ميول المتساقطات وأثرها على الموارد المائية في لبنان

0

ميول المتساقطات وأثرها على الموارد المائية في لبنان

د. فراس العس

د. فر اس العس([1])

ملخّص:

يتميز لبنان، البلد المطل على سواحل شرق المتوسط ​​، بتنوع كبير في تضاريسه، خاصة قممه الجبلية المرتفعة المحاذية للسواحل، المواجهة للرياح الرطبة، والتي تتلقى كميات كبيرة من الأمطار، ما يجعله ثاني أغنى بلد بالمياه (نسبة لمساحته) في الشرق الأوسط بعد تركيا، ولكن في السنوات الأخيرة ومع تضاعف النشاطات الصناعيّة في العالم وظهور مشكلة الاحتباس الحراري، أصبح هذا الامتياز الهيدرولوجي في خطر. ذلك إنّ التغيرات المناخيّة المفترضة لها عواقبها إذ تُظهر منحنيات الهطول في محطات الأرصاد الجوية اللبنانيّة ميلًا نحو الانخفاض، خلال المدة الزّمنيّة (1990-2010)، في حين تُظهر معدلات الحرارة ميلًا نحو الارتفاع.. إن تضاعف عدد السكان وزيادة الأنشطة البشريّة والتى بدأت تضغط على الموارد المائيّة. أدت الى ظهور مشكلات متعددة  (تقنين المياه، تدهور جودة المورد، إلخ)، ومن المتوقع أن تصبح المخاطر أكثر حدة في السنوات المقبلة إذا استمرت الأمور على هذا النحو، في ظل تنامي الطلب، والانخفاض النّسبيّ في كمّية المياه المتاحة.

الكلمات المفتاحية: لبنان، اتجاه هطول الأمطار، الموارد المائيّة.

Abstract : Lebanon, a country in the Eastern Mediterranean, is characterized with great diversity of  terrain and high mountain peaks adjacent to the coast, facing the humid winds, which receive large amounts of rain, making it the second richest country with water (relative to its area) in the Middle East after Turkey. But recently with the doubling of industrial activities all over the world and the emergence problem of global warming, this hydrological privilege has become in danger. The assumed climatic changes have their consequences, as the precipitation curves in the Lebanese meteorological stations show a downward tendency during the time period (1990-2010), while the temperature rates show a tendency to rise  the doubling of the population and the increase of human activities, which began to put pressure on water resources. It led to the emergence of multiple problems (water rationing, deterioration in the quality of the resource, etc.), while the risks are expected to become more severe in the coming years if things continue in this way, in light of the growing demand and relative decrease of  the availbale amount of water.

Keywords: Lebanon, rainfall trend, water resources.

أولًا – مقدمة

المياه عصب الحياة، والمورد المهمّ لحياة الإنسان والحيوان والنبات، ويعدُّ بالتالي سببًا طبيعيًا للصراع بين الدول، ولا سيما في منطقة الشرق الأوسط، واحدة من أكثر المناطق القاحلة على سطح الأرض. وعلى الأرجح فإنّ الحروب والنزاعات القادمة في المنطقة ستكون من أجل المياه، وفي ما عدا تركيا ولبنان، فإنّ دول الشرق الأوسط تعاني نقصًا حادًّا في الموارد المائية  “(3rd World water Forum Kyoto, 2003).. يعدُّ لبنان من أغنى الدول بهذا المورد ويطلق عليه لقب (قصر المياه) و(هبة الليطاني)..  يتلقى لبنان ما يقارب 820 ملم في السنة وسطيًا على كامل مساحته البالغة 10452 كلم مربع وهذا يعني  8.6  مليار م³ من المياه في السنة        (Plassard, 1970) وتشير التقديرات أنّ ما يذهب من الموارد المائية عن طريق التبخر الفيزيولوجي (Evopotrospiration)  من خلال النبات والكائنات الحية، إضافةً إلى التبخّر الفيزيائي المتأثّر بعوامل الحرارة والرياح ودرجة رطوبة الجو… وغيرها، يناهز 4.5  مليار متر مكعب في العام، فيبقى مقدار 4.1 مليار متر مكعب تمثّل المجموع السنوي للمياه السّطحية في لبنان. وإذ ما احتسبنا الكميات التي تذهب الى البلدان المجاورة، وتلك التي تذهب الى البحر تصبح الكمية الفعلية التي يمكن الاستفادة منها هي تقريبًا 1.2 مليار م³  .

إنّ زيادة أعداد السكان المقيمين على الأراضيّ اللبنانيّة من جهة، وزيادة سكان الحضر بسبب النزوح الريفيّ الكبير الى المدن بالإضافة الى ارتفاع مستويات المعيشة، والزراعات الكثيفة، وانتشار التصنيع، كلها عوامل تسهم في مضاعفة الحاجات التي قُدِّرت في مطلع التسعينيات من القرن العشرين بـ1.087 مليار م3 موزّعة كما يأتي: 368 مليون م3  للشّرب والحاجات المنزليّة و50 مليون م3  للصناعة و669 مليون م  3 للريّ. وهي تفوق كميات الماء المحصلة في سنة جافة، وهذا يعني أنّ أيّ انخفاض في كميات الهطول سواء جراء التغير المناخيّ أو بسبب النّظام المطريّ المتوسطي (تتابع السنوات الجافة) يمكن أن يؤثر على مخزون المياه الجوفية والسطحية ويهدد الأمن المائيّ اللبنانيّ .

لقد ساهم الاحتباس الحراري خلال السنوات  العشرين الماضية  في رفع درجات حرارة الأرض ومن المتوقع أن تزداد هذه الظاهرة مع ازدياد النشاطات الصناعيّة على سطح الأرض وقد يعاني لبنان من تراجع في كمية المتساقطات وقد يفقد حوالى %30 من المتساقطات التي كان يتلقاها. كما أنّ هذه المتساقطات التي كانت تتوزّع على 80 أو 90 يومًا خلال فصل الشتاء سوف تنحصر في 50 أو 60 يومًا تزداد فيها حدة الأمطار في بعض الساعات خلال أيام تلك المدّة (كليب ، 2013) يضاف الى هذه الأسباب الطبيعيّة والمناخيّة سوء إدارة الموارد المائية في لبنان إذ يعاني السكان، خاصة في فصل الصيف من نقص كبير (تقنين المياه، توزيع بضع ساعات كل يومين) والتوزيع العام في بعض الأحيان غير كافٍ في مختلف المناطق اللبنانية وخاصة بيروت، وبالتالي يلجأ السكان الى شراء الماء سواء للاستخدام المنزليّ أو مياه الشفة…

تكمن أهمية الوصول الى الأمن المائي، كونه يعني توفر كمية كافية من المياه ذات جودة عالية، تمكّن مستخدميها من الاستجابة لمختلف احتياجاتهم الحياتيّة، وهو حسن إدارة الحكومات للموارد المائية وتقديم خدمات المياه الأساسية بشكل يؤمن العدالة لجميع المواطنين، ما يساعد في حماية المجتمعات من الهشاشة الاقتصاديّة والاجتماعيّة والصحيّة”.. إن الفشل في تحقيق الأمن المائي جعل من القطاعات الاقتصاديّة اللبنانيّة وخاصة الزراعة والصناعة قطاعات غير موثوقة، وجعلها عرضة لعدم الاستقرار الاجتماعيّ والسياسيّ.  والإشكاليّة التي تطرح نفسها هنا:

كيف تتجه كمية المتساقطات خلال المدة المدروسة؟ هل تغيّر توزيعها اليومي أو الفصلي؟ كيف يتطور الطلب على المياه؟.. بالإضافة إلى ذلك، تطرح مشكلة جودة المياه، بسبب الطبيعة الكارستية للأرض في لبنان والنمو الحضريّ والعمرانيّ غير المنضبط، والذي يعدُّ مصدرًا أساسيًا  للتلوث.

ثانيًا-  البيانات والمعطيات المناخيّة

لدراسة ميول المتساقطات والحرارة في لبنان، حصلْتُ على سلسلة بيانات لبعض محطات الأرصاد الجوية جدول رقم (1) والتي يعود البعض منها الى ثلاثينيات القرن الماضي، وقد استخدمْتُ معطيات المحطات الآتية : بيروت – طرابلس – الأرز – زحلة – بعلبك.. ونظرًا للأحداث الأمنيّة والظروف السياسيّة التى تعرض لها لبنان بين عامي 1975 و 1990 لم يكن ممكنًا الحصول على محطة مرجعيّة (كاملة البيانات) يمكن استخدامها كمرجع يعتمد عليه لتصحيح معطيات المحطات الباقية.

  المحطات خط طول\ دقيقة خط العرض\ دقيقة الارتفاع \ متر
1 بيروت  35.29 33.48 15
2 طرابلس 35.49 34.27 20
3 الأرز  36.03 34.15 1916
4 زحلة  35.54  33.50 920
5 بعلبك 36.12  34.00 1150

الجدول رقم (1)  موقع المحطات المدروسة على خطوط ودوائر العرض، وارتفاعها\ متر

– تجانس بيانات هطول الأمطار

لتصحيح المعطيات وتجانسها استخدمْتُ خوارزميّة مطورة بواسطة Météo-France. ميزتها هي معالجة المحطات اثنتين اثنتين من دون الحاجة الى محطة مرجعية، وبسبب توزع شبكة الأرصاد الجوية اللبنانية، قارنْتُ فقط بين محطتي بيروت وطرابلس، أمّا المحطات الأخرى تقع إمّا في الجبال (الأرز) أو منفصلة عن بيروت بتضاريس سلسلة جبل لبنان الغربية (زحلة والهرمل وبعلبك).

إنّ معالجة بيانات هطول الأمطار بين محطتي بيروت وطرابلس الساحليتين أظهرت عددًا كبيرًا من الثغرات والانقطاعات. وما يفسر هذه الانقطاعات العديد من الأسباب منها:

  • الأحداث الأمنية في لبنان
  • مشاكل تقنية وخاصة انقطاع التيار الكهربائيّ وضعف الصيانة.
  • تغيير مواقع محطات الرصد الجوي وأجهزة القياس.
  • المسافة بين المحطتين المختارتين.
  • أحيانًا قد يعود سبب الانقطاعات والثغرات، الى الزّخات المطريّة المحليّة والعنيفة وخاصة خلال فصل الشتاء (وهي من مميزات النظام المتوسطي) هذه الاختلافات المكانيّة تؤثر في كميات الهطول المرتبط بموقع خلايا العواصف الرّعدية، فيمكن أن تتلقى منطقة معينة كمية كبيرة من المتساقطات في حين أنّه وفي الوقت نفسه لا تعرف المناطق الأخرى أيّة هطولات تذكر .

– تجانس بيانات درجة الحرارة

عند معالجة بيانات درجة الحرارة تظهر المشكلة نفسها المتعلقة بالانقطاعات والثغرات. في الواقع إنّ الامتداد الحضريّ والعمرانيّ الكبير في منطقة بيروت والذي بدأ منذ بداية التسعينيات (مع زيادة تقدر بـ 16.8٪ بين 1994-1998 ، (2005 , Faour et al.) و كثافة المبانيّ (حوالى 1000 مبنى / كلم²  في بيروت) من العوامل التي تسبب الجزر الحراريّة الحضرية، ومع ذلك، فإنّ التكوينات الطبوغرافيّة والحضريّة لكل من هاتين المدينتين تؤثران على المناخ المحلي بشكل مختلف.

نظرًا إلى كل هذه الصعوبات والأسباب، حصرْتُ الدراسة بالمدّة الزّمنيّة ما بين (1990- 2010) و تجدر الإشارة الى أنّه ومنذ بداية التسعينات طُوِرت محطات الرّصد الجويّ في لبنان ووُضعتْ أجهزة قياس أوتوماتيكيّة.

ثالثًا – النتائج والتحليل

1- ميول المناخ الحالية : ثلاثة عناصر مناخية لها تأثير مباشر وأساسي على الموارد المائيّة في حال تغيرها، هذه العناصر هي المتساقطات – الحرارة – التبخر.. وقد درست ميول المتساقطات واتجاه عدد أيام المطر، وميول متوسطات درجات الحرارة السنوية خلال مدة 20 عامًا ، أمّا المعطيات عن التبخر فليست متاحة بالشكل المطلوب .

1- أ – ميول المتساقطات

تُظهر منحنيات الميول المطرية  الشكل رقم (1) منذ العام 1990 وحتى العام 2010 ، تراجعًا  في كل المحطات المدروسة ففي محطة بيروت وطرابلس كانت سنة 1992 الأكثر مطرًا (سنة باردة وممطرة) بعد ذلك، تناقص الاتجاه بشكل عام حتى 2002. ثم عاودت كمية المتساقطات الصعود مرة أخرى، حتى العام 2004. ثم تراجعت في السنوات الأخيرة. في محطة الأرز الجبلية (الواقعة على ارتفاع 1916 م) يُظهر سلوك المتساقطات توجهًا عامًّا نحو الانخفاض أيضًا، على الرّغم من تتابع السنوات الممطرة والجافة، أمّا في محطة زحلة (950 م)، الواقعة في سهل البقاع الدّاخليّ وفي ظل سلسلة جبال لبنان الغربية، محمية من الريّاح الغربية السائدة، تظهر سلوكًا مطريًا مختلفًا عن المحطات السابقة، وهنا تؤدي العوامل المحلية من تضاريس وممرات بحرية دورًا كبيرًا في تغيير كمية المتساقطات وتوزعها. وعلى الرّغم من الاتجاه العام للانخفاض فإننا نجد أنّ السّنوات المطرية أكثر تطرفًا ففي حين تعدُّ السنوات 1994-1995 / 1996-1997 /2000-2001 / 2003-2004  سنوات رطبة نجد أنّ 1991-1992 / 1993-1994 /1995-1996 / 1999-2000  / 2004-2005  سنوات جافة، الشكل رقم (1).

في محطة بعلبك الانخفاض العام أكثر وضوحًا، والسنوات الجافة هنا أكثر خطرًا لأنّ كميات المتساقطات قليلة أساسًا، في هذه المنطقة الدّاخليّة المحجوبة والمعزولة عن المنطقة السّاحلية بالحاجز الجبليّ الأعلى في لبنان، أضافة الى أنّ التغيرية كبيرة، أيّ أنّ الفروقات في كمية المتساقطات كبيرة بين السّنوات الممطرة والسّنوات الجافة، وهي تتراوح ما بين (2 الى 7 أضعاف) (العس، 2020)  فنجد مثلا أنّ العام 2010 (أكثر السنوات جفافًا في المدة المدروسة) قاربت كمية المتساقطات فيها ال 200 ملم في السنة وهو حدّ الزراعات البعليّة ، وهو قريب من التصنيف المطري في المناطق الصحراويّة.

 

 

 

 

 

 

 

 

الشكل رقم (1) يظهر الميول المطرية  في محطات (بيروت – طرابلس – الأرز- زحلة – بعلبك) خلال المدّة الزمنية (1990-2010)

1- ب-  ميول عدد أيام المطر

شهد نظام هطول الأمطار في لبنان تغيرات في الآونة الأخيرة، فبالإضافة الى الانخفاض العام في كمية المتساقطات خلال المدّة الزّمنيّة (1990-2010) شهد عدد الأيام الممطرة انخفاضًا، في كل المحطات المدروسة خاصة منذ العام 2000، الشكل  رقم  (2 ) حيث تشهد هذه المحطات إنحرافات سلبية لعدد أيام المطر عن المتوسط وصلت الى حوالى 16% في بيروت و18% في طرابلس والأرز، أمّا  في زحلة 11% وقد شهدت محطة بعلبك الانخفاض الأكثر حدة، خاصة في السنوات ال 10 الاخيرة، إذ بلغ تراجع عدد أيام المطر فيها عن المتوسط حوالى 22% خلال هذه المدّة الزمنية .

 

الشكل رقم (2) توزع عدد ايام التساقط في المحطات المدروسة (1990-2010)

لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هل تغير توزيع كمية المتساقطات على عدد الأيام أو بمعنى آخر هل تغيرت قوة الهطولات (الكمية الهاطلة في وقت معين) وشدتها ؟ ليس من المتاح الوصول إلى المعطيات المناخيّة الدقيقة (الكثافة أو الشّدة على مقياس كل ساعة)، لذلك اكتفيْتُ بقسمة معدلات هطول الأمطار على العدد الفعلي للأيام الممطرة.

وقد أظهرت الرّسوم البيانية زيادة حصة الأيام الممطرة من المتساقطات، منذ العام  2000 في كل المحطات المدروسة  الشكل (3) ، وقد تراوحت الكميات اليومية بين 5 ملم و 13 ملم في اليوم على الساحل .

في محطة الأرز الجبلية، تراوحت بين 7 و 17 ملم في اليوم،  وما بين 8 و20 ملم في اليوم في البقاع ، وهذا يعني أن المناطق الداخليّة ذات المعدلات القليلة نسبيًّا تتلقى زخات أكثر شدة على عدد قليل من الأيام ، وفي كثير من الأحيان تكون القيم أكبر من ذلك بكثير على سبيل المثال وصلت كمية المتساقطات في بيروت إلى 110 ملم في 24 ساعة (26 نوفمبر 2005).

نستنتج  مما سبق أنّ شدة الامطار قد ازدادات وأنّ الفصل الممطر قد قصُرَ، في حين ازداد طول فصل الجفاف. إنّ الزّخات المطريّة الشديدة، الموزعة على عدد قليل من الأيام، تتسبب في فيضان الأنهار ويذهب جزء كبير منها الى البحر في المنطقة السّاحليّة، وهي تتسبب في انجراف الترب وتشكل السّيول خاصة في المناطق الجرداء والمكشوفة كسلسلة جبال لبنان الشرقيّة، والبقاع الشمالي بسبب عدم قدرة التربة على امتصاص مياه الهطولات القوية في زمن قصير، من ناحية ثانية إن قِصَرَ الفصل الممطر يعني زيادة الحاجة الى الري، وبالتالي الضغط أكثر على موارد المياه السطحية والجوفية خاصة أنّ معدلات الحرارة وحسب العديد من الدّراسات والتقارير آخذة في الارتفاع بسبب ظاهرة الاحتباس الحراريّ ومن المتوقع أن يتراوح الارتفاع العالميّ للحرارة منذ 1980 حتى 2020 حوالى 2.2 درجة مئوية (2007Christensen, )  أمّا في لبنان يتوقع أن تزداد درجة الحرارة القصوى بنسبة تتراوح بين درجة مئوية واحدة على الساحل اللبناني ودرجتين مئويتين في المناطق الداخلية بحلول العام 2040.

 

 

شكل رقم  (3) متوسط المتساقطات على عدد أيام المطر (1990- 2010).

1- ج- ميول متوسطات الحرارة السّنوية

إنّ ميول متوسطات ​​درجات الحرارة السّنويّة في المحطات المدروسة تظهر أنها آخذة في الازدياد. إذ يبلغ ارتفاع درجات الحرارة ما بين درجة ودرجتين في مدينتي بيروت وطرابلس  الشكل رقم (4) هذا الاحترار بلا شك يُعزى جزئيًا إلى الجزر الحرارية الحضرية، (القيمة المنخفضة للغاية المذكورة في طرابلس في العام 1999، قد تكون بسبب مشكلة في البيانات).

في محطة الأرز الجبلية لم يكن الارتفاع في درجات الحرارة  كبيرًا كما في المنطقة الساحلية (الزيادة كانت بحدود نصف درجة مئوية )، في المنطقة الداخلية كان الارتفاع حوالى درجة مئوية واحدة.

ينتج عن الارتفاع العام لدرجات الحرارة المتوسطة، فصول شتاء أقل برودة، وأقصر مدة، وبالتالي تراجع الغطاء الثلجي، وتساقط ثلج أكثر رطوبة … (يعدُّ الثلج المصدر الأساسي لتغذية الينابيع والخزانات الجوفية خاصة في فصل الصيف كلما كان الغطاء الثلجي كثيفًا كلما حافظت الينابيع على تغذيتها الدّائمة ومناسيبها المرتفعة) أظهر تحليل صور الأقمار الصناعية التي الُتقطت في تواريخ مختلفة تراجعًا ملحوظًا في رقعة غطاء الثلوج، ترافق مع تراجع في مدّة وجود الغطاء الثلجيّ الكثيف نتيجة ارتفاع درجة الحرارة  (Shaaban , 2009)  .

وبحسب (تقرير لبنان الوطني الثاني 2011)  من المرجح أن يؤدي تغير المناخ إلى تراجع في إجمالي كمية الموارد المائية في لبنان بنسبة تتراوح بين 6 و 8 % في ظل ارتفاع معدل درجة الحرارة بمقدار درجة مئوية واحدة، وبين 12 و 16 % في ظل ارتفاع معدل درجة الحرارة بمقدار درجتين مئويتين. هذا ويتوقع أن يتراجع مجموع الموارد السطحية، المقّدر حاليًا ب 2.7 إلى 4.7 مليار م³ ، ليتراوح بين 2.55) و 4.4 مليار م³ )، ظل ارتفاع متوسطات الحرارة بمقدار درجة مئوية واحدة، وما بين 2.35) و 4.1 مليار م³)  في حال ارتفاع متوسطات الحرارة  درجتين مئويتين على التوالي. (التقديرات تختلف بإختلاف المصادر والمراجع)

الشكل رقم (4) تطور درجات الحرارة المتوسطة السنوية في المحطات المدروسة (1990 -2010).

رابعًا- الموارد المائية في لبنان

تعدُّ المياه في لبنان قضية جيوستراتيجية وقد ورد في تقرير لبنان الوطني الثاني 2011 عن الموارد السطحية أنّ الأراضي اللبنانية تضم 17 مجرى دائمًا التدفّق وحوالى 32 مجرى  موسميًّا، فضلاً عن أكثر من ألفي نبع يبلغ معدّل تدفّقها حوالى مليار م³، ويبلغ إجمالي طول الأنهار حوالى 730 كم Ministry of Environment , (2001)) .

(تختلف تقديرات معدلات التدفق السطحي، باختلاف المصادر وتتراوح بين 3.2 و 6  مليار م³ سنويًّا (وزارة البيئة، 2001)؛ (باكالوفيتش، 2009؛ حجار، 1997؛ وجابر، 1997) .(يقدّر إجمالي الدفق السطحي (بـ  735 مليون  م³  يصبّ 160 مليون م³ منها مباشرة في البحر، أمّا الدّفق السّطحيّ نحو الأراضي السّورية  فيقدّر بـ 425 مليون م³ ، بالإضافة إلى حوالى 160 مليون م³ تذهب نحو شمال فلسطين المحتلة  )2008FAO , )

من ناحية أخرى تقدّر تغذية الطبقة المائيّة الجوفيّة بحوالى 3.2 مليار م³ منها التّدفق الأساسيّ للأنهار، يشكل 2.5 مليار م³) 2008FAO , ) .(يشكّل الغطاء الثلجيّ المصدر الأساسيّ لتغذية المياه الجوفيّة، بالإضافة إلى ترشّح مياه الأمطارSaadeh , 2008) (percolation) ). تتكوّن الخزّانات الجوفية في لبنان بشكل أساسي من الصخور الكلسيّة وهي تسرب كميات كبيرة من المياه، بسبب طبيعتها الكارستيّة. إنّ مصادر الخزانات الجوفيّة الكارستية معروفة، لكن لا يخضع أيّ منها حاليًّا للدراسة المفصلة لتحديد خصائصها، ما يصعّب دراستها بشكل مناسب. أمّا نوعية المياه الجوفية فهي مهددة بسبب رشح الملوّثات (من المياه المبتذلة، النفايات الصناعية، عصارة النفايات الصلبة، إلخ..) وتقدم مياه البحر وازدياد عدد الآبار المحفورة من دون ضوابط (أكثر من 45 ألف بئر خاص) (إدارة الإحصاء المركزي، 1996 ومجلس الإنماء والإعمار، 2005)

إنّ العديد من المؤشرات والفرضيات تشير الى  أنّ المياه الجوفية هي في حالة عجز، وبالتالي، ما هي العوامل التي قد تؤدي دورًا في هذا مشكلة؟ إنّ التّحليل البسيط لاتجاه هطول الأمطار وميول درجات الحرارة غير كافٍ، ولا يمكن فصله في مقاربة متكاملة لشرح حالة العجز المائي، عن السّياق الطبيعي والبشري في لبنان.

خامسًا- الخصائص الفيزيائيّة والبشريّة للبنان

تنتشر ظاهرة “الكارست” بشكل واسع النطاق في لبنان. إذ إنّ حوالى 61٪ من الأراضي اللبنانيّة قابلة لعملية “الكرستة”، (استُخرِجت هذه المعطيات بوساطة نظم المعلومات الجغرافيّة  S.I.G. من الخارطة الجيولوجية مقياس (1/200000) للأراضي اللبنانيّة (Dubertret, 1955)). تشكل الصخور الكربوناتيّة مخازن جوفية متميزة تسمى علميًّا بالمخازن الكارستية، يتسرب اليها جزء من مياه الأمطار وذوبان الثلوج من مميزات هذه المخازن المهمّة : نفاذية مجموع الشقوق والكسور ذات الأصل التكتوني القديم منذ نشأت المجموعات الصخرية (تطور في الحقب الجيولوجية المتعاقبة)، إن المظاهر الكارستيّة في لبنان قديمة جدًا ومتطورة والنفاذيّة عالية، هذه النفاذيّة ناجمة عن التذويب بمياه الأمطار المتسربة عبر السطح (والتي تحوي الحامض الكربوني الخفيف)، والتي تتغلغل في العمق الصّخريّ، وهي تستجيب بسرعة للزخات المطريّة العنيفة على شكل زيادة في التّدفق، وذلك حسب درجة الكرستة والمسافة بين الخزان والمصدر، يتراوح وقت الاستجابة من بضع ساعات إلى بضعة أيّام. إنّ “الكارست” يسهم في تسرب كميات كبيرة من المياه الى الخزانات الجوفية بشكل سريع، يبقى الجريان السّطحي كبيرًا ويسهم في جريان الينابيع المائيّة في فصليّ الشتاء والربيع. يرتبط هذا الجريان بزخات المطر المتوسطيّة العنيفة، وتضاريس السلاسل الجبليّة، والانحدارات الكبيرة..  ويمكن إضافة عامل آخر يتطور على مرّ السنين وهو عدم تسرب المياه من المناطق السّطحية بسبب الزحف العمرانيّ، ( نمت رقعة مدينة بيروت حوالى 16٪ في التسعينيات) (2005 , Faour et al.).

إنّ المناطق الجبلية ليست بمعزل عن ظاهرة التحضر السّريع والفوضويّ، الذي يتطور بشكل رئيس على خطوط القمم. على سبيل المثال، البقعة الحضرّية داخل حوض  نهر بيروت (220 كيلومترًا مربعًا في المنطقة) كانت 4 كيلومترات مربعة فقط في العام 1994: زادت إلى 27 كيلومترًا مربعًا في العام 1998 إنّ حركة البناء مستمرة بشكل عام على الأراضيّ اللبنانيّة كافة ، وهي تحصل بلا إدارة حقيقية تحترم البيئة والموارد الطبيعية.

سادسًا- العواقب المجتمعيّة

إن زيادة الطلب على المياه بسبب النمو السكان المضطرد وتزايد الانشطة البشرية، والتطور الاجتماعي للسكان، من جهة وضعف المشاريع المائيّة، وسوء الإدارة، الهدر الكبير وضعف صيانة الشبكات، الجفاف الصيفي، من جهة ثانية، وبالإضافة إلى عدد من العوامل التي تسهم  للأسف في  تقنين هذا المورد أكثر فأكثر، خاصة في نهاية فصل الصيف حيث تكون الاحتياطات قد استنفذت، وللتعويض عن هذا النقص، يلجأ اللبنانيون لتجهيز أنفسهم بخزانات مياه خاصة تسمح لهم بالعيش خلال حقبات الانقطاع والتقنين.

أمّا في حال استمرار الانقطاع لحقبات طويلة، يضطر السكان إلى شراء المياه المحلية من الشركات الخاصة، وأحيانًا تكون مالحة أو رديئة، تؤدي الى انتقال الأمراض والجراثيم. بالإضافة الى كل ذلك يرتب فقدان هذا المورد أعباء كبيرة على المواطنين، كل أسرة الاضطرار إلى إدارة المورد المحليّ (إدارة الوقت وفقًا لساعات التوزيع، تطبيق عادات صارمة في توفير المياه …) ولكن العبء الأساسي هو العبء الماليّ الذي يضاف الى الظروف الاقتصاديّة الصعبة التي تمر فيها البلاد (Chélala, 2002)..

يتزامن النمو الحضريّ في لبنان مع تراجع في معدلات هطول الأمطار أو ثباتها في أحسن الأحوال، من جهة وتقاعس الحكومات المتعاقبة وفشلها في القيام بمشاريع مائية فاعلة تلبي الحاجات المستجدة من جهة أخرى.

لجأ المطورون العقاريون الى حفر آبار ارتوازية خاصة (غالبًا ما تكون غير قانونية)  لكل مبنى سكنيّ جديد أو مشروع (مجموعة من الابنية)، هذه الآبار تستهلك المياه الجوفية من دون رقابة (Chahinian, 1998).. بالإضافة الى كل ذلك يجب الأخذ بالحسبان المسابح والمنتجعات البحرية التي تزيد العبء،  وتفاقم الضغط على الموارد المائية في فصل الصيف.

لقد أطلقت الدولة اللبنانية، عدة مشاريع مائيّة كبرى سواء على شكل سدود ( المسيلحة – شبروح – بلعا – بسري.. أو برك اصطناعيّة على الرّغم من البيئة الكارستية واحتمالات تسرب المياه، والمخاطر الزلزالية، وقد طرحت مشاريع لاستغلال الخزانات الكارستية والبحيرات الجوفية. كل هذه المشاريع تُنفذعلى مراحل، في محاولة لحل مشكلة زيادة الطلب على المياه، من دون اقتراح خطة إدارة عقلانية للمورد، (وقد تكون بهدف السمسرات والاستنفاعات والتلزيمات). لذلك فإنّ نتائج هذه السياسات هي الإِضرار بالنّظم المائية النهرية خلال فترة الصيف .

إنّ معظم الأنهار اللبنانيّة أصبحت عرضة للتلوث، إذ تُحوّل اليها مياه الصرف الصحي وترمى فيها النفايات والردميات والقاذورات، فالموارد المائية ليست مهددة كميًا فقط (بسبب الأسباب المذكورة) ، بل نوعيًا أيضًا. في الواقع ، بسبب الضغط البشري في المناطق السّاحليّة، أصبحت طبقات المياه الجوفيّة الساحليّة مستغلة بشكل مفرط، وعرضة لإقتحام المياه البحرية. بالإضافة إلى ذلك، ليس لدى لبنان حتى الآن محطات كافية لمعالجة مياه الصرف، وبالتالي، تتدفق النفايات السائلة الحضرية إلى البيئة الطبيعيّة من دون أيّ معالجة مسبقة مهددة النظام الأيكولوجي ككل. في الأرياف والمناطق الجبلية لا تزال العديد من شبكات الصرف الصّحي غير موجودة أوغير مفعلة، بسبب عدم وجود محطات تكرير لذلك يلجأ المواطنون الى الحفر الصحيّة، والتي وعلى الأرجح تتسرب الى المياه الجوفية أو الآبار القريبة . إنّ البلديات المهمّة لديها شبكات صرف صحي تنتهي مياهها الى أحواض الأنهار القريبة ومجاريها. وهذا يشكل خطورة على الصّحة العامة .

الشكل رقم (5) التلوث البكتيري لإثنين من خزانات الشرب في مدينة بيروت (2008)

كما أنّ جودة المياه بالتأكيد منخفضة والمياه متدهورة جرثوميًا، وهذا ما تظهره نتائج تحليل المياه لاثنين من خزانات المياه الرئيسية ل مصلحة مياه الشرب (الشكل 5) ، في مدينة بيروت.

النتائج

تشير دراسة المعطيات المناخيّة إلى خمس محطات رصد جويّ (بيروت – طرابلس – الأرز- زحلة – بعلبك)  موزعة على الأراضيّ اللبنانية ساحلًا وجبلًا وداخلًا خلال (1990-2010) الى  تغير في ميول العناصر المناخيّة على إذ تظهر خطوط الانحدار :

  • تراجعًا في المتساقطات في كل المحطات المدروسة. هذا التراجع يتأثر بمدة الدراسة وبصحة ومصداقيّة المعطيات المناخيّة، لذلك فإن تطور هطول الأمطار لا يزال غير مؤكد ويصعب التنبؤ به (Sciama, 2005). ويحتاج لمزيد من البحث والتدقيق ولكن على الرّغم من السيناريوهات المختلفة ولكن تظهر المؤشرات أنّ الاتجاه المناخي في حوض البحر الأبيض المتوسط ​​ذاهب نحو الجفاف.
  • انخفاضًا في عدد الأيام الممطرة، في كل المحطات المدروسة خاصة منذ العام 2000.
  • ازديادًا حصة الأيام الممطرة من المتساقطات، منذ العام 2000 في كل المحطات المدروسة.
  • إزديادًا واضحًا معدلات ​​درجات الحرارة السنوية في المحطات المدروسة في كل المحطات .

إضافة الى هذه النتائج إنّ عدم استقرار السلطة السياسية في لبنان والفوضى في إدارة الموارد والمشاريع المائيّة، والفساد المستشري والنمو السكانيّ والحضري العشوائيّ .. كل هذه الأسباب تضع الأمن المائي اللبناني في دائرة الخطر الفعليّ، وتهدد الخصوصية اللبنانيّة في بعديها الجغرافي والجيوسياسيّ.

المراجع

  • جابر، بسام (1994) “مشكلة المياه في لبنان”، ورقة عمل مقدمة في ندوة نظمها مركز الدراسات والبحوث والتوثيق تحت عنوان “مشكلة المياه في الشرق والأوسط”، الجزء الأول، ص 31 و32، مطبوعات المركز نفسه، كانون الأول/ دسمبر.
  • العس، فراس (2021) التغيرية المطرية واحتمالات التساقط والثبات في محافظة “بعلبك الهرمل”، أوراق ثقافية ، العدد 12، لبنان.
  • كليب، كليب (2013) الامن المائي في لبنان وبلدان الشرق الأوسط ، مجلة الدفاع الوطني، العدد 86، لبنان

 

  • Bakalowicz, M. (2009). Assessment and Management of Water Resources with an emphasis on prospects of climate change. In: Policy Dialogue on Integrated Water Resources Management Planning in the Republic of Lebanon. Beirut: MED EUWI.
  • Saadeh M . 2008: Seawater Intrusion in Greater Beirut, Lebanon.  Climatic Changes and Water Resources in the Middle East and North Africa, new york: springer.
  • Shaban A. 2009: Indicators and aspects of hydrological drought in Lebanon. Water resources management.
  • Chahinian N., 1998 : L’aquifère de l’aptien supérieur d’Antélias : étude de cas, Mémoire de maîtrise en géographie, Université saint-Joseph.
  • Chelala C., 2002 : Dégradation de l’eau et ses conséquences économiques dans la région de Tabarja, Mémoire de maîtrise en géographie, Université saint-Joseph.
  • Christensen, J.H., B. Hewitson, A. Busuioc, A. Chen, X. Gao, I. Held, R. Jones, R.K. Kolli, W.-T. Kwon, R. Laprise, V. Magaña Rueda, L. Mearns, C.G. Menéndez, J. Räisänen, A. Rinke, A. Sarr and P. Whetton, 2007: Regional Climate Projections. In: Climate Change 2007: The Physical Science Basis. Contribution of Working Group I to the Fourth Assessment Report of the Intergovernmental Panel on Climate Change [Solomon, S., D. Qin, M. Manning, Z. Chen, M. Marquis, K.B. Averyt, M. Tignor and H.L. Miller (eds.)]. Cambridge University Press, Cambridge, United Kingdom and New York, NY, USA
  • Council for Development and Reconstruction (CDR), (2009). Progress Report October 2009- Basic Services: Potable Water Supply. Retrieved on 3/3/2010:

http://www.cdr.gov.lb/eng/progress_reports/pr102009/Ewater.pdf

  • Dubertret, 1955 : Carte géologique du Liban au 1/200.000e. République Libanaise, Ministère des Travaux Publics.
  • FAO’s Information System on Water and Agriculture- Aquastat (2008). Lebanon. Retrieved October 2009, from

http://www.fao.org/nr/water/aquastat/countries/lebanon/index.stm

  • Faour G., Haddad T., Velut S., Verdeil E., 2005 : Quarante ans de croissance urbaine. Mappemonde.
  • Ministry of Environment (MoE), (2001). Lebanon State of the Environment Report. Ministry of Environment.
  • Sciama Y. 2005 : Le changement climatique, une nouvelle ère sur la Terre, Larousse.

 

[1] – أستاذ نساعد في الجامعة اللبنانيّة كايّة الآداب والعلوم الإنسانيّة – قسم الجغرافيا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.