إفلاس العقل أم عقل الإفلاس؟

0

إفلاس العقل أم عقل الإفلاس؟

ناصر حسين الحاج حسن*

إذا ذهبنا في جولة استطلاع لتاريخ الحضارة الإنسانيّة، وكلّ ما أبدعته من إنتاجات مادّيّة، أو روحيّة، ماذا نجد؟

إنّ هذه الجولة تحتاج إلى الكثير من الجهد العقليّ بسبب علوّها الرؤيويّ الناظر في أدقّ تفاصيل المعرفة بشتّى أنواعها، وعلى كلّ المستويات، كذلك بسبب الصبر الذي يحتاجه الناظر إلى القدرة على المتابعة، من دون أن يمرض فكره، أو يموت من الدهشة الحاصلة في أوّل الطريق! إنّ اليأس هو الدافع الأساسيّ في هذه الكتابة، جوابًا عن إشكاليّة: ماذا يمكن أن تبحث في ما هو جديد؟

فالجواب الأوّليّ: لماذا نتعب أنفسنا بالبحث عمّا هو جديد كي نبحث فيه؟

ألم يكفنا، حتّى الآن، ما نعرفه في قديمنا، خصوصًا بعد أن اتّسعت دائرة اطّلاعنا على أغلب ما هو موجود في العالم؟ في أيّ مجال معرفيّ سوف يذهب عقلك؟ وهل من ضامن أنّه لن يتوه، أو أن يعرف طريق العودة، كما فكّر سابقًا ديكارت ومن قبله الغزاليّ؟

إنّ الدخول في مضمار البحث عمّا هو جديد شبيه بالدخول إلى غرفة العناية المركّزة في أحدث المستشفيّات، والمصيبة تكمن في أنّك قد تصاب بجرثومة قابعة لك في تلك الغرفة، تستطيع أن تقاوم ألف دواء، فتموت أنت قبل أن يتطوّر العلم ليقضي عليها. فلنترك النعي، ونبدأ من مكان ما: لماذا نكتب؟ وماذا نكتب؟ ومن سوف يقرأ ما كتبنا؟

إمّا أنّك تكتب لتظهر مهارتك في الكتابة بموضوع ما، سبق وأن حصّلت ما يلزم له من عدّة معرفيّة تمكّنك من الكتابة فيه، ولكن هل ما كتبته سيوصف بالجديد؟

وإن كنت بارعًا في ما كتبته، فهذه البراعة هدفها تحصيل أكبر أجر مادّيّ مقابل نشر ما كتبته، أم أنّك نشرته مجّانًا بهدف نشر المعرفة، وما معنى أن تنشر ما تقوله بهدف نشر المعرفة؟ إنّها من أوضح الجمل الخالية من المعنى! أيّ عبقريّة في العالم تستطيع أن تتحدّى المعرفة البشريّة، وفي كلّ أنواع العلوم، قديمها وجديدها، لتقول بأنّها تصنع ثورة تنقلب فيها على ما كان سائدًا، وتفتح للإنسانيّة أرضًا جديدة، لم يطأها دين، أو عقل، أو علم، أو فنّ، أو لغة؟

إنّ سقف أيّ نوع جديد في المعرفة، ما هو إلا تفريع على أسس معرفة سابقة، قد ينجح في توسيع نطاقها البحثيّ، فيزيد من تعقيد لغتها، ما يصعّب عمليّة فهمها، فتنال الشهرة العالميّة على غرابتها! وقد لا ينجح في التوسيع، فيلوّن ما كرّره بصبغة ثقافيّة سرعان ما تزيل بريقها السطحيّ تَقنيّة نشرها في العصر الحديث، لتوضع في سلّة مهملات سخافة التداول، أو تعلّق على قفا ثياب جديدة، لا تجد إلاّ جاهلاً يحاول أن يقرأها فلا يفهم معناها!

إنّ أخطر القضايا الإنسانيّة وأعلاها شأنًا، من حيث قيمتها الذاتيّة، أو التداوليّة، قد تجدها تتهاوى من على شفاه قادة العالم، وما أدراك من هم قادة العالم، فأكثرهم معرفة هو من قرأ الناس، وفهم الناس، فساد عليهم، ولم يقرأ من الكتب

إلاّ ثلاثًا: كتاب فنّ الطبخ، كي يبهر الناس بمزاياه المخفيّة، أو كتاب فنّ الرقص الشعبيّ كي يتواضع في مواهبه، أو كتاب الغرائز الحيوانيّة المتلفز على قناة ديسكوفري (Discovery) كي يتعامل مع الناس وفق المبادئ الأساسيّة للسلوك الحضاريّ! أو أنّك تكتب في خدمة إيديولوجيّة ما، تستسيغها، وقد شربت هواها منذ طفولتك. أو تكتب لنفسك التي انبهرت بنفسها، فلا يفهمك إلاّ أنت، والدليل على هذا النوع من الكتابة يكفي أن تنظر في حال الشعر، وما وصل إليه من ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

** طالب دكتوراه، الجامعة اللبنانيّة، قسم الفلسفة.

 

شاعريّة. أو تكتب ما يطلبه منك السوق، سوق التعليم الأكاديميّ في المؤسّسات التعليميّة، أو السوق الاقتصاديّ المعرفيّ المرتبط بتطوّرات التكنولوجيا المعاصرة، المتمظهر في وسائل التواصل الاجتماعيّ.

أو تكتب عبثًا كي تملأ فراغًا ما في شخصك، أو فراغ متضجّر ما، قد اشتدّ به (الروتين) اليوميّ، فقرأ ما كتب، وألحقه بشتيمة، لمن كتب، أو لنفسه، أو للزمن في أحسن الأحوال. وكي لا يبقى الكلام معلّقًا في الهواء، تعال نضع رسمًا لخريطة تظهر مسارات الحضارة الإنسانيّة، منذ بدايتها، وننظر في المطروق فيها من بحوث، كي نجد ضالّتنا في بحث جديد. يمكن حصر عناوين المجالات الحضاريّة المتنوّعة في أبعاد خمسة هي: الفلسفة، والدين، والعلم، والفنّ، واللغة.

أوّلاً في الفلسفة

يبدأ الحديث بالسؤال حول وجود أزمة في الفكر الفلسفيّ المعاصر؟

والإجابة واضحة، وقريبة عند معظم المشتغلين في هذا الاختصاص المعرفيّ، بأنّ الأزمة موجودة، وأن معظم النقاش الفلسفيّ الدائر الآن هو حول تلك الأزمة، وهذا دليل أوّليّ على وجود حالة إفلاس في الفكر الفلسفيّ المعاصر.

إنّ ادّعاء امتلاك “إمكان اليقين” أصبح في الفلسفة المعاصرة أمرًا مستحيلًا، وهكذا أصبحت الأزمة تتشكّل حول وظيفة الفلسفة، أو تحديد تعريفها المعاصر، نجد هذا الكلام عند جيل دولوز، وفيلكس غاتاري في كتابهما المشترك “ما هي الفلسفة؟”، حيث أصبحت مهمّة الفلسفة برأيهما هو إنتاج المفاهيم. وهذا الإنتاج للمفاهيم ليس إبداعًا، أو فكرًا فلسفيًّا جديدًا، بل هو دليل على وجود “أزمة المعنى” في عصر ما بعد الحداثة.

إنّ هذا الكلام يظهر في خلفيّة الفلسفة الغربيّة، حيث كان اشتغال الفلاسفة عند اليونان ينزع نحو التجريد، ويبتعد عن المعنى الشائع، بدءًا من سقراط بتحديده للماهيّات، وقد تبعه معظم الفلاسفة الغربيّون حتّى أصبحت صناعة المفاهيم عند الفيلسوف توصف بميزة ذاتيّة خصوصًا بكلّ فيلسوف، كالعقلانيّة لديكارت و”النقد” لكانط و”التجريبيّة” لكوندياك و”المطلق” لهيجل و”الحدس” لبرغسون “والدازاين” لهيدغر وصولًا إلى فتجنشتاين، حيث بدأ فتجنشتاين في كتابه الأوّل “رسالة منطقيّة” بإعلان إفلاس الفلسفة من القدرة على إنتاج المفاهيم، ولكنّه عاد، وأنتج ألعاب اللغة في كتابه الثاني “بحوث فلسفيّة”. والمهمّ في هذه الجولة، أنّ الفلسفة القديمة كانت تجرؤ على ادّعاء امتلاك الحقيقة وإمكانيّة “منطقتها”، ولكنّها رويدًا رويدًا بدأت الفلسفة الحديثة تجبن، فترفع شعار النسبيّة، حتّى وصل بها الأمر، وبعد “حلقة فينا” أن تركب قطار التعريف الإبستمولوجيّ للفلسفة، فتضع ما هو له معنى داخل العلم، وأنّ ما هو خارج إمكانيّة تطبيق التجربة العلميّة عليه هو قضايا خالية من المعنى، ألا وهي قضايا الميتافيزيقيا.

وهنا لجأ الفكر الفلسفيّ الغربيّ المعاصر إلى الاكتفاء بمناقشة “لغة الفلسفة” هروبًا، أو خوفًا من الدخول، أو الرجوع إلى قضايا الفلسفة التي تتبنّى ادّعاء امتلاك الحقائق، وكان لفتجنشتاين الأثر الكبير في بناء هذا المنعطف الفلسفيّ في فلسفة اللغة، فغيّر اتّجاه أفق الفكر الفلسفيّ الصاعد نحو المثاليّة، وقلبه باتّجاه معاكس نحو البحث عن المعنى في اللغة العاديّة، من دون الاهتمام بالبحث في معرفة منطقها الخاصّ، بل الاهتمام فقط بطريقة الاستخدام التي هي برأيه تحدد المعنى الصحيح. يقول فتجنشتاين: “إنّ معنى الكلمة هو استعمالها في اللغة”[1].

إنّ هذا الابتعاد المعاصر عن قضايا الفلسفة، برفع شعارات “موت الإيديولوجيّة”، أو “أفول السرديّات الكبرى”، أو تحديد “ما هو داخل العلم وما هو خارج العلم” يدلّ بوضوح على إعلان عجز الفكر الفلسفيّ عن إنتاج بحث جديد، وأنّ ما يعمل عليه فلاسفة اليوم هو “موديلات” تشتهر بسرعة كما تختفي بسرعة، حتّى أنّ فلسفة التأويل قد تمثّل هذا التعب الذي أصيب به العقل الفلسفيّ، فلجأت إلى النصوص لتعيد تفسيرها حيث فرغت بطونها الذاتيّة عن إنتاج معرفيّ جديد.

والسؤال أصبح الآن: هل أنّ العمل على تأويل النصوص سوف يؤدّي بالنتيجة إلى العمل على تأويل العقول؟ وهكذا ندخل في دائرة لا متناهية من البحث السفسطائيّ.

إنّ الضغط “العلميّ” في الفلسفة الغربيّة باتّجاه موت الفلسفة أدّى إلى نشوء هذا الجدال الحالي بين العلماء والفلاسفة حول أهليّة الفلسفة الحديثة على الاستمرار، وادّعاء حصر الإنتاج المعرفيّ بالعلم لوحده. هذا الضغط جعل هايدغر يقول: “العلم لا يفكر”[2]، وبما أنّه يخضع لبديهيّات ينطلق منها، وليس في ذلك هُويّة إنسانيّة. كذلك تحدّث هابرماس عن إفلاس “العقل التَّقنيّ”، وقدرته على إنتاج المعنى، حيث تحوّل العلم والتكنولوجيا إلى إيديولوجيا، “الدولة التي تقدّم فيها إضفاء العلم على البراكسيس السياسيّ بأوسع مدى، إذ يدرك المرء كيف تطرح مثل المَهَمّات من دون أن تكون تحت سيطرة الوعي كما هي”[3]. هذه حال الفكر الفلسفيّ في الفلسفة الغربيّة، فكيف هي حالها في الفلسفة الإسلاميّة والعربيّة؟

يدور النقاش بين المفكّرين العرب، والمسلمين في العصر الراهن حول أزمة العقل الفلسفيّ العربيّ والإسلاميّ، فلا ينكر أحدٌ وجود تلك الأزمة. فنجد مثلًا عند الطيّب التزينيّ[4] مشروعًا فلسفيًّا يحاول أن يثبت فيه استقلاليّة الفكر العربيّ عن الفكر الدينيّ الإسلاميّ، وأنّه ليس تقليدًا، أو تابعًا للفلسفة اليونانيّة، بل يرى فيه كلّ مقوّمات الإنتاج الفلسفيّ المرتبط بشروطه التاريخيّة، والموضوعيّة القيميّة الخاصّة بالمجتمع العربيّ قبل الإسلام وبعده، وقد شرح الطيّب التزينيّ مشروعه في كتب عدّة منها:

مقدّمة في الفلسفة العربيّة في العصور الوسطى و”مشروع رؤية جديدة للفكر العربيّ في العصور الوسطى”، وكتاب “من الاستشراق الغربيّ إلى الاستغراب المغربيّ”، وفي هذا الكتاب يناقش الطيّب التزينيّ فلسفة محمّد عابد الجابريّ ما يعطي دليلًا واضحًا على وجود حالة تأزّم عميق في المجتمع العربيّ يتأرجح بين العودة إلى التراث بثوب تأويليّ جديد أو تقليد الفلسفة الغربيّة، ويظهر ذلك أزمة هُويّة عند المفكّرين العرب والمسلمين، وخوف من ادّعاء امتلاك إمكانيّة الوصول إلى الحقائق، أو تشريع كلّيّتها.

وفي كتاب آخر للطيّب التزينيّ تحت عنوان “التصوّف العربيّ الإسلاميّ” يتابع محاولة إثباته استقلاليّة الفكر العربيّ والإسلاميّ، ووجود إمكانيّات إبداع ذاتيّة، حيث يعدّ أن التصوّف والفكر الفلسفيّ المرتبط به نشأ من داخل الفكر الدينيّ، ثمّ حاول تجاوزه، وبشكل مختلف عن نشأة الفكر الفلسفيّ اليونانيّ، والغربيّ الذي ينشأ بمواجهة الدين. وهذا الفكر الصوفيّ العربيّ جاء برأيه ردّة فعل مقابل الالتزام بحدود النصّ الدينيّ، وبحثًا عن مساحة حرّيّة لتأويل النصّ كما يريد فلاسفة متصوّفون يواجهون فقهاء شريعة ملتزمين بحدود النصّ، وأكثر من ذلك أوجد التصوّف الإسلاميّ برأيه نصًّا مضافًا على النصّ الدينيّ الذي سمح بتطوّر الفكر الفلسفيّ، والثقافة العربيّة، والإسلاميّة. وقد أوضح هذه الإشكاليّات المعاصرة الطيّب التزينيّ المرتبطة بالنصّ الدينيّ في الفكر العربيّ والإسلاميّ في كتاب له بعنوان “النصّ القرآنيّ أمام إشكاليّة البِنية والقراءة”، والذي يبيّن الاهتمامات المعاصرة المشتغلة في الفكر العربيّ والإسلاميّ، التي تحاول أن تقرأ النصّ الدينيّ بلغة جديدة، ومعاصر خاضعة لمنهجيّة عقلانيّة بدعوى التجديد، حيث تظهر منهجيّات عدّة في قراءة النصّ الدينيّ أبرزها: التأويليّة، والأدبيّة، والأيديولوجيّة، وأيضًا القراءة المعرفيّة عند الجابريّ مثلًا. وهكذا تظهر لنا المشاريع التحديثيّة عند المفكّرين العرب وجود حالة إفلاس عقليّ فلسفيّ عربيّ وإسلاميّ، من جمال الدين الأفغانيّ إلى محمّد عبده إلى الجابريّ، وأركون، وغيرهم. وبالحدّ الأدنى يوجد حالة حضور فلسفيّ في مواجهة التطوّر العلميّ، والعلوم الأخرى كلأنتروبولوجيا، والدراسات البِنيويّة وغيرها. وتمثّل الهيرمونطيقا ملجأ آخر يحاول المشتغلون في الفلسفة، من عرب ومسلمين أن يمتطوها لتجاوز عقبة الخمول الحضاريّ، والعقليّ العربيّ، والإسلاميّ، بوصفها فعلًا تحريريًّا من جمود الكتابة، ونجد هذه المحاولات تظهر في معالجة مفاهيم، أو نظريّات جديدة، تعمل بشكل أساسيّ على النصّ الدينيّ بوصفه نصًّا تأسيسيًّا للفكر، والحضارة عند العرب والمسلمين، وقد لخّصها عمارة ناصر في كتابة اللغة والتأويل، سنوجزها كالتالي:

“أ – حامليّة النيّ: أي إنّ النصّ نفسه حامل لمصادر المعنى وإنتاجه…

ب – نظريّة الاحتفال في اللغة، التي تسعى إلى كشف المشترك بين النصّ الفلسفيّ، والنصّ الدينيّ، والفروق بينهما…

ج – الكشف عن ديناميّة لغة النصّ في التراث العربيّ والإسلاميّ، عبر التأويل حيث أصبح الموضوع هو اختلافات اللغة ومساهمتها في إنتاج اختلاف في الفهم والتفسير…

د – احتفاظيّة اللغة، بمعنى قدرة لغة النصّ الدينيّ الذاتيّة على الاحتفاظ بمخزون من المعاني المتعدّدة عن التأويل الأوّل للنصّ…”

إنّ هذه المحاولات الحديثة بهدف التجديد الفكريّ في الفضاء الفكريّ، والثقافيّ العربيّ والإسلاميّ تؤكّد على وجود أزمة إنتاج في العقل الفلسفيّ عند العرب والمسلمين، لأنّها تعبّر عن حالة تكرار لإشكاليّات قديمة، كما كانت بين الغزاليّ وابن رشد في التهافت، وتهافت التهافت، فيصف أحد المفكّرين حال النقاش العربيّ الراهن “ظاهرة الاستمرار التاريخيّ – تكرارًا أو اختلافًا – لقضيّة العلاقة المشتركة بين التراث والعصر”[5].

وقد ردّ محمّد أركون سبب أزمة الفلسفة في العالم العربيّ إلى الدين الإسلاميّ بوصفه فلسفة دينيّة تجيب على كلّ الأسئلة، “يقول كلّ شيء عن العالم، والإنسان، والتاريخ والعالم الآخر، والمعنى الكلّيّ، والنهائيّ للأشياء”[6].

وهذا ما يسمّيه محمّد أركون بالسجن، أو السياج، “السياج الدوغماتيّ المغلق… فالساحة الثقافيّة التي تتاح فيها للعقل البشريّ حرّيّة البحث والنظر هي دوغماتيّة مغلقة من قبل النظريّة الإسلاميّة للوحي”[7].

وقد دعا البعض، في العالم العربيّ، إلى عدم تقليد ما حصل في أوروبا في القرن التاسع عشر، بهدف الخروج من أزمة جمود الفكر الفلسفيّ العربيّ والإسلاميّ، بل يجب برأيه إعادة النظر في كلّ شيء، “على الفكر العقلانيّ العربيّ أن يعيد النظر في افتراضاته، ومنطلقاته النظريّة، بل وحتّى في إشكاليّاته ومنهجيّاته…”[8].

ويمكن تلخيص المشهد الفلسفيّ في العالم العربيّ والإسلاميّ بمقارنته مع المشهد الفلسفيّ في العالم الغربيّ المعاصر بالجدليّة القائمة حول إعمال العقل وتفعيله لكي يستقلّ عن خدمة اللاهوت، أو لكي يؤسّس عقلًا في خدمة اللاهوت، يقول في ذلك جورج طرابيشيّ: “نحن لا نماري في أنّ الحضارة العربيّة الإسلاميّة، مثلها مثل الحضارة المسيحيّة اللاتينيّة، مارست التفكّر في العقل، لكن ليس كلّ تفكير العقل مثل أيّ تفكير في العقل، فحتّى التفكير في العقل له نسبيّته التاريخيّة والحضاريّة… هي غير الحضارة التي تفكّر، وإن يكن تحته من فارق يميّز تميّزًا جوهريًّا بين (ابستمي) ]نظريّة المعرفة[ العصور الحديثة عن (ابستمي) القرون الوسطى، فهو أيّ نظام للمعرفة الفعليّة لتحديد فارق استقلاليّة العقل من تبعيّته. وإن يكن ثمّة من (ابستمي) قابلة للتوصيف بأنّها (قروسطيّة) فهي بالتحديد تلك الــ(ابستمي) التي تجعل، في الطرف اللاتينيّ المسيحيّ في الفلسفة خادمة اللاهوت، وفي الطرف العربيّ الإسلاميّ من العقل تابعًا للنقل”[9].

هذا الجدال يستمرّ حول أصالة الفكر الفلسفيّ العربيّ والإسلاميّ، أو حول أزمة تحديد هُويّته ما زال يولّد إشكاليّات، واعتراضات حتّى على تمييز جورج طرابيشيّ لتعريف مصطلح (ابستمي) عند الغرب بين القروسطيّ، والحديث ليسأله: من قال أإنّ الإنتاج الفلسفيّ الحديث قد استطاع بناء عقل مستقلّ عن خدمة اللاهوت؟

ثانيًا: في الدين

إنّ الإشكاليّة التي طرحناها في بداية هذا البحث تحاول أن تثبت اليأس من البحث في أيّ موضوع جديد في أيّ مجال معرفيّ. لقد عرضنا في البداية حالة الأزمة التي يعيشها الفكر الفلسفيّ، والعقم الذي يعانيه المشتغلون في هذا المضمار. وهذا ما يعانيه أيضًا الفكر الدينيّ في العصر الحديث، وأكثر من ذلك فإنّ الأزمة في الفكر الدينيّ تصدّر أزمات تصيب كلّ المجالات المعرفيّة الأخرى، فلننظر الآن في الجدليّات السائدة حول أزمة الفكر الدينيّ.

إنّ الحداثة في العالم الغربيّ، والعربيّ، والإسلاميّ جاءت لتقيم للعقل كِيانه المستقلّ بمواجهة سلطان الدينيّ، فأسقطت المرجعيّة الدينيّة حيث أعطت في البداية مع ديكارت أهمّيّة، ودور للعقليّ حين قال: “أنا أفكر…” ثمّ راجعت نفسها مع كانط وانتقدت العقل، كما أنّها انتقدت إنجازات الثورة الصناعيّة، وفشل العقل الإنسانيّ في إثبات أحاديّة مرجعيّته في الفلسفة، وكذلك في النظم السياسيّة حتّى وصل الأمر في ما بعد الحداثة إلى البحث عن الذات الإنسانيّة المفقودة. في كتاب “تجديد الفكر الدينيّ في الإسلام” لمحمّد إقبال، نجد ضالّتنا لمعرفة حالة الفكر الدينيّ في الغرب وفي الشرق، بسبب إطّلاعه الواسع على الفكر الأوروبيّ وفلاسفته، يقول الشاعر الألمانيّ هيسه: “إنّ إقبال ينتمي إلى ثلاثة أحياز روحيّة هي منابع آثاره العظيمة، وهي: حيّز القارّة الهنديّة، وحيّز العالم الإسلاميّ، وحيّز الفكر”[10].

ويربط محمّد إقبال بين أزمة الغرب، وأزمة الشرق بفعل التأثير المتبادل، يقول: “خلال جميع القرون التي أصبنا فيها بجمود الحركة الفكريّة، ]كانت أوروبا[ تدأب في بحث المشكلات الكبرى التي تغنّى بها فلاسفة الإسلام، وعلماؤه عناية عظمى، ومنذ العصور الوسطى، وعندما كانت مدارس المتكلّمين في الإسلام قد اكتملت، حدث تقدّم لا حدّ له في مجال الفكر والتجربة… فظهرت وجهات نظر جديدة، وحرّرت مرّة ثانية المشكلات القديمة في ضوء التجربة الحديثة، وظهرت مشكلات من نوع جديد… فنظريّة آينشتاين جاءتنا بنظرة جديدة إلى الكون، وفتحت آفاقًا جديدة من النظر إلى المشكلات المشتركة بين الدين والفلسفة”[11].

ويعدّ إقبال في تسويقه لإمكانيّة التجديد في الفكر الإسلاميّ، أنّ سبب امتناع الفلاسفة الإسلام عن الإتيان بتجديد، هو ارتكاز تفكيرهم على مصادر الفلسفة اليونانيّة من دون أن ينطلقوا من النصّ الدينيّ الأساسيّ وهو القرآن، “إنّ الفلسفة اليونانيّة كانت قوّة ثقافيّة عظيمة في تاريخ الإسلام، ولكنّ التدقيق في درس القرآن الكريم، وفي تمحيص مقالات المتكلّمين على تعدّد مدارسهم التي نشأت ملهمة بالفكر اليونانيّ يكشفان عن حقيقة بارزة هي أنّ الفلسفة اليونانيّة مع أنّها وسّعت آفاق النظر العقليّ عند مفكّري الإسلام، غشت على أبصارهم في فهم القرآن”[12].

ونستنتج من محاولة إقبال اتّهام روح الفلسفة الغربيّة بالتأثير على ارتكاس النظرة إلى الدين الإسلاميّ في العالم العربيّ، إنّ الأزمة موجودة في الفكر الدينيّ الإسلاميّ، سواء وافقنا معه على السبب أم عارضناه في ذلك. ويمكن الاستفادة من أبحاث إقبال في اكتشاف العوامل التي أدّت إلى تراجع التجديد في الفكر الدينيّ الإسلاميّ. بسبب روح الفلسفة الغربيّة المعادية للدين، والمناصر لمرجعيّة العقل المستقلّ، وأيضًا بسبب الروح العلميّة الحديثة التي سلبت السلطة من الدين في عصر الحداثة وما بعد الحداثة، وهذا ما تأثّرت به ساحة الفكر الفلسفيّ، والفكر الدينيّ في العالم العربيّ والإسلاميّ ما خلق الأزمة الرّاهنة التي شكّلت عوائق مانعة من إنتاج ما هو جديد في مجال المعرفة الدينيّة.

إنّ صدور كتاب بعنوان: “أوروبا هي مسيحية؟ L’europe est – elle chrestienne”[13].

لـ”أوليفية روي” “Olivier Roy”، دليل واضح من عنوانه على وجود أزمة تجديد في الفكر الدينيّ المسيحيّ، وقد استعرض في هذا الكتاب “روي” العوامل التي أثّرت على قارّة أوروبا فأبعدت المسيحيّة، وجعلتها تتراجع من حيث الموقع، ومن جهة نسبة التديّن في المجتمع، ومن هذه العوامل مسألة العلمنة، وفصل الدين عن الدولة، وعلى مستوى علمنة المجتمع أيضًا، وفلسفة الأنوار، ومحاولة عملنة الأخلاق، وأيضًا من داخل الكنيسة الحركات الثورويّة على سلطتها “الإصلاح الدينيّ (مارتن لوثر)، وكذلك تأثير الآخر المختلف، والخوف من الإسلام (إسلاموفوبيا)، الذي يسرّع برأيه اليوم النموّ الدينيّ في أوروبا، ويتساءل “روي” في نهاية كتابه: هل هي نهاية أوروبا المسيحيّة، أو هي نهاية الدّين؟

نستنتج من دراسة محمّد إقبال المبكرة (1928) أنّ الجدال حول إمكانيّة التجديد في الفكر الدينيّ الإسلاميّ قديم، ولم يجد طبقة النخبة الدينيّة، أو علماء الفقه، ولا في طبقة المفكّرين المتديّنين من تبنّى هذا المشروع، أو نظّر له فينجح في دعواه، لا بل على العكس من ذلك، فإنّ من يطالب بمصطلح “الإصلاح الدينيّ”، تواجهه صعوبات عدّة من السلطة الدينيّة المتفاوتة مع السلطة السياسيّة، حتّى وصل الأمر إلى إنتاج حركات سياسيّة إسلاميّة تستخدم القوّة العسكريّة في عملها يمكن عنونتها تحت ثلاثة أنواع:

حركة تستخدم الدعوة الدينيّة بهدف تغيير السلطة السياسيّة، واستلام الحكم لتطبيق حكم الإسلام، مثلاً حركة الأخوان المسلمين.

وحركة ترفع شعار المقاومة بهدف تحرير أرضها من الاحتلالات، مثلاً حركات المقاومة في فلسطين، ولبنان، والعراق.

وحركة ترفع شعار إعادة بناء الخلافة الإسلاميّة، مثلًا (داعش).

إذًا استخدام القوّة بناءً على فتوى، أو تكليف دينيّ جعل من صورة الإسلام في العالم توصف بالإرهاب، أو بالخوف من مدّ إسلاميّ قد يطال حضارات أخرى، ويهّدد وجودها السياسيّ، وأيضًا قد يمثّل “ردّ فعل روحيّ” يرتكز على مضامين إيمانيّة بوجه الغزو المادّيّ الذي يجسّده التطوّر العلميّ، والتكنولوجيّ الفارض ذاته على مجمل المجتمعات الإسلاميّة التي تعيش في ظلّ اقتصاد مستهلِك وغير منتج، ويستهدف أيضًا الفكر الآخر بطرحه التكفيريّ حيث لا مكان للنقاش أو الحوار. هذه الأزمة التي يعيشها الفكر الإسلاميّ زادت من التفرقة بين المذاهب الإسلاميّة المتعدّدة، وجعلت الصراع الدينيّ صراعًا داخليًّا، يكشف هشاشة الأنظمة السياسيّة المبنيّة على ثقافة هجينة، وأيضًا كشف عقم الإنتاج الفكريّ التوحيديّ بين الفرق الإسلاميّة، وهو من مسؤوليّة طبقة النخبة الفقهيّة المتحالفة بأغلبها مع السلطات السياسيّة.

فأيّ موضوع جديد نفتحه في ظلّ هذه الأزمات الفكريّة التي يعيشها عالمنا العربيّ والإسلاميّ اليوم؟

كذلك نستنتج من دراسة “أوليفية روي” الحديثة (2019) أنّ الفكر المسيحيّ في العالم الغربيّ ليس بحال أفضل منه في العالم الشرقيّ، فقد بدأ أصحاب الأقلام فيه يفكّرون في تحديد هُويّتهم الدينيّة، ويتساءلون حول وجودها أصلًا، أو حول كيفيّة تفعيلها للحفاظ على الذات بوجه الآخر.

فأيّ موضوع جديد نفتحه اليوم في الفكر الدينيّ المسيحيّ غير تأويل الموروث؟

ثالثًا: في العلم

إنّ إشكاليّة طبيعة العلاقة بين العلم، والفلسفة تظهر صراعًا حادًّا بين أنصار التفكير العلميّ، وأنصار الفكر الفلسفيّ، حيث يدّعي العلم بتطوّره التكنولوجيّ انتفاء الحاجة إلى بقاء الفلسفة، وهكذا بدأ التنظير الفلسفيّ لغلبة العلوم على الفلسفة.

والسؤال هنا: أين أصبح التطوّر العلميّ في مساره التصاعديّ؟ هل وصل إلى قمّة إنتاجه؟ أم أنّه ما زال في بداية طريق تثبيت قواعد التفكير العلميّ الموصوف بالموضوعيّة والتجريبيّة؟

إنّ أحدث ما وصلت إليه العلوم ذات الصفة العلميّة من تطورّ، هو برأي بعض الكتّاب خطير، وخطير جدًّا على مستوى الإنسانيّة جمعاء بسبب طبيعة نمط تطوّره السريع، واتّصافه بسمة اللاسيطرة، حيث تتغلّب التَّقنيّة على الفكرة التي أوجدتها، فلا يبقى للعالم إلاّ أن يفكّر بإيجاد حلول للمشكلة الجديدة التي أبدعها!

في مقابلة للدكتور خالد قطب، أستاذ فلسفة العلوم في جامعة قطر (2016) تحت عنوان: هل العلم في حاجة إلى فلسفة؟، يصف أحدث ما وصلت إليه العلوم العلميّة، ويظهر خطورتها، سنوجزها كالتالي:

يعتقد الدكتور قطب أنّ ثلاثة علوم قد اجتمعت في تطوّرها لتشكّل مصدر خطر على مستقبل الإنسانيّة، وهي: ثورة الكوانتم (الفيزياء)، وثورة البيولوجيا الجزئيّة، وثورة الحاسوب (الكومبيوتر).

واللافت في هذا الكلام هو النتيجة السلبيّة الناتجة عن تطوّر العلوم، فالكوانتم تخدم الإنسانيّة في إنتاج أدوات جديدة بالغة الدقّة في تصنيفها بحيث إنّها تؤدّي خدمات أوسع للبشريّة، والبيولوجيا الجزئيّة تساهم في تحسين علم الطبّ فيتمكّن الطبيب في (الطبّ الجزئيّ) الحديث أن يكتشف المرض قبل وقوعه، وكذلك الكومبيوتر بوصفه عامل اقتصاديّ أساسيّ يساهم في تطوير الاقتصاد، وتحسين الخدمات بين الناس، فلماذا إذًا لهذا التطوّر العالمي آثار سلبيّة على البشريّة؟ خصوصًا إذا اجتمعت في ما بينها. إنّ المشكلة تعود إلى كيفيّة استخدام هذه التطوّرات العلميّة، والهدف من استخدامها، هل هو من أجل تحقيق الكسب الماليّ الأعلى بغض النظر عن آثاره السلبيّة على البشر، في سلوكيّاتهم المصنّعة، والمنظّمة في كتيّب استعمال الأدوات الجديدة المخترعة، والمرافق لكلّ اختراع، والآثار السلبيّة أيضًا على البيئة الطبيعيّة بسبب الملوّثات الناتجة عن تصنيع هذه الاختراعات الجديدة واستهلاكها. السؤال يعود دائمًا إلى ميدان الفلسفة: إذا كان العلم هدفه تحصيل مستوى الرفاهيّة في عيش الإنسان على الكرة الأرضيّة، فهل إنجازاته، وإبداعاته المفيدة تحمل في استعمالاتها آثارًا جانبيّة قد تصل في مستواها النسبيّ إلى درجة أعلى من نسبة فوائدها؟ وبالتالي يجعلنا هذا نقول: رحمة الله على أيّام ضوء الشمعة؟ إنّ هذه السلبيّة “المدمّرة” الناتجة عن التطوّر العلميّ جعلت الفكر الفلسفيّ – النقديّ يستيقظ ليعيد النظر في جدوى الفكر العلميّ، ومنهجه التجريبيّ، ليصف كلّ إنجاز علميّ جديد بطريقة ساخرة، تعيد إلى الأذهان قِصّة أمر الخليفة العباسيّ بمعاقبة المبدع الذي استطاع أن يصنع عقدًا من اللؤلؤ عبر رمي حبّاته في الهواء لتسقط في الخيط!

فالعلم في الآونة الأخيرة اعترف بعدم قدرته على ادّعاء الصدق المطلق، بل تمسّك بمقولة آينشتاين: إنّ كلّ شيء هو نسبيّ، وعادت الفلسفة لتنتقد آينشتاين القائل بالنسبيّة بطريقة مطلقة! وهذا ما أثبتته فلسفة العلم، بأنّ الفلسفة حاجة مستمرّة، ولا يمكن لمشكلات العلم أن تجد حلولًا لها بالعلم وحده.

ونعود هنا إلى إشكاليّة البحث حول إمكانيّة الإتيان بموضوع جديد نفتحه تحت مظلّة الفكر العلميّ، فنجد أنّ الإمكانيّة موجودة طالما أنّ العلم يتطوّر، ولكنّ السؤال يبقى حول جدوى هذه الموضوعات الجديدة، وعن آثارها السلبيّة التي قد تطال الوجود الإنسانيّ برمّته، فهل سنجد متعة في قراءتها أم أنّنا قد نصاب بالإحباط؟!

والسؤال الأهمّ هنا حول علاقة طبيعة العقل العلميّ بالعقل الفلسفيّ، أو العقل المبنيّ، والمتمركز على أسس العلوم الحديثة المتطوّرة في مجالات متنوّعة كعلم الاجتماع، وعلم النفس، وغيرها، فمن يمتلك سلطة التواصل بين تطوّر مسار الفكر العلميّ، وتطوّر الفكر الفلسفيّ الدارس له في العصر الحديث؟

إنّ ما نشهده اليوم من تطوّر للبحث العلميّ يمارس قطيعة قسريّة على “فلسفة العلم” بسبب لغته المعقّدة المتباعدة عن لغة الفلسفة الحديثة، لذلك نعود هنا إلى طرح الأسئلة التي وردت في كتاب (بِنية الثورات العلميّة) لتوماس كون. أو نطرح السؤال نفسه الذي ذكره مترجم كتاب توماس كون في مقدّمة الكتاب نقلًا عن هيرنبرغ: “ما هو محتوى الحقيقة، أو الصدق للفيزياء الكلاسيكيّة، أو الحديثة؟… لقد انتفى الاعتقاد بأنّ مسار الحدث موضوعيّ، ومستقلّ عن المشاهد…”[14].

رابعًا: في الفن

تعدّ الفنون بأنواعها المتعدّدة، هي العامل الأساسيّ الذي يبني وعي الأفراد، ووعي المجتمعات، وثقافتها، ومستواها الحضاريّ.

يوجد فنون متعدّدة نجد آثار بدايتها مع بداية العديد من الحضارات الإنسانيّة، من رسم، وشعر، وأدب، ورقص، وموسيقى، ومسرح، وغيرها، تجسّدت فيها العديد من ميادين المعرفة التي ينتجها المجتمع، فلسفات، وديانات، وعلوم، وثقافة بشكل عامّ. وقد تطوّرت هذه الفنون في مسار مترابط مع إنتاج الحضارات المادّيّ، والمعنويّ، وكان لها آثار إيجابيّة على المستوى الإنسانيّ، وآثار سلبيّة أيضًا يقيّمها كلّ مجال معرفيّ آخر، من فلسفة، ودين، وعلوم، لارتباط كلّ هذه المجالات في ما بينها والتأثير المتبادل الذي تظهّره الفنون بشكل واضح، لأنّها مرآة ينعكس فيها المستوى المعرفيّ لكلّ شعب أو حضارة، والسؤال هنا: أيّ فنّ نستطيع أن نبحث فيه موضوعًا جديدًا، أو أن يتولّد منه فنّ جديد، لم يطرقه الفنانون من قبل؟

– في المسرح

منذ أرسطو وكتاب “فنّ الشعر” ، حيث بدأت منه إبداعات فنّ المسرح، وإنتاج المسرحيّات، تطوّر هذا الفنّ الذي يحتاج بشكل أساسيّ وفق اختصاصه إلى كاتب، أو نصّ، ومخرج يمتلك القدرة على فهم رؤية الكاتب، وأن يمتلك هو نفسه رؤية نابعة من وعيه الاجتماعيّ حيث يعيش ويعرض.

إذا قرأنا كتاب “فنّ المسرح والإنسان الحديث” للمسرحيّ المغربيّ “بنيحي عليّ عزاويّ” (2014)، نجد فيه نظرة شاملة إلى ما وصل إليه الفنّ المسرحيّ عالميًّا، خصوصًا في أوروبا والعالم العربيّ. والصورة التي رسمها هذا الكتاب عن فنّ المسرح تظهر تراجعًا في الفنّ المسرحيّ، فالمسرح برأيه لكي يتطوّر يحتاج إلى ثلاثة عوامل هي: “الاستيعاب، والإدراك، والاستنتاج”[15].

وفي العالم العربيّ خصوصًا، يعدّ الكاتب “عزاويّ” أنّ مسؤوليّة تراجع المسرح، وعدم ازدهاره هو إهمال الرعاية من قبل الدول العربيّة، وكذلك تراجع النصّ المسرحيّ عند الكتّاب العرب، حيث تمّ النقل عن كبار صنّاع المسرح العالميّ، ولكن بطريقة خطأ فيها “الحشو وتشتّت الأفكار، وعدم فهم بعض المصطلحات…”.

وينتهي الكاتب إلى القول: “إنّ عالم المسرح دخيل على بِنية الفكر العربيّ، وهو عالم سحريّ فلسفيّ روحانيّ عجائبيّ الصناعة الاحتفاليّة”[16].

كما يؤكّد المشتغلون في الكتابة عن فنّ المسرح أنّ تراجع الفنّ المسرحيّ في أوروبا، والعالم العربيّ، عدا عن مسألة تراجع الإبداع في تأليف نصوص مسرحيّة، يعود إلى غزو فنون أخرى قبل السينما، والتلفزيون لتحتلّ مكان المسرح. وهكذا أصبح كلّ اختراع فنّيّ حديث يلغي من سبقه من جنسه، كما فعلت مثلًا الصحافة الإلكترونيّة بالصحافة المكتوبة، والسؤال هل أنّ الصحافة الإلكترونيّة سوف تصمد في جماهيريّتها أمام تأكيد العارفين بعلم الكمبيوتر؟ إنّ مصداقيّة أيّ خبر أصبحت شبه مستحيلة في التحقّق الفعليّ بسبب إمكانيّة التزوير، والاختراق الذي أصبح علمًا متطوّرًا في مجال علم الكمبيوتر.

– في الرسم: هل يعيش فنّ الرسم أزمة تجديد؟

منذ رسوم أهل الكهف، والفراعنة حتّى بدايات تأسيس فنّ الرسم بشكل مستقلّ في العصر الحديث تطوّر ذلك الفنّ، عبر إنتاج مناهج، أو طرق تعبير جديدة، ومختلفة عن الرسم الكلاسيكيّ المعتمد على نسخ الطبيعة، أو تصوير الإنسان، وقد تكوّن تيّارات عدّة في فننّ الرسم في القرن الحديث تمثّل وجهة نظر خصوصًا لروّاده الأوائل، ومنها ما يسمّى بالحركة الانطباعيّة، وأبرز ممثّليها كولد مونيه (انطباع شروق الشمس/ 1973) التي حاولت الخروج عن الطبيعة عبر تصوير ما ينعكس على العين من صور متغيّرة بشكل دائم وفق ظروفها الطبيعيّة.

ومن الحركات الجديدة في فنّ الرّسم ما يسمّى بالحركة الوحشيّة، وأهمّ فنانيها (دوران/ دفلايميك)، وتعتمد مبدأ الألوان الصافية والصارخة، أي إنّها تهتمّ باللون كوسيلة تعبير أكثر من اهتمامها بالشكل.

أيضًا تيّار الحركة التعبيريّة، وأهمّ رسّاميها فان غوغ، وتولوز، وروبل… ويحاول فيها الفنان أن يعبّر عن العالم كما يراه هو، أو كما يريد أن يعبّر عن إحساسه الفنّيّ.

كذلك ظهر ما يعرف بالحركة التكعيبيّة، وأهمّ فنّانيها بيكاسو، وجورج براك، وكان هدف رسّاميها تكسير الشكل حيث يتمّ بناؤه وفق رؤية الرسّام لا كما هو موجود في الواقع، أي إنّها تبني المشهد على فكر تجريديّ لا على الحسّ الواقعيّ ومعطياته.

أيضًا نجد في تصنيف الحركات الفنّيّة الحركة المستقبليّة، وأهمّ فنانيها بوتشيوني، وسيغفرين، وتهدف إلى التجديد عبر رفض القديم، ورسم مظاهر الحضارة الحديثة.

أيضًا رفضت الحركة الدادئيّة النظريّات الجماليّة السائدة، وأهمّ روّادها مرسيل، دوشان، وتزارا.

ومن أبرز الحركات الفنّيّة الحركة الرساليّة،التي حاولت الخروج من الأزمات الاجتماعيّة عن طريق الفنّ النابع من اللاوعي، أو الخيال، وأبرز روّادها سلفادور دالي.

وفي العصر الحديث تجد ما يسمّى بالـ(بوب آرت) (Pop Art) المعارضة للفنّ التشكيليّ، وترسم الحياة الحديثة وفق المنطق الشعبيّ، وأهمّ فنّانيها روى ليشتنتين، وأندي، وقد ارتبطت حركة الفنّ البصريّ بالتطوّر العلميّ، والتكنولوجيّ سمّيت بالفنّ الحركيّ المعتمِد على المقارنة بين الألوان وأثرها البصريّ على المشاهد، وأهمّ روّادها فيكتور فازاريلي.

يبقى السؤال: هل يعيش فنّ الرسم في العصر الحديث أزمة تجديد؟

وهل أنّ إدخال كلّ تَقنيّات تركيب الصورة إلكترونيًّا، والقدرة على تحريكها، وتطوّر علم البصريّات، والضوء سوف تمسح ما أنجزته اليد البشريّة الماهرة في إنتاج لوحة بريشة مائيّة، أو زيتيّة؟

هل أنّ فنّ الرّسم يعاني من داء “التخشّب” و”التشيّء” كما تعاني كلّ فنون الصناعات المعتمدة على الذوق الذاتيّ للفنان، وقدرات جسديّة خصوصًا تسمّى موهبة؟

وهل أنّ ولادة تيّار جديد في فنّ الرسم باسم جديد يعني بالضرورة تطوّر في سلّم الحضارة الإنسانيّة؟ وكيف يكون ذلك إذا لم تساهم موهبة الفنان في إنتاجه إنّما ما جعله متحقّقًا، ورائجًا، ومشهورًا هو العقل البشريّ الصانع لأدوات إلكترونيّة تستطيع أن تخلق من اللون الواحد مليارات تدرّج للون ذاته؟

إنّ سهولة إنتاج الصورة، وسرعة إنتاجها خفّضت من قيمة الجهد للفنان في الزمن السابق، عدا عن تبدّل الذوق الفنّيّ عند عامّة الناس، وعند أهل الاختصاص، وهنا تكمن الفكرة الأساس التي تجعل من موضوع ما عند الناس له قيمة عالية، أو تجعله سخيفًا يستطيع أي طفل أن يلعب به في حاسوبه الخاصّ.

– في الشعر

منذ وضع قدامة (260/337هـ) كتابه “نقد الشعر”، بدأ وعي العقل العربيّ المتذوّق للشعر يطرح أسئلة حول فنّ الشعر ومساره التطوريّ، وهل أنّه يسير باتّجاه إيجابيّ أم أنّه يتراجع إلى ما هو خارج تحديد تعريف الشعر الذي بنى عليه (قدامة) نظريّته في تحديد ما هو داخل الشعر، وما هو خارج الشعر، حيث قال: “إنّ أوّل ما يُحتاج إليه في العبارة عن هذا الفنّ معرفة حدّ الشعر الحائز له عمّا ليس بشعر، وليس يوجد في العبارة عن ذلك أبلغ ولا أوجز – مع تمام الدلالة – من أن يقال فيه: إنّه قول موزون مقفّى يدلّ على معنى”[17].

هذه النظريّة النقديّة مبنيّة على ثلاث أسس هي: (القول) وهو مادّة الشعر و(الوزن) الذي يفرّق بين الكلام المبنيّ على موسيقى محوريّة، وبين الكلام النثريّ، أو الحرّ، و(القافية) التي يحتاجها الكلام الموزون كشرط لاعتباره شعرًا تميّزه عن الكلام غير المرتبط بقافية محدّدة.

إنّ هذا البحث النقديّ القديم يدلّ على بدايات الشعور بوجود أزمة في الشعر تظهر مساره التراجعيّ المتمظهر في تكرار الصور المركّبة شعريًّا في السابق، أو تشويه تلك الصور عبر إعادة تركيبها بطريقة غريبة، وغير مألوفة، عدا عن مسألة تلازم ضعف الموضوعات التي تصاغ شعرًا مع التطوّرات الاجتماعيّة، والمسار الثقافيّ المرتبط بالعديد من المجالات الحيويّة الأساسيّة التي تساهم في بناء إنتاج معرفيّ لمجتمع ما، ينعكس في العديد من أنواع الفنون، ومنها الشعر.

إنّ الخروج عن قيود الشعر بحجّة الحداثة التي أنتجت ما يسمّى بالقصيدة النثريّة التي مارسها الكثير من الشعراء، ومنهم عمر أبو ريشة، والتي أيّدها، وروّج لها شعراء لهم شهرة واسعة في العالم العربيّ منهم أدونيس، وبدر شاكر السيّاب، ونزار قبّانيّ، ومحمود درويش وغيرهم، يظهر الصدام الكبير المرتكز على أساس لغويّ بالدرجة الأولى، جعل تقليد الشعر الغربيّ الحرّ مسألة تطوير للشعر العربيّ وليس تراجعًا عن مستوى الشعر العربيّ الكلاسيكيّ في نظر شعراء عصر الحداثة.

إنّ هذا الجدل الدائر حول إمكانيّة تصنيف ما يقال “شعرًا” في العصر الحديث بأنّه شعر، أو هو ليس بشعر، يدلّ بوضوح على وجود أزمة في إنتاج الشعر وإبداعه، وأكثر مظاهر وجود تلك الأزمة هو ضيق صدر الناس على وسائل التواصل الاجتماعيّ الحديثة أن يقرؤوا أكثر من سطر واحد فقط، سواء أكان شعرًا أو نثرًا، ومن مظاهر وجود تلك الأزمة أيضًا انتشار مبيعات شعر القصيدة النثريّة التي سمّاها أحدهم “القصيدة النثريّة”، وعدم الإقبال على شراء القصيدة الموزونة، ورغم أنّ تفوّق شعر القصيدة النثريّة يعتمد بشكل أساسيّ على توزيع الشاعر لنسخات كتابه لأصدقائه وأقربائه.

إنّ ادّعاء أصحاب الشعر الحديث تشبيه شعرهم بقطعة موسيقيّة يشعر بها كلّ من يتلقّاها وفق أحاسيسه الخاصّة، أو تشبييها بلوحة يرى فيها كلّ مشاهد ما يختلج في ذاتيّاته من معاني، وأنّ غموض القصيدة النثريّة هو غموض بنّاء رغم أنّه جعل القارئ الحديث لا يفهم ما يقرأ، كلّ ذلك لا ينفي القول إنّ الشعر يعيش في حالة أزمة وجوديّة من حيث الشكل وفنّ الصناعة، ومن حيث المضمون، المرتبطة بتطوّرات العصر، وكل ذلك مردّه إلى سبب أساسيّ هو تطوّر مسار اللغة التي يتقنها الناس، والهوّة الفاصلة بينها، وبين لغة النصّ الشعريّ، وهو سيف ذو حدّين جعل هواة الشعر يلجؤون إلى استسهال تركيب الكلمات كي يسمعهم القارئ الحديث، وأيضًا جعل من موضوعات الشعر لا ترتكز على مخزون ثقافيّ للشاعر يعبّر عن أفكاره الخاصّة والمميّزة، بل هو تَقنيّة تتماشى مع لغة العصر الحديث، وحتّى العامّيّة منها، فكيف يتحدّث المتنبّي العامّيّة؟ أو شكسبير، أو بودلير؟ وأيّ عامّيّة يتحدّث بها إذ أصبح لكلّ منطقة في كلّ بلد لغته العامّيّة، والجارية، والخاصّة به.

خامسًا: في اللغة

إذا درسنا لغة كلّ قوم، من حيث مخزونها المعرفيّ وملاحظة سياق تطوّرها، فنستطيع أن نستدلّ على وجود أزمة توليد فكر جديد يتجسّد في تلك اللغة، ويتمظهر في شكلين: في مستوى الموضوع الذي تحمله اللّغة (فكريًّا)، وفي مستوى اللغة التي تعبّر عن كلّ موضوع.

إنّ أفضل من يجيب عن ذلك الطرح هو فلسفة اللغة.

يقول إرنست كاسيير أنّ اللّغة تطوّرت من مرحلة السحر إلى مرحلة اللوغوس: “لقد كان مسارًا ارتقائيًّا طويلًا كان ينبغي للعقل الإنسانيّ أن يقطعه، ويعبّر عن الاعتقاد بقوّة نفسيّة – سحريّة تتشكّل في “الكلمة” إلى إدراك قوّتها الروحيّة، والحقيقة أنّ “الكلمة”، أو “اللّغة” هي فعلًا التي تخلق للإنسان ذلك العالم الأقرب إليه من أيّ عالم موضوعات طبيعيّة، وتلامس رخاؤه، وكربه على نحو مباشر أكثر من الطبيعة المادّيّة، لأنّ اللّغة هي التي تجعل وجوده في جماعة ما ممكنًا، … يجب تصوّر “الكلمة في النمط الأسطوريّ، كوجود وقوّة جوهريّة، قبل الإحاطة بها كأداة مثاليّة، وكآلة للذهن. وكوظيفة أساسيّة في بناء الواقع الرّوحيّ وتطويره”[18].

وإذا كان لا يمكن الفصل بين الفكر واللّغة، فهل أنّ أزمة وجود موضوع فكريّ جديد نبحثه، تظهر في وجود أزمة لغة جديدة تعبّر عنه؟

يقول زكي نجيب محمود: “من أوهام الإنسان… ظنّه بأنّ فكره شيء، ولغته شيء آخر، … وحقيقة الأمر هي ألاّ فكر عندي وعندك إلاّ ما قد ورد في لفظي ولفظك، ولا زيادة ولا نقصان هنا، بل وليس الأمر شيئان قد يتّصلان، وقد ينفصلان كما نشاء نحن لهما، بل الذي هناك هو شيء واحد، ألا وهو اللفظ ودلالته”[19].

وسواء وافقنا زكي نجيب محمود في منطقه الوصفيّ للغة أم عارضناه نستطيع من خلال ملاحظة تطوّر فلسفة اللغة من البحث عن لغة مثاليّة إلى اهتمام الفلاسفة باللغة العاديّة، أو اللغة الجارية كما أسّس لها فتجنشتاين، أن نستنتج من لغة الناس المتداولة وجود تلك الأزمة الفكريّة التي نعطي عليها الأدلّة منذ بداية هذا البحث، خصوصًا إذا ذهبنا في العمق، وبحثنا في إشكاليّة العلاقة بين لغة النصّ الذي يتضمّن الموروث الثقافيّ، والمعرفيّ لحضارة ما، وبين لغة الناس المتداولة، أو اليوميّة التي يتكلّمون بها، والتي انبثق منها إشكاليّة الهوّة الفاصلة بين لغة النصّ وبين لغة الناس ما خلق متاهة فكريّة جعلت العقل البشريّ يتأرجح بين العودة إلى الأصول، وبين رفضها بحجّة عدم فهمها، وبالتالي الدخول في إنتاج لغة تفهم الواقع الجديد، وتعبّر عنه تمامًا، وبغضّ النظر عن وجود قيمة ذاتيّة لتلك اللّغة، أو أنّها تدخل تحت تصنيفات الصحّ والخطأ الذي تحدّده قواعد كلّ لغة، بل يكفي أنّها تعبّر عمّا يريد إنسان العصر الحديث، ويتحقّق بواسطة هذا التعبير التواصل بينه وبين أفراد مجتمعه.

يقول فتجنشتاين عن أهمّيّة البحث عن المعنى في طريقة استخدام اللغة: “فلا نقول من دون اللغة لا يمكننا التأثير في الآخرين على هذا النحو، أو ذاك، ولا بناء الطرق، وصناعة الآلات، وغير ذلك، كما يقول كذلك: من دون استخدام الكلام والكتابة لن يستطيع الناس الاتّصال مع بعضهم”[20].

إن تأثير طريقة استخدام اللغة في تحديد المعنى المرتبط بكلّ لفظ أصبح أكثر وضوحًا وشموليّة مع تطوّر وسائل التواصل الاجتماعيّ المعتمدة على اختراع الكمبيوتر، ولغة الإنترنت، وقد تعاظمت قوّة هذا الاستخدام بتحالفه مع الطريقة القسريّة المرتبطة بتكنولوجيا الاتّصال، والتواصل بين الناس، وبمعنى آخر أنّ الآلة التي يتواصل بها الناس قد تجاوزت بسرعة تطوّرها، وآليّاتها المنمّطة نظريّات فتجنشتاين، ودي سوسير، ونعوم تشومسكي، ومدارس وتيّارات فلسفة اللغة من البِنيويّة إلى التحليليّة إلى التداوليّة وغيرها، وقد أثّر ذلك على العديد من أنواع مجالات المعرفة، والإنتاجات الحضاريّة لكلّ أمّة أو مجتمع، فأصبحنا نرى مأزق إنتاج موضوع جديد في العلم مثلًا مرتبط بإنتاج لغة جديدة، تعبّر عنه (كلغة الرياضيّات المعتمدة في علم الفضاء الحديث)، وكذلك في العديد من المجالات الحيويّة لكلّ حضارة.

ونصل إلى خلاصة نستنتجها من البحث، تحت عنوان اللغة: إنّ وجود أزمة إنتاج موضوع جديد لنبحث فيه سواء في العلم، أو الدين، أو الفنّ، أو الفلسفة يظهر بشكل واضح إذا بحثنا في اللّغة، وفي فلسفة اللغة، بالتالي تعود المسألة أوّلًا وآخرًا إلى اللغة، وعمل العلماء، والفلاسفة على اللغة نفسها، كمخرج وحيد ربّما لإنتاج موضوع جديد نبحث فيه، يقول عبد الله شريط في كتابه نظريّة حول سياسة التعليم والتعريب: “ليس من شأننا ولا من اختصاصنا أن نتولّى نحن تبسيط قواعد اللغة، وحذف ما فيها من حشو، وابتكار أساليب جديدة في تعلّمها وكتابتها، ولكن من شأننا، ومن اختصاصنا أن نطالب علماء اللغة بأن يحوّلوا بعض جهدهم إلى هذه الناحية من بحوثهم اللغويّة لأنّنا أعرف من غيرنا بأنّ اللغة هي الممرّ الرئيس الذي ينتقل منه مجتمعنا من التخلّف إلى التقدّم…”[21].

إذًا نعود لإشكاليّة المقالة حول إمكانيّة إيجاد موضوع جديد لنبحث فيه فنصوغها بشكل آخر لنقول: هل أنّ أزمة وجود موضوع جديد هي أزمة لغويّة بالأساس؟

يقول نيتشه: “ما من نهر يكون كبيرًا وثريًّا بمياهه الخاصّة، بل باستيعابه لأنهار فرعيّة كثيرة، والمضي بها قدمًا”[22].

وبكلمة أخيرة، لقد أظهر هذا البحث محاولة الفلسفة، وفلاسفتها الجدد، واستبسالهم في الدفاع عن وجودهم، وأنّهم حاجة مستمرّة رغم أنوف علماء العلوم العلميّة، وهذا موضوعهم الجديد!

وكذلك الفكر الدينيّ، فإنّه يعيش أزمة وجوديّة من حيث إنتاجاته الجديدة، التي تسعى بقوّة إلى تنظيف الأهداف الدينيّة من الشبهات، والتهم الخطيرة الهادمة لأسس الدعوات الدينيّة، وأوّلها تحقيق سعادة الإنسان.

أمّا في العلم، فقد رأينا كيف أنّ تطوّراته المذهلة والرائعة قد تحوّلت نتائج استخداماتها السيّئة إلى وحش فتّاك، يضرب مستقبل البشريّة جمعاء، وأنّ أغلب البحوث الجديدة فيه تجتمع حول إيجاد المخرج الملائم من “أزمة” التطوّر العلميّ،و آثارها السلبيّة على العلم نفسه.

والفنّ بما هو مرآة تنعكس فيها كلّ مظاهر الفكر الحضاريّ بأشكاله المتعدّدة، والمتنوّعة، هو يرسم أيضًا صورة سوداء للفكر الذي يجترّ نفسه كما يجترّ الوسيلة الفنّيّة التي تعبّر عنه.

وأخيرًا وليس آخرًا، لجأ الجميع إلى اللغة، لعلّ الفكر فيها قد ينتج موضوعات جديدة تنقذ العقل البشريّ من أزمة تجديد نفسه، أو تطوير أدواته من تحليل، وتركيب، واستقراء، واستنباط، وغيرها، فأصبحت اللغة موضوعًا بذاتها، تجتمع فيه تفاعلات العلوم الحديثة، ولكنّ السؤال يبقى: ماذا بعد ذلك؟ وما هو الموضوع الجديد الذي سنبحث فيه غير سؤالنا عن إمكانيّة إيجاد موضوع جديد؟!

فهرس المراجع والمصادر

[1] – فتجنشتاين، بحوث فلسفيّة ، ترجمة عزمي إسلام، مطبوعات جامعة الكويت، 1990.

2- هابرماس، يورغن، العالم والَّقنيّة كإيديولوجيا، ترجمة حسن صقر، منشورات الجمل، كولونيا، ألمانيا، ط1، 2003.

3- الطيّب التيزينيّ، النصّ القرآنيّ أمام إشكاليّة البِنية والقراءة، مشروع رؤية جديدة للفكر العربيّ، دار الينابيع، دمشق 1997.

4- الطيّب التيزينيّ، من الاستشراق الغربيّ إلى الاستغراب المغربيّ، بحث في القراءة الجابريّة للفكر العربيّ وفي آفاقها التاريخيّة، دار الذاكرة، حمص، سوريا، 1996. رورو

5- الطيّب التيزينيّ، في السجال الفكريّ الراهن، حول بعض قضايا التراث العربيّ، منهجًا وتطبيقًا، دار الفكر الجديد، بيروت 1989.

6- الطيّب التيزينيّ مشروع رؤية جديدة للفكر العربيّ منذ بداياته حتّى المرحلة المعاصرة، دار دمشق، 1982.

7- محمود أمين العالم، الوعي والوعي الزائف في الفكر العربيّ المعاصر، عيون، الدار البيضاء، 1988.

8- محمّد أركون، الفكر الإسلاميّ، نقد واجتهاد، لا فوييك، المؤسّسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1993.

9- عليّ الكنز، حول الأزمة، دراسات حول الجزائر والعالم العربيّ، دار بوتان للنشر.

10- جورج طرابيشي، نقد نقد العقل العربيّ، نظرية العقل، دار الساقي، بيروت، 1996.

11- محمود العربيّ بوعزيزيّ، محمّد إقبال، فكره الدينيّ والفلسفيّ، دمشق، دار الفكر، 1999.

12- محمود إقبال، تجديد الفكر الدينيّ في الإسلام، ترجمة عبّاس محمود، القاهرة، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1968.

13- بِنية الثورات العلميّة، توماس كون، عالم المعرفة، ت. شوقي جلال،العدد 168، 1992.

14- بنيحي عليّ عزاويّ، فنّ المسرح والإنسان الحديث، دار ميزوبوتا ميا للطباعة والنشر، 2014.

15 – نقد الشعر، قدامة بن جعفر، تحقيق الدكتور، محمّد عبد المنعم خفاجيّ، دار الكتب العلميّة، بيروت، لبنان.

16 – إرنست كاسيير، اللغة والأسطورة، ترجمة سعيد الغانميّ، دار كلمة، أبو ظبي، الإمارات العربيّة المتّحدة، 2009.

17 – زكي نجيب محمود، أفكار ومواقف، دار الشروق، القاهرة، مصر، 1983.

18 – عبد الله شريط، نظريّة حول سياسة التعليم والتعريب، المؤسّسة الوطنيّة للكتاب، الجزائر، 1984.

19 – نيتشه، إنسانيّ مفرط في إنسانيّته، ص 353، ترجمة عليّ مصباح، منشورات الجمل، بيروت – بغداد 2014.

بالأجنبيّة:

1-Hidegger: Essais et conférence, que vout dire, “peusés”, paris, 1985.

2 – L’europe est – elle chrestienne? Olivier Roy, sevil, paris, 2019.

3- Heisenberg, Werner, philosophic problems of Nuclear Science, Fawcette, NewYork, 1952.

[1] – عزمي إسلام، بحوث فلسفيّة، مطبوعات جامعة الكويت، 1990، (فقرة 43).

[2] – Hidegger: Essais et conférence, que vout dire, “peusés”, paris, 1985, p177.

[3] – هابرماس، يورغن، العالم والتَقنيّة كإيديولوجيا، ترجمة حسن صقر، منشورات الجمل كولونيا، ألمانيا، ط1، 2003، ص 121 – 122.

[4] – ينظر في مؤلّفات الطيّب التزينيّ:

– النصّ القرآنيّ أمام إشكاليّة البِنية والقراءة، مشروع رؤية جديدة للفكر العربيّ، ج5، دار الينابيع، دمشق 1997.

– من الاستشراق الغربيّ إلى الاستغراب المغربيّ، بحث في لقراءة الجابريّة للفكر العربيّ وفي آفاقها التاريخيّة، دار الذاكرة، حمص، سوريا، 1996.

– في السجال الفكريّ الراهن، حول بعض قضايا التراث العربيّ، منهجًا وتطبيقًا، دار الفكر الجديد، بيروت 1989.

– مشروع رؤية جديدة للفكر العربيّ منذ بداياته حتّى المرحلة المعاصرة من 12 جزء، دار دمشق، 1982.

[5] – محمود أمين العالِم، الوعي والوعي الزائف في الفكر العربيّ المعاصر، عيون، الدار البيضاء، 1988، ص 222.

[6] – محمّد أركون، الفكر الإسلاميّ، نقد واجتهاد، لا فوييك، المؤسّسة الوطنيّة للكتاب، الجزائر، 1993، ص 7.

[7] – م. س. ص 7.

[8] – عليّ الكنز، حول الأزمة، 5 دراسات حول الجزائر والعالم العربيّ، دار بوتان للنشر، ص 53.

[9] – جورج طرابيشيّ، نقد نقد العقل العربيّ، نظريّة العقل، دار الساقي، بيروت، 1996.

[10] – محمود العربيّ بوعزيزيّ، محمّد إقبال، فكرة الدينيّ والفلسفيّ، دمشق، دار الفكر، 1999، ص 17.

[11] – محمود إقبال، تجديد الفكر الدينيّ في الإسلام، ترجمة عبّاس محمود، القاهرة، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1968، ص 14.

[12] – محمود إقبال، م. س. ص 8.

[13] – L’europe est – elle chrestienne? Olivier Roy, sevil, paris, 2019.

[14] – بِنية الثورات العلميّة، توماس كون، عالم المعرفة، ت. شوقي جلال، المقدمة، ص 8.

(Heisenberg, Werner, philosophic problems of Nuclear Science, Fawcette, NewYork, 1952, pp. 11-14, 45-46.

[15] – بنيحي عليّ عزاويّ، فنّ المسرح والإنسان الحديث، ص 26، دار ميزوبوتا ميا للطباعة والنشر، 2014.

[16] – بنيحي عليّ عزاويّ، م. س. ص 31.

[17] – نقد الشعر، قدامة بن جعفر، تحقيق الدكتور، محمّد عبد المنعم خفاجيّ، دار الكتب العلميّة، بيروت، لبنان، ص 64.

[18] – إرنست كاسيير، اللغة والأسطورة، تر سعيد الغانميّ، دار كلمة، أبو ظبي، الإمارات العربيّة المتّحدة، 2009، ص 114 – 115.

[19] – زكي نجيب محمود، أفكار ومواقف، دار الشروق، القاهرة، مصر، 1983، ص 188.

[20] – فتجنشتاين، بحوث فلسفيّة، ترجمة عزمي إسلام، مراجعة وتقديم عبد الغفار مكّاويّ، مطبوعات، جامعة الكويت، 1990، الفقرة (491هـ)، ص 225.

[21] – عبد الله شريط، نظريّة حول سياسة التعليم والتعريب، المؤسّسة الوطنيّة للكتاب، الجزائر، 1984، ص 32.

[22] – نيتشه، إنسانيّ مفرط في إنسانيّته، ص 353، ترجمة عليّ مصباح، منشورات الجمل، بيروت – بغداد 2014.

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.