القناع الأبيض

0

القناع الأبيض

د. زينب الطحان*

أيّ مفاجأة كانت تلك التي تقف خلف قناعه الأبيض الباهت؟! قناع لم يحمل ملامح وجه محدّد، ولا تعابير واضحة تشي بما يكتنفه من مشاعر متناقضة عندما وقف وجهًا لوجه أمام أخيه التوأم الحقيقي!! لم يتخيّل طارق أنّ كذبته المفبركة حول أخ توأم له قد تتحوّل إلى حقيقة بهذا الشكل المفاجئ، وهو الذي كان يعتقد أنّ كذبته هذه ستساعده لاسترجاع ناديا من مخبئها واستعادة حبّها إيّاه.

حين اكتشف هروبها الصامت من بيتهما الزوجي، أدرك على الفور أنّ ناديا هذه المرّة لن تعود إليه أبدًا. لطالما كانت تحذّره من وصولها إلى نقطة عدم الرجوع إليه. إذ إنّ قدرتها على الاحتمال، والصبر ستصل إلى أفق مسدود بحال لم يستدرك وضعه، ويغيّر مسار حياته.

بعدما فقد الأمل من العثور عليها، خطرت بباله تلك الفكرة الجهنميّة!! وأيّ فكرة رهيبة كانت!! جثّة مشوّهة سرقها من المشرحة القريبة من البيت، وضعها داخل غرفة النوم الخاصة، بعدما أوحى أنها تعود إليه، أشعل عود الكبريت، ولكنّه توقف هنيهة ينظر إلى أرجاء البيت الذي جمعه مع حبّه الأول، فإذا الذكريات تطوف به. هنا في غرفة النوم الزهرية اللون، خلف تلك اللوحة العريضة التي تحمل صورة امرأة مكشوفة الصدر، كان يوقفها ويفكّ أزرار قمصيها ليلتقط بعينيه صورتها الجميلة، ويشمّ تلك الوشمة على رقبتها البيضاء. بينما هي كانت تتحسّس ندبة ذلك الجرح القديم على حاجبه الأيمن، وتقول له: إنّها تزيده جاذبيّة. اشتعل قلبه حنينًا إليها، وعزّ عليه أن يحرق هذه الذكريات الجميلة، ففضّل الانتقال إلى غرفة الجلوس. هل يحرق هذه الكنبات المفضلة لديها؟ هنا على هذه الكنبة الصغيرة، كانت تأخذ قيلولتها، تستلقي وتدير ظهرها لكلّ التحف الأثرية التي كانت تجمعها من البلدان التي كانا يسافران إليها. نظر إلى الشرفة المطلة على صخرة الروشة، المشهد الأروع الذي كان يفتنها كلّ صباح، فقد كانت تسحبه من الفراش عندما يرفض الاستيقاظ باكرًا، وتحثّة بالقوّة على النظر إليه، لربما يفتح عينيه. وكانت تفشل في كلّ مرّة.

مرارًا، أشعل عود الثقاب، وعاد وأطفأه، حتّى وصل إلى المطبخ. وهناك استفزه كلّ ما فيه، شكله الدائري المغلق، وجدارنه الرخاميّة الملّونة، لطالما أراد أن يفتح له بابًا على الصالون، ليشعر برحابة أكبر في البيت، ولكنّ ناديا كانت ترفض باستمرار، واشتعلت فيه رغبة الانتقام منه. وهبّت النار على الفور، وأضاءت غسق الليل. خرج مسرعًا لا يلوي على شيء، تاركًا النيران خلفه تلتهم كلّ ما يحبّه.

أتت أكلها صورته و”ناديا” التي نشرها في اليوم التالي إلى جانب الخبر على مواقع التواصل الاجتماعي، عبر حساب وهمي، يعلن فيه موته، ويثير شكوكًا لافتة باتجاه زوجه “ناديا”، فقد ألقت الشرطة القبض عليها، وسط ضجة إعلاميّة، عندما كشفت إحدى الصحف ظهور أخوين توأمين للقتيل، بشكل مفاجئ، كلاهما أتى يدّعي أنّه الشقيق الحقيقي، ويطالب بالتركة والقصاص من القاتلة.

ولم يتوصلوا إلى شيء محدّد، غير أنّ “ناديا” خرجت بكفالة مالية كبيرة، عندما برهنت محاميتها أنّه في وقت حصول

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* أستاذ مساعد في الجامعة اللبنانيّة، كلّيّة الآداب والعلوم الإنسانيّة، قسم اللغة العربيّة.

 

الجريمة كانت المتهمة في منزل سيدة عجوز في إحدى القرى الشوفيّة النائية، وهي صديقة قديمة لوالدتها المتوفية لجأت إليها بعد انفصالها عن زوجها. ومع ذلك، لم يعطها هذا الدليل البراءة الكاملة، إذ ظلّت تحت المراقبة. وما أثار استغراب ناديا بشدّة أنّ طارق الذي انتحل شخصية المدعو “سمير”، شقيقًا توأمًا، هو نفسه، من دفع الكفالة، أليس من المفترض أن يكون عدوّها!!

المدعو “فريد”، وهو الآخر الذي ادعى أنّه الشقيق التوأم، كانت رائحة الشكّ والريبة تجاهها هي المسيطرة على لقاءاتهما، كان يصرّ على أقواله إنه الشقيق التوأم الحقيقي، فقد كانت أمه تروي له دومًا أنّ لديه أخًا فقدته في الحرب الأهلية اللبنانية، حين كان عمره خمس سنوات. وكان يقول لها: إنّ لغزًا ما يقف وراء قصتها مع شقيقه التوأم، “لربما أنت متواطئة مع أحدهم لقتله، لترثي مبلغ التأمين الكبير على حياته، بالإضافة إلى شركته الخاصة”. وهي كانت تقول له: إنّ التطابق الشكلي الفظيع مع شخصية زوجها لا يدعم زعمه شقيقًا توأمًا.

ولكن كان استغرابها يتزايد مع الأيام، لأنّ طارق، الذي كان يدعو نفسه “سمير”، راح يتقرّب منها، مدّعيًا أنّه مقتنع ببراءتها، مقرّرًا مساعدتها لإظهار الحقيقة. كانت تحتار في أمره، مرارًا شعرت به قريبًا من روحها ووجدانها، هو الشعور نفسه الذي كانت تحسّه مع زوجها “طارق”، وتلك الندبة على حاجبه الأيمن هل يعقل أن تكون ذاتها متشابهة إلى هذا الحد مع ندبة حاجب “طارق”!! خافت من مشاعرها واضطرابها تجاهه، حتّى بدأت تقتنع مع الوقت أنّه زوجها نفسه، فمهما حاول تمويه حركاته عنها، والادعاء بتصرفات مغايرة .. لم يستطع أن يبعد منه مسار شكوكها الكثيرة حياله. ولكن لماذا يلعب هذه اللعبة القذرة معها، وكيف يتودّد إليها في الآن نفسه؟!

ولم تعد تحتمل نفاقه أكثر، هو يضعها بين نارين، نار حبّها إيّاه ونار الاعتراف بالحقيقة للشرطة، ولم لا؟! قد يكون هدف خطته النهائي هو الانتقام منها، وتعذيبها كونها تخلّت عنه وتركته. ألم يهدّدها يومًا إن تركته سيجعلها تدفع الثمن؟! وواجهته بالحقيقة بشجاعة. تفاجأت ناديا من ردّ فعله، فقد احتضنها باكيًا معترفًا لها بكلّ شيء، وكلّ هدفه كان أن يستعيدها إلى مسرح حياته، وأن يثبت لها أنّ حبّهما سيتجلّى لها مهما كانت شخصيته، لأنّ الحبّ الصادق هو الأصفى والأبقى. أخبرها أنّه تغيّر كثيرًا بعدما تركته وحيدًا، وبات يقدّر الحياة الزوجيّة أكثر، بعدما افتقدها إلى جانبه، وعدها أن يسوّي كلّ أوضاعه في الشركة، وأن ينهض من جديد إن هي بقيت معه، وعادت إليه. شعرت ناديا بالدوار، وبينما كانت تحاول إبعاد نفسها منه، دخلت الشرطة لتلقي القبض عليه، بتهمة جريمتين، جريمة قتل، وجريمة احتيال!!

لم يستوعب فريد، الشقيق التوأم الحقيقي لطارق، كلّ هذه الأحداث دفعة واحدة، بعدما كان يظنّ أنّه فقد الأمل الأخير بلقاء أخيه، فإذ هو أمامه حيّ يرزق!! وهذه حقيقة أخرى كان على طارق إثباتها أمام المحققين، هويتّه الشخصية التي أضاعها. أمّا الحقيقة الأولى، فعليه إثبات أنّ لا علاقة له بتلك الجثّة المشوهة التي سرقها من المشرحة، والتي تبيّن أنّها تعود إلى رجل عُذّب حتّى الموت. تغاضى فريد عن احتيال أخيه، وعذره لما مرّ فيه من ضياع وتشتت، فالأهم عنده هو إثبات براءته. ناديا، كان ألمها مختلفًا. هي تدرك تمامًا أنّها لا تزال تحبّه مع كلّ ما اقترفه من أخطاء، وما جنته يداه من خطايا دمّرت حياتهما الزوحيّة، واليوم بعد هذا المسلسل المرعب بدت تراه رجلًا خطيرًا..فأين تقف، مع حبّها لتنتشله ممّا هو فيه، أم تتركه لمصيره وتغادر حياته مجددًا؟!!

وهي تحاول توديعه في السجن، أمسك بيديها وقبّلهما والدمعة تفرّ من عينيه، قائلاً لها: أعلم، أن مسامحتي أمر في غاية الصعوبة، وأنّ ما فعلته لأسترجعك كان جنونيًّا. ولكن هل تذكرين أوّل مرّة، كيف التقينا؟!!

سرقت نظرة إليه، وهي تحبس دمعتها كي لا يراها. وبينما كانت تغادر مبنى السجن، التقت بـ”فريد”، ودعاها للتعاون معًا لإظهار براءة طارق، رأى التردد في عينيها، والخوف يطبق على ملامح وجهها، فأستدرك الأمر، وقال: “أعلم، كلّ ما تحدّثين نفسك به. وأنت محقة. ولكنّي أسأل، ألا يمكن في مساحة ما من علاقتكما أنّه قد يستحق منك فرصة أخرى بعد!!

حين كانت ناديا تستغيث وهي تغرق في بحر بيروت، في يوم عاصف، والأمواج الهادرة تأخذها يمنة ويسرة، وتدفعها إلى القعر. أحست بيدين تسحبها، وتسحبها، وهي لا ترى شيئًا فقد أغمضت عينيها بعدما أسلمت قدرها للموت. فتحت عينيها على وجه يقول لها: “أيتها المجنونة، كدت تموتين!!”. فأحبّته وتزوّجته، وهي في قرارة نفسها تشعر أنّه مجنون مثلها ليكون هناك على الشاطئ في ذلك اليوم العاصف.

راجعت ناديا مع فريد، كلّ تفاصيل القضية مع المحامين، لا بدّ من ثغرة تكشف أول الحكبة. وكان نائب طارق في الشركة هو أوّل الخيط، حين علما أّنه من اقترح على زوجها سرقة تلك الجثة بالتحديد! غريب كيف يمكن أن يتحوّل الإنسان إلى وحش كاسر حين يتعلق الأمر بالمال والمنصب. فيا لبراعة خيال ذلك “النائب”، كيف خطّط، ونفّذ، وحرّك طارق ألعوبة بين يديه من دون أن يدري. وتلك قصّة أخرى.

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.