نيتشه وفلسفة الألم

0

                                                نيتشه وفلسفة الألم

د. ناصر عليق*

  • مقدمة

يرتبط الألم عادة بما يواجهه ويعانيه الإنسان من أوجاع وأمراض جسدية في حياته المليئة بالتجارب والمِحن ، والألم ينتج عن إحساس مزعج ومؤلم على مختلف أنواعه، وثمة علاقة بين الألم والشرّ، لذلك يربط الإنسان الألم بالشر عند العذاب والمآسي سواء أكان الأمر شخصياً أو جمعياً.

ويحصل ذلك في بعض الأحيان لدى حلول الكوارث والنكبات الطبيعية من مجاعات وكوارث وزلازل ومن وسائل التعذيب في سبيل الحرية والمعتقد والحقوق والاضطهاد.

من هنا لا يمكن أن يُدرَك الألم إلا في صميم الواقع من جرّاء الفعل وردات الفعل، والعلاقة بين الألم والحياة البشرية هي متلازمة وبشكل دائم انطلاقاً من الألم والإحساس بالألم والشعور بأهميته مع العلم أن باستطاعة الإنسان مواجهة الألم من خلال تغيير الواقع وخلق مجال جديد لحياة مثمرة. كل تلك المجاهدات الإنسانية التغييرية تهدف إلى تحقيق الأهداف والمعاني السامية لحياة خالية من الآلام والشرور وبالتالي يكتسب الإنسان إرهافاً وعمقاً يجعلان منه كائناً حساساً يتمتّع بنضج عقلي روحي سليم . متذوقاً سعادة في تحملّه للمسؤولية الملقاة على عاتقه في سبيل تحقيق تلك الأهداف.

فالشخصية التي تواجه الآلام والمصاعب تعقل ذاتها في مواجهة مصيرها بقلب عامر بالقوة والشجاعة إضافة إلى النّضج النّفسي الذي يرضي الاتزان العاطفي والوجداني بين الألم والسعادة. لذلك ربط العديد من الفلاسفة الألم بمفهوم اللذة، وآخرون بالمفهوم الماورائي الميتافيزيقي، وغيرهم بالمفهوم الروحي والوجداني واللاهوتي كذلك اتجه البعض إلى ربطه بالبعد الطبيعي والمادي والحياتي.هذه الآراء والاتجاهات جعلت من الألم إشكالية للبحث الفلسفي والنفسي والاجتماعي لتأخذ كل مدرسة فلسفية موقفها الثابت من هذا الموضوع مستفيدة من ما وصلت إليه في أبحاثها لتؤكد صوابية رؤيتها الفكرية والمعرفية.

وهنا لا بدّ من طرح أسئلة وإشكالات حول الوجود الإنساني في منظومة الآلام: ما هي الغاية من وجود الإنسان ؟ تحمّل الآلام أم نعمة الوجود؟ وهل يمكن للإنسان تحقيق السعادة من خلال الألم؟

هل يعدُّ مفهوم نيتشه الملحد للألم مفارق ومغاير للموقف المسيحي؟ وكيف قارب نيتشه فكرة الألم في ظل الواقع الإنساني الحاضر من الناحية النفسية والجسدية والروحية؟

لا يسعنا هنا إلا إلى الإشارة إلى المنهج التحليلي في مناقشة ومقاربة آراء نيتشه حول مفهوم الألم الذي بدت رؤيته حول رؤية متناقصة فمن جهة تعايش مع الألم وافتخر به ومجده وحسبه مصدر العظمة والقوة وبالتالي يستطيع الإنسان من خلال الألم أن يشتدّ عضده ويتمتّع بقوة خارقة هذه القوة تدفع به إلى حب السيطرة والسيادة ومواجهة المواقف الصعبة بشجاعة والمغامرة والمخاطرة في تحقيق القيم الإنسانية بالمقابل ومن جهة أخرى نجده يصف الإنسان بأبشع الأوصاف عادًّا الإنسان بتناسله المستمر دودة حقيرة مثيرة للاشمئزاز توحي بالكراهية هذا التناقض في مواقفه المتطرفة شجّع من خلالها على الحرب اللاذعة إذ به ينتقد الإيمان المسيحي الذي يُمجّد الألم ويدعو إلى تحمل العذاب والقهر والمشقات في سبيل الحياة الأبدية. لم

________________

** أستاذ مساعد الجامعة اللبنانية كلية الآداب والعلوم الإنسانية قسم الفلسفة.

 

ينس نيتشه مرارة الألم ودوره في حرمان الإنسان من السعادة واللذة مشدِّداً على أن نهاية مستقبل الإنسان تتمثل بالموت.

  • نيتشه وقوة الألم

يشهد التاريخ البشري على أن الإنسانية قد اضطرت إلى أن تجتاز أقصى التجرب وأقصى المحن من أجل الوصول إلى مرحلة أسمى من الرقّيّ . التألُّم هو ضرب من الامتحان أو الاختبار لطاقة ” الموجود الأخلاقي ” لأنه محك صلابته الروحية ، وميعاد مرونته الأخلاقية. لكن ليس من الضروري أن يكون التألُّم علامة على الانهيار أو الاستسلام ، بل كثيراً ما يكون شاهداً على قيام حالة تحرّر فعلي، أو توافر يقظة روحية يتم بمقتضاها استنهاض القوة الأخلاقية الكامنة. عندئذٍ لا يلبث الفرد أن يقيم الدليل على أنه يملك من القوة أي المقدرة الحقيقية ما هو أسمى بكثير من كل ما ينطق به نشاطه العادي. ولا غرابة في ذلك على الإطلاق: فإن الإنهيار الذي يصيب نشاطنا العادي، غالباً ما يكون مناسبة طيبة لإطلاق ما لدينا من طاقات روحية نقية ، فتظهر لدينا القدرة الإيجابية على التحمّل. وحده الإنسان الذي يسعى بجهد عقلاني مميز للتخلص من ويلات الطبيعة وآلامها، وقد حاول ولا يزال جاهداً للسيطرة على الطبيعة ومفاجأتها ليحافظ على وجوده ويثبت قوته وعظمته للإرتقاء من خلال هذا الإصرار في المواجهة والاندفاع نحو فكر هادف وحياة ترفض الضعف والهوان للوصول إلى آماله وأهدافه وتطلعاته. هذا السعي يوصله إلى السيطرة على الذات وعلى سائر المخلوقات والطبيعة ، ومن جهة أخرى منادياً أحياناً بموت الله ليحل مكانه متربعاً على الألوهية. فانطلاقاً من هذا الصراع الذي عاشه نيتشه مع نفسه ومع الطبيعة ومع الله أعطى لآلامه الجسدية معنى القوة والعظمة التي دفعته إلى محبة الحروب وصراع القوة.

وتتجلى الحروب في فلسفة نيتشه في:

– أن الحرب هي عطية من الله تتجلى فيها عظمة الخالق ليُقسّم الناس فقال: ” الله اخترع الحرب، وقسّم الناس وعمل ما يجعل الناس يتفانون في ما بينهم ، والكهنة الذين يُمثّلون حضور الله بين البشر، كانوا دائماً في عوز إلى الحرب والحرب بين الأشياء الأخرى، معركة عظيمة للعالم”(1). وكذلك الحرب هي لتأمين أدنى حدٍ من مصالح الدول، وهدفها تدمير المساواة بين الشعوب فيشير إلى ” لا حرب ولا معاهدة ، إذًا لا حقوق كذلك ولا إلزام”(2).

إن الغاية من الحرب برأيه هي لتأمين المساواة والتوازن بين الدول وبالتالي القوة أهم من الحق. يعدُّ نيتشه من أبرز الذين مجدّوا القوة وحسبها ركناً أساسياً في فلسفته حول الألم وربط التفوق القوي بالألم القوي ، لذلك آمن نيتشه بفلسفة الرجل المتفوق رافضاً ألم الإنسانية وضعفها والمساواة بين الناس مُشدّداً على ضرورة خلق الفوارق ليصل نهاية المطاف إلى حقيقة الرجل المتفوق داعياً إلى “تعميق الهاوية لإلغاء المساواة وخلق الرجال الأشداء، وبهذا يولد الإنسان المتفوق”(3). هكذا وعدَّ الألم حقيقة ميتافيزيقية لا سبيل إلى فهمها إلا ضمن الوجود الإنساني بأكمله وأن الصعوبات الحياتية تصنع الرجال، ولا بدّ من استمرار الحياة بالتحدّي والمواجهة وليس بالهروب والانكفاء.

من هنا بنى نيتشه فكرته على أن أبطال البشرية المتألمين الذين إذا دنى منهم الخطر لا يرغبون في المواجهة والنزال إلا حين يشتد النزال وتتلاقى السيوف بالسيوف، وكأن من شدة الألم نفسه أن يزيدهم لحظات حياتهم. هذا الرُقيّ الروحي الوجودي المُتحدّي للألم يجد الإنسان فيه ذاته، وكلما ازداد ألماً ازداد حباً للمواجهة وهذه صفة نادرة بالوجود الإنساني لا يتميز بها إلاّ قلة من العظماء والأبطال.

  • الألم بين الخير والشر عند نيتشه

ما وقع به نيتشه هو أن زرادشت ابتدع الأخلاق كان خطأه الذي لم يعترف به، وبات حملاً ثقيلاً عليه كونه يملك التجربة والتاريخ بين المفكرين على الرغم من أن زرادشت أكثر مصداقية من الآخرين في ما قدّمه من تعاليم إنسانية محترمة تنطلق من الخير لبناء المجتمع المثالي. لكن عدَّ نيتشه الصديق الوفي للأشرار. وبذلك نجده يشدّد على دور الأشرار في صناعة الرجال”

“وفي كل الأحوال يحسب الخيّرون الصنف الأكثر خراباً من بين البشر لأنهم يفرضون وجودهم على حساب الحقيقة كما على حساب المستقبل، ولا يستطيعون إبداعاً، إنهم دوماً بداية النهاية ومهما عظمت مضار المفترين على العالم، فمضار الخيّرين تظلُّ الأضرار المضرّة . زرادشت ، أوّل خبير بنفسية الخيّرين هو بالتالي صديق للأشرار”(4).

يربط نيتشه الألم بالبعد الأخلاقي والصراع بين الخير والشر، ويلحظ من خلال التدقيق والتمحيص في بنية الأحكام والمناحي الخلقية والجمالية دلالة إلى أنّها تنطوي على وجه من وجوه إدراك الباطن، يتخذ شكل الإستحسان خيّراً أو الاستهجان شراً.

ونرى أن فكرة الإنسان الخيّر تتضمن انحيازاً إلى كل ما هو ضعيف وفاشل وإلى كل ما ينحدر وينهار. وينظر إلى الشرّ على أنه كل ما يتأتّى عن الضعف، وبالتالي الشرّ مصدرٌ للضعف والحسد والإنتقام في الإنسانية ومصدر الفوضى لأنه يعمل على المبدأ الذي طرحه نيتشه وهو:

“إن القوة والتفوق مصدر كل حقيقة وكل شيء. وكل من يريد أن يكون مبدعاً في الخير وفي الشر، عليه أن يكون أولاً مُدمّراً، وأن يحطم القيم. إنني أفظع إنسان من بين ما وجد إلى حد الآن؛ لكنّ هذا لا ينفي أنني سأكون الأكثر إحساناً. أعرف لذة في التدمير تتناسب وطاقاتي التدميرية؛ إنني اللاأخلاقي الأول؛ لذلك فأنا المدمّر بامتياز”(5).

إن نظرة نيتشه المتشائمة حول الأخلاق الدينية دفعه لإعتبار وجوب أن يكون الفيلسوف الحكم الأخلاقي، لأن لا يوجد برأيه حقائق أخلاقية، وأن تعلّق الحكم الديني والأخلاقي بحقائق ليست في شيء وبالتالي فالأخلاق عنده تفسير خاطىء لبعض الظواهر. فيما يحسب نيتشه الفضيلة مُضرة للحياة وهلوسة موصوفة يؤكد في المقابل أن التقدير والاحترام الذي تمنحه الأخلاق المسيحية إلى الخير ناتج عن الانحطاط والضعف وكي نُقدّر قيمة أحد من البشر علينا تحديد الثمن الذي يدفعه من أجل البقاء، وشرط البقاء والوجود عند الخيرين هو الكذب، وبالتالي وحده زرادشت الذي يمتلك الشجاعة ما يفوق شجاعة كل المفكرين مجتمعين للتكلم بالحقائق وإتقان الرماية ؛ هي الفضيلة الفارسية.

ويرفض نيتشه إزالة البؤس بجميع أصنافه كاعتراض “أعمى على درجة من الغباء تعادل حماقة إرادة إزالة الطقس الرديء رأفة بالفقراء مثلاً”(6). والسعي نحو السعادة والفضيلة لا بد من أن تمرّ في مراحل تعلمية تجريبية ينطلق فيها الإنسان إلى رحابها من دون الوقوف في جداول الغريزة والأشرار والتعساء عنده هم أوفر حظاً في اكتشاف بعض أجزاء الحقيقة واجتياز الغموض وبالتالي يُعدُّون الأشرار، السعداء ” ولعلّ القوة والمكر يشكلان شروطاً أنسب، لولادة روح وفيلسوف قوي ومستقل، من تلك الطبقة الرقيقة الناعمة السمحاء وفن التهوين على النفس الذي يقدّره المرء عند العالم، ويقدّره بحق شرط”(7). لذلك ربط نيتشه بين القوة والمكر لصناعة فكر حرّ تتجلى صوره في شخصية الفيلسوف.

  • نيتشه والألم المسيحي

منذ ظهور الأديان السماوية التي تدعو إلى الارتباط بقانون إلهي يربط الإنسان بخالقه ضمن دستور مبني على الأخلاق والتسامح والرحمة، تفاعل البشر بين الخير والشر من خلال معيار الألم، لكن بقي الفكر الإنساني يدور في زوايا تبشيرية دينية صامدة إلى أن دخلت الفلسفة التي تولت مناهج البحث العقلية الدفاع عن الإلهيات وبرهنة وجود الله وعدمه، وشرح كل ما يتصل بالدين شرحاً وتفسيراً وبياناً وتحليلاً، من دون أن تتكفل التسويغ أو التبرير أو الدفاع أو التبشير. وتتناول أسئلة تتعلق بإمكان معرفة وجود الله، ومعرفة صفاته ، وكيفية تحديد العلاقة بين الله والعالم، وكيفية فهم طبيعة الله (ماهيته)، والعلاقة بين وجوده وماهيته يتحدّث عن اختباره الشخصي مع الله، والعائلة، والأصدقاء، ونقطة التحول من الإيمان نحو الإلحاد ورؤيته للقوّة والضعف. والمرض طارحاً عدة تساؤلات حول الله والبشرية والقوة والضعف كانت مواقفه من الدين واللاهوت والقيم عنيفة وجذرية، وقد تركت مطالعته لمؤلفات آرثر شوبنهاور أثراً واضحاً في مواقفه . لقد أعلن عن “موت الله” وشنّ حرباً شرسة على المسيحية متهماً إياها بمعاداة الحياة . ورفض القيم والأخلاق التي تدعو لها، ووسمها بأنّها أخلاق للعبيد. أظهر نيتشه في حياته محبته العميقة لله، ولكن في سن الثامنة عشرة بدأ يفقد إيمانه بالله وبالدين ففارقته البهجة، لأنّ الدين كان يمثل ركناً أساسياً في حياته. قرأ نيتشه كتاب “شوبنهاور” عن العالم كإرادة وفكرة، وهو الكتاب “الذي يوضح فيه أن على الإنسان أن يبذل الجهد والكفاح اللذين يحملان في طياتهما البؤس والشقاء”، وعندما أنهى قراءة الكتاب قال عن هذا الكتاب” إنه مرآة طالعت فيها العالم والحياة، لا بل طبيعة نفسي مرسومة في جلال مخيف… إنه ليبدو لي أنّ شوبنهاور كان يخاطبني أنا. لقد أحسست فيه شعوره المتحمس وخيّل إليّ أنّي أشهده ماثلاً أمامي في كل سطر كأنما يناديني نداءً صارخاً(8). حسب نيتشه خليفة شوبنهاور وتأثر بنظرته التشاؤمية.

عدَّ نيتشه أن الإيمان بوجود إله يعدُّ تحقيراً للحياة وازدراء بالعالم وهروباً من المسؤوليات الملقاة على عاتق الإنسان وطالب بإله شريرٍ ماكرٍ عنيفٍ هدّام ” يحتاج المرء تماماً إلى إلهٍ شريرٍ بمقدار ما يحتاج إلى إله صالح… بأي شيء يفيد إله لا يعرف الغضب والانتقام والحسد والسخرية والمكر والعنف(9).

صرّح نيتشه بأن إله اليهود اتسع نطاقه في المسيحية حتى صار يملك نصف البشرية، وكذلك تهجّم على الكنيسة التي أفسدت الإنسان وأضعفته، على الرغم من أنها ادعت أنها أصلحته . شبّه الكنيسة بمجرد حظيرة كبيرة تطارد أجمل أنواع الحيوان أيّ الإنسان فجعلته مريضاً مثيراً للشفقة حاقداً على نفسه، ممتلئاً غيظاً ضد دوافع الحياة، وأفقدته قوته وسعادته” لقد أراد المصلحون، على مرّ العصور أن يصلحوا الناس، أن يصيّروهم “أفضل”: هذا ما كان يسمى “أخلاقًا” قبل أي شيء آخر… لقد سمي “ترويض” الحيوان الإنساني و”تدجين” نوع من الناس “تحسيناً”، وحدها هذه المصطلحات المستعارة من علم تربية الحيوانات تعبر عن حقائق – حقائق لا يعرف عنها أكبر من يُمثّل أولئك الذين يريدون إصلاح الإنسان شيئاً، لا يريد أن يعرف عنها شيئاً أعني بذلك القس… القول إنّ ترويض حيوان ما هو “جعله أفضل” يكون له في آذاننا وقع الهزء الذي يعرف ما يحدث في الحضائر يشك في كون الحيوان الأعجم يصير فيها أفضل. إنهم يوهنونه، يصيرّونه أقلّ خطراً، يجعلون منه حيواناً مرضياً بالتأثير المحبط للخوف، بالألم ، بالجراح وبالجوع”(10).

لم تقف المسيحية موقفاً منسجماً مع الواقع الطبيعي للحياة، بل حسبت الوجود ذنب وخطيئة، والإنسان ضحية وجوده، لذلك عاش الإنسان مقيداً بذنوبه وآلامه، ولهذا السبب، وجد الألم ، ولزم التكفير والقربان. هاجم نيتشه ذبيحة الصليب. الذبيحة التكفيرية في شكلها الأكثر إثارة للاشمئزاز، والأكثر بربرية، التضحية بالبريء لغفران خطايا المذنبين أيّة وثنية هائلة، هذه المفاهيم التي تتحدث عن الخادمات للأخلاقيات مثل النفس، الروح، حرية الإرادة الله، كلها أكاذيب: تهدف إلى التدمير “الفيزيولوجي” للبشرية. تقوم الأخلاقيات المسيحية على أشدّ أشكال إرادة التزييف وفكرة نكران الذات التي تصبُّ ضمن إطار الأخلاقيات المسيحية وتعرّفها بالقيم، والتي نعتها نيتشه بالمتفسخّة. الإنسان المسيحي هو: “الحيوان الداجن، حيوان القطيع، الحيوان المريض المدعو إنساناً – المسيحي”(11). إنحازت المسيحية إلى كل ضعيف ومنحط وفاشل وشكلّت من مناهضتها الغرائز التشبّث بالحياة المفعمة مثالاً، مفسدة ومسيئة، من خلال ذلك، إلى صميم تلك الطبائع النفسية الأكثر قوة، عبر تعليمها لعدِّها القيم العليا المندفعة للنفس خطيئة وضلالات وغاويات. اتخذ نيتشه مبدأ يرفض أخلاقيات نكران الذات، لأنه يعدُّ هذا المبدأ يمثل إرادة الكاهن في انحطاط كلِّ البشرية. وقد وصف الكاهن بالطفيلي من الإنسان الذي يفرض الأخلاقيات المسيحية بالقوة وهو الذي يقود الناس إلى المجهول من دون مشورة أو حوار، وبالتالي فالأكليروس المسيحي ساهم في تشويه المفاهيم الدينية المسيحية لافتقادهم إلى الموضوعية في رسالة المسيح وعدم تقبلهم الألم الذي يطهّر الإنسان من الخطيئة، ويعدُّ نيتشه : “أن هذه القيم كلها معادية للحياة. ضمير الإنسان هو غريزة القسوة وليس صوت الله في الإنسان، لأن قسوة الإنسان على ذاته وبحثه الدائم عن العدم والخوف من عدم وجوده يشكلان الهاجس الأساسي لبقاء روح الانسان. “لا تقوم قوة الكاهن على أن الله يقف وراءه كما يعتقد الجميع بل لعدم توفّر الأفضل ولأنه المثال الوحيد”(12). يُشفق نيتشه على الكهنة عادًّا إياهم مُكبّلين بدعوتهم بالإصغاء ، فيرى أنهم يتألمون وسجناء يحملون وسم المنبوذين في العالم. يستعمل الكهنة القوة من خلال الوصايا الكاذبة في الدين والكلمات الوهمية . واستطاعوا بواسطة الأخلاق أن ينتحلوا لهم صفة مقرري القيم وسيلة لممارسة السلطة . وفي الواقع، هذه هي رؤيتي: “إن المعلِّمين وقادة البشرية في مُجملهم لاهوتيون، وهم أيضاً منحطوّن في مجملهم. من هنا كان انقلاب القيم إلى معاداة للحياة. ومن هنا كانت الأخلاق… “الأخلاق هي الحساسية المرَضيّة للمنحطّ مع النية الخفية في الانتقام من الحياة – وقد تم ذلك بنجاح”(13). على الإنسان أن يكبح جماح قلبه قبل أن ينجر عقله إلى الضلال، فإنّ الرحمة هي التي أماتت الله واستميت الإنسان، تتعامى المحبة العظمى على الرحمة لأنها تسعى إلى خلق من تحبُّ. وبالتالي قارب نيتشه فكرة الرحمة إلى فكرة القوة القاهرة التي تسعى إلى تدمير مباني المحبة والتسامح والوفاء.

5- الألم بين السعادة وتحقيق الذات

من إبداعاته الفكرية والفلسفية والنفسية قدرته على الوعي الذاتي استطاع نيتشه فهم طبيعة المعاناة وارتباطاتها ارتباطاً وثيقاً بالنفس البشرية مساوياً بين اللامعاناة باللاحياة، والألم بالنسبة إلى الرجل الضعيف لا يكون سوى مجرّد نفي لكل قيمة، وأن تأكيد الذات من وجهة نظره لا تكون بالصراخ والعويل والنحيب إنما تكون باستجابات إيجابية بعيدة كل البعد من الاستلام.

من هنا حذّر نيتشه البقاء من دون عمل وكفاح ومعاناة، مسجونين في غرف مغلقة للمحافظة على المتعة والراحة والرخاء. كما حذّر من الاستسلام أمام غريزة الموت مؤكداً أنه لا يمكن تحقيق الذات من دون جرعات ومساحات من الألم والمعاناة، بل أكثر من ذلك فنراه موائماً بين سعادتنا وبلاءتنا. لم يستسغ نيتشه فكرة النجاح وتحقيق الذات بسلاسة وسرعة وسهولة، وبالتالي لا يمكن لأحد الوصول إلى درجة عالية من الإبداع من دون التجربة التي لا يصل من خلالها إلى النجاح الباهر إلا بتكرارها مرات ومرات. إن الوصول إلى النجاح مشروط بالفشل والوصول إلى تحقيق الذات تمرّ في المعاناة والألم والقلق. كثير من الناس لا يستطيعون الاستمرار في المثابرة والمواجهة لأن التحدّيات محبطة ومدمرة والقليل القليل الذين يصلون نهاية المطاف مشبعون بالألم والنجاح. وفي دلالة على ارتباط الألم بالسعادة يشير نيتشه إلى أن المتعة والألم مرتبطان بقوة معاً، وبمقدار مستوى المتعة التي يرغب بها الفرد لا بد من أن يوفر ما يساويها من الألم. وهذا هو المعيار والخيار والقرار عن الإنسان نفسه، فمن يريد أقل قدر ممكن من المعاناة يبتعد تلقائياً من النضوج وتحقيق الذات ومن يمتشق المعاناة خياراً في حياته يرتقي إلى درجة نضوج قيمية راقية، وبالتالي إلى تحقيق ذاته. ويؤكد نيتشه إن تقليل درجة ومستوى الألم عند البشر تكون النتيجة الطبيعية انخفاض منسوب المتعة والسعادة، التصدي ومواجهة المعاناة هو دليل على عدم الخوف من مواجهة الصعاب، وبالتالي التمتّع بحياة خالية من المعاناة على الرغم من إنه لا يمكن الهروب منها لأنها جزء من النفس البشرية. في غريزة الحياة يبحث الإنسان منذ ولادته حتى مماته عن اللذة والمتعة والبعد عن المعاناة والسعي الدؤوب للحصول على السعادة، أما في غريزة الموت والتي تحتوي على فلسفة تدمير الذات فيسعى الإنسان إلى الحفاظ على ما يُسبّب المعاناة لإعادة انتاج القهر والألم. يعيش الإنسان منذ الولادة وحتى الممات بين هاتين الغريزتين غريزة الحياة وغريزة الموت، والسجال طويل ومرير وأي انتصار – لإحدى الغريزتين معناه الإنهيار النفسي والموت.

ومن أبرز مزايا شخصية نيتشه أنه كان يكره شرب الكحول وربط السعادة الفردية باجتناب شرب الكحول مستبدلاً الماء بالكحول، عادًّا أن محاولة الهروب من مشاكلنا لا يكون باحتساء الكحول وحول العلاقة بين الألم والسعادة أشار إلى أن السعادة لا تأتي بالهروب من المشاكل ، بل بتهذيبها وبتغيير سمة اتجاهها نحو مصلحة ، بقرار بعيد من التقدير الطبيعي ينصح نيتشه لمواجهة مشاكلنا وأحزاننا هو إغراقها في الكحول، بل أن نسعى إلى التمسّك بالقلق الحيوي الوجودي، الذي يدفعنا إلى الشعور بأن هناك خطأ ما، وأن علينا تغييره. على الرغم من صعوبة حياته، فلا يجب أن نظن أن نيتشه كان حزيناً معظم الوقت، أو كان يحمل صليبه المعكوف على ظهره يئن من أوجاعه وآلامه من قهر الكنيسة، بل كان منفتحاً على ذاته من خلال ما يقوم به من انجازات التي كان يواضب على الكلام عنها خصوصاً حين يوجده في الجبال، ولكنه حين يتحدّث عن الإنجاز فلا يعني هذا أنه تحدث عن “العيش المريح”، وهاجم من يتبعون “دين الراحة”، ونعتهم بالسفلة الصغار المختبئين في الغابات كالغزلان الجبناء، ولكن من يتجرّأ الصعود فوق خط الأشجار سيشهد الإطلالات والمناظر الرائعة، ويتنفس الهواء النقي، حينها نعلم فوائد التخلي عن الراحة، لنشهد الإنجاز الحقيقي، وإن النظر إلى المعاناة على أنها شرّ أمر يجب إبطاله، وهو غباء أشد خطورة ، كما عبّر يوماً في مقولته المشهورة “ذلك لا يقتلني، يقويني”.

  • الشفقة بين الألم وإرادة الحياة

يستدعي الألم البشري الشفقة، ويوّلد الاحترام، ويثير المخاوف لأنّه ينطوي على عظمة سرّ فريد. يجب أن يحتّل هذا الاحترام للألم البشريّ محلّ الصدارة، لإعطاء الألم بعداً وجوديّاً. حاجة القلب تأمر بالتغلٌّب على الخوف، والرجل الذي يقوى على احتمال الألم لا يخرج من التجربة إلاّ بصلابةٍ أقوى، وأشدّ عزيمة، وأصلب عوداً. ولا غرو أنّ “خبرة الألم” هي فرصة مؤاتية لزيادة قدرته على الاحتمال، وتنمية كيانه الأخلاقيّ، وتنقية معدنه الإنسانيّ. وإذا كان للألم نظرة قيّمة خلقية كبرى، فذلك لأنّ استجابته للمحن والتجارب هي النقيض تماماً من استجابة الرجل الضعيف المستكين.

ونيتشه الذي عاش ظروفاً خاصة ورث عن أبيه روح التدين والشفقة والمثالية وحب الموسيقى، وورث عن أمه الإحساس المرهف، ولكن في شبابه اجتهد أن يتخلّص من الشفقة قائلاً: “الشفقة أعظم خطر عليّ. هذه الشفقة نتيجة سيئة من نتائج طبيعة والديَّ الشاذّة، وهو الذي كان كلَّ من عرفوه يضعونه في صفوف الملائكة قبل أن يضعوه في مصاف بني الإنسان”(14). “أما والدة نيتشيه الُمتدِّينة فكانت دائمة الصلاة من أجله، وكانت على وشك حرق كتاباته المملوءة بالتجديف. يرتفع الإنسان عن طريق الشفقة فوق مبدأ التفرُّد إذ يستشعر الألم العام (ألم النباتات وألم الحيوانات وألم البشر) فلا يلبث أن يدرك أن الوجود بأسره كله واحد وأنّ إرادة الحياة تعمل عملها في نفسه هي بعينها تلك الإرادة العامة التي تتردّد لدى كل مخلوق آخر. وعندئذٍ لا يلبث الموجود الفردي أن يهتف قائلاً: إنك أيها الآخر لست غيري فما أنا إلا أنت. فالمحبة تشمل التماهي الروحي بين الناس ومن دون المحبة لا يمكن للحياة أن تستمر وبالتالي لا يمكن للألم أن يدفع نحو التحرر بالشفقة.

فالشفقة صورة من صور المحبة لأنها تحرّر من الفردية وعبور لتلك الهوةّ الأليمة التي تفصلنا عن الآخرين، وإدراك لوحدة الإنسانية بل لوحدة الوجود نفسه بصفة عامة. يستخلص مذهب “شوبنهاور” المحبة من الشفقة. لا نحبُ الآخرين إلا بقدر ما نراهم يتألّمون، وبالتالي بقدر ما نتعاطف معهم ونحنو عليهم تحت تأثير تلك الآلام نفسها. معنى هذا أن للحب طابع الشفقة والرحمة والإحسان بدليل أنّ ما يولّده إنما هو الألم يعانيه الآخرون. وكثيراً ما يكون تأثُّرنا بآلام الآخرين سبباً في إقبالنا عليهم وتجاوبنا معهم وعنايتنا بهم وإحساننا إليهم . المشاركة المباشرة في آلام الآخرين هي الأصل في كل محبة وهي السبيل الوحيد إلى القضاء على الأنانية. وليس من النادر أن يأتي حبُّ الرجل للمرأة أو حبُّ المرأة للرجل على أعقاب شعور حادٍ بالشفقة كما هي الحال مثلاً حينما يقترن رجل بإمرأة تعرّف إليها بطريق الصدفة وحدث إشفاق من أحدهما على الآخر لأسباب مختلفة. وفي مثل هذه الحالة يجيء الحبّ نتيجة لعاطفة الشفقة، وهكذا تتلاقى الشفقة والمحبة فوق صعيد القيم الأخلاقية.

لم يكن موقف نيتشه ثابتاً من الشفقة، بل تداخل في المحبة والتحرر والألم والتعاطف والرحمة والإحسان، وبالتالي، عدّها في غير مكان معياراً للذة والألم ينتقد نيتشه “الشفقة” لأنها توصل الإنسانية إلى العدمية فيحدّد الشفقة أنها تقود إلى اللاشيء، بل تقود إلى العالم الروحاني الذي لا يعترف به، وهو الأبعد إلى الله أو الحياة الحقيقية أو الخلاص. وتُكِثر وتكرّس البؤس ليشكل حماية للبؤساء هي ممارسة العدمية. هذه الدوافع المثبتة للعزم، والمرض، تتجرأ الشفقة على تلك الغرائز التي ترمي كغاية إلى حفظ الحياة ، وعلى زيادة وإعلاء قيم الحياة. وإنها بالطريقة ذاتها بمقدار ما يتكاثر البؤس كونها حامية للبؤساء، فإنها أداة أساسية في تضخيم الانحطاط”. يشدّد على أن الشفقة تقيس قيمة الأشياء، وفقاً للذّة والألم، أي وفقاً لأحوال عرضية وأمور ثانوية، ولأنماط فكرية سطحية وساذجة ينظر إليها كل من يتمتّع بقدرات مُبدعة ووجدان فنان، نظرة استخفاف لا تخلو من التهكّم ولا من الشفقة لا يقوم الإشفاق على البؤس الاجتماعي، أو على المجتمع ومرضاه ومنكوبيه، أو على فُسّاقٍ ومحتالين منذ الأزل، أو على فئات العبيد المتململة المقهورة والمتمرّدة والتي تطمع بالسيادة والحرية، بل إن إشفاقنا هو إشفاق أعلى وأبعد نظراً لأنه يصغّر الإنسان. كما يبدو إلغاء الألم أعظم وأسوأ مما كان عليه يوماً لأن الهناء كما يفهمه الناس ليس هدفاً البتة، بل يبدو نهاية وحالاً سرعان ما يُحيل الإنسان إلى أضحوكة وحقارة ، ويجعل هلاكه مستحباً. يعترف بأنّ التأدب بالألم، الكبير هو التأدّب وحده خلق حتى الآن كل ترقيات الإنسان. كما الحياة الموت، هي السعادة والبؤس، لذلك يعيش الإنسان حياته يفتش على سعادته من باب الألم والصبر وبالتالي يصنع مستقبله وحياته السعيدة بيديه فالسعادة ليست من صنع الإنسانية ، وهذا مخالف لمفهوم السعادة الحقيقية . يخلق الإنسان سعادته بذاته، وتتمحور حول شعوره بالقوة. يجب على كل إنسان يرغب بالسعادة. أن يتقبّل ويرحّب بكل أشكال المعاناة والفشل، وأن يعدَّها تحديات عليه تجاوزها، تماماً كمتسلق الجبال الذي يجابه الصعوبات بهدف الوصول إلى القمة. اعتقد نيتشه بفائدة أن يعيش الإنسان النكسات في حياته. “إلى كل الأشخاص الذين يهمني أمرهم، أتمنى لهم العذاب والكآبة، سوء المعاملة والإهانات، احتقار الذات العميق، وعذاب الشك في النفس”(15) ولفهم ما قصده نيتشه بهذا القول، فمن المهم زيارة إحدى قمم جبال الألب المفضلة لديه، ومع الهدوء الموجود في هذه القمة، وتحتها الغابات والقرى، ومن هذا المكان في القمة، نفهم لم وضع نيتشه هذه الأهمية على قمم الجبال، ففي القمة، تجد أجمل المناظر، إلا أن من الصعوبة بمكان الوصول إليها، فمن أجل الوصول لأمرٍ ذي قيمة ومهم، على الإنسان أن يتكبّد جُهداً استثنائياً، ومن المؤكّد أن نيتشيه عرف الكثير عن المعاناة، سواء أكانت جسدية أم عقلية، فقد كانت حياته معاناة مستمرة ، فقد صارع المرض باستمرار، دوار الرأس، الصرع، التقيؤ، وقد تكون نتيجة للسفلس الذي التقطه من بيت دعارة وهو لا يزال طالباً، وكان بالتالي مُرغماً على القيام برحلة حول أوروبا، ليجد مكاناً بمناخ يتناسب مع حالته الصحية، حتى وجد مكاناً في منطقة “سلس ماريا” في أعالي جبال جنوبي شرقي سويسرا.

على الرغم من المفارقات التي عاشها نيتشه في حياته. وعلى الرغم من الظروف النفسية والصحية والتربوية والفكرية والثقافية التي يتداخل فيها القهر والعذاب والصراخ الصامت لنفس تئن وجعاً وألماً، كان نيتشه يقدّم النموذج الخلاّق في التعددية في صور الحياة وبالتالي يمكن أن نختصر من حياة نتيشه دروساً في السعادة والألم. السعادة هي معاناة ، لأنّ أي انجاز ذي شأن هو ناتج عن كفاح مستمر وعمل مجتهد. وقد نفترض أن النجاح يأتي سهلاً ومفاجئاً لبعض الأشخاص، بينما بالنسبة إلى نيتشه ما من طريق مستقيم نحو القمة، وكتب “لا تتحدثوا عن الموهبة والفطرة، يمكن للمرء ذكر العديد من العظماء الذين لم يكونوا موهوبين، لقد اكتسبوا العظمة، لقد أصبحوا عباقرة، وقاموا بهذا بتجاوزهم للصعاب”(16). لذلك إن أهم انجازات ومشاريع الإنسان تعدُّ جزءاً لا يتجزأ من درجة من العذاب، ومصادر أعظم أفراحنا نجدها قريبة بشكل غريب من أعظم آلامنا. في قلب فلسفة نيتشه فكرة بسيطة وهي أنّ العسر، أمر عادي، يجب ألاّ نهلع، أو نستسلم عند حصوله، وشعورنا بالألم، لأننا نرى دوماً الفرق بين ما نحن عليه، والصورة المثالية التي نريدها لأنفسنا، إن حجم العذاب الذي نمرُّ به، هو انعكاس لعدم قدرتنا على التمكّن من الحصول على عناصر السعادة على الفور.

وإن كانت المعاناة هي ما نحتاجه للشعور بالإنجاز، فجميع الناس سعداء. إن التحدّي هو بردود الفعل بشكل صحيح إزاءها، وربما باستخدامها لخلق أمرٍ جميل. لذلك يوضح قائلاً: “نحن من الثقافات التي تُفضّل عدم الحديث عن الفشل، على أساس أن الفشل هو شيء شاذ يحصل لفئة قليلة على عكس الحديث عن النجاح، وبشكل ما لا يجتمعان معاً، ولكن في كل حياة ، حتى لو كانت ناجحة، فلا بدّ أن تشتمل على شكل من أشكال الفشل، على مستوى ما… في حياة كل شخص فشل ما، ولكن ما يجعل الحياة لدى البعض أكثر رضى هو أسلوبهم في التعامل مع الفشل”(17).

لذلك حسب نيتشه الحياة تحدي للموت والوجود ومعاً، لا سعادة من دون فشل، والفشل سبيل إلى النجاح، وسُنّة الحياة تُعلّمُنا كيف نصحّح الخطأ عند الفشل لنرتقي إلى حياة ناجحة.

7- الألم والتفوق عند نيتشه

لم يرض نيتشه برتابة الحياة الكلاسيكية، بل رحّب بالتناقض والتحدّي للوصول إلى التفوّق، داعياً إلى دعم الإنسان ورعايته وصناعة تفوقه إذ كان يعتقد نيتشه أن العقل يخلق اضطراباً في الكائن البشري ويزيده قلقاً وغمًّا، وينطلق الإنسان في فضاء الأوهام والخرافات بنشاط غير مستقر يعيش جنون الإفراط والشك بين الواقع والمتخيل، وبين الذاتي والموضوعي وكذلك بين الخطأ والصواب، يضحك ويبتسم ويبكي، مستمتعاً، عنيفاً، مُحبّاً، إنه الإنسان الشيطان ” الإنسان المتفوق هو هدف الإنسانية، وهذا التفوّق يطال الإنسان بكلّيته: وليكن هدفنا إنما الجسد كلّه وليس الدماغ وحده”(18).

وانطلاقاً من رعاية حماية الإنسان المتفوّق عدَّ نيتشه الداعين إلى التواضع والصبر والثبات بحقيرات الفضائل، وأن أصحاب هذه الصفات هم أشباه الرجال وألدّ الأعداء للإنسان المتفوق. وأشار إلى أن المجتمع يتميّز بالقوة والضعف، وبالتالي الإنسان المتفوّق يتسلّط على المتقهقرين “إن الإنسان المتفوّق في دائرته العليا ما يقابله في الدائرة السفلى من جنسه، فقد أوجدت المتفوّق والمتقهقر في آن واحد”(19). لذلك وبعد هذه القراءة الدقيقة للإنسان المتفوّق ينتج أن خير الناس أقواهم جسماً وروحاً لأن غاية الإنسان القوة، ولا يمكن للإنسان أن يقارب الحقيقة إلا بمقدار ما تسمح له شجاعته ومقدرته، أما الخوف والجبن والتقهقر ما هي إلا صفات تلازم الضعفاء ” فالضعفاء غير أحرار في المعرفة”(20). يرفض نيتشه المساواة بين الناس بعد موت المسيح، وبموته سقطت فكرة الضعف أمام فلسفة الإنسان المتفوّق، وهذا الضعف يعدُّه انحطاطاً وسقوطاً، وبالتالي يرفض التضامن مع المنحط، إنه أبعد ما يكون عن الشفقة تجاهه. لكن المؤمن يريد انحطاط الكُلّ، الإنسانية بكليّتها، لذلك هو يحفظ العنصر المُتفكّك، بمثل هذا الثمن تتسنىّ له السيطرة عليها.

يربط نيتشه الأخلاق بمفاهيمها الرائدة، الروح، النفس، الإرادة الحرّة بالتدمير الكلّي للفيزيولوجيا الإنسانية وإلاّ تكون كاذبة بامتياز، وكل ما يقوم به الإنسان من تنمية القوّة البدنية وحفظ النفس واستمرار الطاقة الوجودية التي تنتهي بخلاص الروح لا تساوي شيئاً إن لم تكن وصفة للإنحطاط.

من هنا يؤكد نيتشه على ضرورة تلاؤم المفاهيم الأخلاق بالقوى التدميرية لمساحات الإنسانية في الكيان البشري، لذلك قال: “إن فقدان الثقل الجدي، ومناقضة الغرائز الطبيعية؛ أي نكران الذات في كلمة واحدة، ذلك هو ما ظلّ يسمى إلى حد الآن بالأخلاق”(21).

وكأنّ نيتشه رفع أمامه الحجب، فرأى ما لم يره غيره من حقائق وحياة انكشفت أمامه جلية وواضحة متخذاً نسقاً جديداً في الحياة تاركاً ما ألفه وتعلمه وعاش فيه، وما اتخاذه من قرارات مغايرة لماضٍ لطالما عاشه بفرح وألم إلا بعد أن بدت له الحياة بصعوبة تفاصيلها من مرضٍ وفقرٍ وسلوكٍ رخيص وجهل وطيش لدى الشباب تنكراً للذات، لذلك اتخذ قراره القاطع من التمادي في الإذعان والمسايرة، ومنحه المرض فرصة تغيير كامل لعاداته ، كما سمح له بالنسيان والانتظار والصبر. غير أن ذلك ساعده على التفكير، فوضع حداً للانغماس في الكذب ونجا من الكتاب، لم يقرأ شيئاً لسنوات عديدة، عادًّا ذلك إحسانا قام به وذابت ذاته في الصمت طويلاً بعد أن كانت مرغمة على الاستماع إلى ذوات أخرى بدأت تستيقظ شيئاً فشيئاً خجولة غير واثقة، فالسّعادة وحدها في مراحل الألم والسقم لا نجدها بسواهما.

يؤكد نيتشه أن الألم هو أداة فعالة من أدوات المحافظة على بقاء النوع فالألم عنده مثل اللذة، ولو لم يكن الألم كذلك لما بقيت الموجودات منذ زمن بعيد على الرغم من أنه جارحاً، فالجراح التي يسببها لنا ما هي إلاّ علامات على طريق الشّفاه.

تعدّدت العناوين التي تميّزت بها حياة نيتشه وبالتالي كان بارعاً في توصيف الواقع ودراسة التّجربة وتراكم الخبرات ليتسنّى له الوقوف على التفاصيل والوصول به إلى المكان الذي يريده.

وانطلاقاً من خبرة الألم والعلاقة بين القوة والضعف والسلطة والدين، تكمن نظرية نيتشه التي تربط بين القوة والدين. الدين عامل استغلال لدى السلطة لتسيطر على شعور الشّعب فيشكل الدين القوة التي توحّد الشعب تحت راية السلطة الحاكمة، ويكون ذلك نتيجة اتّفاق بين رجال الدين والسّلطة. وفي حال عدم وقوع الاتفاق عندها ندخل في حالة الصراع بين الإثنين، فيقول نيتشه: “الإبقاء على الدين لأن الدين يضمن طمأنينة النفس في مرحلة الإحباط، والحرمان والرعب والريبة، أي في المرحلة ذاتها التي تشعر فيها الحكومة بأنها عاجزة عن فعل أي شيء”(22) الدين هو صناعة إنسانية. خلق الانسان الله كمثال يحاول من خلاله تجديد نفسه بالصفات الحسنة وخلق الرجاء للتوصل إلى الصبر والمثابرة على التحديات. تأتي الفضائل من الإله الذي يعبده الانسان: “إنَّ خصائص الله للطبيعة، تصنع منه فقط إلهاً للخير، سيكون إزاء هكذا أفكار خارج كل ما هو مُستحب يحتاج المرء تماماً إلى إله شرير بمقدار ما يحتاج إلى إله صالح، كما إلى أن لا نرهن الوجود الذاتي إلى المسامحة والإنسانية بكل تأكيد. بأي شيء يفيد إله لا يعرف الغضب والانتقام والحسد والسخرية والعنف؟

هذا التضاد والموائمة التي جسّدها نيتشه بين إله الخير وإله الشر – إله صالح وإله شرير دفعه إلى القول إن لا بد من أن يكون إله الخير والصلاح إلهاً يُعنّف ويقسو على رعيته لتستقيم حياتهم بالغضب والانتقام.

يحدِّد نيتشه الخير أنّه “كلُّ ما يلبِّي الشعور بالقوة هو إرادة القوة، والقدرة ذاتها داخل الإنسان”(23)  وجود الخير هو الضرر الأكبر في العالم لأنّ الإنسان يتوجّه به إلى الضعفاء والمهمّشين وكل إنسان على وجه الأرض: “الخير إنما هو دائماً بداية النهاية، ومهما يكن الضرر الذي يفعله مشوهو العالم، ” فإنّ ضرر الخير هو أكبر كوارث الضرر كلّه”(24)، لذلك يُعدُّ أن من الخير القضاء على الضعفاء والفاشلين والتخلّص منهم حبّاً بالبشرية. الضعفاء والفاشلون يجب أن يهلكوا تلك هي القاعدة الأساسية في حبّنا للإنسان. وفوق ذلك يجب أن تقدّم لأولئك المساعدة كي يهلكوا.

لا تمثّل البشرية تطوراً نحو الأفضل، أو نحو الأكثر قوة، أو نحو الأرفع ، بالطريقة التي تعتقد اليوم، ولعلّ فكرة الترقّي فكرة حديثة، بمعنى فكرة خاطئة. صار الأوروبي اليوم أدنى قدر؛ من أوروبي عصر النهضة. لا يعني التوسَّع المتتالي، إطلاقاً، ولا بأيّة ضرورة، تنامياً واقتداراً. تحققت باستمرار في حالات مفردة، بأماكن مختلفة من الأرض، وحضارات متنوعة، نتاجات فيها بالفعل يعثر عن نموذج أعلى: شيء هو بالنسبة إلى البشرية كلّها متفوق (سوبر إنسان). “حتى إنّ ذرية كاملة، وجنساً وشعباً، بإمكانها أن تجسّد، وإذا أتاحت لها الظروف ذلك، تعدُّ واحدة من ضربات الحظ”.(25)

يتهجّم نيتشه على طبقة الشعب العامة ويأبى المساواة معها لأنها تتغامز وتنكر الإنسان الراقي. ترى المسيحية في الناس على اختلاف طبقاتهم إنساناً واحداً أمام الله، في حين أن المساواة أمام الله لا قيمة لها ما دام هذا الإله قد مات. يطلب من المتفوقين والراقين أن يبتعدوا عن ساحاتها.

8 – التراجيديا والألم

من الملاحظ أن نيتشه كان عاشقاً للتراجيديا وعندما كان يتحدث عن التراجيديا اليونانية، لم يكن يتحدث عنها بلغة أرسطية ولا بلغة تاريخية، بل كان يتحدث عنها، بلغة فنان عاشق حتى الموت. كان نيتشه يداعب التراجيديا اليونانية، كما يداعب امرأة حسناء وبدلال طفولي. كان يغازل ماهيتها بعشق وشغف، ويلامس “جسدها” في انتشار صوفي. لكن، فجأة يكشّر نيتشه كنسر جارح فيهاجم ” طريدته ” الروح العلمية ويحاصرها من كل الجوانب فيهوي بمطرقته على العقل والحكمة ويعبث بالتفاؤل ويحاصره ، فيتعالى على المألوف والاستكانة. إن التراجيديا عند نيتشه، بؤرة الحياة الأبدية وانفتاح لا نهائي نحو الآفاق المجهولة، ومقاومة للموت، وممارسة للذة في الألم. التراجيديا معانقة للمتعالي.

إن البطل الأسطورة الذي أوجده نيتشه في التراجيديا كان مفارقاً ومغايراً لأمثاله من الرجال، حيث أعطاه صفات “السوبر مان”، والرجل النزيه المتفوّق والنموذج، فكان عنده البطل التراجيدي مقياساً لكل شيء: البطل الإنسان الذي انتقاه من الجمهور وأنطقه بما يريد ويرغب، بطلاً لا يساوم ولا يقبل الحلول الوسطى فهو يصارع في كبرياء ونخوة. والملاحظ أن صيغة هذا الصراع صيغة عمودية وليست أفقية، صراع مع الآلهة والقدر. أكبر الألم عند الإنسان وأقساه هو الموت، والتراجيديا في عمقها وجوهرها مقاومة للموت نفسه، والحلول في الزمن الأبدي، مع ذلك، يظل الموت حاضراً أو قائماً وإذا كان لا بدّ منه، فعلى الأقل لنختر كيف نموت… أي أن نموت بكرامة وشرف. لا يتأتّى هذا في نظر نيتشه – إلا بالمواجهة البطولية. بعبارة أدق، إذا كان لا بدّ من أن نموت فيجب أن نموت أحراراً منتصرين ، أي أن نختار موتنا ونتوجه إليه بعزم وإصرار بتحدٍ وبطولة . فالموت البطولي أجلُّ من الموت جبناً. على هذا الأساس تقوم التراجيديا عند نيتشه. فالأبطال التراجيديون يختارون موتهم ببطولة وشجاعة وإقدام. فهم يعرفون أنهم سيموتون إلا أنهم يختارون موتهم، ويذهبون إليه فهم يعلمون أنهم سيندحرون في مواجهة الآلهة إلا أنهم مُصرّون على التحدّي والمواجهة بهذا إذاً تتجسّد الأسطورة في البطل التراجيدي الذي يرتمي كالأعمى، ورأسه مقنّع في تعاسته والفعل ميؤوس منه، ولكنه سام.         لقد كان الإنسان اليوناني يحسُّ بالضجر والرعب، وبالخوف في هذا الوجود، إلاّ أنه كان يرفض أن يتعامل معه – أي الوجود – كخطيئة أو ذنب، كما الحال مع المسيحية، ومع الروح العلمية التي عملت على احتضار التراجيديا وموتها يرى نيتشه أنَّ “الروح العلمية بتجلياتها المتعددة (العقل والوعي والمنطق… والمسيحية بمواقفها من الحياة الوجود)، كلّها علامات أساسية على موت التراجيديا والفعل التراجيدي، وعلى الانحطاط والتعب والمرض الذي أصاب الحضارة اليونانية والحضارة الحديثة بعصورها المختلفة”(26) ولبعث الحياة والتراجيديا من رماد العصر، فلا بُدّ من تقويض أسباب موتها والإيمان مع نيتشه، أن حياة قد عبرت وولّت، وحلّ زمن الإنسان التراجيدي، زمن الإنسان المتفوق، الإنسان الذي نجد مواصفته ظاهرة عند زرادشت.

9- الخاتمة

استخدم مختلف الفلاسفة تجربة الألم لتحليلها بمختلف أنواع فلسفات العقل والإيمان. تشكل قوة الألم انعكاس الحياة الإنسانيّة للسعادة بكل أطيافها الجسديّة والنفسيّة والفكريّة والعقائدية والعرقية في الماضي والحاضر، بمختلف مفاهيمها بين الملحد والمؤمن، بين الغني والفقير، بين السيد والعبد بين المرأة والرجل وغيرها. يعطي الإنسان معناه الشخصي لفكرة الألم انطلاقاً من إيمانه وفلسفته وفكره واختباراته وأحلامه وتطلعاته ومجتمعه. في حياتنا اليومية، تنشأ المصاعب بشكل ثابت. لكن المصاعب نفسها لا تسبِّب “أوتوماتيكياً” الألم. إنّ رفض تقبُّل الألم كجزء طبيعي من الحياة، يمكن أن يرى المرء نفسه كضحية دائمة ويلقي اللوم على الآخرين لوجود المصاعب فيجعل حياته بائسة. ويصل الأمر به إلى جعل عذابه يدوم، ويحييه عن طريق إعادة تعداد آلامه في ذهنه، أكثر فأكثر، مبالغاً في الظلم الذي لحق به. ولكن إن تمكنّا مباشرةً من أن نواجه مشكلتنا أو أبعدناها من ذهننا المشوّش وركّزنا طاقاتنا على إيجاد حلّ ما لها، يمكن للمشكلة أن تتحوّل إلى تحدٍّ. يشدّد “هيغل” تكراراً على أنّ الإنسان، لكي يعيش حياة كريمة، يجب أن يتصرّف بواقعية ويحقّق أهدافاً شاملة. لكي يتحرّر الإنسان من شقائه، عليه الاعتراف أن حقيقته التي عاشها على الأرض هي عمله . عليه أن يسقط فكرة الغيب ويعيش واقعه الراهن. يُبطل معرفة الذات، ويصبح رجل العقل. وعيُ الإنسان وجدانٌ تعيس، وجدانٌ كُتِبَ له أن يذهب حتى نهاية آلامه التي لا تنتهي، عبر مراحل ومستويات ووجوه عديدة . بعد كل تجاربه الأليمة، وبعدها فقط ، يكتشف السعادة في قلب بؤسه. اختبر نيتشه الألم بكلّ أبعاده في مسيرة حياته لكنه نظر إلى الألم من زاوية مختلفة زاوية الملحد ضدّ المسيحية وتعاليمها.

كتب نيتشه قصة مرض وشفاء، لأن الشفاء مجرّد تجربة شخصية فقط، ليكون ذلك الجزء “الإنساني المفرط في إنسانيته” وفي شخصيته. يتحدث عن تكرار العلاج الثقافي لنصل إلى علاج تلقائي من الرومانسيّة صنعتها له الإنسانيّة التي ظلّت سالمة. وبعد مرور ستّ سنوات على شفائه يقدّم أعماله في كتبه وينقل تعاليمه وفلسفته إلى الناس بقوّة ووضوح. تتعلق هذه التعاليم بالصحّة وتوصي ذوي العقول المتطلّبة من أبناء الجيل الصاعد بالامتثال الطوعي لها. يأخذ على عاتقه تحقيق التفوّق. يكره الألم والضعف، ويعمل على التحرّر من أسباب النقص والمرض والألم، ويسعى جاهداً في سبيل الظفر بالقوّة والحصول على الامتياز أو التفوّق. لا يريد لنفسه أن يعيش ضعيفاً، قاصراً، ناقصاً، مفتقراً، بل يريد لنفسه أن يكون قويّاً، قادّراً، متمكنّاً، متفوّقاً على الآخرين. لكنه لا يصل إلى حالة الوعي بالذات من خلال النشوة والانجذاب، بل من خلال الصراع من أجل القوّة. ويعدُّ أنّه مهما يكن من قيمة الألم في حياتنا البشرية فإنّنا لا نستطيع أن نستغني تماماً عن القوّة.

ويحمل الألم عند نيتشه صفات القوة والضعف في الوقت نفسه. يسعى كل ألم عنده إلى تطوير البشرية ونجاحها وتقدمها، ويشكل مصدر قوة. أمّا كل ألم يضعف البشرية فهو ضعف وغير مقبول. ليس للألم بحد ذاته قيمة إلا بمقدار الوصول إلى فكرة “السوبرمان” الرجل المتفوّق. يشكل الألم لنيتشه مصدر قوة فردية وتحديّاً للوصول إلى هدفه والتقدّم والمثابرة نحو الأفضل من دون فضل لأحد أو أي مساعدة من قوة إلهية. صاغ نيتشه أفكاره الفلسفية في قالب ملحمي ولغة شعرية، وقدّم في كتاباته مقاربة للفضائل الإنسانية وتمجيداً للقوة، وحسب أنّ الصلة وثيقة بين القوة والحياة. وحينما نادى بمبدأ إرادة القوة جعل منها قيمة أخلاقية متهجماً على الضعفاء وفكرة الضعف بحد ذاتها. ركز نيتشه على نظرية الرجل الخارق، ووجه أفكاره إلى الحضارة الأوروبية وحداثتها وعقلانيتها. وقد أظهر عداءه الشديد للديمقراطية والإشتراكية والمسيحية على أساس أنها تمثل “أخلاق العبيد”. حارب الأخلاق النفعية بحسبانها “فلسفة للخنازير”، تقوم على الجشع، لأنه ينبغي أن تكون إشعاع حب الله، والرجاء في سعادة أبدية، وشعلة حب حارق، والوسيلة المثلى للتعبير عن شكرنا لله وللآخرين هي أن نتقبل كل شيء بحماس وفرح. الفرح هو ترياق الألم، وخميرة خصبه، فنتألم بفرح، ونعطي بفرح، فأفضل عطاء ما واكبته بسمة. إن المعجزة ليست في عملنا ما نعمل، وكما نعمل، وسط ظروف بالغة المشقة والقسوة، بل في أن نكون، مع ذلك، سعداء وأن نبتسم باستمرار في وجه الصعاب، لأن الحزن كالآكلة التي تلتهم حتى العظام، وبأنّ الذين، وهبوا نعمة الفرح مؤهلون لارتقاء أكثر القمم شموخاً. كان نيتشه عبثياً بامتياز عاش في ظروف سياسية وصحية وفكرية دفعته ليبحر في سفينة بلا أشرعة ، غرّد خارج السرب متألماً، لاقى المتعة بالألم والتغيير في جنون مواقفه، كان ناقماً على جيل الضعفاء وصرخ بهم نحو الإنسان المتفوق لينالوا السعادة،  ناقض نفسه وأفكار في أكثر من محطة. لكن لا يمكننا إلا أن نقول وعلى الرغم من جنونه الفكري الغريب ترك تاريخاً ومنهجاً وثقافة وفكراً أضاء به ليل الثقافة إلى أنوار تشع إبداعاً وألماً نحو سعادة لا يصل إليها إلا الأقوياء.

المصادر والمراجع

  • أبو سعيد ضو، سوزان، نيتشه والمعاناة، الفيلسوف المحنون، العدد (10) سنة 2016.
  • الناجي، محمد، نيتشه إنسان مفرط في إنسانيته، أفريقيا الشرق، لا ط، سنة 2002، الجزء الأول، ص (196).
  • بدوي، عبد الرحمان، نيتشه، القاهرة، مكتبة النهضة المصرية، ط1، سنة 1939، ص (29).
  • بورقية، حسان، أفول الأصنام فريدريك نيتشه، أفريقيا الوسطى، ط1، سنة 1996، ص (115).
  • ديب جورج، ميخائيل، نيتشه عدو المسيح، اللاذقية، دار الحوراء، لا ط ، سنة 2004، ص (139).
  • عوض، رمسيس، ملحدون محدثون ومعاصرون، مؤسسة الانتشار العربي، ط1، سنة 1998، ص (18).
  • ماجد ماجد، عبد المنعم، نيتشه فريدريك هذا الإنسان، بيروت ، دار التنوير، لا ط، سنة 2005، ص (9).
  • مصباح ، علي، نيتشه فريدريك، هذا هو الإنسان، ألمانيا، منشورات الجمل للطباعة والنشر، لا ط ، سنة 2008، ص (155).
  • نيتشه، فريدريك، هكذا تكلم زرادشت ، ترجمة فارس فليكس، بيروت، مطبعة غزير، لا ط، سنة 2000، ص (488).

10- وهبي، موسى، ما وراء الخير والشر، تباشير فلسفة المستقبل، بيروت، دار الفارابي، لا ط،

11- F, Nietsche: la naissance de la tragedie , traduction et representation de: corneluis heim. Bibliotheque mediation .Edition: Denoel. Paris 1964, p(169).

الهوامش

1- ديب جورج، ميخائيل، نيتشه عدو المسيح، اللاذقية، دار الحوراء، لا ط، سنة 2004، ص (139).

2- الناجي، محمد، نيتشه إنسان مفرط في إنسانيته، أفريقيا الشرق، لا ط، سنة 2002، الجزء الأول ، ص (196).

3- نيتشه، فريدريك، هكذا تكلم زرادشت، ترجمة فارس فليكس، بيروت، مطبعة غزير، لا ط، سنة 2000، ص (488).

4- مصباح، علي، نيتشه فريدريك، هذا هو الإنسان، ألمانيا، منشورات الجمل للطباعة والنشر، لا ط، سنة 2008، ص (155).

5- ديب جورج، ميخائيل، نيتشه عدو المسيح، مرجع سابق، ص (25).

6- مصباح، علي، هذا هو الانسان، مرجع سابق، ص (156).

7- وهبي، موسى، ما وراء الخير والشر، تباشير فلسفة المستقبل، بيروت، دار الفارابي، لا ط، لا ت، ص (69).

8- عوض، رمسيس، ملحدون محدثون ومعاصرون، مؤسسة الانتشار العربي، ط1، سنة 1998، ص (18).

9- ديب جورج، ميخائيل، نيتشه عدو المسيح، مرجع سابق، ص (52).

10- بورقية،حسان، أفول الأصنام فريدريك نيتشه، أفريقيا الوسطى، ط1، سنة 1996، ص (115).

11- ديب جورج، ميخائيل، نيتشه عدو المسيح، مرجع سابق، ص (26).

12- مصباح، علي، هذا هو الانسان ، مرجع سابق، ص (182).

13- م.ن، ص (162).

14- بدوي، عبد الرحمن، نيتشه، القاهرة، مكتبة النهضة المصرية، ط1، سنة 1939، ص (29).

15- ديب جورج، ميخائيل، نيتشه عدو المسيح، مرجع سابق، ص (52).

16- أبو سعيد ضو، سوزان، نيتشه والمعاناة، الفيلسوف المحنون، العدد (10)، سنة 2016.

17- م، ن.

18- نيتشه، فريدريك، هكذا تكلم زرادشت، مرجع سابق، ص (441).

19- م، ن، ص (438).

20- ماجد ماجد، عبد المنعم، نيتشه فريدريك هذا الإنسان، بيروت ، دار التنوير، لا ط،  سنة 2005، ص (9).

21- مصباح، علي، هذا هو الإنسان، مرجع سابق، ص (108).

22- الناجي، محمد، نيتشه إنسان مفرط في إنسانيته، مرجع سابق، ص (205).

23- ديب جورج، ميخائيل ، نيتشه عدو المسيح، مرجع سابق، ص (25).

24- ماجد ماجد، عبد المنعم، نيتشه فريدريك هذا الإنسان، مرجع سابق، ص (178).

25- ديب جورج، ميخائيل، نيتشه عدو المسيح، مرجع سابق، ص (27).

26- F, Nietsche: la naissance de la tragedie , traduction et representation de: corneluis heim. Bibliotheque mediation .Edition: Denoel. Paris 1964, p(169).

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.