تراثنا اللبنانيّ في مرآة الشّعر النّهضوي… والعولمة

0

 

تراثنا اللبنانيّ في مرآة الشّعر النّهضوي… والعولمة

د. غلوريا خاطر)[1](

مقدّمة

الإنسان ابنُ سابقِه وخلَفٌ له وامتداد، ومن الطّبيعيّ والحال هذه، أن يألف ما وصله من الماضي ألفة السّمك للماء. وفي هذا التّشبيه ما يوضحُ أهمّيّة التّراث للإنسان. غير أنّ البشريّة تجاوزت منذ نحو نصف قرن، وبفعل سطوة العولمة، محدوديّة التّراث وفرضت نمطًا أحاديًّا في العلاقات بين الأفراد كما بين الشّعوب. صارت العولمة قطبًا أوحدَ يجذب الأقربين والأبعدين، وقانون الجاذبيّة الجديد في فيزياء العلاقات الإنسانيّة. فأين التّراث من هذه الجاذبيّة، وهل قضى تراثنا اللبنانيّ بضربة العولمة القاضية؟ مقاربة هذه الإشكاليّة ممكنة من خلال مرايا عديدة تعكس جوانب الحياة كافّة.

من جهتي، اخترت مرآةً قديمة النشأة، لكنّها الأجمل، والأصفى، والأقرب إلى القلب، بل إلى الروح وهي الشّعر، وشئتُ لمرآة الشّعر هذه أن تعكس ما انطبعَ في أعمق أعماق شعراء عصر النهضة، مقيمين ومهجريّين، من صُوَر مستلّة من تراث بلادنا، وما كان لانتمائهم إلى هذا التّراث من أثرٍ أصيل في تكوين شخصيّتهم الإنسانيّة، والفنّيّة على السّواء. ولا أغالي إذا قلتُ إنَّ تنفّسهم برئة التّراث جعل لأشعارهم عطرًا فريدًا في جنّة الشّعر، فوّاحًا بعراقةِ لبنانَ وأصالة شعبه.

فإذا كان الأديب ابنَ بيئته على ما تُشيعه المقولة المأثورة، فإنَّ معظم شعراء النهضة من اللبنانيّين قد أفادوا من انتشار المدّ الرّومنسيّ السّائد في تلك الحِقبة، وانكبّوا على التّراث، ومكوّناته بقصد تعميق الانخراط في الانتماء الاجتماعيّ والوطنيّ، وبهدف إيقاظ الوعي بأنّهم أبناءُ فرادة تخصّ مجتمعهم، وهي موضع اعتزاز لهم، ووفاءً منهم لطبيعة الشّعر التي تعكس المشاعر الصّادقة. ومن المؤكّد أنَّ الاغتراب والبُعد عن الوطن كان عامل إحياء للتراث، وإذكاءٍ للحنين إليه ردًّا على قسوة الحضارة الغربيّة المادّيّة.

كلامنا حتّى الآن تناول المرآة – الشّعر، فماذا عن التّراث؟ كيف انعكس هذا في تلك؟ ما الذي بقيَ من عناصر هذا التّراث حيًّا إلى يومنا؟ وأخيرًا أين نحن في لبنانَ المعاصر من تراثنا؟ وإذا كان الجواب عن السّؤالين الأوّلين سهلًا بعض الشّيء لأنَّ الدّراسات الاجتماعيّة والأدبيّة تناولت علاقة التّراث الشّعريّ بالتّراث الشّعبيّ وأشبعتها تمحيصًا وتحليلًا ووقفت على خباياها والخفايا، فإنَّ إيفاء السؤالين الثّالث والرّابع حقَّهما من البحث، والتقصّي، والتّحليل، والاستنتاج يحتاج إلى جُهدٍ ومشقّة، وفي هذا القسم من البحث إطلالة على آفاقٍ بلا حدود.

أوّلاً: ما هو التّراث؟

1- تعريفه

التّراث، وأصله الوُراث([2])، هو خلاصة ما خلفته (ورّثته) الأجيال السّالفة للأجيال الحاليّة. وهو الجذور في الشّجرة، فكلّما غاصت، وتفرّعت كانت الشّجرة أقوى، وأثبتَ، وأقدر على مواجهة تقلّبات الزّمان. ومن النّاحية العلميّة هو علم ثقافيّ قائم بذاته يختصّ بقطاع معيّن من الثّقافة (الثّقافة التّقليديّة، أو الشّعبيّة) ويلقي الضوء عليها من زوايا تاريخيّة، وجغرافيّة، واجتماعيّة، ونفسيّة. والتّراث الشعبيّ عادات النّاس، وتقاليدهم، وما يعبّرون عنه من آراء، وأفكار، ومشاعر يتناقلونها جيلًا عن جيل، ويتكوّن الجزء الأكبر منه من الحكايات الشّعبيّة مثل الأشعار والقصائد المتغنّى بها وقصص الجنّ الشعبيّة، والقصص البطوليّة، والأساطير. ويشتمل التّراث الشعبيّ أيضًا على الفنون، والحِرَف، وأنواع الرّقص، واللعب، واللهو، والأغانيّ، أو الحكايات الشّعريّة للأطفال، والأمثال السّائرة، والألغاز، والأحاجيّ، والمفاهيم الخرافيّة، والاحتفالات، والأعياد الدّينيّة. كذلك فكلّ النّاتج الثّقافيّ للأمّة يمكن أن نقول عنه “تراث الأمّة، إذ “يُشكّل الهُويّة الواضحة المعالم لأدب شعبيّ عريق”([3]).

2- خصائصه

يُستفاد من هذا التّعريف أنَّ التّراث:

– يخصُّ مجتمعًا أو شعبًا بعينه، وليس مشاعًا تشترك في ملكيّته جماعات متعدّدة.

– تنحصر مجالاته وحركته التّراكميّة في الماضيّ.

– يمثّلُ الذاكرة الجمعيّة، والوجدان الشّعبيّ للجماعة الواحدة، وهو الهُويّة الثقافيّة المتوارثة للشّعب.

– يرتبط بمكان واحد عاشت عليه الجماعة الواحدة كما يرتبط بفضاء زمنيّ حاضن لتّراكمات الماضي.

– يعكس جزءًا من تاريخ الجماعة، يغطّي نشاطاتها العمليّة والفكريّة المتنوّعة.

– يسجّلُ أفراح الجماعة وأتراحها، وما يرافق حياتها من ممارسات تكرّست أعرافًا وتقاليد.

– يُعدُّ إرثًا من السّلف للخلَف.

– يتّسمُ بالمثاليّة إذ هو خازن القيَم التي تنهد إليها الجماعة، وبها تباهي.

3– موجبات خصائصه

ولأنَّ التّراث من الإرث، والإرث انتقال الموروث من سابق إلى لاحق، فإنَّ في رأس موجبات التّراث:

– الحركة الدّائمة باتّجاه الحاضر والمستقبل، بمعنى أنَّ التّراث إنّما وُجِدَ ليكون بوصلة للأجيال الطّالعة فتتحرّك في الإطار المرسوم لها سلفًا الذي تحدّده منظومة القيم التي عاشت عليها الجماعة في تاريخها.

والأخذ عن الأسلاف هو الآليّة التي يُتعامل بها مع التّراث عمومًا، ما يعني أنَّ الاتّباع هو الطّريق الرّسميّ المعتمّد للانخراط فيه، وهذا ما يجعله الأقرب والأحبَّ إلى قلوب الشّريحة المحافظة في المجتمع، وذلك من باب الولاء العاطفيّ لما ألفته، وتعوّدت عليه، وصار جزءًا لا يتجزّأ من سلوكها وشخصيّتها. وإذا كانت الردّة إلى الماضي هي حركته الظاهرة، فإنَّ المرجوَّ منه هو الحركة المضادّة نحو الغد التي يضطلع بها الشّباب في العادة. فهم في كلّ مكان وزمان الطاقة التي يُعوَّل عليها في ربط العناصر التّراثيّة الحيّة بالمستقبل، وتحديثها، وإهمال ما لا يستطيع منها مواكبة الزّمن في تقدّمه. وهذا ما سوف نسلّط عليه المزيد من الضوء في مرحلة لاحقة من بحثنا.

– ضرورة التّعامل مع عناصر التّراث بفرح وطمأنينة وسلام القلب، فكأنَّ الإنسان بارتمائه في أحضان التّراث يعوّض عن عوامل القلق، والخوف، والتمزّق التي تعتريه في حياته الفرديّة. التّراث إذًا مروحة من الممارسات يشترك في أدائها مجتمع ما، تتيح للأفراد أن يتقاسموا فرحًا يجمعهم، وتوحّد صفوفهم عقليّة تُجمِع على قيمٍ ومُثل واحدة. هذا الفرح يعيش طقوس التّراث فيصبح لديهم كالتنفّس جزءًا من حياتهم وسمة لها، ويصعب عليهم التّنازل عنه، أو الميل عنه إلى أيّ إغراءات أخرى محتمَلة.

– ضرورة صونه والتشبّث به، والحفاظ عليه لما له من قيمة معنويّة إذ هو ترجمة للهُويّة، والكرامة، والاستقلال، والتجذّر في التاريخ وفي المكان. فنقاؤه بمعنى بقائه بمعزل عن أيّ مؤثّر خارجيّ دخيل، دليل على أصالته، وعراقته، وارتباطه الوثيق بتاريخ الجماعة وبشخصيّتها المتفرّدة المستقلّة.

– ضرورة الاعتراف بالأوّليّة والأسبقيّة لكلّ ما هو محلّيّ وتراثيّ، وهذا يشير ضمنًا إلى تفضيله على سواه من العناصر الوافدة إلى حياة الجماعة من خارج المألوف،، وخارج النّظام العقليّ، والاجتماعيّ السّائد. وبهذا المعنى تصبِح عمليّة طمس أيّ مَعْلَم من معالم التّراث عملًا شائنًا، وجناية فادحة لأنَّ فيها إخلالاً بالانتماء، وتفريطًا بالقيم.

في ضوء ما تقدّم لا يجد الباحث صعوبةً تذكَرُ في رصْد مرآة الشّعر النّهضويّ وما انعكس على صفحتها من قصائد تنضحُ بالتّراث اللبنانيّ، وتبوح بالعواطف التي تدين له بالحبّ، كلّ الحبّ.

ثانيًا: التّراث اللبنانيّ في مرآة الشّعر النّهضويّ

اللبنانيّون من شعراء النهضة([4]) لا سيّما الرّعيل الأخير منهم، مقيمين ومهجريّين، لم يقصّروا في عيش تجربة التّراث اللبنانيّ، القرويّ على وجه التّحديد، شعرًا، فأتت قصائدهم محمّلةً باللون المحلّي لا في وصف الطّبيعة وحسب، بل في نقلِ سعادة الإنسان اللبنانيّ الرّاضي بحياته الزراعيّة المتواضعة القائمة على الكدّ، والقناعة عملًا بوصيّة الله “بعرق جبينك تأكل خبزًا” (تك 3/ 19)، وعلى التقوى ومواكبة الأرض في فصولها ومواسمها وجمالاتها. قد تكون لكلٍّ منهم أسباب خاصّة دفعته إلى تناول أحد عناصر التّراث ملهِمًا لقصيدة أو لديوان، غير أنّهم متشابهون في تعاملهم مع التّراث – وهذا بدهيّ – ما داموا جميعهم ينهلون من منهله ويغرفون من معينه ويتنشّقون هواءه. فكيف بدا تراث لبنان في شعرهم؟ وما هي مقوّمات ذلك التّراث؟

جاء الشّعر في الدّور الأخير من أدوار النهضة يعكس بوضوح وشفافية:

ألف – حال المجتمع اللبنانيّ الذي امتاز بالطابع القرويّ الريفيّ الزراعيّ المرادف لهناء العيش الذي تحقيقًا لذلك الهناء طارت المقولة المأثورة “هنيئًا لمن له مرقد عنزة في جبل لبنان”. شعراء تلك الحِقبة لم يستوردوا موضوعات من خارج بيئتهم فالتفتوا إلى محيطهم القريب، إلى الإنسان الذي من لحمهم ودمهم، وأكبروا فيه جهاده وكدّه، وعصاميّته وحبّه لعمله، وتعلّقه بأرضه ووطنه بطبعيّة ومن غير تفلسف، وهذه المناقب متوارثة جيلًا بعد جيل.

أ – نبدأ بالنّماذج البشريّة التي ظهّرها الشّعر النّهضوي وُجوهًا مضيئة من تراثنا اللبنانيّ، وهم في عيّنة معبِّرة ومختصَرة:

– الفلاح

إلياس أبو شبكة في قصيدة “الفلّاح” يشيد به سيّدًا فيقول:

“سيّدَ المنجل الحقيرْ      أنتَ للنّاسِ سيّدُ

من ذراعيْكَ للفقيرْ        حبّةُ القمحِ تولَدُ”([5])

ويضيف مستلهمًا تراثَ الأجداد من صورة هذا الفلّاح:

“أنتَ وجهٌ مخلَّدُ          للجدود المخلَّدينْ

مثلهم سوفَ تُلحَدُ        طاهرَ العين والجبينْ”([6])

معنى السيادة عند شعبنا وفي تاريخنا كان مقرونًا بالعامل في الأرض، الذي يوفّرُ أسباب الحياة لغيره، وهو كذلك مقرون بجمال النفس، وطهارة الطويّة. وفي هذا السياق نفسه نفهم الإشادة بالفلّاح اللبنانيّ “فلّاح مكفيّ سلطان مخفيّ”.

ومن التّراث استلهم شفيق المعلوف لوحة الفلّاح الذي يزيّنه شقاؤه بلآلىء العصاميّة فقال:

“هلا نظرتَ جبينًهُ        كم فيه لؤاؤةٌ تَزينُهْ

ضنّتْ عليهِ بالدّموعِ      عيونُه فبكى جبينُهْ”([7])

– الحصّاد

نموذج آخر من أبناء شعبنا، يوم كان العملُ في الأرض المصدر شبه الوحيد لقوت اللبنانيّين، صوّره إلياس أبو شبكه طاقة حبّ ونشاط يحيا بها قلب البلاد، وهي مقرونة بالتفاؤل، والفرح تختصرُ معنى الحياة فقال:

“إلى الحصادْ

جنى الجهادْ

قلبُ البلادْ

يحيا بنا

هيّا احصدوا وأنشدوا:    الحبُّ قلبٌ ويدُ

        والعمْرُ زرْعٌ وجنى”([8])

– الرّاعي

هو أيضًا كان له حضورٌ في حياتنا اللبنانيّة يوم كانت تعتمد بدرجة كبيرة على تربية الماشية في تأمين قوتها، ومن أخبرُ من الرّاعي في هذا المجال؟! شفيق المعلوف صوّرَ قناعته على الرّغم من صعوبة عيشه، وكيف أنّه يُفرغ ما في ضلوعه من لظى الحياة. يقول:

“حتّى إذا بثَّ ما يجيشُ به      غصَّ بما في ضلوعه القصَبُ”([9])

وإلياس أبو شبكة يصوّر بهجة الراعي، وهو الأكثر سياحة في الرّبوع اللبنانيّة بحكم طبيعة عمله، بسحر تلك الرّبوع، وروعة الإحساس بالانتماء إليها، وبامتلاكها حاضرًا ومستقبلاً. قال:

“جبالُنا نحبّها

هذي العيونُ، قلبُها

هذي الجنانُ، خصبُها

حُليُّها: التفّاحُ والعنبْ

ألحانُها: الرياحُ في القصَبْ

وكلّها لنا، وللبنين بعدَنا”([10])

فالانتماء إليها انتماء إلى الحبّ والجمال. إنّها الوجه الآخر للوطن مرسومًا بالشّعر على لسان الرّاعي.

ب – ننتقلُ إلى أبرز المحطّات، أو المناسبات في حياة مجتمعنا التي استلهمها شعراء النّهضة تمثيلًا للتّراث، وتخليدًا له. وتحت هذا العنوان تندرج الأعمال، بعد كلامنا على العاملين، العادات، والتقاليد، والأدبيّات السّائدة بين الناس…

من هذه المحطّات أو المناسبات التّراثيّة:

– أعراس القرية

ولعلّ خير مَن يعكسها شعرًا بأمانة وبراعة إلياس أبو شبكة في قصيدة “عرس في القرية”. وعليها يعلّق النّاقد إيليا الحاوي”… كان للأعراس طقوسٌ من النّشوة، والفرح، والألفة، وسحقتها عجلة الحضارة المتسارعة، وعفَّرَها الإنسان المتهرول في طلب رزقه البائس”([11]). من تلك الطقوس زغاريد ومنها (الأوها)، وهي عبارات تُشيد بحُسن أحد الحبيبين، وخصاله تتمطّى في تلاوتها إنشادًا صدّاحًا من أعماق القلب والحنجرة إحدى النساء، وبين العبارة والأخرى تعلو كلمة (أوها). وفي نهاية تلك الأنشودة الاحتفاليّة الشّعبيّة تزغرد النّساء والجماعة المحتفلة بالعرس لي لي لي لي. وقد عكس أبو شبكة في مرآة شعره الأوها التّراثيّة التي كانت تزيّن الأجواء الاحتفاليّة في الأعراس القرويّة. يقول:

“أوها…

الحُسْنُ لوّحْ ففي خَدّ الحبيبْ أسرارْ

أوها…

والحبُّ سلّحْ دمَ الغصنِ الرطيبْ بالنّارْ

أوها…

زينُ الشبابِ الملاحْ فاملأ لنا الأقداحْ

أوها…

وانثرْ عليه التهاني والزبيبْ يا جارْ

لي لي لي لي لي…”([12])

ومن طقوس الفرح والنّشوة في الأعراس زفّة العروس التي ترافق الأوها، وهي مقاطع شعريّة تشيد بالحبيبة، وحليلها وبالحبّ ومعانيه الصّافية. مثال ذلك ما أورده أبو شبكة في قصيدة “عرس في القرية”:

“لون السّماء كإكليلكْ

كالحلمِ زُرقةُ منديلِكْ

حلاكِ من قلْب حليلكْ

فأنتِ كالحب غنِيهْ”([13])

– العيد في القرية

يقول فيه إيليا الحاوي “العيد في القرية هو للأطفال، يفرحون بثيابهم الجديدة، والحلوى، واللعب، وهي أمور تقع في نفوسهم موقع النّشوة، والطرب لأنّهم ليسوا أبناء البطَر الذي يُتخم النّفس، ويُقفل منافذَها على كلّ فرح في الوجود”([14]). العيد في القرية كان مناسبة حقيقيّة للفرح المنبعث من قلوب الأطفال الذين ينتظرون بائع الحَلوى، وبائع اللعب، وكلٌّ منهما ينادي ترويجًا لبضاعته بما يُغري أولئك المتشوّقين للفرح، القانعين بما تيسّرُه لهم الظروف من أسباب التّرفيه. فهذا بائع الحلوى يعرضُ ما لديه من لذائذَ شِعرًا بقلم أبو شبكة:

“حلوى المعلّلْ سكّرْ مشكَّلْ

 أحمرْ أخضرْ أشقرْ

غزلانْ رعيانْ ملوك الجانْ خيلُ العربانْ

عبلى وعنترْ حلوى يا سكّرْ”([15])

بضاعة هذا الرّجل كانت خير ما يُقدَّم للأطفال في القرية في العيد، وكانت فرحتهم بها لا توصَف. ولبائع اللعب بحسب ما تنقله مرآة (أبو شبكة) الشّعريّة موادّ أخرى لتوليد الفرح. يقول:

“أنا بائع اللعَبْ           عندي العجيبُ العَجَبْ

بابورْ مسلَّحْ              شختورْ مصفَّحْ

عندي مَدافعْ             عندي دوارعْ وطيّاراتْ

عندي قذائف             ودبّابات

عندي جيادْ              عندي قُوّادْ  عندي جنودْ

        شُغْلُ البلاد”([16]).

الأولاد يفرحون بألعابهم التّراثيّة في عُرْفنا نحن، والعيد كان يفرح بهم، ولهذا، يُنطقُه أبو شبكة تعبيرًا عن حالة هي مزيج من الحبور والغبطة والبهجة تُفصِحُ عن عيش فرحة العيد في العمق.

“صوت العيد:

وأنتمُ الصّغارْ             من السما أزهارْ

ما زال للمَلاكْ            في روحكم أسلاكْ

أنتم وجوه السّلامْ         للطهر أنتم صُوَرْ

نُعمى على الأيّامْ         وفي قلوب البشرْ”([17])

– ألعابُ الطفولة في القرية

ولا يقتصر فرح الأطفال على الأعياد، وإنّما كان يغمر قلوبهم البريئة في ألعابهم في أحضان الطّبيعة. وإذا كنّا نتكلّم على فرحهم فإنّما نفعل للدّلالة على نوعيّة تلك الألعاب التّراثيّة البسيطة، المتواضعة، المصنوعة من الموادّ التي تيسّرها الطبيعة نفسها. ولعلَّ إيليا أبو ماضي هو خير من يعكس في شعره تلك الألعاب التي كانت تختصرُ دنيا الطفولة السعيدة. يقول مخاطبًا الطفلَ النائم في أعماقه:

“ما بالُك منكمِشًا كمِدًا؟           قمْ نلعبْ في فيء الشجرِ

ونهزُّ الأغصانَ والعُمُدا           ونذودُ الطّير عنِ الثمرِ

أو نصنعُ خيلاً من قصبِ        أو طيّارات من ورقِ

ومُدًى وسيوفًا من خشبِ          ونجولُ ونركضُ في الطرُقِ

أو نأتي بالفحْمِ القاتمْ              ونصوِّرُ فوق الأبوابِ

تنّينًا في بحرٍ عائمْ                أو ليْثًا يخطرُ في غابِ

أوكلبًا يعدو، أو حَمَلًا             يرعى، أو نهرًا، أو هضبَهْ

أو ديكًا ينقدُ،أو رجُلا             يمشي أو مهرًا،أو عرَبهْ

أو نجبُلُ ماءً وترابا               ونُشيدُ بيوتًا وقُبابا

أو نجعلُ منه أنصابا             أو نصنع حلوى وكبابا”([18])

وفي قصيدته “وطن النجوم” يحنُّ أبو ماضي إلى ملاهي الطفولة المترعة بالحريّة، والفرح متذكّرًا ألعاب الصغارفي تلك الحقبة. يقول:

“يتسلّق الأشجار لا ضجرًا        يُحسُّ ولا ونى

ويعودُ بالأغصان يَبريها          سيوفًا أو قنا

ويخوضُ في وحْل الشتاء         مهلّلاً متيمّنا”([19])

تلك كانت عيّنة من ألعاب الأطفال في ذلك الزمن، وهي تعكس بوضوح ما بعده وضوحٌ براءة الصغار، وسعادتَهم بما توفّره لهم الأرض لا الأهل من عناصر، وموادّ يبتكرون منها ما يجدون فيه فرحهم، ويتمرّسون بالحرّيّة في الفرح.

باء – حال القرية بطبيعتها وأرضها، وفصولها وجمالاتها وهي جزء لا يتجزّأ من الإنسان القرويّ الذي عاش في كنف بيئة صقلته وصقلها، فعلَ فيها وانفعلَ بها، وفّرت له أسباب العيش فقنعَ برزقه، وبادلها الحبَّ والعطاء. ولو عاش اللبنانيّ على غير تلك الأرض لكان بدا بالتأكيد بصورة مغايرة تمامًا إنسانيّا وسلوكيّا. وإذا كان الشّعراء النّهضويون، مقيمين ومهجريّين، قد أسرفوا في التغنّي بالطبيعة القرويّة فلأنّهم أصحابُ ولاء للأرض التي أنبتت إنسانهم كما أنبتت أغراسهم، وليس فقط من باب ركوب موجة الرومنسيّة السائدة عصر ذاك. القرية إذًا بأرضها، وصخورها، ووديانها وأشجارها، وجداولها، وأطيارها… مهدٌ للتراث وأصلٌ له، ومن الإجحاف الحديثُ عنه، وإغفال أحد أبرز مصادره وأصوله. جذور التّراث عندنا ضاربة في البيئة أرضًا وسماء فلا تكتمل صورته من غير تربته ومعدنه، أي من غير محيطه وعالمه الطبيعيّ. في مجتمعٍ زراعيّ ذي ثقافة فطريّة متواضعة، تبرزُ براءة الناس رجعًا للجمال في الطبيعة الريفيّة البكْر. جمال النفس هو الوجه الآخر للجمال الربّانيّ الذي تطلّ به الطبيعة على أهلها مع كلّ فصل من فصول السّنة. هنا الطبيعة هي المعلّمة والفصول والمواسم هي الكتاب والله في جنّته هو السيّد. وتصبح القرية في حسنها صورة مصغّرة للبنان. والتّراث القرويّ بهذا المعنى يمثّلُ تراث لبنان.

الشّاعر القرويّ رشيد سليم الخوري يقولُ في سحر الطبيعة اللبنانيّة الذي يحمل الإيمان إلى صدر الملحد:

“تلك المَشاهِدُ لو رآها مُلحِدٌ       نزلَ اليقينُ على ضمير المُلحِدِ”([20])

والشّاعر شكر الله الجرّ” يرى الله في كلّ جميل من طبيعة بلادنا:

“لا يضير الله أن نعبده حيثُ نشاء

هيكلُ الله جبالٌ وبحارٌ وسماء

وعلامَ القولُ: “إنَّ الله قد حُجِبَ عنّا”

هو في الليل وفي الفجر إذا فتّحتَ جفنا

هو في البرق وفي الرعد إذا أرهفتَ أذنا”([21])

الله إذًا، بحسب ما تربّت عليه الأجيال في البيئة القرويّة حينذاك مقيمٌ في الطبيعة، والإنسان يراه بأمّ العين في تجلّيات الأرض، فالأرضُ تُحَبُّ ولا تُحترَم فقط، لا لأنّها مصدر النفع والعيش، بل لأنّها أوّلاً هيكل الله. إنّها ليست ترابًا وصخورًا وعناصر ماديّة، بل هي مقام للروحانيّة، وهي لمن يعشقها دنياه بكاملها على حدّ قول إيليا أبو ماضي:

“أنا ذلك الولد الذي       دنياه كانت ههنا”([22])

ولأنّ الطبيعة اللبنانيّة، القرويّة على وجه التحديد، جزء أساس من الشخصيّة والتّراث، فقد حملها أدباء المهجر في وجدانهم حيثما حلّوا، وبقيت متوقّدة حيّة في مخيّلاتهم يرسمون بها عواطفهم وخواطرهم، ولم يلتفتوا كثيرًا إلى البيئة الجديدة المحيطة بهم لأسباب لسنا هنا في معرض الحديث عنها. ويكفي أن نشير في هذا السّياق إلى رائعة “المواكب” لجبران خليل جبران إذ ينحاز إلى طبيعة لبنان رمز الحقيقة البكر في مواجهة الحضارة الغربيّة المتوحّشة.

واللافت في الكلام على الإنسان القرويّ، وعلاقته ببيئته أنّه يواكبها، ويماشيها في فصولها أي في تغيّراتها، وتحوّلاتها، وحركتها، ويستمتع بكلٍّ منها، كما أنّه يتوقّف عند مشاهد الطبيعة وأصواتها، وعطورها، وكائناتها جميعًا كما لو أنّه حريص على ألّا تفوته نأمة منها ولو يسيرةً، كما لو أنّ التخلّي أو إشاحة النظر عنها ضربٌ من التّخلّي عن الدّنيا.

إلياس أبو شبكة في ثلاث من قصائده “ألحان الشّتاء، ألحان الربيع والحان الصيف” يستمعُ بإحساس الشّاعر الخلاّق إلى أنغام الفصول، فلا يغتمّ مثلًا لقدوم الشتاء برياحه، وأمطاره وثلوجه، بل يرحّب به ويدعو الأمطار إلى العصف، والرقص، والعزف، وخلق الجمال، ولا خوف من جوع، أو حاجة، فالمؤونة مخبّأة في آنيتها، وهي حلال زلال من تعب الجباه، ومن خيرات الأرض. يقول:

“أمطري واعصفي

وارقصي واعزفي

واخلقي الجمالْ

وانسجي الخيالْ

القمح في أعدالنا

والزيت في قلالنا

والتين في السّلالْ

وكلّها حلالْ،

من جبالنا”([23])

الاكتفاء وعدم الحاجة إلى تصدُّق أحد، وذلك كلّه بالحلال الذي يرضي الله قمّة السعادة لدى القرويّ وهو شعور تربّى عليه شعبنا في تاريخه، وبعده لا همّ، فالطبيعة لها مواقيتها وتحوّلاتها وهي جميلة فيها كلّها.

يعيد الشتاء إلى البال ذكريات السهر حول الموقد، وحكايات الجدّة التي تغذّي مخيّلة الأطفال. فرشيد أيّوب إذ يرى الثلج في المغترَب يعود بالذاكرة إلى أهله وإلى مسقط رأسه بسكنتا فيخاطب الثلج:

“يا ثلج قد ذكّرتَني الموقد          أيّام كنّا حوله نًنشِدْ

نعنو لديه كأنّه المسجد           وكأنّنا النسّاك في الزُّهدِ”([24])

بساطة العيش، والتحلُّق حول الموقد في سهرات عائليّة، يمتدّ فيها الحبّ لا الصراع بين الأجيال، من الأحفاد إلى الأجداد وبالعكس، أساس وطيد قامت عليه الأسرة اللبنانيّة القرويّة. فالبرد في الخارج يقابله دفء في البيت من الموقد ومن القلب.

في ألحان الربيع ذكْرٌ لِكَمّ كبير من عناصر الطبيعة المتجدّدة يقطرُ منها الجمال، ولا شكَّ في أنَّ الإنسان القرويَّ عهد ذاك كان يتأثّرُ بالجمال المطبوع، ويعايشه عن كثب بالحواسّ، والإحساس ما جعلَ لكلّ شيء في الطبيعة قيمة لا تساوي ماهيّة الشّيء نفسه، بل تساوي مقدار ما فيه من حُسن وروعة. مثال ذلك قول إلياس أبو شبكة:

“… والزهرُ في بهجة الشجرْ يلوحُ تكوينُه عليكْ

رأيته يانعَ الثمرْ في مقلتيكْ”([25])

ومجيء الصيف دعوة للالتحاق بالعمل على صحّة، وإيمان، ونقا، وأمل:

“أقبلَ الصيف وألقى في البطاحِ رحْلَهْ

قوِّنا، يا ربُّ، واجعلْنا صِحاحَ، مثلَهْ

واجعلِ القلب نقيّا كنسيمهْ

واسقِنا الإيمانَ حيًّا من كرومهْ

وليكُنْ لنا، زهرُه قُبَلْ

أرضُه جنى، شمسُه أمَلْ”([26])

ومن ركائز الحياة القرويّة التي تربّت عليها الأجيال في لبنان الشعور بالأمان على الرّغم من العيش في ظروف مُناخيّة قاسية وخطرة، وها هو ميخائيل نعيمه يعبّرُ عن هذا الإحساس الذي يعكس الانتصار على ما يحدِقُ به بصلابة، أحاط بها نفسه بكدّه وعصاميّته، وهي مدعاة للشّعور بالأمان والطمأنينة. يقول:

“سقفُ بيتي حديد        ركنُ بيتي حجَرْ

فاعصفي يا رياح        وانتحِبْ يا شجرْ

واسبحي يا غيوم         واهطلي بالمطر

واقصفي يا رعود         لستُ أخشى خطر”([27])

هذا غيضٌ من فيض ما حمله الشّعر النّهضوي من معالم تراثيّة لبنانيّة، أو من أجواء ساعدت على احتضان التّراث، ومدّه بأسباب الرسوخ والتأصّل والبقاء. وقد كان لحنين أدباء المهجر إلى وطنهم الأمّ وإلى مرابع الصِّبا – ومعظمهم من أبناء القرى – دورٌ كبيرٌ في الكشف عن الأصول التّراثيّة في الحياة القرويّة اللبنانيّة، والتغنّي بمحاسنها وإبراز أصالتها وعراقتها. هذا من دون أن ننسى ما للشّعراء المقيمين، وفي مقدّمتهم إلياس أبو شبكة، ابن بلدة الذّوق الكسروانيّة التي كانت في تلك الحِقبة أشبه بقرية أكثر منها بلدة أو مدينة، من فضل على تصوير التّراث في ديوانه “الألحان”. ولا شكَّ في أنَّ التوسُّع في هذا المبحث مفيدٌ للراغبين في إعداد الأطاريح الجامعيّة لأنّه يتيح لهم الخوضَ في عالَم واسع له وجوه متعدّدة أنتروبولوجيّة، وحضاريّة، واجتماعيّة، وبيئيّة، ووطنيّة، وإنسانيّة… مفتوحة على آفاق مستقبليّة لا حصر لها.

ثالثًا: أين نحن اليوم من التّراث ومن العولمة؟

أمّا وقد فرغنا من عرض أبرز معالم التّراث القرويّ اللبنانيّ كما عكستها مرآة الشّعر النّهضويّ، فقد حان الآن وقت الإجابة عن سؤال: ما الذي بقيَ لنا من تراثنا حيًّا إلى اليوم؟ وهل تقف العولمة على طرفيّ نقيض من التّراث وتلغيه وتزيله وتحلّ محلّه؟

الإجابة عسيرة ويسيرة في آن. ومردّ عسرها أنّه يعزّ علينا نحن اللبنانيّين المخضرمين (الذين لفحتهم مؤثّرات التّراث عن كثب ثمّ اجتاحتهم مؤثّرات العولمة بلا هوادة) أن نعترفَ بسقوطنا في تجربة التّخلّي، وبتنازلنا القسري، أو الطوعيّ – لا فرق – عن خصوصيّات كانت إلى زمن بعيد تدلُّ علينا وحدنا، وتخصّنا وحدنا، وتمتلكنا ونمتلكها. وعسر الإجابة يرجعُ من جانب آخر إلى بقايا هذا التّراث في حنايا أرواحنا يعمل عمل السكّين في الأجساد، فيصعب علينا التبرير، ونحسّ بعقدة الذّنب تجاه أسلاف حافظوا، في ما نحن لم نحافظ على الأمانة الغاليّة.

أمّا يُسر الإجابة، فيعود إلى الانسياق الطبيعيّ مع تسونامي العولمة الذي لم تنجُ منه بقعة على سطح الكوكب، فالتّخلّي عن التّراث مسألة نسبيّة مبرّرة موضوعيًّا لدواعٍ تفوق قدراتنا وإرادتنا، من هنا أنّها ليست مدعاة لجلد الذّات.

وفي هذا السّياق، ينبغي القول إنَّ العولمة تجاوزت الحداثة، وابتلعتها وهضمت مفاعيلها وتداعياتها، بصرف النّظر عمّا إذا كانت العولمة قد أحسنت إلى الحداثة أو أساءت. والحقيقة أنَّ جدليّة التّراث والحداثة مادّة للبحث شغلت عقول مفكّرين كثيرين في لبنان، والعالم العربيّ سواء على المستوى الفنّيّ، أو السياسيّ، أو الاجتماعيّ… إلّا أنَّ بحثنا يتركّز على ما للعولمة من مؤثّرات في التّراث، وإن تكن العولمة في السّطحيّ الظاهر إحدى تجلّيات الحداثة. ولربّما من المفيد أن نستطرد للقول إنَّ الحداثة تُطلَبُ لذاتها، لأنّها تعبّرُ عن حركة الحياة السائرة إلى المستقبل من دون توقّف، ولها مروحة واسعة من الآليّات التنفيذيّة، أمّا العولمة فهي كالقدر في المسرح اليونانيّ، فوقيّة استبداديّة إلغائيّة ذات شموليّة قاهرة. من هنا فإنَّ القطب المواجه للتّراث في هذا البحث ليس الحداثة وإنّما العولمة.

والجدير ذكره في هذا السياق، أنَّ الإجابة عن سؤال ما الذي بقي من التّراث إلى يومنا، لن تكون واحدة موحّدة لدى الفئات العمريّة المتعدّدة. فمن المؤكّد أنّ العسر واليسر السّالفَي الذكر إنّما يعبّران عن رأي أترابي من المخضرمات، والمخضرمين في حين أنّ الأجيال الفتيّة بأكثريّتها الساحقة، لا تأبه للسؤال نفسه، ولا يعنيها التّراث من قريب أو بعيد إلّا بمقدار ما يعنيها طربوش تركيّ على رأس عجوز بالسّروال في صورة فوتوغرافيّة صفراء.

التّراث في لبنان شأنه في أيّ بلد صغير، أو كبير ليست له قوّة المواجهة وصدِّ المؤثّرات الغريبة الوافدة من الخارج كالزلزال. ولعلَّ ارتباطه العضويّ بالماضيّ ودورانه في دوّامة تقليد الشّائع والمعروف، والموروث قد أحكما قوّة طقوسه، وأحاطاها بهالة أشبه ما تكون بهالة القدسيّة فبات الخروج على التّراث، أو مجانبته مدعاة للاستغراب في مرحلة أولى قصيرة ومؤقّتة، ثمّ يعقبها الإذعان القسريّ، ومن بعده يأتي الانخراط الطوعيّ في دوّامة العولمة، النّاجم لا عن اقتناع بل عن استسلام للأمرالواقع، والاعتراف الضّمنيّ والعلنيّ بأن لا سبيل للعودة إلى الوراء والتشبّث بأضغاث الأحلام. عند هذا المستوى الأخير يبرز العطل في الفكر النّقديّ، وميله إلى حالة من التّدجين، والتّسليم بنتاجات العولمة على أنّها النّموذج الأكمل للحداثة والمعاصرة معًا، ولا يكون حديثًا، ومعاصرًا إلّا كلُّ نتاجٍ يماثل هذا النّموذج، ويمهّد لآخر يعقبه من معدنه.

ورُبَّ سائلٍ يسأل: ما مردُّ هذا العتوّ الذي تتّصف به العولمة الأحاديّة الهُويّة التي تطمس كلَّ ما عداها؟

الحقيقة التي لا يختلف عليها اثنان، أنَّ العولمة فرضت نفسها على البشريّة في بقاع الأرض كلّها، بسلاح تلبية حاجات البشر المادّيّة والعمليّة عن طريق استثمار طاقات العقل، وترجمتها إنجازات تَقنيّة لها مردود مباشر على حياة الإنسان. ولأنَّ لها هذه السّطوة شُبّهت بالقطار “وهو قطار برغماتي قوي يحكم على من يمرّ به أن يركب فيه، وإلا بقيَ وحده منفردًا لا يحمله شيء إلى حيث يريد، وكأنّ ذلك الذي يتخلّف عن الرّكب يتحدّى المعايير الدّولية في سباق العولمة؛ بل يتحدى ذلك الحلم الرّأسماليّ الذي يبدو في العقل الأميركيّ نبوءة إنسانيّة مقدّسة”([28]).

بهذا نفهم سرعة انتشارها، وهيمنتها المطبِقة على شعوب الأرض كافّة، متخطّية كلَّ الاعتبارات التي كانت في ما مضى تقف حاجزًا من دون تقارب الأمم وتوحّدها ولو بالشكل. العولمة غزت أقطار المعمورة بيُسْر وسهولة، وتهاوت دونها تراثاتٌ، وهُويّات خاصّة لأنّها تدفع باتّجاه الغد، ولا تلتفت إلى ما فات وانقضى. وثمّة من يحسب أن انجراف الأمم نحو العولمة، يعودُ إلى شعور وهْميّ زرعته الولايات المتّحدة الأميركيّة في النّفوس. فالباحث السّعوديّ الأستاذ محمّد محفوظ يرى مثلاً: “أنّ الثقافة التـــي تنشرها وسائل الإعلام الغربيّة والأمريكيّة خصوصًا، إنّما تعمّق مسار الاغتراب في حياة أصحاب النّزعة الوطنيّة، ومن خلال هذا الاغتراب، ينغرس الشّعور الوهميّ، بأنّ الثقافة التي ينتجها الغرب هي ثقافة الكون كلّه”([29]). وهذا العاملُ يلاقي صدًى حماسيًّا في نفوس الشّباب في كلّ مكان، ويحفّزهم على الاستمساك بكلّ ما يحيلُهم إلى الثّورة على القديم في مجالات الحياة جميعها. والنّاس الذين شرذمتهم الحروب والنّزاعات، والعنصريّات عبر التاريخ بهم شوق دفينٌ إلى عناصرِ الجمع، والتّوحيد والتّقارب ولا سيّما تلك العناصر المتولّدة من العلم الموضوعيّ، خلافًا للتّراث الضّارب في أعماق الشّخصيّة الجَماعيّة المتفرّدة بكلّ شيء، ولا سيّما في الجانب الدّينيّ الإيمانيّ منه. وقد عزا بعض الدّارسين ارتماء العالم في أحضان العولمة إلى ما تقدّمه من “دعوة إلى تحرير الرّغبة الإنسانيّة من كلّ القيود،  وإبعاد كل ما هو غيبيّ عن حياة الإنسان. وبالتّالي تقدّم للإنسان أهدافًا جديدة، تتمحور حول السّعي الحثيث إلى تحقيق الرّغبات الشخصيّة من دون اعتبار لقيم الحقّ أو العدل كما بشّرت بها الأديان”([30]). ولا تخفى في هذا القول فكرة التّقارب، بل التّلازم بين العولمة، والعلمانيّة القائلة بفصل الدّين عن الدولة.

العولمة ليس فيها مكان للحنين. كلُّ الأمكنة فيها للعقل وللمصالح التي تشمل عموم البشر (بصرف النّظر عن إيجابيّاتها، أو سلبيّاتها). إنّها لغة واحدة في عالم متعدّد اللغات واللهجات، وهي الأقوى على الإطلاق لأنَّ الحاجة إليها باتت ضرورة حياتيّة كالمأكل والمشرب، لا يُستغنى عنها، وكلُّ اللغات الأخرى في خدمتها.

لا شكّ في أنَّ الحداثة الغربيّة المنشأ، والمشرقيّة الأصول، والينابيع المتولّدة من الانفجار العلميّ، والتكنولوجيّ هي أحد أبرز منطلقات العولمة التي تطبع المعاصرة بطابعها. وقد لا تكون المجتمعات النامية في حقيقة الأمر بمنأى عن تمنّي الخلاص من الفكر الغيبيّ، ومن الممارسات التي تعيد إنتاج نفسها، فوجدت في العولمة خشبة خلاص تحقّق لها رغائبها الدّفينة على الرّغم من اعتراضات عارضة هنا وهناك. في ظلّ هذا الاجتياح الكاسح الذي قامت به العولمة، صار اللجوء إلى التّراث مجرّد ملاذٍ رومنسيّ لطلّاب الرّاحة النّفسيّة؛ لمَ هذا الانحسار لحضور التّراث في حياتنا اللبنانيّة؟

لأنَّ الإنسان في بلادنا كما هي حاله في كلّ بلدان الأرض صار كائنًا عمليًّا يسعى وراء احتياجاته، بل يلهث لتحقيق ذاته، وترجمة أهدافه، وأحلامه. طبيعة الحياة المعاصرة تغيّرت، وتغيّرَ معها مجتمعنا من مجتمع ريفيّ يعيش على الزّراعة، وما يرافقها من نمط عيش وعادات، وقناعة واكتفاء، وسُلَّم قيمٍ… إلى مجتمع خارج من قمقم الرّيف إلى فضاءات العلم الرّحبة، وأجواء الانفتاح على رياح الحضارة والتمدّن في الجهات الأربع من الكوكب. الأولويّات في الحياة تبدّلت، وانقلبت المقاييس رأسًا على عقب، وصارت البوصلة تشيرُ إلى مكان آخر، واحد افتراضيّ بعدما صار العالم قرية كونيّة. القرية اللبنانيّة التي كانت في ما مضى نائية عن المدينة، تعيش في عزلة عن العالم، ويمارس أهلها أعمالًا زراعيّة، يسدّون بها رمقهم مؤمنين قانعين في أحضان طبيعةٍ بِكْرٍ مغمورة بجمالات الفصول… هذه الصّورة المثاليّة الأفلاطونيّة الطوباويّة ذهبت إلى غير رجعة، وباتت لدى أبناء القرى، وبناتها أنفسهم رجْعًا من الماضي ليس إلّا. فالزّمن تجاوز تلك الحِقبة الملتصقة تاريخيًّا بعصر الانحطاط، وبداية النّهضة، وأضحت في عداد مستوعبات الذّاكرة، وإنساننا المعاصر يُساكن الإنترنت، ويقتحم المجاهيل، ولا تحدّ طموحاته حدود شأنه في ذلك شأن مليارات الأفراد في العالم.

ولا حاجة بنا إلى التوسّع في تعداد المتغيّرات، ثمار العولمة، على كلّ صعيد فهي تلازمنا في حياتنا اليوميّة، كأنفاسنا، ومنها حاجتنا إلى إنجازات التَّقانة على كلّ صعيد، من حبّة الدّواء إلى وسائل النّقل، والاتّصالات إلى آخر المستحدثات في مطبخنا. كذلك قلْ في المؤثّرات السياسيّة، والاقتصاديّة، والفنيّة، والتّربويّة التي تلفّ العالم من أقصاه إلى أقصاه، والتي لا تفلت من قبضتها دسكرة صغيرة.

ولأنّنا تحت سطوة هذه العولمة، فإنَّ نتائجها لا تخفى على أحد، وسِمتها الطّاغية تندرج تحت عنوان الانقلاب على ما كان وفرض ما سيكون. انقلاب أبيض، الكثرة الكاثرة فيه مرحّبة ومهلّلة، والقلّة مستاءة وناقمة ولا أحد يعيرها اهتمامًا. يكفي أن نلقيَ نظرة على التّربية الأسريّة المعاصرة، وألعاب أطفالنا وما يرافق مناسبات الفرح والتّرح في مجتمعنا، وطرائق تدريسنا، وكلّ تفصيل من تفاصيل حياتنا، حتّى نلاحظ الابتعاد المتمادي يومًا بعد يوم عن الأدوات التي كانت متداولة في حياة أجدادنا. ونحن بالمناسبة لسنا هنا بصدد تقويم العولمة، وتردّداتها ونتائجها وإنّما نؤكّد من جديد غلبتها المطلقة على ما توارثته الشعوب جيلًا بعد جيل، وتكريسها لنظام خاصّ قياديّ متحرّك هو الآخر باستمرار.

العولمة إذًا جرفت تراثنا كما جرفت سواه في طريقها، واستلحقتنا بتيّارها مقدّمة لنا إغراءاتٍ لا يمكن لأيٍّ كان رفضها أو التّعامي عنها. من المؤكّد أنَّ ابتلاع التّراث مؤلم بعض الشّيء، لكنَّ هذا الألم يزول حين تلوّح العولمة بيدها وتقود الناس أفرادًا، وجماعات إلى أنماط عيش جديدة قائمة على السّهولة، ومخاطبة العقل والحواسّ والغرائز، وتلغي أكبر قدر من المسافات بين أبناء النوع البشريّ الواحد. تجدر الإشارة هنا إلى أنّ الفوارق العرقيّة، والعنصريّة والطبقيّة لا تزال هي هي على الرّغم من تقصير المسافات الجغرافيّة. ولهذا دلالاته العميقة على نوعيّة التّغيير الذي أحدثته العولمة لمصالح خاصّة بالغرب عرّاب العولمة وصانعها.

التّراث عندنا بات حبّة دواء مسكّن للألم، فحين يشعر الواحد منّا بثقل العولمة، أو بقسوة مفاعيلها عليه أو على من يحبّ، يسارع إلى التّراث يستعين به في الكتب، أو في أخبار المسنّين يداوي بطرائفه آلامه النّفسيّة، والحضاريّة المبرِّحة. الفولكلور وهو الابن البكر للتّراث صار مِهرجانًا مقيّدًا بمواسم سياحيّة، وبمواعيد محدّدة، وصارت السّاحة اليوميّة للعولمة. ليس من المكابرة في شيء الاعتراف بأنَّ التّراث، على ما يردّده الشّاعر أدونيس، موقد فيه جمر ورماد. الجمر حياة وبقاء، والرّماد رسوف وموت، والشّباب هم الذين ينخلون التّراث ويغربلونه، يُسقطون رماده مادّة للتّاريخ ويحافظون على جمره زادًا لليوم وللغد. فلا عجبَ إذا سقطت ممارسات كانت في زمانها رائجة، ولم تعد في يومنا هكذا من عادات وأعراف وأعمال وسلوكيّات… فالنّاس ما تخلّوا عنها طوعًا بل، لأنّ الحياة نفسها تجاوزتها بحركتها واندفاعها، والطليعيّون منهم لا يرتضون المسير في آخر الرّكب. إذًا؛ لعنصر الشّباب فضل الأسبقيّة في الانخراط بالتّحدّيات من أجل دفع العالم إلى الأمام، وفي رسم الاستراتيجيّات الهادفة إلى التقدّم يومًا بيوم تكنولوجيًّا، وعلميًّا في ثورة اختراعات مستدامة ولا نهاية لها. العولمة إذًا جاءت تدغدغ أحلام الشّباب في كلّ مكان بالتّغيير والتّقدّم والتّكنولوجيّا، جاءت تحقّق لهم وعود العولمة. فهل بعدُ من يستطيعُ أن يحبس لُعابه في فمِه إزاء هذه المغريات؟

رابعًا: إغناء العولمة بالقِيم الإنسانيّة مهمّة التّراث

التّراث والعولمة ليسا بالضرورة خطّين متوازيين لا يلتقيان، وإن كان التقاؤهما شبه مستحيل لانتمائهما إلى زمنين مختلفين، ولكنَّ المؤكّد أنّ التّراث قد يكون بعناصره القيميّة الخالدة غير المحدودة بزمن داعمًا للعولمة وإغناءً لها. وما بات متعارفًا عليه اليوم أنّ العولمة ذات طابع توحيدي عقلاني مادّي في الطابع الأعمّ لها، في حين أنَّ التّراث يمتاز عمومًا باحتوائه الجوانب الإنسانيّة الروحيّة والفنّيّة، والاجتماعيّة الأكثر قربًا من العاطفة والوجدان. إذًا لا مانع من تسلّل بعض إشراقات التّراث إلى ساحة العولمة والانخراط فيها عضويّا لتزيين صورتها ولرفدها بماء الحياة، بل نقول إنّه لمن الضرورة الملحّة أن يحصل مثلُ هذا التّمازج بين الاثنين. فلا بأس في أن يركب اللبنانيّون موجة العولمة، وأن يكونوا مساهمين في حركتها شأن سائر الشّعوب، ولا يضير العولمة في شيء أن يتحلّى أبناؤنا في الوقت عينه بحبّ الطّبيعة والحرص على جمالها، وبصفاء النفس والقناعة في العيش والفرح في العمل، وتماسك العائلة والإحساس بالانتماء إلى الوطن وسائر المعاني، والقِيم الإنسانيّة التي بيّنّاها في قسم سابق من البحث. ومن هذا المنظار نفهم ما يُدعى لحمايته ويُصنَّف تحت عنوان التّراث العالميّ، بأنّه ليس فقط عمارات تاريخيّة وآثارًا عمرانيّة، وروائع فكريّة أو ما شابه بل هو أيضاً قيمٌ إنسانيّة مطلقة لا تُحَدّ بزمان ومكان، بل هي مُلك البشريّة كلّها جمعاء، والحاجة إليها أمسِ واليومَ وغدًا هي حاجة الإنسان الحيّ إلى الهواء. الثّوابت الإيمانيّة والأخلاقيّة والأسريّة وحبّ الطّبيعة والجمال، هي الثروة اللبنانيّة الحيّة التي ينبغي أن نتشبّث بها ونحفظها، ونورثها لأعقابنا إذا أردنا فعلاً أن نصمد بوجه العولمة من غير أن نناصبها العداء، ولكن فقط من باب الحفاظ على ماء الوجه والحدّ الأدنى من أصالة الوجود. ولا يملك إنساننا سوى أن يردّد مع غاندي مقولته الشّهيرة: “لا أريد أن يكون منزليّ محاطًا بالجدران من كلّ جانب، ونوافذيّ مسدودةً. أريد أن تهبَّ ثقافات كلّ الأوطان على منزلي، من كلّ الجهات وبكلّ حرّيّة، لكنّني أرفضُ أن يقتلعَني أحدٌ من جذوري”.([31]) ليس التّراث مقدَّسًا كلّه، وليست العولمة تهمةً. إنّهما واقعان قابلان للتّوافق في بعض الجزئيّات، وإن كنت شخصيًّا لا أميل إلى اللون الرّماديّ عملًا بمقولة القدّيس يوحنا “أمّا وأنتَ فاترٌ، لا حارّ ولا بارد، فأتقيّؤك من فمي” (رؤ 3/16). في اعتقادي أنَّ الماء يبقى ماء، وإن أضيفت إليه بضع قطرات من ماء الورد لإضفاء النكهة المميّزة. العولمة هي الماء الذي لا طعم له والتّراث رشاشٌ بطعم معيّن، بنكهة الشعب والتاريخ والعراقة. ولا يُضير العولمةَ التي اصطُلح على وصفها بالمتوحّشة أن تُطعَّمَ بالقيَم الإنسانيّة، ما دامت هذه القِيم هي أيضًا شموليّة وتخصُّ البشر في كلّ بقعة من بقاع الأرض. سلام الله على لبنان التّراث وعلى تراث لبنان القابعين في روائع الأخوين رحباني،المتنسّكين في صوت فيروز ووديع الصّافي، وزكي ناصيف وحليم الرومي. سقيًا لزمن ننسلخُ عنه آسفين، ومنساقين إلى نزعة البكاء على الطّلل، وهي نزعة طبيعيّة في الإنسان في صراعه مع الزّمن. غير أنَّ قطار العولمة لا ينتظر المتثائبين، ومن لا يستقلّه يسحقُ تحت عجلاته، ولا خيار للواقفين على المحطّة. والثّابتة التي لا جدال فيها، هي أنَّ شعراءَنا في هذا الزّمن ينصرفون إلى أحلام الغد، إلى عالم جديد بلا قيود ليس فيه من مقوّمات التّراث سوى مخلّفات أشباح.

غير أنَّ للتاريخ أحكامه وانعطافاته الدراميّة المذهلة، وها هي جائحة كورونا تضرب العالم بأسره من أدناه إلى أقصاه، وتهزُّ نظام العولمة من أساسه هزًّا عنيفًا، وتُجبر الدّولَ جميعًا على إعادة النّظر فيه خوفًا على بقائها وضمانًا لوجودها. قبل تفشّي الوباء كانت العولمة هي الآمرةُ الناهية المهيمنة على العالم بامتياز،أمّا بعده فقد خُلعت عن عرشها وعُدَّت أحد أبرز الأسباب لانتشار الجائحة ومفاعيلها المدمّرة. ومن باب “رُبَّ ضارّة نافعة” فإنَّ كورونا وضعَ العالم أمام “صحوة الصّدمة” كما يسمّيها د. باسم عثمان ووجّه عناية الدول الغنيّة، والبشر عمومًا صوب حقائق مروّعة كانت العولمة تتجاهلها مثل الانبعاث الحراري وتلوث البيئة، الاستغلال الجائر لموارد الطبيعة، التّعاون الدولي للحفاظ على البحار والمحيطات وثرواتها، احترام الإنسان لقيمته الإنسانيّة في الحرّيّة والعدالة الاجتماعيّة، استباحة سيادة الدّول الفقيرة وجعلها سوقاً استهلاكية لمنتوجاتهم في نظام عالميّ، تبادليّ استغلاليّ يقوم على “عولمة الغني والفقير، القويّ والضّعيف“. العولمة صارت محكومة بإجراءات حتميّة تخفّف من غلوائها، وأحاديّتها المتسلّطة ولربّما أتى الشلل العام في مرافق الحياة كلّها، والحجر المنزليّ الوقائيّ المفروض فرصةً لتعقيم الكرة الأرضيّة من أضرار التلوّث على كلّ صعيد استعدادًا لانطلاقة جديدة نحو مستقبل أكثر عدلاً وأمانًا. وفي هذا السّياق يضيف د. باسم عثمان: “إنّ “العقلانيّة العالميّة”، ولغة الحوار الواعي يتطلّبان إعادة النّظر في كلّ المنهج الاقتصاديّ العالميّ، سياساته الاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة، والتّعامل مع البشريّة انطلاقاً من قيمتها الإنسانيّة، والتخلّي عن الجشع والنهب الأنانيّ للمجتمعات المتقدّمة على حساب الفقيرة، وإسقاط “العولمة” وكل آثارها واستحقاقاتها، التي حوّلت الإنسان إلى سلعة تبادليّة في السّوق العالميّ، القائم على سباق التسلّح بكلّ أشكاله، والحصار والعقوبات الاقتصاديّة وسياسة التّجويع، على حساب حقوق الإنسان في الحرّيّة والسّيادة فوق أرضه وثرواتها، وتوفير الضمان الاجتماعيّ والصحّي والعيش الكريم. العالم مقبل حتمًا على تغيّراتٍ لا مفرَّ منها، وحريّ بها أن تقوم على التعاون والسلم العالميّين وحوار الثقافات وليس تصارعها، بما ينهي كل أشكال العنصريّة والتمييز، والتّسلط السياسيّ والاقتصاديّ والثقافيّ، كلّ آثارالعولمة ونتائجها الكارثيّة على المجتمعات، وخصوصاً التنمويّة منها والفقيرة”([32]).

وكيفما دارت الحال، فإنَّ جائحة كورونا أتاحت للشّعوب أن تعود إلى ذواتها وخصوصيّاتها، وتراثاتها وأن تعيد حسابات الربح، والخسارة من انخراطها الطّوعيّ أو القسريّ في العولمة المتوحشة. ولكن ما لا شك فيه على الإطلاق أنّ معاناة عالمنا المعاصر بأمراضه العديدة، وويلاته لا تقتصر معالجتها على مجهود فرديّ، أو جزئي، أو إقليميّ. إنَّ ما تسبّبت به العولمة من أوجاع للبشريّة تتقاسم البشريّة تداعياته، كما هي الحال مع إيجابيّات العولمة وشمولها.

حلوها ومرّها لنا على مائدة الحياة، وليس للإنسان خِيار في تذوّق الشّهد والعلقم معًا.

المصادر والمراجع

1)     أبو شبكة،إلياس، الأعمال الشّعريّة الكاملة، دار العودة، بيروت،لا ط، 1999.

2)     أبو ماضي، إيليا، ديوان إيليا أبو ماضي، دار العودة، بيروت، لا ط، لا تا.

3)     أبي ضاهر، جوزف، ع البركة تقاليد لبنانيّة وعادات،الجامعة الأميركيّة للعلوم والتكنولوجيا (دائرة المنشورات الجامعيّة)، بيروت، ط1،2012.

4)     أيّوب، رشيد، الأعمال الشّعريّة الكاملة، بيسان للنشر والتوزيع، ط1، 2018.

5)     البستاني، بطرس، محيط المحيط، مكتبة لبنان ناشرون،بيروت، 1998.

6)     بن طالب، عبد العزيز بن عبد الله،الدراسة في الخارج،مكتبة الفرات والنيل، بيروت، لاط، لاتا.

7)     جحا، ميشال، الشّعر العربيّ الحديث، من أحمد شوقي إلى محمود درويش، دار العودة، دار الثقافة، بيروت، ط1، 1999.

8)     الحاوي، إيليا، أبو شبكة شاعر الجحيم والنعيم، دار الكتاب اللبناني، بيروت، 1979.

9)     الخوري، رشيد سليم (الشاعر القرويّ)، الأعمال الكاملة، جرّوس برس، طرابلس، لبنان، لاط، لا تا.

10)  عمار، حامد، مواجهة العولمة في التعليم والثقافة، الهيئة المصريّة العامّة للكتاب،2006.

11)  محفوظ، محمد، نقد المشروع الثقافي الغربي وطموحات العولمة، مجلّة الكلمة، بيروت، ربيع 1998، عدد 19.

12)  المعلوف، شفيق، لكلّ زهرة عبير، دار مجلّة شعر، بيروت، لاط، 1961.

13)  الناعوري، عيسى، أدب المهجر، دار المعارف بمصر، ط 3، 1977.

14)  نعيمه، ميخائيل، همس الجفون، نوفل وهاشيت أنطوان، بيروت،ط 8، 2017.

    المواقع الإلكترونيّة

1)     د. باسم عثمان، حسابات كورونا بين العولمة والأصالة، https:// www.annahar.com/ article1150273 -23 mars 2020

2)     العولمة في المجال الثقافي – وجهة نظر نقدية – حبيب آل جميع https://annabaa.org/nba38/thakafatona.htm



 أستاذ مساعد في الجامعة اللبنانيّة – كليّة الإعلام. [1]

[2]بطرس البستاني، محيط المحيط، مكتبة لبنان ناشرون، بيروت، 1998، ص 69.

[3]) جوزف أبي ضاهر، ع البركة تقاليد لبنانيّة وعادات، الجامعة الأميركيّة للعلوم والتّكنولوجيا (دائرة المنشورات الجامعيّة)، بيروت، ط1، 2012، ص 181.

[4]) سنكتفي، لضيق المجال بالاستشهاد ببعض النماذج الشّعريّة لشعراء بارزين في استلهام التّراث من دون أن يعني ذلك أنّهم يحتلّون ساحته من دون سواهم.

[5]) إيليا الحاوي، أبو شبكة شاعر الجحيم والنعيم، دار الكتاب اللبناني، بيروت، ص:334-335.

[6]) إلياس أبو شبكة، الأعمال الشّعريّة الكاملة، دار العودة، بيروت، 1999، ص 360.

[7]) شفيق المعلوف، لكلّ زهرة عبير، ساو باولو، 1942. وانظر د. ميشال خليل جحا، الشّعر العربيّ الحديث، من أحمد شوقي إلى محمود درويش، دار العودة، دار الثقافة، بيروت، ط1، 1999، ص 188.

[8]) إلياس أبو شبكة، الأعمال الشّعريّة الكاملة، الحصّادون، ص 343.

[9]) شفيق المعلوف، لكلّ زهرة عبير، دار مجلة شعر، بيروت، لا ط، 1961، ص 43.

[10]) إلياس أبو شبكة، الأعمال الشّعريّة الكاملة، الحصّادون، ص344.

[11]) إيليا الحاوي، أبو شبكة شاعر الجحيم والنعيم، ص 323.

[12]) إلياس أبو شبكة، م.ن.، عرس في القرية، ص 365.

[13]) م.ن. ص366.

[14]) إيليا الحاوي، م.ن.، ص 332.

[15]) إلياس أبو شبكة، م.ن.، ص 368.

[16]) إلياس أبو شبكة، م.ن. ص 369.

[17]) م.ن. الموضع نفسه.

[18]) إيليا أبو ماضي، ديوان إيليا أبو ماضي، دار العودة، بيروت، لا ط، لا تا، ص 469.

[19]) إيليا أبو ماضي، م.ن.، وطن النجوم، ص 736.

[20]) رشيد سليم الخوري الشاعر القروي، الأعمال الكاملة، جرّوس برس، طرابلس، لبنان، لا ط، لا تا، ص 170.

[21]) عيسى الناعوري، أدب المهجر، دار المعارف بمصر، ص 534.

[22]) إيليا أبو ماضي، م.ن.، وطن النجوم، ص 736.

[23]) إلياس أبو شبكة، م.ن.، ألحان الشتاء، ص 345.

[24]) رشيد أيوب، الأعمال الشّعريّة الكاملة، بيسان للنشر والتوزيع، ط1، 2018، ص 288.

[25]) إلياس أبو شبكة، م.ن.، ألحان الربيع، ص 349.

[26]) أبو شبكة، م.ن.، ألحان الصيف، ص 350.

[27]) ميخائيل نعيمه، همس الجفون، نوفل وهاشيت أنطوان، بيروت، ط 8، 2017، ص 73.

[28]) حامد عمار، مواجهة العولمة في التعليم والثقافة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2006، ص 36.

[29]) محمد محفوظ، نقد المشروع الثقافي الغربي وطموحات العولمة، مجلة الكلمة، بيروت، ربيع 1998، عدد 19.

[30]) العولمة في المجال الثقافي – وجهة نظر نقدية – حبيب آل جميع https://annabaa.org/nba38/thakafatona.htm

[31]) د. عبد العزيز بن عبد الله بن طالب، الدراسة في الخارج، مكتبة الفرات والنيل، بيروت، ص 118.

[32]) د. باسم عثمان، حسابات كورونا بين العولمة والأصالة، https:// www.annahar.com/ article1150273

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.