الأستاذة العاملية دلال عباس تروي سيرتها البحثية والأكاديمية ومحطات التأليف

0

الأستاذة العاملية دلال عباس تروي سيرتها البحثية والأكاديمية ومحطات التأليف

العطاء والتلاقح الفكري بين الأدبين الفارسي والعربي مصدرا غنى في مؤلفاتي

حاورها أ.د. أنور عبد الحميد الموسى*

الأستاذة العاملية الدكتورة دلال عباس، ترتسم في سيرتها محطات أكاديمية وإنسانية نابضة بالعطاء. واكبت رحلتها في التأليف والترجمة ثورات وانشغالات وكفاح وإصرار؛ فهي “الأم المعلمة والمعلمة الأم”. لم يسعفها الوقت في قول كل ما أرادت قوله؛ فهي امرأة جنوبية مطلوب منها الاهتمام بالمنزل؛ لكن طموحها كان ينبعث انبعاثا من تحت الصعاب؛ إذ أدت المصادفة دورا كبيرا في انتقائها الجديد في البحث والتأليف، وأسست لنفسها مدرسة ينتهج خيوطها تلامذتها ومحبوها؛ هي مدرسة القيم والعلم والبحث والحياة. وجدت في الكتابة والتأليف ابنها الذي رحل مبكرا، فكان الصبر والعطاء اللامحدود الرد الطبيعي على حرقة الفراق، فانبرت تقدم كتبها هدية للفقراء والمعذبين في الأرض وأطفال اليمن.

صقلت شخصيتها ميولها اليسارية الماركسية المبكرة، والنشأة الإسلامية، ولاحقًا النظرة الإنسانية الكونية التي تجد في التلاقح الثقافي العربي الإيراني غنى فكريا كبيرا. وجدت في اللغة الفارسية وأدبها معينا خصبًا استقت منه شرارات إبداعها وتأليفها وترجمتها، وفي الأخيرة، لم  تكن د. دلال عباس مجرد ناقلة، بل شاعرة مبدعة… لازم إبداعها تأليف راقٍ في الأدب المقارن وإشراف دقيق على أطاريح ورسائل جامعية… أن تحاورها يعني أن تتعرف إلى سيرتها وكنوز حياتها، وتشعر بأن رواية حقيقية بين يديك… فمن هي هذه الأديبة المؤلفة الجنوبية العاملية الشامخة؟ ومتى تفجرت موهبتها في التأليف؟ وكيف أدت المصادفة دورا في سيرتها الأكاديمية البحثية؟ وما بواعث غزارة إنتاجها؟ وماذا قدمت للترجمة العربية والأدبين الفارسي والعربي؟ وما موقفها من المنهج والترجمة والأدب المقارن والدعم الرسمي للبحث العلمي؟ وما دورها في دائرة المعارف والأدب العاملي؟ وما مفتاح شخصيتها وكتبها ومؤلفاتها؟ وما علاقة نشر مؤلفاتها بالعطاء الإنساني غير المشروط؟

  • الباحثة الأستاذة دلال عباس… ما الألقاب المفضلة لديك؟

أشكر الله شكرا جزيلا… الألقاب لا تهمني وكذلك حب الظهور، وقلت في إحدى المرات: “إني أم معلمة ومعلمة أم”، فحين كنت شابة، لمت أهلي كونهم أدخلوني دار المعلمين؛ لأني اكتشفت بعد ممارسة التعليم أن الله خلقني لأكون معلمة.

  • متى انطلقت بالعمل البحثي…؟ ومن أثر فيك…؟

حتما بدأت العمل البحثي عندما كنت في الجامعة، وهنا أذكر المرحوم الشهيد الشيخ الدكتور صبحي الصالح حين كلّفني بإعداد أبحاث في صدر الإسلام وحضارته. حضّرت بحثا محكما، واختير من مجموعة أبحاث لألقيه  أمام طلاب اللغة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أـ د أنور الموسى، باحث وأكاديميّ وشاعر. يحمل ستّ شهادات في: الصحافة، والتلفزيون، وعلم النفس العياديّ، والمدرسيّ، والتربية، واللغة العربيّة. ومؤلِّف لــ ٢٥ كتابًا منشورًا، ومئات الأبحاث، والمقالات. ومشرف على رسائل، وأطاريح، ومتفرّغ في الجامعة اللبنانيّة.

العربية والفرنسية.

  • صفي بداية لقائك بالجمهور المتلقي والتحصيل الأكاديمي…

بداية، كنت أخجل عمليًا، ويلاحظ المستمعون أني خجولة؛ لكن ما أعطاني القدرة في هذا المجال، أني كنت في هذه المرحلة أدرّس في المدرسة النموذجية التابعة لدار المعلمين في النبطية، وحين وجد المعنيون أني أحسن عملي في هذا المجال، كانوا يدعون معلمي اللغة الفرنسية والعربية لأقدم لهم دروسا في الفرنسية. كنت أدرّس الفرنسية في النموذجية، وفي الوقت نفسه كنا مجبرين على الحضور إلى الجامعة اللبنانية في السنة الأولى المخصصة للثقافة العامة في كل الاختصاصات… كنا ملزمين بتقديم أربع مواد إلزامية ونختار من المواد الأخرى أربعا. وأتذكر أن امتحان الثقافة العامة كان يجرى في حزيران. كان هذا في العام 1967، حيث أخبرت بأنه لم ينجح في العام 1966 أحد، ونجح طالبان في تشرين. والحمد لله نجحت بجدارة. علما أن الإجازة التعليمية كانت في ذلك الحين تتضمن، فضلا عن السنة الأولى (وهي شهادة الثقافة العامة)، أربع شهادات أخرى، ثلاث في اللغة العربية وآدابها، والخامسة شهادة في اللغة الفرنسية وآدابها.

  • ما دور التدريس في تعلّمك اللغة الأجنبية؟

حين عينت في ثانوية الصباح الرسمية، أجبرنا على تعليم الفرنسية في المرحلة المتوسطة (الصف الثالث)، نظرا إلى قلة عدد الأساتذة في هذه المادة، بطلب من الوزارة التي أوعزت إلى المدير بذلك، وكنت في الوقت نفسه أدرّس اللغة العربية للمرحلة الثانوية… والواقع أني أتقنت الفرنسية من خلال التعليم لا التَعلَم. كنت أشرح للتلامذة تصريف الأفعال، وأستعين أحيانا بالعربية، وأتذكر المصطلحات الفرنسية التي تعلمتها في الجامعة.

وعندما درّست اللغة الفارسية في الجامعة، كنت أشرح تصريف الأفعال من خلال المقارنة بين اللغتين الفرنسية والفارسية، ولاقت هذه الطريقة استحسان الطلاب. أتذكر هنا طالبا كان معلما ابتدائيا… شكرني على طريقتي. والسؤال هنا: هل تخدم اللغة الثانية اللغة الأم…؟ بالتأكيد، اللغة الأجنبية تغني اللغة الأم وتثريها ولا تؤثر فيها سلبا، فضلا عن ذلك، بالنسبة إلي، معرفة الفرنسية والفارسية والعمل في الترجمة… جعلتني أعرف أكثر أسباب وجود الأخطاء الشائعة في اللغة العربية…

  • هل أعاق التدريس عملك البحثي؟

بالنسبة إلى البحث، أحيانا يكون التدريس عائقا أمام متابعة الدراسات… فمثلا هناك رواية لم تكتمل؛ لأني لم أجد الوقت الكافي الضروري للتأليف…

  • متى بدأ عملك التأليفي؟

تعود بداية عملي التأليفي إلى ما بعد حصولي على الإجازة؛ أي مرحلة الماجستير، حيث أعددت رسالة تتناول المرأة قي الأندلس… ولم تطبع إلا في هذا العام، بعنوان: المرأة الأنداسية مرآة حضارة شعت لحظة وتشظت، بعدما أنهيتها العام 1974 وناقشتها في العام 1979 بسبب إغلاق الجامعة.

  • ما كتابك الأول؟ حدثينا عن رحلتك في تأليفه…

كتابي الأول بعنوان: بهاء الدين العاملي أديبا وفقيها وعالما، وله قصة عندي، إذ كنت أدرس موضوع المرأة في الأندلس، وأحضّر نفسي لتعلم شيء من الإسبانية، لأتابع تحصيلي في إسبانيا، فجأة قال لي زوجي: إن الشركة التي يعمل بها ستنقله إلى بلد من البلدان. ذكر لي إيران ثم اليونان…قلت له: اختر إيران وأنا أتابع تحصيلي هناك.

ويعد اختيار هذا الموضوع محض صدفة، فأحيانا تحضّر لنا الظروف أمورا غير مهيئين لها… إذ التقيت بثلاثة طلاب يدرسون الطب في السفارة، اثنان درستهما بثانوية الصباح، مع صديقة أيرانية تكلمت معها، وشرحت لها أني أسكن على حدود لبنان في منطقة أطلق عليها “جبل عامل”، فقالت: لنا أقرباء عامليون في أصفهان، حيث كان يعيش الشيخ بهاء الدين العاملي الذي كان شاعرا فقيها… وفي تلك الليلة، قررت اختيار الشيخ بهاء الدين العاملي موضوعا لدراستي في الدكتوراه.

… وفي إيران، كان صاحب المنزل يزورناـ قلت له: أريد أن أحضّر دكتوراه عن بهاء الدين العاملي، قال لي: إن والده عالم دين في قُم، ووعدنا بأخذي مع زوجي إلى هناك، ففعل، وكان ذلك نهار الجمعةـ لم أكن أرتدي غطاء الرأس، فألبسوني عباءة. أعطاني والد صاحب البيت كتاب “الكشكول” للشيخ البهائي… وحين عدت إلى المنزل حضّرت مخططا وافقت عليه جامعة طهران.

  • هل وجدت صعوبة في البحث عن المصادر والمراجع المتعلقة بالشيخ بهاء الدين العاملي؟

كأنها خرافة، ففي مرحلة الماجستير، تكبدت عناء الحصول على المصادر، حيث كنت أنتقل من النبطية إلى بيروت ومكتباتها في الجامعة الأميركية واليسوعية؛ فكل سطر كان يكلّفني جهدا ومالا؛ لكن مع دراسة الشيخ بهاء؛ فإن المصادر، مع كثرتها، ومع أني لم أكن أعرف كيف أبدأ، كانت تهبط علي من السماء! وبعد أربعين عاما أقول: كأني كنت “مكلفة” غيبيا للكتابة عن الشيخ بهاء الدين.

  • ما قصة حصولك على مواد الدراسة والمراجع؟

القصة الأولى: قبل أن يطاح بالشاه، بقيت في إيران نحو سنة ونصف، وفي منتصف السنة الثانية، انطلقت الثورة، وأتذكر كيف كنت أتابع الأخبار على راديو (بي بي سي)، بالفارسية والعربية، وقبل ذهاب الشاه بشهر، قررنا العودة الى لبنان؛ نظرا إلى وجود ابني الرضيع محمد معي، حيث انقطع الحليب، بسبب الإضراب، فيما لم يستطع زوجي العودة قبل أن يعرف مصير عمله وراتبه. رأيت بأم عيني كيف قصفت طائرة الهليكوبتر المظاهرة السلمية، واستشهد الألاف، لم نعرف أن الشاه سيسقطـ؛ لذا قررت العودة مع طفليّ أواخر العام 1978…

وفي الطائرة كان تلميذي وقريب زوجي يحمل البنت ويلعبها، فيما كنت أحمل الطفل الرضيع، سأله شيخ من حلب: لمن البنت؟ أجاب أن والدتها تحضر دكتوراه عن العاملي، فقال إنه رأى هذا الاسم من قبل، وأضاف: أعتقد أن في مكتبة جامعة حلب شيئا عنه. وقال: أعطوني عنوانكم وأنا أصور لكم. أعطيته عنوان محل أبي في سوق النبطية.

لم أكن أتخيل أن يأتيني شيء بالبريد من حلب، في ظل الحرب والاعتداءات الإسرائيلية، وقلت في نفسي: من دون حرب، كان عمال البريد لا يوصلون الرسائل؛ فكيف يوصلونها في ظل الحرب والقصف الإسرائيلي؟

بعد أشهر، قال لي والدي السيد حسن عباس: وصل باسمك على المحل طرد (صندوق) من سوريا، ذهبت الى المحل، فتحنا الطرد؛ إذ بمخطوط مصور، وكتاب رياضيات للشيخ بهاء الدين العاملي الذي كان رياضيا ومهندسا أيضا.

والقصة الثانية: التقيت صدفة برجل في لبنان، في قرية عبا الجنوبية كان يدرس الفقه في إيران- أينما أذهب كنت أتحدث عن العاملي- فقال: سوف أرسل إليك ما أجده عن البهائي العاملي في مشهد، فأرسل إلي كل ما وجده عن الشيخ بهاء الدين في مكتبة العتبة الرضوية في مشهد، وأرسله إلي مع أحد الطلاب إلى الثانوية، وما أرسله إلي ليس فقط ما كتبه الشيخ بهاء الدين العاملي، بل ما كتب عنه أيضا.

  • يقال إنك كنت تجدين بهاء الدين العاملي أمامك دائما….

نعم، وجدت مصافة في بيروت، في واجهة إحدى المكتبات نسخة من كتاب “الكشكول” بالعربية من ثلاثة أجزاء، في الثمانينات، وكنت أينما أذهب أجد له كتابا. كتبت عنه كتابا لم أنشره بداية، في العام 1985 فتحت مرحلة الدكتوراه في الجامعة اللبنانية، فسجلت الموضوع بإشراف د. أحمد لواساني الذي كان يتقن اللغتين…وانتظرت سنتين ونصف حتى أناقش الأطروحة، علما أني عدلت في المعلومات المعدة سابقا. يذكر أن البهائي عاملي من جباع سافر مع أبيه في القرن ال16 إلى إيران في مرحلة الصراع الإيراني الصفوي.

  • هل نشر الكتاب؟

نشرته في طبعتين وعدد صفحاته 766، وهو لا يحتاج إلى إعادة كتابة وتعديلات أبدا، فأنا نشرت الأطروحة كما هي، ولكن فقط ألغيت من المقدمة المنهج والإشكالية ليصبح العمل كتابا لا أطروحة… وأعيد نشر الكتاب في العام 2010… وفي الحقيقة ما لم ينشر بسبب انشغالاتي، ليس تعديل الكتاب، بل موضوعات كانت موسعة وموجودة عندي..، مثل مقدمة الكتاب التي تتحدث عن الصراع العثماني الصفوي، ولدي الآن 200 صفحة أعددتها في أثناء الدراسة تتعلق بذاك الصراع ومواضيع أخرى لم تنشر حتى الآن… وتنتظر النشر…

  • وبعد هذا الكتاب… ماذا ألفت؟ وما قصة الظاهر والباطن؟

بعد الكتاب الأول، نشرت كتابا بالفارسية “القط والفأر”، ترجمته للبهائي تحت عنوان: التدين والنفاق بلسان القط والفأر. فالكتاب الثاني نتج عن الأول؛ حيث وعدت القراء في الأطروحة بترجمته.

استقيت مفهوم الظاهر والباطن من أستاذي البهائي، وهو أستاذي بعد علي بن أبي طالب. فالبهائي عالم دين ينتقد الظاهر والباطن، بمعنى ما يقوله حافظ الشيرازي واستخدمه البهائي: إني لأعجب من هؤلاء الذين يتصدرون المنابر لماذا لا يفعلون ما يقولون، كأنهم لا يصدقون ما يقولون. وهذا نجده كثيرا، ولم أعرفه إلا من خلال الشيخ البهائي، ومن خلاله دخلت عالم الشعر العرفاني والفارسي مع الشيرازي والمولوي… أنا أقرأ هؤلاء بالفارسية، وهذا أمر كان مهما لي، فمعرفة المسلم بالإسلام لا تكتمل عربيا فقط، ولا تكتمل من دون الاطلاع على الضفة الأخرى من الإسلام وذلك التراث الواسع… وإلا بقي فهم الإسلام مجتزأ وظاهريا؛ أي الاعتماد على الشكل من دون المضمون…فالذي تعلمته من الشيخ البهائي أن الدين ظاهر وباطن، وغالبية المتدينين يعتمدون على الظاهر من دون الباطن، أي من دون تطبيق الدين تطبيقا صحيحا… فبت أنظر إلى المتدينين من هذا المنظار…

  • ما عدد مؤلفاتك وبواعث التأليف؟

عدد مؤلفاتي 18 بين تأليف وترجمة، فضلا عن المقالات والخواطر التي نشر بعضها في موقعي. ولم أؤلف بنية التأليف؛ فكتابي “القرآن والشعر” عبارة عن دروس قدمتها لطلابي في مادة أدب صدر الإسلام. وكنت أول من درّس في كل الجامعات القرآن بوصفه نصا أدبيا، ففي كل مرة كنت أختار سورة، وكنت أحب التعليم، ولا أكرر النصوص…حتى حين كنت أدرّس في المرحلة الثانوية، كنت أعطي للتلامبذ نصوصا ليست مطلوبة في الامتحان الرسمي، وكان الطلاب يعرفون أن الهدف إفادتهم.

مرة، كنت أعطي سورة يوسف، أحسست بأني قلت شيئا أعجبني، وبعد انتهاء المحاضرة أغلقت الصف، وجلست نحو ساعة ونصف أكتب في الموضوع الذي أثراه النقاش مع الطلاب، حتى لا أنسى… انتقيت دروسا مختلفة ونشرتها كتابا سميته القرآن والشعر، من باب اسمية الكل باسم الجزء، جاعلة منه موضوعات غير مكتملة، وكأنني أضع بين الباحثين مخططا أو مقدمة أو مشروع بحث موسع… فمثلا، في العام 2015 شاركت في مؤتمر اللغة العربية بالإمارات. استعرت من كتابي المذكور ووسعت؛ بمعنى أن في الكتاب موضوعات تحتاج إلى توسيع. لم تكن النية تأليف كتاب، بل اختيار مواضيع تكون بأيدي الباحثين لينطلقوا منها بدراسات… ومؤخرا قبل سنتين، انطلقت من الكتاب لإعداد بحث يتعلق بصورة النبي في أشعار معاصريه.

وكذلك، هناك أبحاث عن شعراء جبل عامل انطلقت من دراستي حول بهاء الدين العاملي… فضلا عن أبحاث تتعلق بالعلاقات العربية الإيرانية… والتأثير المتبادل بين اللغتين. فمعرفتي باللغتين أغنت البحث والمصطلحات. وفي مؤتمر عُمان كان لي بحث عن المصطلحات المترجمة في العصر العباسي. وكيف استقبلت العربية في بداية عهد الترجمة المصطلحات غير العربية… فجذور البحث عندي في مؤلفاتي.

  • هل لديك نية لكتابة سيرتك؟

في العام المقبل، سأتجه إلى كتابة سيرتي الموزعة في غير دفتر (لدي دفاتر عن مذكرات إيران وطفولتي في كوثرية السياد وقريتي…)

  • هل تلجأين إلى الكتابة بوصفها تعويضا…؟

… لو كان لدي وقت، لكتبت أشياء كثيرة. كنت مديرة ثانوية وربة منزل وأما، وكنت متعاقدة في الجامعة لمدة تسع سنوات بلا تفرغ! وكانت رواتبنا متدنية، وكنت أحضّر الدكتوراه، ولم يكن من يساعد في أعمال المنزل؛ ولذا، لم أمتلك الوقت الكافي للكتابة بدافع الترف أو التعويض. فلو كنت متفرغة في الجامعة في ذلك الحين، لكان لدي الوقت لأكتب ترفا أو تعويضا عن شيء ما، ولكن لم يكن لدي مثل هذا الترف أو التعويض.

*كيف أثرت الصدفة في رحلتك البحثية؟

هناك غير قصة تؤكد ثأثير الصدفة في عملي البحثي، مثلا، في ذات يوم، قال لي الزميل د. علي شعيب: إنه سينظم في العام 2000 المؤتمر الأول لمدينة  النبطية، قلت له: إن وجدت شيئا جديدا سأشارك، بعيدا من الشخصيات المكررة، وبعد أسبوع، في يوم عطلة، بعد أن أنهيت بعض الأعمال المنزلية، وخلدت إلى الراحة، أخذت رواية جواد الصيداوي: “أجنحة التيه” لأعيد قراءتها، وكنت أفكر لحظتئذٍ بأني يمكن أن أتحدث عن النبطية من خلال هذه الرواية… ولكن استوقفني وأنا أقرأ الصفحات الأولى من الرواية وصف المعلم نمر صباح المسمى في القصة نمر الصداح، وأخذت أسأل عنه، لم يكن مر على وفاته أكثر من سبع عشرة سنة، (ت1998)، لكن قلة من الناس من كانوا يعرفونه.

أسمعتني الحاجة المرحومة فريحة الحاج علي شريطا مسجلا لسهرة أقيمت في منزلها صيف العام 1970، شارك فيها شعراء من النبطية وفنانون، وسمعت في هذا الشريط صوت نمر الصباح وهو يلقي بصوته العذب قصيدة من ديوانه “أناشيد الظلال”. واتصلت بعد ذلك بأخيه الطبيب د.حاتم الذي زودني بالديوان المذكور، وكتاب آخر بالفرنسية. كتابته ترجمة لشعر ليوبولد سنغور. ويتفاجأ المرء بأن عمله ليس ترجمة، بل إبداع حقيقي للصباح الذي أخذ الفكرة من سنغور وغلفها بإبداعه، وهو ما ظهر في المقارنة التي أجريتها، ونشرتها لاحقا في كتاب عنوانه: نمر صباح وليوبولد سنغور لقاء مبدعين ولقاء ثقافتين.

في البدء، حضّرت بحثا للمؤتمر في ضوء الكتب التي أرسلها أخوه الطبيب، واتسم البحث بالجدة، إذ إن غالبية المشاركين أكدوا أنهم لم يسمعوا بالشاعر نمر من قبل، وأجمعوا على جدة الموضوع… علما أن الشاعر نمر صبّاح عاش في السنغال، وتعرف إلى سنغور. وحين أصبح الأخير رئيس جمهورية السنغال أرسل له، وقال له: استلم عمادة كلية الآداب. وحتى الآن يتعلم الطلاب في جامعة داكار العربية بفضل نمر الصبّاح.

وقصة أخرى ألخصها هنا للفائدة: طلب مني الزميل د. محمد نور الدين إعداد بحث عن إيران في محور المجتمع لـ(مجلة شؤون الأوسط)…قلت لا أستطيع، أحتاج إلى وقت كافٍ. فأنا مشغولة. ولم أكن حينئذٍ متفرغة. بعد أيام، جاءتني طالبة لأشرف عليها وهي تعرف الفارسية وزوجها إيراني، وكانت معها صحف ومجلات لها علاقة بالمرأة في إيران، أهدتنيها، فحضّرت منها مقالا للمجلة المذكورة.

  • كيف تنظرين إلى المنهج؟

لست ممن يحبون تطبيق المنهج حرفيا؛ فالتطبيق الحرفي للمنهج شبيه بتطبيق معادلة حسابية؛ لذا أنا مع المرونة في استخدام الطالب أو الدارس المناهج، وترك حرية للباحث لأي فكرة لا تتناسب مع المنهج؛ لأني حين أكتب مثلا قراءة اجتماعية في رواية معينة، سترى أن المنهج الاجتماعي مطبق من دون ذكره. فالمنهج قد يقيد حرية الباحث وإبداعه؛ علما أني لو كنت متفرغة لاستخرجت منهجا خاصا بي. ففكرة الظاهر والباطن لا تعد منهجا متكاملا بل أسلوبا.

  • ما موقع الأدب المقارن في تأليفك ومسيرتك؟

أطروحتي تعد من الأدب المقارن. وبعد ذلك أجريت دراسات جمة انطلاقا من الأطروحة. وأشرفت على عدد من أطاريح الدكتوراه والرسائل في الأدب المقارن العربي الفارسي في الجامعتين الإسلامية واللبنانية، ومؤخرا ناقشنا أطروحة عن الهوية في الأدبين العربي والفارسي (أدونيس ومهدي أخوان ثالث أنموجا). وقبل ذلك ناقشنا رسالة تقارن بين لافونتين وابن المقفع.

وأرى أن المقارنة بين الأدب الفارسي والعربي مهمة، نظرا إلى اختلاف اللغتين في الأصل، إذ إن الفارسية تنتمي إلى اللغات الهندو أوروبية والعربية سامية، لكن اللغتين تشتركان في أمور كثيرة … فالفارسية كتبت في القرن الرابع بالحرف العربي، وستون بالمئة من الألفاظ الفارسية عربية الأصل، وإن كانت تستخدم بمعنى مختلف.. وكل الشعراء الإيرانيين يعرفون العربية لأن الإسلام دبنهم ويتعلمونها منذ طفولتهم… فضلا عن أن اللغة العربية تأثرت بالفارسية في العصر العباسي…

هل لك مشاركة في عمل موسوعي؟

نعم، لي مشاركة فاعلة في دائرة معارف العالم الإسلامي… وهي موسوعة يعمل بها بأجر نحو ألف باحث. الدولة الإيرانية تدعمها. وقبل أن أبدأ العمل بتلك الدائرة، كنت أنشر في صحيفة السفير منذ العام 2000 في الملحق الثقافي موضوعا عن الشعر الإيراني، وكل أسبوع عن شاعر، ومرة نشرت عن حياة الشاعر الإيراني نيما يوشيج وقصيدة له، وهو أول بانٍ للشعر الإيراني الحديث وكان قد نشر في العشرينات شعر التفعيلة قبل الثلاثي العراقي…

وفي إحدى المقالات ذكرت أنني أظن أن نازك والسياب والبياتي قد تأثروا به؛ لأن الشعر الإيراني كان ينشر في الصحف العراقية ووالد نازك كان يتقن الفارسية جيدا… وفي شأن الترجمة، مرة ترجمت له قصيدة قال لي أحد النقاد الذين يتقنون اللغتين: قرأت قصيدة “الناقوس” بالعربية وشعرت بأنه الشاعر نيما هو الذي نظمها؛ بمعنى أن ترجمتها العربية استطاعت  أن تؤدي ليس فقط المعنى، بل النغم الذي أراد الشاعر إيصاله للمتلقي. ولما بدأوا بترجمة دائرة المعارف اتصلوا بي، وترجمت لهم مئات المقالات. وتوقفت عن الترجمة والإشراف على ترجمات الآخرين بعد غياب ابني حسن في العام 2011. وعدت هذا العام إلى الموافقة على ترجمة عدد محدود من الصفحات ليبقى اسمي في المجلدات التي تجاوزت الــ10… بعد أن أصروا على ذلك.

دائرة المعارف هذه تغني العرب عن تأليف موسوعة مشابهة، لأنها متنوعة المواضيع؛ بمعنى أن فيها أدبا وفقها وفلسفة وكلاما على المستشرقين وفن العمارة والهندسة والطب… ومواضيع مختلفة… ثم إذا كان الموضوع تركيا يكتبه تركي؛ أي يكتب موضوعاتها متخصصون…

ما علاقتك بالترجمة؟

تعلمت الفارسية من أجل بهاء الدين العاملي، وبدأت في الترجمة وأنا أدرسه. والترجمة بدأت بداية من أجل خدمة الأطروحة وكتابة المقدمة التاريخية والحديث عن العاملي الذي عاش في الدولة الصفوية. أول كتاب ترجمته كتاب القط والفأر…وكان زميلي بصيدا في قسم التاريخ د. حسن جابر يدير مجلة المنطلق، فطلب مني ترجمة مقال لكل عدد من الفارسية إلى العربية. قرأت إحدى دور النشر مقالة عن عبد الكريم سروش، الفيلسوف الإيراني، قالت لي دار الجديد: هذا الفيلسوف مهم، أتترجمين لنا كتابه “القبض والبسط”؟ قلت: نعم، لكن “على مهلي”، لأن لا وقت لدي في ظل عدم تفرغي في الجامعة.

بعد ذلك، جاءني زوج السيدة رباب الصدر حسين شرف الدين طالبا مني ترجمة مذكرات رفسنجاني، قلت له: أنا لست كالنائحة المستاجرة (بمعنى أني لا أترجم إلا ما أحبه)، فإن أعجبني الكتاب أترجمه، فأعجبني؛ لأنه يؤرخ للعشرين سنة التي سبقت الثورة. وكيف بدأت؟ والمظاهرات… وكيف ترجم رفسنجاني كتاب القضية الفلسطينية لأكرم زعيتر من العربية للفارسية، واعتقله “السافاك” في ذلك الحين، وحققوا معه قائلين له: كيف تهاجم في مقدمة هذا الكتاب بريطانيا وإسرائيل حليفي الشاه والحكومة الإيرانية وقتئذٍ؟

  • ما شعورك بعد الانتهاء من التأليف أو النشر؟

حين ينشر لي كتاب، أشعر بأني أنجبت ولدا جديدا، وهذا ما حصل معي أول مرة عندما نشر كتابي عن بهاء الدين العاملي… ننشر ليقرأ الآخرون ما كتبناه، لا بدافع الربح، وأنت تعلم، أهدي كتبي إهداء، وحين وقعت كتابيّ الأخيرين أهديت ثمنهما لأطفال اليمن… لكن عادة أهدي الكتاب وأنشر أبحاثي في موقعي مجانا. أكتب وأريد أن يقرأ الآخرون ما توصلت إليه. حين كنت شابة كانوا يقولون لي سيصيبك ما أصاب الجاحظ. فحين ترجمت البازار أي السوق في العالم الإسلامي، أو غيره من مواضيع ضمن مقالات دائرة المعارف، كنت أشعر بالسعادة والغنى المعرفي..بمعنى أن القضية تفرض عليك ترجمة مواضيع ألفها غيرك، وأنت أخذت هذه المعلومات ونقلتها للعربية، وقرأتها.. وكأنك أنت الذي ألفتها. وحين يقول لي طالب أو قارئ مثلا: أنا قرأت كتابك الفلاني… أشعر بالسعادة والامتلاء المعنوي، وذلك حتما أكثر أهمية من المال ومن كل شيء.

  • ما نصيحتك للباحثين والقراء والمعنيين؟ وكلمتك الأخيرة…

ينبغي أن يكون للباحث قلق معرفي، وينبغي أن تقدم الدولة مساعدة للباحثين ومختبرات؛ فنحن نؤلف ونتعب ونهدي كتبنا التي نشتريها من دور النشر! وبعد غياب ابني أقدم كتبي صدقة… ومؤخرا وقعت كتابين وتبرعت بثمنهما لأطفال اليمن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.