كيف نوجّه الفكر الإسلاميّ في نهايات هذا القرن بتوافق فكريّ فقهيّ؟

0

كيف نوجّه الفكر الإسلاميّ في نهايات هذا القرن بتوافق فكريّ فقهيّ؟

تماضر مرشد آل جعفر

قراءة في كتاب (الآراء الكلاميّة لأئمة المذاهب الفقهيّة، الفقهاء الأربعة، زيد بن عليّ، جعفر الصادق، ابن حزم)([1])

للأستاذة نعمة عبد القادر، أستاذ العقيدة في كلّيّة الآداب، جامعة الإسكندريّة، مصر

تماضر مرشد آل جعفر([2])

تُعد دراسة أصول الفقه وعلم الكلام هي الأساس في تفسير النّظريات الفلسفيّة الإسلاميّة، فإذا ما أراد الكاتب أن يبين أثر هذه الدّراسات في المجتمعات الإسلاميّة في العصر الراّهن لا بدّ وأن يبدأ من أسس هذه العلوم . ولوجود النّزاعات الدّينيّة والمذهبيّة في الوطن العربيّ والتي تعود أسبابها إلى مصالح سياسيّة والتي وجدت أرضًا مهيأة للاحتراب بسبب الخلافات المذهبيّة بين المذاهب الفقهيّة والمدارس الكلاميّة عند المسلمين. حاول الكثير من المفكرين والباحثين في هذا المجال البحث عن نقاط التّوافق التي تُضعف تلك النّزاعات وتوقفها، وتصحح قراءة التّراث الإسلاميّ، ومن تلك المحاولات كتاب الأستاذة نعمة عبد القادر في كتابها: الآراء الكلاميّة لأئمة المذاهب الفقهيّة، حاولت إيصال رسالة للتّقريب بين المذاهب مستدلة بآراء الفقهاء والمتكلمين وما نُقل عنهم من المصادر الأصيلة.

بدأت بذكر آراء فقهاء السُنة وما توافقوا عليه وما اختلفوا فيه ثم آراء الفقه الشّيعيّ الزّيدي والجعفريّ، ورأي الظاهريّة والسّلفيّة، فبدا من دراستها تنزيه الفقهاء جميعًا عن خوض المعارك التي خاضها أصحاب التكفير وعدم تعنتهم في الرأي كقول أبي حنيفة النعمان: رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب. وإن أكثر ما عرجت عليه الكاتبة أهميّة هم الفقهاء والأصوليون الذين ذهبوا إلى النزعة العقليّة في الرأي فكانت تلك قضية مهمة حيث مدار البحث عنها في عصرنا هذا. افتتحت الكاتبة مقدمتها: العلاقة بين الفقه وعلم الكلام وثيقة، ثم حاولت تصحيح ما ذهب إليه أتباع العلماء مَن شط عن طريق الهدف الأسمى في علم الكلام والذي بدأه الأصوليون لإيجاد نقاط للتحاور مع الفلاسفة، ثم بيان الجهود المبذولة في سبل الالتقاء الفكري بينهم، فهم أهل الأصول والفروع وقد أفاد كلٌّ منهم من الآخر، لذلك توجهت لإيراد الأدلة التي ذكرتها.

بدأت الكاتبة بشرح العلاقة بين علم الكلام والفقه من منظور تاريخيّ، وكيف وضع أبو حنيفة العقيدة وأصول الفقه تحت مسمى الفقه الأكبر الذي تندرج تحته العبادات والمعاملات، ثم بعد ذلك نهى ولده عن المتكلمين بعد أن تحول علم الكلام إلى مجادلات أدخلت على المسلمين الفرقة وأصبح الكلام لأجل الكلام وليس للتعلم من الفقه وأصوله التي تدعو إلى فكر يجمع الأمة ولا يفرقها، ولا يدخل التكفير الذي ليس من العلم في شيء ولا هو غايته. ثم دخلت محنة أحمد بن حنبل في القول بخلق القرآن والتي أبعدت الفقهاء عن علم الكلام. وذلك درس يجب أن يستفيده المسلمون اليوم بالابتعاد من كل مايفرق الأمة من آراء وأفكار وتمحيص المواد الدراسيّة في المؤسسات العلميّة كافة. وإنّ ما رُوى عن أبي حنيفة ونسب إاليه بالتكفير لمن خالف رأيًا إنما هو من عدم معرفة المفسرين لمراد الكلام أو هو منسوب إليه وليس له. بعد ذلك تأتي الكاتبة إلى محنة أحمد بن حنبل والمعتزلة وكيف أن فهمي جدعان([3]) برأ ساحتهم في كتابه (المحنة)، وبين دور السياسة والسّلطة في خلق تلك المحنة والصّراع القائم بين الأمين والمأمون وأنصارهما. بعد ذلك دخلت مدّة توافق الأمة بين الأشعريّة والشّافعّية والمالكيّة في مسائل عدة، ثم كيف وضع الفقهاء والأصولين حلولاً لمسألة مرتكب الكبيرة، على سبيل المثال، إذ ذكر أبو حنيفة بأنّ مرتكب الكبيرة مسلم لا يخرج من الملة ولكنه فاسق، كي يبتعد الناس من فكر التكفير الذي يجر إلى الاختلاف ثم الاقتتال.

ومن المسائل التي ذكرتها دكتورة نعمة في تقارب الفقهاء والمتكلمين: قياس الغائب على الشّاهد والأخذ بالدّليل العقليّ، والشّاهد عند المتكلمين ماهو معلوم بالحسّ أو بالاضطرار وإن لم يكن محسوسًا، والغائب هو ما غاب عن الحسّ ولم يكن في شيء من الحواس. ومن ذلك اعتمادهم في الدّليل العقليّ على وجود الله من دليل العناية والحدوث. واستُخدِم علم النحو واللغة في الاستدلال العقليّ عند الفقهاء لوجود دلالات مختلفة للكلمة، كما أن اللغة هي السلطة المرجعية عند المتكلمين.

وفي الباب الثاني نجد التوافق بين المعتزلة والأحناف والزيديّة وتلمذتهم على المعتزلة أصحاب الرأي وترجيح العقل على النقل. ومن المسائل التي تطرقت إليها الكاتبة مسألة الحسن والقبح كونها من المسائل المشتركة بين الفقه وعلم الكلام إذ على أساس الرؤية الكلاميّة يبني الفقهاء رأيهم في أحكام العقاب والثّواب، ناقشت فيها الأدلة العقليّة عند المعتزلة وتقديمها على النقل ووجوب النظر العقلي لمعرفة الله تعالى والحكم على ماهو قبيح من فعل العباد وماهو حسن، وهذه هي الدّعوة التي تعلو فيها أصوات المصلحين في هذا العصر لإيجاد وسيلة تلتقي عندها الإنسانيّة عامة والمذاهب الإسلامية خاصة.

وفي نقاش هل الحسن والقبح عقليان أم شرعيان؟ ذهب الأشاعرة إلى النزعة الشّرعيّة والاعتماد على النقل فقط، بينما كان التوافق مع رأي المعتزلة في هذه المسألة، الأحناف والخوارج والكرامية فكلهم يذهب إلى أن الحسن والقبح عقليان. فبالعقل يُستدل على حسن الأشياء والأفعال وقبحها كونها توصف بالقبح أو الحسن لأعمال ذاتية فيها. هذه المسألة مايخص الفقهاء فيها هو الحكم على الفعل بالعقاب أو الثواب، فمن يرى أنها عقلية يرى أن الحكم يُقام على الناس قبل البعثة وإن لم تصله دعوة نبيّ، وأما أهل الشّرع فرأيهم أنّها إن لم يذكرها الشّارع بأنها قبيحة أو حسنة فلا حكم على فاعلها قبل البعثة. والمحكوم عليه في أصول الفقه هو المُكلَف العاقل البالغ لذلك قال المعتزلة ومن تبعهم أن من لم تصله أوامر التشريع لا يسقط عنه التكليف فالعقل هو مناط التكليف. ومع أنّ الأشاعرة خالفوهم إلا أنّ الحكم كان فيه من السعة مايُخفف على المسلمين ويسمح لهم بالأخذ بأيسر الأمور، وتلك غايتنا التي نبتغيها من تقريب الآراء. بعد ذكر تلك المسائل انتقلت الكاتبة إلى التوجهات الفكريّة للفقهاء والمتكلمين الذين حددت الحديث عنهم، وبينت موقف أبي حنيفة وانتقاله من علم الكلام إلى الفقه والقول برأيه وتأسيسه مدرسة الرأي وذلك أعطى لأهل العراق سعة في التفكير الصحيح وحسن الاختيار في ما يناسبهم، وذلك لما للعراق من خصوصيّة قربه من المجتمعات الشرقيّة التي اعتمدت الفلسفة في فكر الأديان، أضف إلى الموروث العراقي البابليّ في الإلهيات.

وبذلك تُقدم الكاتبة نموذجًا لأصحاب المذاهب ومدى إمكانية تغيير المنهج وفق ما يناسب تطور المجتمعات فليس الرأي الفقهيذ من الثوابت التي يجب ان نقدسها ونحترب لأجلها. وهذا ما نعوّل عليه من وجود تربة جيدة في بلادنا العربية تُنبت حرية الرأي وتعدد الأفكار والاعتماد على الدليل العقلي الذي لا يُخالف أصل التّوحيد الذي دعت إليه جميع الشرائع السماويّة ووقف النزاع الدّينيّ والسياسيّ المترتب عليه. وقد استشهدت الكاتبة برأي الكاتب عناية الله إبلاغ([4]) في كتابه الإمام الأعظم أبو حنيفة المتكلم بقوله بأسباب اتجاه أبو حنيفة إلى الأخذ بالرأي في الآراء الكلاميّة وقطع طريق الجدل الذي يؤدي إلى الخصومة بتمسك كل ذي رأي برأيه، ويمنح فرصة النقاش لتلاميذه ليصلوا إلى إحقاق الحق.

ومن أكثر ما يُحسب لأبي حنيفة أهمّية، هو عدم اعتماده الحديث كدليل قاطع ولا آراء الصحابة التي نُقلت عنهم فلهم رأيهم وله رأيه. جميع الآراء التي تتداولها في ذلك الوقت كان فيها الكثير من الموافقات بين المعتزلة الذين أخذ عنهم كثير من الشّيعة اليوم، والأحناف والماتريدية الذين يقلدهم كثير من السُنة. فتوافق الأحناف والمعتزلة بالنتيجة يؤدي إلى توافق الجم الغفير من الأمة. أورد الماتريدية نظرهم في ما نقلوه عن تفاسير الصحابة بأنَّهم قد يصدر منهم خطأ في تفسير آية لا تتوافق وكل معاني اللغة العربيّة فيكون العقل أولى بالحكم على ما فيها من أحكام مسترشدين برأي أبي حنيفة والمعتزلة: هم رجال ونحن رجال. في الباب الثالث ذكرت الباحثة آراء آل البيت وفقههم ممثلا بزيد بن علي زين العابدين وجعفر الصادق، فكان لهم اتجاهان: الأول هو الاتجاه التّوفيقيّ العقليّ في الفقه وعلم الكلام ويمثله الزيدية أتباع زيد، والاتجاه الثانيّ التوقيفيّ النقليّ ويمثله الجعفرية الشّيعة أتباع جعفر الصادق. أخذ زيد آراءه من تتلمذه على واصل بن عطاء المعتزلي فصار أصحاب زيد معتزلة، بحسب ما ذكرت الكاتبة من كتاب الملل والنحل للشهرستاني، ولا يخالف آراء المعتزلة إلا في مسألة المنزلة بين المنزلتين، وكان للاستقلال الفكري الذي تمتع به زيد دور في قبوله المخالفين له في الرأي. فتقدم أهل زمانه بعلم الكلام. بعد ذلك ذكرت الكاتبة من توافقات الفقهاء والمتكلمين الزيدية والمعتزلة في السياسة والأصول، ولم يكن زيد يرى أن الإمامة وراثة وإنّما تكون بما تقتضيه مصلحة المسلمين. وأجاز حكم إمامين في قطرين متباعدين فكان في ذلك متوافقًا مع رأي الأحناف. ومن احترام زيد بن علي للرأي والدليل العقلي كان له دور في تصحيح معتقدات الشّيعة في العراق وبلاد المشرق. وكان من توافقه مع الأحناف أن مسألة العقاب والثواب تعود إلى السمع، والاعتماد في الفقه على الرأي في ما لم يرد فيه نص صريح من القرآن الكريم. وتوافق الزيدية والأحناف في الأصول والفروع ويُعد الزيدية هم أول المذاهب الفقهيّة وتتلمذ عليهم أبو حنيفة والشافعيّ. إنّ السرد الذي عمدت إليه الكاتبة هو محاولة جادة منها في البحث عن كل المسائل التي توافقت فيها أكثر المدارس الفقهية والكلامية الإسلامية أهميّة ليكون ذلك عبرة لأتباعهم في عدم البحث عن أسباب النزاع بل أسباب التوافق أولى بالبحث. أوردت الكاتبة فقه جعفر الصادق وآرائه كونه من أكثر فقهاء الشيعة أهمّيّة فكان مخالفًا المعتزلة والأحناف والزيدية بالقول بالرأي معتمدًا النص المنقول من الحديث شأن أهل مكة، فنقل فكر العمل بالحديث إلى العراق فتوافق مع الأشاعرة في الكلام والشّافعيّة في الفقه، ولكن كان له توافق مع المعتزلة في التنزيه والرؤيّة وخالفهم في أفعال العباد، ووافق أهل السّنة في إثبات النزول والاستواء، وتوافق مع أهل المدينة في الافتاء بالمصلحة كالمالكيّة. وقد أخذ الشّيعة بالقياس مع أخذهم بالنص في كثير من المسائل. ثم اختتمت دكتورة نعمة كتابها بحديثها عن الظاهريّة أتباع ابن حزم الظاهري وتوافقهم مع الشّافعيّة في الفقه والمعتزلة في بعض المسائل الكلاميّة، وتمسكهم بالنقل كالجعفريّة. في ختام المقال لا بد وأن أذكر أن الاختلاف بين المسلمين في الفقه والعقيدة يجب أن لا يكون مدعاةً للاحتراب بقدر مايكون سبباً لرقي المسلم في تحمله فكر الآخر، فإن من سنة الله تعالى في عباده أن جعلهم مختلفين في كل شيء وفي الادراك العقلي لتتكون عدة آراء هدفها أولا رضا الله تعالى بخدمة عباده في أرضه. وإن من أكثر الملل يجب أن يتوافقوا هم المسلمين وذلك كون دينهم دين التوحيد وإن اختلفت آراءهم فلا يختلفون في أصل العقيدة والملة.

في قراءتي للكتاب رأيت أن الكاتبة توقفت عن ذكر دور الفلسفة في التوافق الفكري واعتمادها عند كثير من المتكلمين إذ إنّ علم الكلام منه انبثقت الفلسفة الإسلاميّة، ربما أن الكاتبة رأت أن الفقه أيسر من علم الكلام في التوافق بين المسلمين، مع أنها أوردت رأي أرسطو لا بدّ من التفلسف فرأيها لا بد من التفقّه.

كما ذكرت أن من أكثر أسباب الخلاف أهمّيّة بين المتكلمين هو اعتمادهم حديث الفرقة الناجية، وإني أرى أن من ضرورات توافق الأمة هو ابتعادهم من كتب الحديث تمامًا لما عليها من شبهة التحريف الكبير الذي طالها عبر العصور وعدم الحاجة إليها، كونها من أسباب الخلاف أولاً ثم عدم توافق ما فيها مع متطلبات تطور العصر والعلم،  فيجب دراسة فكر المدارس الإسلامية بعيدًا من نقاط الخلاف والابتعاد عن كلمة الفرق. وخطورة الحديث فيه، إعادة قراءة علم الكلام والفلسفة بما يتوافق ومشكلات الأمة الإسلاميّة والعربيّة في الوقت الحاضر مع دخول المحتلين لديار الإسلام.

فكيف يمكن أن يستمر الفكر الفلسفي في نهايات هذه الألفية مع كل التّحديات السياسيّة التي تواجهه؟ وكيف يمكننا إيجاد وسيلة تواصل وفق الرؤى المختلفة مع قِدم تلك الآراء واعتماد غالب المسلمين عليها؟

الهدف من السؤال هو وقف ذلك السجال التاريخيّ لنعبر نحو مستقبل أفضل للأمة العربيّة والإسلاميّة. وتحديد العلاقة بين الواقع وربطه بالفكر الإسلاميّ.

 

[1]– نعمة عبد القادر: الآراء الكلامية، دار كلمة للنشر، مصر، 2014م.

– مدرس دكتور، العراق، بغداد. [2]

[3]– فهمي جدعان: المحنة، ط1، دار الشروق للنشر، عمان، 1989م.

[4]– إبلاغ (عناية الله): الإمام الأعظم أبو حنيفة، ط1، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، 1390هـ.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.