics hailed him as the “madman of geometric abstraction” and its “earnest representative”, a man who managed to tame the square, transforming it into a visual Maqam that pulses with life. The press described him as an artist of “intellectual awakening” who “could paint with masterful geometry with his eyes closed” producing works that give the viewer the impression of “standing before the architectural blueprint of an ancient Roman city”.

The study then traces the progression of his second solo exhibition which asserted his artistic orientation. Additionally, the research explores the artist’s literary contributions specifically his novel “The Olive Press” which reveals another dimension of his creativity, presenting him as a writer engaged with existential questions, advocating for peaceful coexistence.

The study also tracks the efforts of the Tarazi family to honor and preserve his legacy, sustaining his presence within the art world after his passing and commemorating his work through retrospective exhibitions. It highlights both local and international interest in his works and writings, many of which have been digitized to serve as a documentary resource for historians and art enthusiasts. The research further documents the global reach of the artist’s paintings and their acquisition by prestigious institutions and major art museums such as Guggenheim Abu Dhabi and Mathaf Arab Museum of Modern art in Qatar, as well including his unique experience in postgraduate curricula at the Lebanese University. The study concludes that Tarazi was not merely an adventurous craftsman or a conventional visual artist, but was a brilliant mind who successfully reconciled tradition with modernity, which positioned him among the foremost pioneering Arab innovator artists and established him as one of the most enduring and influential artistic figures in the contemporary culture and memory and in Lebanese and Arab press. This research study serves as the first part of a comprehensive research project dedicated to examining Tarazi’s presence in the Lebanese Arabic press, reaffirming his status as an admirable, valuable, foundational figure in geometric abstraction and visual fine arts.

Keywords:

Gebran Tarazi, geometric abstraction, visual art, archive, Lebanese press, documentation, art discourse, Arabic ornamentation, Levantine identity, Arabic identity, artistic experimentation, modernity, authenticity, heritage, legacy, artistic philosophy, visual memory, aesthetic taste, journalistic dialogs, first solo exhibition, second solo exhibition, retrospective exhibition.

المقدّمة

لم أكن قد وضعتُ في حسباني الغوصَ في أرشيف الصّحافة اللبنانيّة كمادّةِ بحثٍ من ضمن اهتماماتي المستقبليّة، لولا مقولة استوقفتني وحثّتني على التّفكير في كلّ ما نُشر عن الفنان اللبناني جبران طرزي (Gebran Tarazi)، حينما قال بصدقٍ مُتأسّفًا: “أحسُّ بأنّني أضعت الكثير من الوقت، لذا أُريد تعويض الوقت الفائت، لأنّ الإنسان يُحدَّد بما يفعل، لا بما هو عليه“، يعبّر الفنان هنا عن نظرته إلى نفسه على المستوى الفني.

أهمّيّة البحث

قد يكون هذا الإيجاز المتخطّي لمنظورنا للوقت وأهمّية الزمن، وحثّه النّفس الإنسانيّة والإبداعيّة على توليد الجديد، هو الشّرارة التي أيقظت دافعي إلى البحث والتّقصّي في متون الصّحافة اللبنانيّة، لكي أسبُـرَ عقل الفنان ومغامراته في إثارة دهشتنا، وأفهم استعاراته الفنيّة، وأتتبّع مسيرته الإبداعيّة في التّجريب والتّطوير اللّذين قدّمهما فنيًا وروائيًا وتنظيريًا حول الهُويّة الفنيّة العربيّة. وأجدني بالتالي كمن يؤكّد على أنّ أهمّيّة هذا الفنان لا بُدّ من أن تُحفَظ في ذاكرتنا وثقافتنا البصريّة.

إشكاليّة البحث وأسئلته

تكمن الإشكاليّة في تعبير هذا الفنان الذي قال: “لا ألهث، كما حال الكثير من الفنانين، وراء مدارس غربيّة هدفها الأول غزو  تراثنا الأصيل للقضاء عليه([1])، لا لأنّه جسّدَ في حضوره الفني موقفًا ثابتًا وحدّدَ وجهته وبيّنَ منهجه وأظهرَ قيمته المعرفيّة والصّحفيّة فحسب، بل لأنّه جدّد قواعد الفن بعد أن جعل الالتزام الأسلوبي معيارًا لاستيعاب الدّرس والتّجربة معًا. وإلى جانب الفنان اللبناني جبران طرزي، يتكشّف أمامنا فنانون آخرون استحوذت أعمالهم على ذاكرة المتلقّي وذائقته، إذْ شهدت مدارس الفن العربي على ولادة أسماء عراقيّة وعربيّة ابتكرت وجدّدت، فتنبّه مؤرّخو الفنّ ونقّاده إلى ضرورة استحضار مراحل معيّنة من مسيرتهم وإحياء أسمائهم ومُنجزهم الفني. وكان طرزي من بين الفنانين العرب الذين حصدوا اهتمامًا نقديًا، وصحفيًا كبيرًا ورُوّج لتجربتهم في محافل الإعلام العربي  لما أحدثته تجربته من ثورة في التجريد الهندسي، وإعلانه عن رؤيته للعالم وتبنّيه موضوعات ثقافيّة وتراثيّة عزّزت من إنتاجه الفني.

فمن هو جبران طرزي؟ وما مكانته في الصّحافة الورقيّة؟ ولماذا انشغلت الصّحافة المقروءة بعرض أدقّ تفاصيل معارضه وفتحت أبواب التّحاور مع قامته؟

جبران طرزي الفنان:

من بديهيات القول إنّ الدّعوة إلى استحضار أقطاب الفن العربي، وشدّ الانتباه إلى الأسماء المؤثّرة في مشهد الحركة التّشكيليّة العربيّة، لم تعد رهانًا على اندهاش عابر بل غدت ضرورة تستدعي قراءة ما تركه فنانون معاصرون، انكبّوا على إحياء الهُوية العربيّة في الفنّ، وتعهّدوها كمعيارٍ ثقافي يفرض مكانته في منطق حركة التّاريخ المعاصر، وخير دليل أمامنا ما أعلنه الفنان جبران طرزي في حوار له مع جريدة الكفاح العربي([2]) قائلًا: “نحن نعاني إهمالًا كبيرًا على الصّعيد الثقافي والتّربوي، وهذا سيؤدّي بنا وبحضارتنا إلى الزوال”. إزاء هذا الرأي، يُضحي تقدير  هذه الشّخصيّة الفنية واجبًا، ولنا الاعتزاز  بما نُشر من حوارات فرديّة معه، وما يُنشر من أخبار ومقالات تتبنّى الإشارة إليه، والتّذكير باسمه وأسلوبه في طرائق التّجريب ليس لكونه مجدِّدًا في الفن فحسب، بل لأنّه عقلٌ فَطِن حَمَلَ اهتمامًا عظيمًا بهُويته، وأصوله ومرجعيّات التّراث العربي فأضحى من حقّ صحفيي لبنان استحضاره بأبلغ العبارات، ومنهم نيكول يونس التي فردت لمعرضه الاستعاديّ عنوانًا لافتًا في جريدة الأخبار اللبنانيّة([3])جبران طرزي يغزل في مرايا الروح”.  نعم… إنّه بالفعل ينسج الرّوح الشّرقيّة في أُطرٍ جماليّةٍ  تُبرز الهُويّة المشرقيّة والعربيّة وتفرض على أبصارنا مقاربة تخيليّة تمتدّ عبر عشرات اللوحات ذات البناء التّجريدي الهندسي الذي يُصرّ فيه على تكوين وحدات فنيّة استثنائيّة تتجلّى فيها هُويّة عربيّة مزيانة تتفرّد بخاصية الانتماء لهذه البقعة من بلادنا العربية.

سيرته الفنيّة والأدبيّة

وُلِدَ الفنان اللبناني جبران طرزي سنة 1944 في دمشق، وتربّى في بيتٍ تراثي لأسرة امتهنت الحرف المشرقيّة منذ أكثر من 160 سنة، كالأرابسك والرّسوم النباتيّة النّافرة التي اختصّت بها، مرورًا  بزخرفة القصور المشرقيّة الفاخرة وصولًا إلى التُحف الشّرقيّة النّحاسيّة المرصّعة بالفضة والتي عرفت طريقها إلى دمشق وبيروت والاسكندريّة والقدس. قضى طرزي مدّة قصيرة من حياته في المغرب، ومن هناك نهل من الفنون والتّحف البصريّة المغربيّة التي صقلت قدراته الفنيّة. كان منذ صباه شغوفًا بالقراءة والمطالعة وخاصة الأدب الفرنسي، وبعد عودة الأسرة إلى بيروت في العام 1959 استطاع أن يواكب النّشاط الحرفي العربي الفني نفسه مع فرصة دعته لإكمال دراسته في الفلسفة ثم نال إجازة في الحقوق. صدرت له رواية “معصرة الزّيتون” في باريس سنة 1996 ودخلت أعماله الإبداعيّة المتاحف المحلّية كما العالميّة، وضُمّ قسم منها إلى “المتحف العربي للفن الحديث” في دولة قطر سنة 2015 بمجموعة متكاملة. وعُرضت لوحاته في باريس سنة 2016 إلى جانب الفنان العالمي “فزارلي” (Vasarely) تقديرًا لإسهامه في الفن العربي الحديث وأصالته اللبنانيّة. وفي العام 2024، أُدخلت تجربة جبران طرزي في منهج الدّراسات العليا في “الجامعة اللبنانيّة” تقديرًا لدوره الإبداعي والفني ووُثّقت تجربته الإبداعيّة  بكتابين مصوّرين صادرين عن مسيرته الفنيّة أوّلهما: كتاب “التّنويعات الهندسيّة” من تأليفه وصدر سنة 2007 بيّن فيه نظرته ورؤيته الفلسفيّة الفنيّة بعنوان “رغبة الشّرق” من إصدار “دار الفنون الجميلة” في لبنان، وكتابه الثاني “المواسم الاثنا عشر” الصّادر في فرنسا سنة 2017 من إصدار دار النشر “زمان بوك”. غيّب الموت الفنان جبران طرزي في العام 2010، وكان يوم رحيله ثقيلًا جدًا على عائلته ومُحبّيه.

تجربته الفنيّة واهتمام الصّحافة

أولت الصّحافة اللبنانيّة تجربةَ هذا الفنان المبدع اهتمامًا استثنائيًا تبدّى من  موقفٍ مؤكّد بأنّ تاريخه الفني إنما يستحقّ التنويه، والانتشار والثّناء وذلك على خلفيّة مساره التّجريبي ورؤيته للفنون العربيّة والعالميّة في آن، وندائه للعودة إلى الأصول والتزامه الأصالة من دون صدّ خطابات الحداثة الأوروبيّة أو مقاطعتها. وبداعي الالتزام المهني والأخلاقي في هكذا مَهمّة ترمي إلى متابعة ما كُتب عن الفنان ومراجعتها، لا أدّعي بأنني أملك شموليّة ما نشرته الصّحافة اللبنانيّة أو العربيّة حول نشاطاته، فوقفتُ بالتالي على ما تيسّر لي من مواد صحفيّة تناولت مجموعة من الحوارات المنفصلة معه، أو نشرت أخبار معارضه الفنيّة الفرديّة. ولجأتُ أيضًا إلى المطالعات الصّحفيّة والنّقديّة التي اختصّت بتجربته، ومن أجل تحقيق ذلك وجدت من الضّروري أن أقسم بحثي قسمين: يشتمل الأول الذي أضعه ههنا بين أيديكم على ما أوردته الصّحافة اللبنانيّة حول الفنان جبران طرزي؛ أمّا القسم الثاني، الذي ما يزال قيد الإعداد، فيتابع نشاط الصّحافة العربيّة وهو جزء من مساعيّ في المستقبل القريب.

الصحافة اللبنانيّة وتوثيق معرض جبران طرزي الفردي الأول

شهدت بيروت في العام 1993حدثًا فنيًا يليق بها حيث أقام الفنان اللبناني جبران طرزي معرضه الفردي الأول في صالة “لاماتور”.  وكان ذلك الحدث إيذانًا بحضور فنان اكتسب خبرته توارثًا عن عائلته التي امتهنت صناعة الأثاث الشّرقي لأربعة أجيال كما ذكرنا. حافظَ طرزي على تراث عائلته واهتمّ به، غير أنّه اتّخذ دربًا جمع فيها بين الحرفة اليدويّة الرّفيعة والفنّ الإبداعي، فأقام معرضًا يمثّل تطلّعاته وأحلامه بوجودٍ فنيٍ عربي يوسّع مِداد الهوية الشّرقيّة. يومها، كتبت الصّحافة بأنّ تجربته لافتة إذْ إنّه امتلك ناصية فهم الحرفة والزخرفة والدّيكور، فطوّرها وبَسَطَها لتبلغ باحات الفن التّجريدي الهندسي، وقدّم أعمالًا ذات توجّه تجريبي في الأسلوب وبحثٍ جمالي في الشّكل. ومن تابع ذلك المعرض، أيقن أنّ تقديم الكاتب سمير الصّايغ لكتالوج المعرض قد أوفى طرزي حقّه، إذْ إنّ الإشارات المهمّة التي أتى بها الصّايغ في تقديمه نبّهت إلى فطنة طرزي ومَوْضعت القارىء في شرحه الآتي: “يبقى جبران طرزي مع المبدأ الفني الذي أقامته فنون هذه البلاد في ماضيها فهو يجيء من بيت عريق عرف هذه الفنون وفلسفتها”،  وجَزَمَ الصّايغ بأن هذا التّوصيف الصّادق كان بمنزلة تبشير حقيقي لفنان يأخذ على عاتقه مزاوجة الحرفة والفن.  ومن يراجع تاريخ الصّحافة اللبنانيّة، والعربيّة سيجد أنّ الفنان قد أوضح ذلك في أكثر من موضع، ومن بين الأمثلة التي أضربها هنا حواره مع جريدة السّفير([4]) عقب إقامته معرضه الفردي الأول مُصرّحًا علانيّة وبمسؤوليّة: “منذ الطفولة كنت شغوفًا بالمربّعات وعندما كبرت، أخذت أفكّر وأتساءل ماذا قدّمنا نحن الرّوم الأرثوذكس للحضارة العربيّة…“. هذا التّساؤل الواقعي والمسؤول، جعلنا نقف أمام فنان من جِبْلة مختلفة، فنان من “العيار الثقيل”، كونه يطرح إشكاليّة فهم الفن ومكانة الفلسفة العربيّة وعلاقة الفرد بهُويته. فما بالك إذا كان فنانًا آتيًا من عبق التّاريخ العربي؟! ولعل إمكان هذه العقليّة الفنيّة هو ما دفع بالصحافة آنذاك إلى متابعة ذلك نشاطه الفني. ففي  4 أيار/مايو 1993، نشرت جريدة الدّيار([5]) في صفحة تشكّل مقالًا موسّعًا عن المعرض المقام في تلك السنة، وأشارت عبر هذا العنوان الطّويل  “قراءات نقديّة في معارض أسعد عرابي، جبران طرزي، ميموزا العراوي، حسن عقل” إلى الأداء التّجريبي، وتطوير إجراءات الممارسة الفنيّة، والقدرة العالية في المقاربة الأسلوبيّة لشكل المربع، وتنظيم حدود العمل، فسعت للقول عن تلك التّجربة “يعتمد جبران طرزي طريقة المتقابلات الرّياضيّة  معتمدًا المربّع جوهرًا في عمله لينطلق عبر  تجلّيات لا تنتهي“، ومن يتقفّى نشاطات الصّحافة آنذاك سيدرك أنه بعد يومين من نشر هذه المقالة، خرج الفنان ليعلن رؤيته في  6 أيار/مايو 1993 مصرّحًا لجريدة السّفير([6]) اللبنانيّة في صفحة “فن تشكيلي”:  “حاولت الخروج على التّوازن الهندسي والتّناظر الموجودين في الفنون الإسلاميّة، وبحثت عن حركات تعبيريّة جديدة”، لنفهم من سياق تصريحه أنّه أراد التّجريب في الفن التّجريدي ضمن معادلة رياضيّة تحقّق تنوّعًا في الصياغة، والخصوصيّة الشّكليّة على نحوٍ يكسر فيه التّكرار والتّقليد، مع الاحتفاظ بشروط مرجعياته الجماليّة والتّعبيريّة اعتمادًا على ثقافته وخبرته في ممارسة الحرفة، وتطويرها إلى فن يخضع لمعايير لها هيئتها وتوصيفها البنائي. ولم تتوقّف الصّحافة وقتها عند التذكير بالمعرض الفني الأول للفنان جبران طرزي فحسب، بل واصلت نشر مزيد من القراءات، ليصدر بعد يومين من ذلك الحوار، مقال  في جريدة الحياة اللبنانيّة([7]) بتاريخ 7 أيار/مايو 1993 بقلم مهى سلطان تؤكّد فيه “يستمدّ هذا النّوع من الفن مبرّراته من قوّة الاحتمالات، والإمكانات التي يُتيحها الشكل كمفردة هندسيّة بين تكرار وتناظر وتعاكس وتبادل”. نعم، كان من ضمن توجّهات الفنان أن ينتج أشكالًا مختلفة لها حساباتها الجماليّة ومقارباتها المرجعيّة، فلا غرابة في ذلك طالما بقي الفن عنده هاجسًا معرفيًا وقضيّة جماليّة. ولا أستغرب طموحات الفنان والثقة العالية في النفس التي يُبديها في تعامله مع خطاب الفن، فقد قال في حوار له مع مجلة جمالك([8])أنا حرفي مغامر”، وكرّر من سياق لا ينقطع فيه الاهتمام بالفن حينما أعلن للمجلة نفسها: “لا أدّعي جمع الاثنين معًا ولا أستطيع، فحين أقوم بعمل حرفي أرتاح، أما العمل الفنّي، فعليّ أن أكون متحفّزًا لأقوم به”.  وإذا كان طرزي قد أعلن عن كلّ تلك الآراء  للصحافة اللبنانيّة، ففي ذلك دليل على التزامه وترسيخ هُويته ووعيه الفرق بين من يكون محترفًا أو فنانًا. وهذا الأمر هو ما دعا جريدة النّهار([9]) لتتابع بشغف ما عُرض من لوحات في معرضه الفردي الأول، إذ إنّها نشرت في ملحقها ذي العدد 61 يوم السبت الموافق في 8 أيار/مايو 1993 مقالات بعنوان  “معرض جبران طرزي: تدوير المربع”. كتب جاك الأسود بعبارة واضحة ومميّزة  “لا بُدّ أن يحسب له حساب مجنون الهندسة هذا مهندس الجنون، فهو من وجهة نظر محلّيّة ممثّل جدّي للتجريد الهندسي”، وهكذا تنهي الصّحافة اللبنانيّة أخبارها عن معرضه الأول عند هذا الوصف الذي يشار فيه إلى الفنان بأنه ممثّل جدّي للتجريد الهندسي، أمّا السّنوات اللاحقة، فأتت لتضعنا أمام أديب وروائي تحتفي الصّحافة بصدور منجزه الجديد.

جريدة النّهار تواكب توقيع رواية “معصرة الزيتون”

في سياق الاطّلاع على تفاصيل المعرض الأول للفنان جبران طرزي وما أدرجته الصّحافة في تلك السّنوات من متابعات لكلّ الأنشطة المتعلّقة به، ارتأيت أن أمرّ على منجزه الإبداعي في حقل الرواية:  تبنّت منشورات “أرماتان” ضمن سلسلة كتابات عربيّة، إصدار روايته  “معصرة الزيتون” في العام 1996 وهي رواية تأمّليّة مثلما أشار إليها ملحق جريدة النهار* الذي أفرد لها العنوان الآتي “كتابان عربيّان بالفرنسيّة جبران طرزي ورشا صلاح” وكل من اطّلع على متن الرواية السّردي، وجد أنّها تناقش التّجربة الرّوحيّة الإنسانيّة لبطلها القديس سمعان العمودي، وتضمّن خبر الجريدة أنّ النّص الرّوائي لجبران طرزي “يكشف علاقة وجدان الكاتب بالمجتمع الذي يعيشه“.  وبقي اهتمام الصّحافة قائمًا في نشر مزيد من القراءات النقديّة والخبريّة بشأن رواية “معصرة الزيتون“، فرافقت جريدة النّهار الصادرة يوم الاثنين الموافق في 11 تشرين الثاني/نوفمبر 1996 محبّي جبران طرزي في احتفاءٍ خُصّص لتوقيع روايته.  ومن هناك، يجيب الفنان المؤلّف عن تساؤل طُرح عليه حول روايته، فيقول: “إنَّ الثورة الوحيدة هي بين الإنسان وذاته وهذا ما سعيت إليه في “معصرة الزيتون”“. لهذا يرى النقّاد أنّها رواية تأمّليّة تناقش واقعنا ويدعو فيها طرزي للعيش المشترك بإنسانيّة صادقة وأجواء سلام يعمّ الجميع.

المعرض الفردي الثاني ومتابعة الصّحافة

بعد أربع سنوات من تاريخ المعرض الأول، يجدّد الفنان جبران طرزي نشاطه، ويستعيد رؤيته الفنية ليقدّم للمتلقّي معرضه الفردي الثاني في العام 1997 في صالة (50×70)، مؤكّدًا في هذا المعرض على ثوابت  تجربته في الفن التّجريدي الهندسي، واضعًا نصب عينيه أهمية أن يكون التّجديد في الطرائق الفنيّة محطّ اهتمامٍ وتخطيطٍ آخر، ليقدّم اسمه الفني منطلقًا من أساس متين بُنيَ على خبرةٍ مصقولةٍ وأثرٍ تعبيريٍّ متفلّتٍ من أغلال الماضي، متصالحًا مع فكرة الحداثة. فجاء معرضه الثاني وفق شروط صارمة تجمع بين التّراث والحداثة في علاقةٍ متماسكةٍ، وهذا ما حدا بالصّحافة اللبنانيّة إلى الاهتمام بهذا الحدث الفني الذي عاشته بيروت في العام 1997، فكان لجريدة اللواء اللبنانيّة([10]) السّبق الصّحفي في تلقّف الخبر والمباشرة في الكتابة عنه. سارع الصّحافي زهير غانم في عدد الجريدة المنشور بتاريخ 16 أيار/مايو 1997 إلى كتابة مقال بعنوان “هندسة الرّوح: أرابسك ومقامات الموسيقى“، منوّهًا القارئ بأهمّيّة المعرض وتوجّهات طرزي في الاشتغال الهندسي، مُبيّنًا قدراته بقوله: “إنّ على اللغة التّعبيريّة أن تستبسل في الإقدام على قراءة نص تشكيلي مقدام جريء ومغامر في فضاءات مدينة تستنهض روحها من رمادها ولا بدّ من تأسيسها على حداثة“، ونفهم من هذا التّوصيف معلومةً مهمّةً قُدّمت للقارىء مُشيرةً إلى أن الفنان لا يخلط بين الموروث والتّجريد الغربي، بل يعمد إلى الاختزال، بطريقةٍ تعبيريّةٍ مُمكّنةٍ خاضعة لمعايير أسلوبيّة تختصّ برؤيته الجماليّة وفهم أساسيات تجربته. وأعتقد أن صورة التّنوّع في الأداء في فكرة “القائم-نائم” التي أسّس لها في كتابه “تنويعات هندسيّة” ستبقى محطّ اهتمام النقّاد، والصّحفيين لأنها جاءت نتيجة دراسةٍ معمّقةٍ وطويلةٍ استرسل فيها جبران طرزي مع تعاظم اهتماماته بنوع الخامات المستخدمة في أعماله كالخشب، والتّنك وإضافة طيفٍ من الألوان التي يراها- بحسب حوارٍ أُجري  معه لمجلة جمالك- ذات قيمةٍ وحساسيةٍ معينة: “إنني أعتمد على الأشكال الهندسيّة الثّابتة التي أحييها وأحرّكها بلعبة ألوان دقيقة ولا متناهية. أخلط الألوان حتى تصبح نابضةً وحيةً مع بعضها“. وأجد أنّه يختلف عن أقرانه في فهمه للفن لأنّه يمتلك صبرًا ومشروعًا أهّلاه للوصول إلى غايته وأهدافه. فبعد أن اطّلع طرزي على الفن الأوروبي، وجد الاختلاف في الأسلوب التّقني والتّقنيات اللونيّة مقابل الفن الشّرقي، ومن أجل أن يوفّر للمتلقّي عملًا فنيًا لافتًا، صرّح للمجلة نفسها: “في الغرب يستعملون الألوان الخام ويركّزون على شخصانيّة الفنان والإنسان، أمّا في الشّرق، فالألوان كلها تصبح تعبيرًا عن قوة الكلّ وضعف الشّخصيّة…”، هكذا فهم جبران طرزي العمل الفني وحدّد مساره ووظّف طاقته فيه. فما يميّز طرزي هو امتلاكه وعيًا متقدّمًا وضعه في مصاف الفنانين الأوائل، وهذا ما دفع بجريدة الكفاح العربي([11]) الصّادرة في 20 أيار/مايو 1997 أن تتحاور معه بعد أيام  من إقامة معرضه الفردي الثاني. تقول الكاتبة رولا عبد الله في استهلال مقال حوارها مع الفنان “تمتاز أعمال جبران طرزي بالتّجريد الهندسي. والمُشاهِد لهذه الأعمال يشعر وكأنه أمام بناء هندسي لمدينة رومانيّة قديمة”.  ولعلها أصابت في قولها هذا، لأنّ هذا الفنان المخضرم حَمَلَ إرث أسرته التّراثيّة وعاش، كما أسلفنا، بين بلدان عربيّة مختلفة متنقّلًا بين سوريا والمغرب وتشبّعت رؤيته وذاكرته بالأعمال الزّخرفيّة ذات الطابع الشّرقي وهذا ما مكّنه من تقديم فنٍ خالٍ من الشّوائب وحرٍّ من تأثير المدارس الغربيّة عليه. ولكي نفهم الأسباب التي جعلت النّجاح يحالف معرضه الثاني، علينا بالعودة إلى ما صرّح به لجريدة السّفير([12]) الصادرة بتاريخ 6 أيار/مايو  1993 حينما سُئل بعد معرضه الأول ما الذي يخطّط له، فأجاب: “لا أريد أن أقف عند حدود اللوحة التي تُقتنى في إحدى البيوت ولا يراها إلّا القليلون. أطمح للعمل مع المهندسين في مجال الهندسة الخارجيّة لأنفّذ أعمالي الفنيّة على الجدران الخارجيّة للأبنية فيراها الجميع ويصبح الفن ملكًا للجميع، يربّون عليه أذواقهم”.  هكذا كانت أحلام هذا الفنان المسكون بالشّرق، وطموحه أن يمتلك الجميع الذوق الفني ويفهمون الأبعاد الجماليّة لقيمة ما تركه من مُنجَز إبداعي كتبت عنه الصّحافة اللبنانيّة عشرات المقالات، وتبنّت أسرته صون رسالته الإبداعيّة من بعده.

أسرة الفنان تُحيي اسمه بعد رحيله: حملت أسرة الفنان جبران طرزي أمانته بحقّ بعد رحيله، ليس لكونه مجدّدًا في الفن التّجريدي الهندسي فحسب، بل لإيمانها  بأنّ  محبّي الفن التّشكيلي العربي يستحقون استكشاف عشرات اللوحات الفنيّة المنجَزة التي تركها، فبادرت هذه الأسرة العريقة إلى إحياء اسمه وذكراه من خلال إقامة معرض فني في العام 2011 في “فيلا عودة” حيث عُرضت مجموعة من أعمال طرزي التّجريديّة، وسارعت جريدة النّهار([13]) إلى نقل هذا الخبر،  فكتبت  لور غريّب يوم الأحد في 11 كانون الأول/ديسمبر 2011 مقالًا بعنوان مميّز: “جبران طرزي في “فيلا عودة”  فنان اليقظة العقليّة قد يغمض عينيه ليرسم بهندسة متمكّنة” موضحةً في حنايا مقالها جملةً من أفكار الفنان. ولأنّ اشتغالات طرزي الفنيّة وامتلاكها للتوافق الدلالي والتّعبيري وبناءها التّصميمي الهندسي جعلها تمتاز بصفات جماليّة متعدّدة، ما كان من غريّب إلّا أن طرحت هذا التساؤل:”هل نحن أمام عمل حرفي ممتاز، أم في مواجهة فنان متمكّن من يده إلى درجة يبدو كأنه يستطيع الرسم وهو مغمض العينين؟”، هذه الدّهشة التي تركتها رؤية أعماله في الصّحفيين اللبنانيين لها أسبابها المنطقيّة كونه دخل الفن من بوابة التّراث العربي وتحمّل في حياته مشقّة الاكتساب والتدريب ليكوّن اسمًا لامعًا.  درّب عقله وذوقه على إنجاز فن يليق بإرث عائلته فكانت هذه الأعمال هي المؤشّر على نجاحه، وبعد عام من ذلك المقال، خصّصت جريدة اللواء اللبنانيّة([14]) بتاريخ 14 كانون الثاني/يناير 2012 في أحد أعدادها عنوانًا يُشيد بالفنان “معرض تنويعات هندسيّة للفنان الراحل جبران طرزي أعمال تستدعي عيون الدّهشة” وإذا شئنا مقارنة هذا الاهتمام بمراحله الفنيّة، فسيكون من حقّنا القول إنّ الصّحافة اللبنانيّة، لم تترك شاردة وواردة عن الفنان جبران طرزي إلّا وتلقّفتها ليبرز اسم الفنان في عناوين أخبارها الصّحفيّة.

معرض استعاديّ يجمع اللوحات والمرايا الشّرقيّة: لم تحصر أسرة جبران طرزي أعماله الفنيّة في مختارات معيّنة بغية عرضها، فقد تنوّعت اشتغالاته بين الصناديق الخشبيّة، واللوحات ذات البعد الهندسي تُضاف إليها المرايا التي عمل عليها بدقّة وتصميم جمالي يراعي البعد الشّرقي مع لمسات الحداثة الفنيّة، وكلّ منها أهلٌ للاحتفاء به ومن المجحف انتقاء عمل دون الآخر. وعليه، أقيم لها معرض استعاديّ تبنّاه غاليري “صالح بركات” في كليمنصو ببيروت، وضمّ كلّ تلك التّركات الفنيّة. رافق المعرض كتاب “الفصول الاثنا عشر” لجبران طرزي باللغتين الانكليزية والفرنسية. اهتمّت جريدة الحياة اللبنانيّة([15]) بعددها المرقّم (19734) الصادر يوم السبت في 15 نيسان/أبريل 2017 اهتمامًا بمنجز الفنان، فواكبت افتتاح  معرضه الاستعاديّ وأطلعت قرّاءها على أعماله من خلال مقال بعنوان “مقامات المربع في معرض جبران طرزي وكتابه” جاء بقلم مهى سلطان التي ضمّنت المقال كثيرًا من أفكار الفنان وخاصة ما تعلّق منها بالتّجريب الفني وتنوّع الاشتغال داخل معرضه الاستعاديّ وتعدّد مكوّنات المعرض من مرايا ولوحات جعلها تعلن للقارئ عن أهمية الفنان، فكتبت: “تكمن فرادته في استبيان مزاولة الجانب الفكري في العمل وتحقيق تمايزه في مرويات كتاباته الرّياضيّة التي تفسر وتشرح مستويات متعة الوصول إلى براهين لحلول جماليّة”، وفي الحقيقة يكشف هذا الرأي جوانب كثيرة ربما كنا في غفلة منها أنّ مكانة الفنان محلّ اعتزاز عند الصّحافة اللبنانيّة،  وأنّ التأكيد على الجانب الفكري في اشتغالاته لا بُدّ من أن يحظى بالدرس الأكاديمي والرّؤية النقديّة، ولعلّ من يطّلع على جوانب بعض من حوارات الفنان سيكتشف أنّ ما قالته الصّحفيّة مهى سلطان لم يأتِ من فراغ بل هناك أكثر من تصريح له في حوار أجرته معه رولا عبد الله لجريدة الكفاح العربي([16]) في عددها الصّادر في 20 أيار/مايو 1997 يؤكّد فيه “إنّ عملي هو كفاح فني عربي لأنّنا عندما نأتي بلوحات عربيّة هي من صميم تراثنا الشرقي لا يمكن إلّا أن نسمّيها كفاحًا عربيًا ضد الغزو الخارجي”. لعل هذا القول يختصر الطّريق على الجميع في فهم مسار جبران طرزي وتوجّهاته المعرفيّة والفكريّة ويدعونا لنعيد قراءة أعماله ضمن خطاب مماثل ينتمي لروح الشّرق. وبما أنّ الصّحافة في لبنان استمرّت في تتبّع نشاط طرزي، أتت جريدة  الأخبار اللبنانيّة([17]) بقراءة جديدة في مقال بقلم نيكول يونس في عددها رقم 3164 الصادر يوم السبت 29 نيسان/أبريل 2017 بعنوان “جبران طرزي يغزل مرايا الرّوح” الذي يتجلّى فيه بوضوح كيف شكّلت الرّوح محور شخصيّة الفنان وكيف أنّ وحداته وأعماله وتكويناته تتآلف لتنطبع في ذهن المتلقّي. وإن كان استعراض أعمال طرزي استعادةً وإحياءً وذِكْرًا يخلّد اسمه، فقد خلّد الفنان هُويته العربيّة، في الغالب، عبر فنّه الخالد.

وإن كان هذا البحث في أساسه يُعنى بأقلام الصّحافة اللبنانيّة التي كتبت عن جبران طرزي، فمن نافلة القول إنّ أثره قد تخطّى الفضاء الورقي ليدخل أفق التوثيق الرّقمي المستدام إذ أتمّ  متحف بيروت للفن BeMA (الذي ما يزال قيد الإنشاء) في العام 2023 عملية تحويل كافة وثائق جبران طرزي وإنجازاته إلى أرشيف إلكتروني رقمي متاح للباحثين والمؤرّخين.

ولتميّز أعمال طرزي وعلو قيمتها، فقد عبرت حدود الجغرافيا، واستقرّت في المحافل الدّوليّة واعتُرف بها عالميًا. حاز متحف غوغنهايم أبوظبي على سبيل المثال مجموعة من أعمال الفنان وذلك ضمن استراتيجيّة المتحف لاقتناء أعمال فنية توثّق تاريخ الفن الحديث والمعاصر في المنطقة العربيّة.

وفي العام 2025، عُرضت لوحة له في معرض في متحف نابو بعنوان “هويتنا والرموز: من غلغامش وبعل وأدونيس إلى اليوم”.

أمّا معرض “الجدران المفتوحة” (Open Walls) في الجامعة الأميركيّة في بيروت، فقد احتضن في فصله الثاني في آذار/مارس 2025 جناحًا خاصًا لـ “مؤسسة جبران طرزي” . وقد أقيم المعرض في صالة بنك بيبلوس للفن (مبنى أدا دودج) بهدف خلق حوار بين مجموعة الجامعة الدائمة ومجموعات مؤسسات فنية أخرى.

كما استضافت الجامعة الأميركيّة في بيروت في 6 أيار/مايو 2025 محاضرة علميّة قدّمها البروفيسور مراد منتظمي، وهو مؤرّخ فني وقيّم متاحف، تناولت الجدليّة بين “الحرفة الفنيّة العربية” و”الفن الحديث”، متّخذة من أعمال جبران طرزي نموذجًا لهذا التمازج.

الخلاصة

في هذه الاستعادة المترامية الأطراف لما وثّقته الصّحافة اللبنانيّة عن منجزات الفنان جبران طرزي، نقف إزاء محصّلة ثريّة متعدّدة الأوجه، وأهمّها أنّ الاهتمام باسم جبران طرزي لم يأتِ من عدم بل من إلمام ودراية بما ولّدته رؤاه التّنظيريّة والجماليّة حول تعامله مع الأشكال الرّياضيّة في حقل الفنّ التّشكيلي. وإنما لانتقاله من الحرفة إلى تصوير الفضاء الفني حسابات ذهنيّة ومصيريّة ارتبطت بقناعة هذا الفنان بأنّ التّجريب في الفن لا يُكتب له النجاح من دون الاضطلاع بالخبرة وبتقنيات اشتغال يعاد تأكيدها بالتأمّل والتوكيد على القيم الحسّية والتّعبيريّة مع خطاب الفن المعاصر.

لقد واكبت الصحافة المقروءة نشاطات الفنان مواكبة حثيثة، ولم تترك مساحة من صفحاتها الثقافية إلّا وأبرزت اسمه فيها، فأصبح الأكثر حضورًا صحفيًا في تاريخ الفن اللبناني. وإذا كان العام 1993 مُنطلق التّرويج الحقيقي للفنان وتاريخه الإبداعي، فإنّ السنوات التي تلت رحيله شهدت على استمرار الصّحافة اللبنانيّة والعربيّة في تتبّعه  بل مضت بالتّذكير بأهميته ومتابعة كل ما تعمل عليه المتاحف والمعارض العربيّة والعالميّة من خلال استعادة قراءة لوحاته وعرضها أمام جمهور الفن وهذا ما يتناوله القسم الثاني من هذا البحث بالارتكاز على دراسة مستفيضة ومتعمّقة سوف تُنشر في المستقبل القريب.

المراجع

1- راجع جريدة الكفاح العربي بتاريخ 20 أيار/مايو 1997 بعنوان تجريدات هندسيّة لجبران طرزي في صالة (50×70)، وهي لوحات تنتمي إلى النمط الفني “القائم – نائم”.

2 – راجع المصدر السّابق.

3- راجع جريدة الأخبار العدد 3164  الصادر يوم السبت في 29 نيسان/ أبريل 2017.

4- راجع نص الحوار الذي أجراه أحمد بزون مع الفنان جبران طرزي في جريدة السفير والمنشور فيها يوم الخميس في 6 أيار/ مايو 1993.

5 – انظر جريدة الدّيار الصادرة يوم الثلاثاء في 4 أيار/ مايو 1993.

6 – راجع جريدة السّفير الصادرة يوم الخميس في 6 أيار/ مايو 1993.

7 – انظر جريدة الحياة اللبنانيّة الصادرة يوم الجمعة 7 أيار/ مايو 1993.‏

8 –  ‏راجع مجلة جمالك أحد أعداد سنة 1999 بقلم جنى عبد الأسود.‏

9 – انظر الملحق الثقافي لجريدة النهار العدد رقم 61 الصادر يوم السبت في 8 أيار/ مايو ‏‏1993.‏

10- انظر جريدة اللواء اللبنانية الصادرة بتاريخ 16 أيار/ مايو 1997.

[1]1- مصدر سابق: جريدة الكفاح العربي الصادرة في 20 أيار/ مايو 1997. ‏

12- مصدر سابق: جريدة السفير الصادرة في 6 أيار/ مايو 1993.‏

13- راجع جريدة النهار الصادرة يوم الأحد في 11 كانون الأول/ ديسمبر 2011.‏

14- انظر جريدة اللواء اللبنانية الصادرة بتاريخ 14 كانون الثاني/ يناير 2012.‏

15- راجع جريدة الحياة اللبنانية بعددها المرقّم (19734) الصادرة يوم السبت في 15 نيسان/ أبريل ‏‏2017.‏

16- مصدر سابق: جريدة الكفاح العربي في عددها الصادر بتاريخ 20 أيار/مايو 1997.‏

17- انظر جريدة الأخبار اللبنانيّة في عددها رقم 3164 الصادر يوم السبت في 29 نيسان/ أبريل 2017.

الهوامش

[1]– شاعر وناقد فني عراقي. عمل فى سِلك الصحافة والإعلام المرئي والمقروء محررًا. عمل مديرًا لبرامج تلفزيونية. في جعبته كثير من الإصدارات في الفن التشكيلي.

poet and art critic. He worked in print and broadcast media as editor and served as a director of TV programs. He has an extensive record of publications on visual art.Email : zeedy69@yahoo.com

[2] – مترجمة لبنانية متعدّدة اللغات، محرّرة، روائية، وكاتبة إعلانات ‏ومقالات. لها 26 سنة من الخبرة في مجالها.

Lebanese multilingual translator, editor, novelist, copywriter, and writer with over 26 years of experience. Email : rana.e.saifi@gmail.com

* نُشر الخبر في الملحق الثقافي لجريدة النّهار، العدد رقم 244، الصّادر بتاريخ 9 تشرين الثاني/نوفمبر   1996.

[1]– راجع جريدة الكفاح العربي بتاريخ 20 أيار/مايو 1997 بعنوان تجريدات هندسيّة لجبران طرزي في صالة (50×70)، وهي لوحات تنتمي إلى النمط الفني “القائم – نائم”.

[2] -راجع المصدر السّابق.

[3] – راجع جريدة الأخبار العدد 3164  الصادر يوم السبت في 29 نيسان/ أبريل 2017.

[4]– راجع نص الحوار الذي أجراه أحمد بزون مع الفنان جبران طرزي في جريدة السفير والمنشور فيها يوم الخميس في 6 أيار/ مايو 1993.

[5] -انظر جريدة الدّيار الصادرة يوم الثلاثاء في 4 أيار/ مايو 1993.

[6]– راجع جريدة السّفير الصادرة يوم الخميس في 6 أيار/ مايو 1993.

[7] – انظر جريدة الحياة اللبنانيّة الصادرة يوم الجمعة 7 أيار/ مايو 1993.‏

[8]–  ‏راجع مجلة جمالك أحد أعداد سنة 1999 بقلم جنى عبد الأسود.‏

[9]– انظر الملحق الثقافي لجريدة النهار العدد رقم 61 الصادر يوم السبت في 8 أيار/ مايو ‏‏1993.‏

[10] -انظر جريدة اللواء اللبنانية الصادرة بتاريخ 16 أيار/ مايو 1997.

[11]– مصدر سابق: جريدة الكفاح العربي الصادرة في 20 أيار/ مايو 1997. ‏

[12] -مصدر سابق: جريدة السفير الصادرة في 6 أيار/مايو 1993.‏

[13] – راجع جريدة النهار الصادرة يوم الأحد في 11 كانون الأول/ ديسمبر 2011.‏

[14]– ‏ انظر جريدة اللواء اللبنانية الصادرة بتاريخ 14 كانون الثاني/ يناير 2012.‏

[15]– راجع جريدة الحياة اللبنانية بعددها المرقّم (19734) الصادرة يوم السبت في 15 نيسان/ أبريل ‏‏2017.‏

[16]– مصدر سابق: جريدة الكفاح العربي في عددها الصادر بتاريخ 20 أيار/ مايو 1997.‏

[17]– انظر جريدة الأخبار اللبنانيّة في عددها رقم 3164 الصادر يوم السبت في 29 نيسان/ أبريل 2017.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.