لهفة أمّ

0

لهفة أمّ

ماجدة ريّا*

فتحت البوّابة الكبيرة في الدار، ظهرت منها امرأة خمسينيّة، وقد ذبلت عيناها، وخطّت الأيّام أسفلها تجاعيد صغيرة تنبئ عن قلق الليالي الذي عاشته، أو حتّى كأنّها قضتها في البكاء، تقدّمت في الفناء الواسع، كانت دارًا واسعة مكشوفة على السّماء، وقد سُوّرت بعدد من أشجار الزينة القصيرة الخضراء، المتوازية، المريحة للنظر.

مشت بمحاذاتها بهدوء تامّ كما لو أنّها تَعدّ خطواتها، بدا الباب الداخليّ للمنزل موصدًا، “لا أحد في الداخل” قالت في نفسها، وتمنّت أن يكون حدسها غير صحيح، ستعرف ذلك عندما تنتهي من خطواتها المشحونة بكلّ أنواع الألم والأمل.

جسدها الهزيل يتلكّأ مع بعض نسيمات هبّت من فتحة السماء، وكأنّها أنعشت فيها حياة موشكة على الانتهاء، ردّدت في نفسها “ساجد… ساجد هل حقًا عدتَ، أم أنّ أحلام يقظتي هي التي قادتني إليك؟”

ابتسامة باهتة علت تلك الشفاه، وتمرّدت أفكارها تحثّها على أن تسرع الخطى، كأنّها سمعت نداءً يقول أن: “هلمّي إليّ أمّي!”

هرولت نحو الباب الدّاخليّ، ووجدت نفسها فجأة وقد وقفت قبالته، رفعت كفّ يدها وطرقت على الباب بملء الرعب الموجود في قلبها، وفي رأسها تطنّ كلمات تلك المكالمة من كنّتها تعلمها فيها “لقد عاد ساجد”.

حاول ذلك الصوت أن يبدو عاديًّا، ولكنّه لم يفلح، وبدا كأنّه يفضح صاحبته، حزينًا كئيبًا، حتّى تساءلت أم ساجد “أليست سعيدة بعودة زوجها؟!” وما لبثت أن استبعدت الفكرة تمامًا، فهي تعلم أنّ سارة تَعدّ الأيّام التي يغادر فيها ساجد إلى عمله في الجبهة يومًا بيوم، بل ربّما تَعدّها بالدقائق والساعات، وتملؤها بالدعاء، “إذًا ما الخطب؟! ولمَ تلك المرارة في صوتها؟!” كلّ ذلك اعتمل في نفسها في تلك اللحظات…

في الطائرة، وقبل وصولها إلى أرض الوطن، وهي آتية من زيارة لابنتها من سفر بعيد، كان لديها الوقت الكافي لتستذكر صوت وحيدها ساجد، إذ كان يحدّثها كلّ يوم، وكانت تأنس لصوته القادم من أرض الوطن، وهو يحمل إليها موجات من الدفء والحنين “كم أحبّك يا أمّي، اشتقت إليك!” وترسم بريشة خيالها عينيه الحالمتين، لتمحو كلّ تعب.

عندما فتح الباب وظهرت منه سارة، كانت نظرات الأمّ جامدة، وهي تنظر إلى سارة مبهوتة، وقد كانت تتوقّع أن يكون ابنها هو من يفتح الباب ليستقبلها! ‎

أهي نظرات عتاب، أم أسى، وعادت تستذكر الأيّام والأسابيع الماضية كم كانت قاسية عليها، وهي تعلم أنّ ابنها في الخطوط الأماميّة للمواجهة حيث تدور أعنف الاشتباكات.

مرّت خاطرة  في ذهنها “أيعقل أن يكون قد استُشهد؟” لكنّها تذكّرت فجأة، أنّه تحدّث إليها منذ بعض الوقت ليعتذر عن عدم تمكنّه من انتظارها في المطار، وسيرسل إليها من يحضرها إلى منزله.

تبحث عيناها عنه في زوايا المنزل ورأسها مشغول بمئات الأسئلة.

عيناها وحدهما عرفتا الكلام عندها حضنتها سارة برفق وقالت لها: “أهلاً أمّي” فقد كانت تناديها أمّي، وتعاملها ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* كاتبة لبنانيّة تكتب المقالة والقِصّة القصيرة، عضو هيئة إداريّة في الملتقى الثقافيّ الجامعيّ.

معاملة البنت لأمّها، وجرّتها من يدها، ومشت معها باتّجاه غرفة الجلوس، وقبل أن تصلا إلى الباب وقفت سارة، وأوقفت أمّ

ساجد لتتحدّث إليها، عندها اشتعل قلب الوالدة ولهًا وقالت: “بالله عليك أخبريني ما الخطب؟”‎

– اهدائي يا أمّي، أرجوكِ، فساجد بخير!

– بخير مع كلّ هذه الدموع في عينيك، وهذا الارتجاف في صوتك؟ بخير؟ لماذا لم يخرج لاستقبالي؟

وصل صوت الأمّ المبحوح والمتهدّج لمسامع ذلك القابع على كرسيّه المتحرّك، وقد بُترت ساقاه الاثنتان، آلمته تلك الكلمات، فهو لم يكن في يومًاعاقًّا بوالدته، أو مقصّرًا بحقّها. ودّ لو أنّه ذهب لاستقبالها  فور عودتها كما يفعل في كلّ مرّة، لكنّه لم يكن بإمكانه فعل ذلك، ولم يستطع أن ينتظرها عند الباب قبل أن تمهّد لها زوجته قبل إخبارها وقبل أن تراه، لقد فعل ذلك خوفًا على مشاعرها، سالت دمعتان على خدّيه عندما استشعر حرقة والدته، لكنّه سرعان ما مسحهما بباطن يده وهيّأ نفسه لابتسامة عريضة ليستقبل بها الزائرة، التي كانت قد وصلت إلى باب الغرفة، مهرولة وراء نبضات قلبها، وما إن وقع نظرها عليه حتّى تجمّدت مكانها للحظات، وعيناها مثبّتتان على ساقيه المقطوعتين، حافظ على ابتسامته العريضة التي رسمها على وجهه وهو يناديها بلطف: “أمّي… صديقي عارف استشهد يا أمّي، قربي… لقد فاز بالشهادة، وأنا بقيت يا أمّي”، ركضت، وركعت أمام كرسيّه، واحتضنته بحرارة قلب الأمّ الوالهة، وهي تقبّل يديه ووجنتيه، وتتمتم: “الحمدلله على سلامتك يا ولدي… الحمدلله” وتدحرجت دمعتان كبيرتان على وجناتها المتجعّدة، ولا تزال تتلمّس وجوده إلى جانبها لتطرد كلّ صور الغياب، وهو يربّت على كتفها ليطمئنها، ويمسح دمعتيها براحة يده، فتأخذها وتقبّلها، وهي تشمّ فيها عبق رجولة قهرت الأعداء.

لاحت لها صورة عارف قمرًا مرتفعًا إلى السماء، يضاف إلى مجموعة الأقمار التي أنارت سماء الوطن، ارتجف قلبها، وهي تحدّق بصور الشهداء المطبوعة على جداره، وهي تشعر أنّ كلّ واحد منهم هو ابنها الذي لم تلده، هذا عارف الذي تربّى مع ساجد في الحيّ ذاته، وكان توأمه الرّوحيّ، عرّجت روحه إلى السماء، تنظر إليهما من عليائها، بابتسامة نورانيّة تفتّت القلب وتنثر فيه جراح الفقد.

وتراءت لها أمّ عارف وقد انفطر قلبها، ولسانها يطلق الزغاريد في عرس الشهادة.

قرأ ساجد كلّ ذلك في عينيها الوجلتين، فاحتضنها برفق وهو يتمتم: “هوّني عليك يا أمّي، إنّها ضريبة النصر”.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.