عبد الكريم سروش (دراسة تاريخية)

0

                      عبد الكريم سروش (دراسة تاريخية)

 

هشام علي شداد[1]

مقدمة

يزخر المجتمع الإيراني عبر تاريخه بأعلام فكرية ودينية وفنية كثيرة ولا يزال، هذه الأعلام شملت طروحاتهاعناوين ومضامين متنوعة ومتعددة، منها شخصية فكرية فلسفية، تميزت بإيجابية صمتها وعلانيتها. هي شخصية دخلت المجتمع الإيراني من أوسع أبوابه الراقية ونالت الاحترام والمكانة، كذلك النقد واللوم والتجريح، إنه الباحث حسين حاجي فرج الدّباغ المعروف علمياً وفكرياً باسم المفكر والفيلسوف “عبد الكريم سروش”.

ولد سروش في طهران من عام 1945م، وأكمل دراسته الثانوية في مدرسة علوي الدّينية، ثم تخرج من جامعة طهران فرع الصيدلة، سافر إلى بريطانيا عام 1973م لإكمال دراساته العليا بين علم الكيمياء والفلسفة، وبعد اتمام دراساته عاد إلى الجمهورية الإسلامية عام 1980م مستلماً مهاماً ثقافية، وأصبح عضواً في مجلس الثورة الثقافية، وهي هيئة مكلفة بأسلمة الجامعات والدروس الجامعية، ليعود بعد ذلك للتفرغ في مجال البحوث الفكرية والعمل الأكاديمي.

كانت موضوعات أبحاثه ومؤلفاته زاخرة داخل إيران وخارجها كفيلسوف ومؤرخ ناقد، جمع بين التاريخ في ماضيه وحداثته الحاضرة، منطلقاً من ثوابت وبراهين لإغناء التّجربة الإنسانية، فهو يقول “إن لبوس الثقافة القوميّة من لغة وأذواق وأساليب حياة ونقاط ضعف وقوة عقلية وخيالية وعادات وتقاليد ومألوفات ومسلمات فكرية وخزين لغوي ومفاهيمي يضيف على جسد العقيدة والفكر، ويخلع عليه نواقصه وكمالاته لا محالة([2])”

تعمق سروش في التاريخ وأدخله في أبعاده المتعددة، كعلم الفلسفة ونظريات المعرفة من خلال إطارها التّاريخي وبنى نظريّته من خلال مقاربة المعلومات والمعارف الدّينيّة من جهة، والمعارف العصريّة من جهة أخرى، فلقد عمل على تثبيت الاستنتاج كضرورة للوصول إلى الأهداف المرجوة، فليس ضروريًا أن تكون حصيلة مواجهة المعارف الدينية والمعارف العصرية متعارضة، فكان طرحه لنوع “المعرفة العصريّة” وماهيتها حاضراً في أحاديثه وكتاباته، التي أكدت أن هذه النظرية تتوافق بشكل كامل مع مجتمع هذا العصر وواقعه.

لقد استطاع تخطي كل المناقشات غير المبرهنة، وعمل على إعادة المكررات والخلفيات التّاريخية، وطرق التواتر، والشّياع التاريخي، وكل ما من شأنه أن يقف سدًا في وجه الكمّ الهائل من الأفكار، وأّنّه استطاع  بالاعتماد على فكره الذاتي، تثبيت بحوثه ونظرياته، التي تقدم فيها حتى الوصول إلى الينابيع الصافية والرقراقة للمبادئ والمعتقدات، فأي محقق أو منظّر ينبغي أن يتمتع بتدرج أفكاره في سياقها التّاريخي للكشف عن منهجه وكيفيّة التوصل إلى نظريته.

إن طريقة جمعه لنوعين من النّظام الفكري بالنسبة إليه وإلى غيره من المؤلفين لا بّد أن يكون له منهج وأسلوب معين، وأن يكون مستندًا إلى مصادر خاصة، أو مستلهمًا منها. صحيح أن العلوم الإنسانية متوافرة للجميع ولا مانع من الحصول عليها، إلا أنّ القليل جدًا من العلماء يمكن أن يكون الإلهام مصدرًا لنظرياتهم، فباستطاعة الباحث أن يصف لنا كيف توصل إلى نظريته، وما البواعث أو الموضوعات التي أدت به إلى اعتماد هذه النظرية، إلا أن جميع بحوث سروش تخلو من هذه النقطة، على حين يبدو هذا التوقع من سروش أكثر معقولية، ولا سيّما أنّه كان ينظر إلى الأمور من زاوية معرفية ومنهجية.

لقد جسد سروش في طريقة عرضه للأمور على النقد البناء([3])، معتمداً على مداخل فلسفية للتوصل إلى فكرة أو نظرية معينة نابعة من الشخص نفسه حتى لو كانت تتعارض مع أفكار الجميع، إلا أنّه حرص على المدخل الكلامي لكونه محلُ اهتمام بحفظ دين عامة الناس، فإنّه يحدد للكاتب أو للباحث إطاراً للمعتقدات المسبقة، ولا يهتم بالمدخل الفلسفي بغزو الأفكار أو استقطاب الدّعاة أو الأنصار عن طريق التكرار المستمر للموضوعات، فإمكانية حدوث مثل هذا الأمر تلقائيًا في ما بعد متوفراً، إلا أن المدخل الكلامي يرمي منذ البداية أن يكون مَعلمُ الأخلاق والتربية لعامة البشر، وأن يغرس في الأرض بذوراً تغطي كل الأرجاء في المستقبل، وهو يسعى لتحقيق هذا الهدف، ومن شواهد المدخل الكلامي للمؤلف هو من خلال تكرار موضوع واحد في اللقاءات العامة المتنوعة، والسعي إلى توسيع رقعة البحث لتشمل الذين لم يكونوا في معرضه، وهداية بعض التيارات عن طريق الأوساط والأدوات المعنوية، فالضرورة تقتضي في المدخل الكلامي أن يكون للمخاطَبين، في حين المدخل الفلسفي يعود إليه الآخرين، ويسمح المدخل الفلسفي بالتشكيك في كل شيء، ولا يخشى أن تكون بعض القضايا المطروحة مما لم يقل به أحد من ذي قبل، ذلك لأنه يؤمن بأن التشكيك يساعد ـــــ على الأقل في توضيح بعض الحقائق، من دون أن نغفل النقد لذلك، ضمن فكرة تطابق الشك باليقين.

إن ثوابت المدخل الكلامي، مهما كان متقدمًا وعصريًا، هي أن يقول كلمته الأخيرة، ويحتفظ بمعتقداته من دون مساس، لذا حسب الفارق بين المداخل الكلامية هو في نوعية المعتقدات ومن دون المساس بها، كذلك الفوارق بين المداخل الكلامية، فهو من نوعية المعتقدات الأساسية في حدودها، وليس في أصل انتسابها للكلام، كما رأى المدخل الفلسفي هو لوجود نوع من الحقيقة في جميع الأفكار التاريخية، والمعقتدات، والمنظومات الفلسفية، والمناهج والشرائع.

كان ثابتة المدخل الكلامي عند سروش سهلة وواضحة في بعض حقائقها التاريخية، وفي مناهج ونظرات الآخرين اليها، وبظهورها للعيان، بعكس المدخل الفلسفيّ فهو يخدع الباحث والفيلسوف في الإفصاح عن مصادر ومنابع أفكاره، وتعارضه للمدخل الكلامي ظاهر في هذا الطرح. فذكر المصادر والمنابع يقلّل من أهمية “القائد الفكري”([4])، كمصلح للاتباع من وجهة نظر المؤيدين له. إلا أنّ المدخل الفلسفي يقوم بنقد جميع النظريات، ليس لكي يصل إلى نقطة إيجابية، بل ليجد سلبيات الآخرين ونقد طريقة تفكيرهم، في حين أن المدخل الكلامي خلاف ذلك، وهو ما أطلق عليه تسمية “الكلام الجديد”([5] وهي مجموعة محاضرات ناقشها سروش من منطلقات تاريخية متعددة.

أولًا : الدين وفلسفته التاريخية

تمثلت نظريته الفلسفية الأولى بما عُرف “بالقبض والبسط في الشريعة”([6]) إضافةً لموضوعات أخرى سعى سروش بتحرّيرها انطلاقاً من فهمه للدين كاعتقاد وسلوك، فهي تدخل ابتداءً من موضوع “فلسفة الدين”، في ما عرف بنظرية ” بالثبات والتحول”،  على الرغم من أن نتائج هذا البحث واسع في هذا المجال، لذا يطرح السؤال أي نوع من فلسفة الدين هو؟ وما هي مجالاته؟ وأي مسار تاريخي سلكه؟

  • انبرى سروش لمناقشة فلسفة الدين كمدخل جديد من دون الإيمان العقائدي به، بل في موضوعاته الفلسفية المطروحة، وضمن مجالات محددة، منها ما طرح قديماً، على خلفية التشكيك في الظهور الديني، وعقائد المؤمنين وأصولها، والتحري عن مفاهيم الجمهور الدينية، والمقارنة بين الأديان، وهي من الموضوعات الشائكة، التي تحظى بالاهتمام التاريخي وديالكتيك الفلسفة، وقد تدخل هذه الموضوعات داخل إطار فلسفة الدين بمعناها المعاصر، فكتابة تاريخ فلسفة الدين ليس ميسراً دائماً بمعناه الحاضر والقديم، لذا أكد سروش في مباحثه العناوين الآتية([7]):
  • تعزيز الأدلة المثبتة والنافية لأنواع العقائد الدينية، لاسيّما الأدلة المثبتة والنافية لوجود الله تعالى، والبحث عن مبادئ وأسس كل منها.
  • معرفة ماهية العلم وارتباطه بالسلوك الديني.
  • ارتباط العلاقة بين التّجربة الدّينيّة والتجّربة العرفانيّة أو التّجربة الحسيّة.
  • كمال علاقة الدين بسائر أجزاء الثقافة البشريّة، أيٌ هي علاقة الدين بالعلم، الدين والفلسفة، والدين والفن.
  • ماهية الإيمان الديني، هل هي العقيدة المرجوة.
  • أحقية الوحي ودوره ومدى علاقته بأفعال وردود أفعال البشر انطلاقاً من الأنبياء.
  • تحديد أدوات تفسير النصوص الدينية أو مسألة التأويل.
  • دور الدين في الثقافة البشرية بشكل عام.
  • تحليل لغة الكتابات الدينية وتفسيرها أو منطق الخطاب الديني.
  • إمكانية إعادة بناء الدين في سياقاته غير التقليدية.
  • تدرج علم الإنسان الديني وارتباطه بمبادئ العلم المعاصر.
  • أنواع الرؤى الكونية الدينية وكيفيتها.

عُدّت مبادئ القضايا الدينية المطروحة ومناهجها انطلاقاً من بعدها الديني وارتباطها بعلم الاجتماع الإنساني، وبشكل عام، فلسفة العلوم الدّينية ضمن إطار إنساني هو خلاصة التّجربة البشرية، والتي هي أقدم  من تجربة الدّين في إطارها التّاريخي، لذا فإنّ كل عنوان هو جزءٌ من موضوعات فلسفة الدّين، كمثال؛ التّفكيك بين فلسفة السّياسة وبين فلسفة علم السياسة، لذا نجد أن العناوين المذكورة آنفاً على الرغم من تنوّعها، يستلزم عرضها ضمن إطار واحد، وهي تأخذنا إلى التثبت من([8]):

  • التدقيق العقلي.
  • منهج المواجهة الناقدة.
  • بلورة المفاهيم وتأطيرها.
  • عرض للتوضحيات المختلفة.

إن هذه الموضوعات سواء أكانت ضمن إطار الدين الواحد أو ضمن إطار تعدد الأديان،  فمعالجاتها هي عنوان من هذه المجالات الخاصة، ومن مشتركات الأديان أيضاً، لأن أي توجه تاريخي للمحقق أو الباحث أو الفيلسوف، يجب أن ينطلق أساسًا من معتقدات وقضايا الدين الواحد أو الأديان المختلفة بصورة متساوية، فالمحقق الدّيني يبدي لبعض القضايا اهتمامًا أكبر، وذلك إما بسبب رغباته الذاتية الخاصة، أو لتصورات مسبقة عن قضايا دينية، أو بسبب موقفه الفلسفي العام.

كان قسم من موضوعات سروش حول الدين تُطرح مباشرة بإطارها التاريخي كنوع من العلوم الدينية وارتباطه بعلم الكلام في سياقه التّاريخي، أو التفسير التاريخي في وقائعه، أو مفاهيم الأخلاق، كذلك هناك قسم آخر يأتي في إطار فلسفة الدين، وتأتي موضوعات سروش في ما يتعلق بمجال فلسفة الدين في تركيزها، ضمن تراتبية الموضوعات وتواصلها في سياقها التاريخي، لذا قدم سروش أفكاره وطروحاته ضمن اتجاه تقليدي تاريخي لمولوي وغزالي، وعبر فيه عن انطباعه العرفاني لحقيقة الدين، فهو يقوم بنقد البراهين العقلية، كما هو يعتقد أن عامة البراهين التي تُساق لإثبات وجود الله تعالى كبرهان إتقان الصنع، وبرهان الإجماع العام، وبرهان الإمكان والوجوب، والبرهان الأخلاقي، وبرهان الفطرة، وأشباه ذلك من الأبحاث يمكن أن تخضع للنقد والدراسة سواءً في مقدماتها أو في نتائجها، لأن ما يشكل غطاء لدراسات سروش وبحوثه هو تتبع المصادرات بالمطلوب في الاستدلالات، والتحقيق حول مختلف النظريات بأسلوب تتبع البدائل والنظر بنقد ودراسة مستنداتها وأدلتها، والتدقيق في المفاهيم وتتبع الدراسات المنطقية التي تشير إليها دراسات فلسفة الدين عند الغربيين([9])، بالإضافة إلى نماذج من براهين الثقافة الذاتية، لذا شكل هذا العمل برنامجًا بحثيًا طويل الأمد يستطيع سروش أن يواصله لسنوات طويلة.

لقد شكلت رغبات سروش مفتاحاً ومدخلاً أساسيًا لأبحاثه، وأساسًا لموضوعات الثبات والتحول، فبدأ البحث عن أنواع العلاقات بين الدين والعلم والفلسفة عن طريق المنهج التاريخي، وتتحدد فيه مكانة علم الكلام من بين المعارف الأخرى في هذا الإطار، من خلال مبدأ بحوث “الثبات والتحول”، وهي من نظرياته القائلة  “بالأجزاء المختلفة للمعرفة البشرية”، وهي في تعاطٍ مستمر في ما بينها، كما تقوم علاقة وثيقة في ما بينها، وإذا ما شهد العلم إبداعًا فإنه يترك تأثيره على علم المعرفة أو الفلسفة.

“إن تحول الفهم الفلسفي من شأنه أن يغير فهم الشخص حول الإنسان والكون، وعندما يأخذ الإنسان والكون وجهًا آخر، فإنّ المعرفة الدّينيّة تأخذ معنى جديدًا أيضًا”([10]). إنّ أحد المبادئ المهمة لنظرية الثبات والتحول هو هذا الترابط والتأثير المتبادل في المعارف البشرية، وعلى هذا الأساس فإن اتجاه الإنسان نحو الدين إنّما هو مسبوق ببداياته في الفلسفة ومعرفة الإنسان([11]). هذا الارتباط ليس ارتباطًا موضوعيًا حتى نبحث في هذه الدراسة عن الموضوعات وعن المقارنة بين تعاريف العلوم، بل “ينبغي النظر إلى المعارف في مجال التحقيق والولادة والنمو التّدريجي والتّاريخي لها، وفي هذا المجال توجد أنواع العلاقات بين العلوم والتي ليست موجودة في مجال التّعريف ولا يمكن أن تكون”([12])، وكذلك فإن هذه العلاقة ليست هي التوالد المنطقي والقياسي، بل يمكن أن تكون علاقة منهجية، أو علاقة في الارتباط تحت ظل نظرية واحدة.([13])

برز بحث التطور في المعارف البشرية عند سروش ابتداءً من تطور المعارف الذي هو موضوع عام وبديهي، ولا يستطيع أي شخص أن يعارض ذلك بسهولة، والآن إذا حسبنا المعرفة الدينية معرفة بشرية، فهي تتحول وتتطور بسبب ارتباطها بسائر المعارف الأخرى؛ “العلم هو سعي بشري لفهم الطبيعة، وفلسفة ما وراء الطبيعة هو سعي بشري لفهم الوجود، والمعرفة الدّينية هي سعي بشري لفهم الشريعة”([14]). ويمكن إثبات بشرية المعرفة الدّينية بما يلي: أولًا، أن نزعم أن للمعرفة الدّينية، كسائر المعارف الأخرى، هوية جماعية ومستمرة: “فللمعرفة الفلسفية هوية جماعية، وكل معرفة أخرى هي كذلك ليست مصنوعة ومخلوقة بواسطة شخص واحد، فالفلسفة هي هذا الموجود، وليس اللاموجود الذي يجب أن يكون، والمعرفة الدينية كذلك”.([15])

  • أن نقول إنّ الفهم الديني هو نسبي وعصري([16])، وأنّ هذه العصرية هي بيانٌ لأسباب تحول ومصادر تغذية الفهم الدّيني:”إنّ عصرية الفهم الدّيني تضم في آن واحد آلية تغذية، وآلية تكامل الفهم الدّيني”([17]). ولهذا الفهم العصرية أربعة معانٍ:
  • الفهم المنسجم والمتناغم مع علوم العصر.
  • الفهم المتأثر بعلوم العصر في المدلول والمضمون.
  • الفهم المجيب على التساؤلات النّظرية للعصر.
  • الفهم المجيب على المشاكل العلميّة للعصر.

وكل واحد من أنواع الفهم هو جزء من المعرفة الدّينية في بعدها التّاريخي”([18]).

  • أن نسحب مبدأ صعوبة التّوصل إلى حقيقة وماهية الأمور والذي هو أمر مهم في المعارف البشرية، إلى مجال المعرفة الدّينية أيضًا: “لا أظن أن طلاب الحقيقة واليقين تؤلمهم هذه الكلمة، إن الذين لا يَعُدُّون العلم والإدراك علمًا وإدراكًا إلا إذا كشفوا اللثام بواسطته عن وجه الحقائق، لا بد أن يكونوا متخلقين بالصبر والتحمّل أيضًا، وإنّهم لا يظنون بأنفسهم ولا سمنّونها بأن تصيب سهامهم الأهداف المطلوبة دون أقل قدر من العناء والمشقة… علينا أن لا نتخلى عن طلب اليقين، ولكن علينا أن نتجنب الظنّ الطفولي بأنّنا نحصل على تلك الجوهرة النفيسة بأزهد الأثمان”([19]) .
  • هو أنّ التّحول والتّطور في المعرفة الدّينية ليس ناجمًا عن المؤامر وخيانة: “إن تحول وتطور المعرفة البشرية، وكذلك المعرفة الدّينيّة ليس نتيجة مؤامرة الخبثاء ووسوسة الشياطين، بل هو من لزوم التّغييرات القهريّة في الكون، وحركة الذّهن، وسعة استيعاب الفهم، وطموحات الفكر وتطلعات الروح البشريّة المعادية للجهل”.([20])

كان اعتقاده بتحول المعارف ومنها المعرفة الدينية في بعدها التاريخي ضرورة في مجالها الثّقافي الدّيني وفي أوساط المتدينين وعلماء الدين على حد سواء، وإن هذه الضرورة هي حُكم من حيث مواجهته لحتمية آراء علماء الدين التقليديين في بحثهم للأمور المطروحة تبعاً لفهمها الواقعي بخصائصها التاريخية الصحيحة.

ثانياً : إعادة بناء الفكر الديني

شكل موضوع إعادة بناء معايير المعرفة الدينية وتغييرها أحد اهتمامات سروش الفكرية، وقد ظهر ذلك من خلال اهتمامه الكبير بأفكار الغزالي، ومطهري، وإقبال، وشريعتي، لاسيّما أن هؤلاء كانوا سبّاقين للنقاش بالأمور ذات البعد الدّيني الاصلاحي، وهي تتمحوّر حول ما يلي:

  • مكافحة الخرافات (عملية التهذيب).
  • التأكيد على الأبعاد والجوانب المغفولة والمجهولة والتذكير بها.
  • أخذ الأفكار الإيجابية من الآخرين وإضافتها وإلصاقها بالدين من دون الاهتمام بمدى انسجامها أو عدم انسجامها مع مبادئ الدين.
  • التمسك بكلمة (حسبنا كتاب الله) ومحاربة كل جديد.
  • التعرف إلى الأفكار الجديدة، في مجالات علم السياسة والاجتماع، والسعي لاستنباط الشواهد عليها من آيات القرآن الكريم.
  • العمل على تنمية الدين وإغنائه وتقويته عن طريق الهيمنة والإحاطة علمًا بالمبادئ والتعاليم الأصيلة للدين ودعمها بالقضايا الجديدة واستنباط حلولها بمهارة من الدين”([21]).

إن جميع تلك المعارف كان هدفها قرءاة البعد التّاريخي لتسلسل الأبعاد الدّينية ضمن إعادة بناء الدين وحرصه الدّائم على البعد العقائدي في ذلك. لذا حملت نظرة سروش ميزات متعددة لإعادة بناء الفكر الديني وهي الآتية:

  • أن يتشكل البناء جرّاء حصيلة ترابط الفكر الديني وتعامله والمعارف البشرية الأخرى([22]).
  • أن يتميز البناء بتعدد مداخله الاجتماعية والفلسفية والعلمية تبعاً للدين، فهي هندسة المعرفة في “إعادة البناء”.

نقد سروش مكانة قوة الدّين في بعدها التّاريخي كونه أمر سلبي وليس إيجابي، بمعنى إن المعرفة الدينية تستعيد قسمًا كبيرًا من مزاعمها السابقة، ذلك بأنّ معتقداتها الأساسية تبقى من دون مساس، وأن خلاصة الدين يجب أن تحفظ بواسطة المعتقدات الأساسية نفسها ، أي إن الله هو الذي يحافظ على خلاصة الدّين وديمومته، وهذا يتأكد بالعودة المستمرة والدائمة إلى الكتاب والسنة، كونه يجعل المؤمن دائم الارتباط بالمعرفة الدّينية. كما نظر سروش إلى الاجتهاد كأساسٍ تاريخي في أبعاده الدّينية وكتغيير في فروعه وليس تحوّلًا في المبادئ والأصول، فأيّ طارئ في مفهوم الاجتهاد له ارتباطات بتغييرات المجتمع، وهذا الأمر له مكانة متقدمة من خلال نظريته في إعادة بناء الفكر الدّيني، من خلال المحافظة على الثوابت الدّينية كأسس لهذه النظرية، وأن أي تغيير في المجتمع وتطوره يجب أن ينسجم مع هيكل تلك النظرية، وتبقى النّظرية قائمة وثابتة. وهذا خلافًا لأفكار مطهري، وإقبال، وشريعتي في بعض الأحيان، من خلال طروحاتهم وقراءة الأولين أفكارهم  واعتقاداتهم.

إن المستنير هو الذي يفعّل البحث بإعادة بناء الفكر الدّيني، أيّ هو الشّخص الذي يجيز الاجتهاد في الأصول أيضًا، إضافةً إلى قبوله بالتّحولات في العالم الخارجيّ وأصحاب العقول في عالم المعرفة والنّظرة الواقعية، يرى سروش أن المستنيرين الدّينيين هم الذين ينظرون إلى الدّين نظرة ِأساسية وفوقيّة([23])، ولذلك كان باستطاعتهم أن يطرحوا فهمًا جديدًا عن المبادئ والأسس، وهذا هو دور علماء المعرفة. والوجه الآخر لهذا الكلام هو أن علم المعرفة هو من معارف المرتبة الثانية، وإن دور علماء المعرفة هو التفرّج من دون الولوج بالنّقاش، والدور الآخر للمستنير الدّيني ـــــ حسب رأس سروش ـــــ هو التعرف إلى موارد الغفلة في المجتمع وعلى الأسرار([24]). ومفهوم التّعرف إلى موارد الغفلة مأخوذ من الغزالي، إذ كان يعتقد أنّ الدنيا دار الغفلة، وأمور الدّنيا تسير بغفلة، والمستنير يقوم من هذه الجهة ببيان ما يَغفُلُ عنه الآخرون، ولأنّه ينظر من أعلى فهو يخرج عن مجموعة علاقات ومقتضيات هذا العالم (حتى إنه يمكنه أن ينتهي إلى نوع من الشّخصية الأخلاقيّة والعرفانيّة للمستنير)، كذلك يتعمق المستنير في الأسرار التي لا يهتم بها الآخرون، لأنّ هذا المفهوم الخاص بالمستنير الدّيني ينبع من مفهوم الدّين في رأي سروش وليس من مفهوم الاستنارة، ذلك لأنّ المؤلف يرى حقيقة وجوهر الدّين في حيرة الإنسان تجاه سر الوجود.([25])

والدور الآخر للمستنيرين ورجال إعادة البناء الدّيني ـــــ حسب سروش ـــــ هو معرفة الآفات، لذا سلط سروش قراءاته في الثّمانينيات من القرن الماضي على آفات الحكومة الدّينية والنّظام التّعليمي الدّيني في نظام الجمهورية الإسلاميّة. فهو يرى “أنّ معرفة الآفات أمر مهم، وأنّ الحكيم هو الذي يتعرف إلى الآفات والأمراض”([26]). وحسب رأيه فإنّ آفات وأمرض النّظام التّعليمي الدّيني هي:

  • إضفاء القداسة على العلوم والمعارف الدّينية بسبب قداسة النّصوص الدّينية.
  • إطلاق تسمية الشبهة على السؤال.
  • تمتع اللغة العربية بالكثير من الاهتمام والتكريم.
  • مخاطبة عوام الناس على قدم المساواة.
  • عدم الالتزام بالنقد.
  • شيوع العناوين والألقاب والاهتمام بالظاهر.
  • تربية الخطباء.

وأيضًا يوجز آفات تداخل العمل والسّلطة النّاجم عن نيل السّلطة بوساطة علماء الدين، في ثلاثة أمور:

  • تأخذ الحوزة حديث (المؤسسة التّعليميّة الدّينيّة) بلغة السّلطة.
  • تتصدى السّلطة لسدّ الفراغ، عند ضعف منطق الحوزة في معالجة الأمور.
  • أن تؤدي الحوزة دور المنظّر والمبرّر لتصرفات السلطة ([27]).

يؤكد سروش على هذه الطريقة في كشف الآفات والأمراض، وهي مواجهة جادة مع القوى التّقليدية، ومن خلال هذه المواجهة مع القوى التّقليدية، ولاسيّما في سنة 1985 م، وما بعدها، إذ استلهم سروش منها قسمًا كبيرًا من قواعد اللعبة، وهذه القواعد تتلخص في ثلاثة أمور:

  • القيام بدور المنظّر.
  • الاهتمام بالتبليغ أكثر من التدريس.
  • المناقشات والصراعات اللفظيّة.

كان سروش في الأعوام الممتدة من عام 1978 ـــــ 1985م يؤدي دورًا فكريًا، وكان يستفيد من حرية الفكر حتى في مواجهة الماركسيين، كما أنّه في الأعوام التي تلت عام 1985م، لاسّيما في أبحاثه حول نظرية الثّبات والتّحوّل التّاريخي كان في بُعده أيديولوجيًا، من خلال رده على الشّبهات، وطرحه لأفكاره شأنها حل مشاكل ومعضلات هذا الجيل، كما أنّه طرح إطارًا ومنهجًا للبحث والتّحقيق، وصنّف المسائل والقضايا، وبكلمة صادقة، فهو ساعد تيار التّفكير البناء، أما أبحاث الثّبات والتّحوّل فهو نوع من العموميات من خلال ربط المعارف بعضها ببعض، فهي “التي تطرح بمثابة الاستراتيجية للراغبين، ولكن لا تُبذَلُ جهودٌ علمية في اتجاه توضحيها وفي أذهان الطلبة والجامعيين، كذلك طرحه لقضية البناء الفكري في كثير من المحاضرات ذات التأثير العلمي بفاعلية واضحة ومتينة([28]).

انبرى سروش بوصفه أستاذًا جامعيًا أن يسلك طريقًا آخر غير الطريق الحالي (بوصفه داعيًا لفكره)، فهو مفكر وأكاديمي يقيّم نظرية وفق أسس بنائيّة قائمة على معايير علميّة من منطلق تاريخيّ ونقدي فاعل ثم يتحدث بها، في حين المبلّغ والدّاعية يسعى لتعزيز نظراته في الأذهان ويستفيد لذلك من الأساليب المتناسبة لها. وكذلك فإنّ سروش خلال سنوات الجهد العلميّ لم يكن ممن يصارع الخصم على المنابر الصّحفيّة، وما كان يحصل، هو ردود، انطلاقاً من النّقد الذي تعرض له. لاسيّما من ناصر مكارم، وصادق لاريجاني.

تميزت شخصية سروش بإيمانه القلبيّ وشغفه بالعلم، ومعارضته للعالم الصّناعي، ومحاربته التّغرب بعنوانه الماديّ، لذا “ينبغي ألّا تتحوّل الحاجات إلى سقف لنمو العلم، فلا يجوز أن نسلّم أزِمَّة النّمو والتطور بيد الحاجات فالعمل لا ينمو ولا يتطوّر ما لم تُطرح فيه مفاهيم وتصورات جديدة”([29]).

آمن سروش بالقناعة أيّ “الاكتفاء بالموجود” لئلا يدخل عليه من أوصاف العيوب التي عرّفها، بالتسرّع، والتنافس المتزايد، وقتل القناعة، وإزالة القداسة، وتعميم الغفلة، وتلويث البيئة، والتكاثر، وإيقاظ هوى الألوهية، وإشعال نيران الطمع، وتغريب الإنسان عن ذاته، وإثارة الشّهوات الكامنة، وخلق الرّغبات الكاذبة، ووضع القوى المدمرة الرّهيبة في أيدي القاصرين، واستخدام الإنسان للإنسان، ومضغ الطّبيعة وجعلها حثالة لا تفيد، … وكل هذه الصفات يمكن بشكل من الأشكال أن تُرى بالعين أو تُستنبط بالعقل”([30]).

شكلت بحوث سروش وكتاباته تبنياً لأفكار التّحرر المسيحي لناحية التوجهات السلوكيّة في القرن العشرين، لكنه لم يصل إلى تبنيّ أفكارهم أو الدّفاع عنها بطريقة جامدة كغيره من الباحثين المنجرفين إلى النزعة الإنسانية المتحررة أو العلمانيّة الرافضة، بل أخذت المسألة عنده إطاراً نقدياً لآراء كلاميّة ونقداً لاعتقادات دينيّة تاريخيّة. وخلافًا للمتحررين المسيحيين، لا يرى سروش موضوع الأديان بلا أهمية تمامًا، فهو لا يعتقد أنه لا فائدة في صرف الوقت في موضوعات الأديان، ولكنه ـــــ مثل أولئك، قد جعل تاريخ فلسفة الدّين في مكان علم الكلام وأكد على الوجه الأخلاقيّ للدين بشكل كبير. إنّ تركيز سروش على الوجه العرفاني للدين ليس مساويًا للاتجاهات العقليّة للتّحرريين، إلا أنّه يقف في الوقت نفسه مع هذه الاتجاهات من جهة، والاهتمام بالحريّة في الدّرجة الأولى. وأيضًا لا يتفق سروش مع جناح “فلسفة الدّين التجريبية” في معسكر التّحرريين، ذلك لأنّ الفلسفة التّحليليّة تجعل القبول بأطر فلسفة الدين التّجريبيّة صعبًا.

لذا حملت حقبة الثّمانينيات في أواخرها توقيتاً فاعلاً عند سروش للابتعاد من الدّين كأيديولوجيا، والدّين كمفاهيم فقهية وما يستلزم ذلك، مثل تسييس الدّين، وأسلمة العلوم وتصور الحد الأعلى من الدّين، ولكنه حذر ويحذر من أن تُطرح أراؤه تحت عنوان المذهب العلماني أو النّزعة الإنسانيّة الدينيّة، بل ويتحدث أكثر من ذلك عن مواجهة الدّين للواقعيّات الخارجيّة والمعرفيّة ولكنه شخصيًا لا يفعل هذه المواجهة، لما لها من ردود فعل قاسية.

سروش قدّم نفسه كمنظر وفيلسوف محقق ومؤرخ للقضايا الفكرية انطلاقاً من منهجية نقدية لكثير من الموروثات التّاريخية، ليس اعتراضاً بل تصويباً وتحسيناً، كانت قراءاته وطروحاته الفكرية منطلقة من زاوية الاعتراض على ممارسات دينيّة ذات طابع فلسفيّ قائم بذاته ما جعل له المؤيدين والمعارضين على السواء، له كتب نقدية متعددة، وهو حالياً أستاذ جامعي محاضر في بلاد الاغتراب، لاسيّما الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا.

المصادر

  1. عبد الكريم سروش، صناعت وقناعت، تفرج صنع
  2. عبد الكريم سروش، نظرية القبض والبسط في الشريعة، انتشارات ايران، طهران 1979.
  3. عبد الكريم سروش، هويت تاريخي واجتماعي علم، تفرج صنع.
  4. انتظارات دانشكاه أز حوزه”، صحيفة سلام، 16/1/1371 ه. ش.
  5. نامة فرهنك، مجلة، العدد 3 (ربيع 1991).

 طالب في المعهد العالي للدكتوراه الجامعة اللبنانية الآداب والعلوم الإنسانية – قسم التاريخ.-1

 عبد الكريم سروش، نظرية القبض والبسط في الشريعة، انتشارات ايران، طهران 1979، ص: 85.([2])

 عبد الكريم سروش، نظرية القبض والبسط في الشريعة، ص: 86. ([3])

 عبد الكريم سروش، نظرية القبض والبسط في الشريعة، ص: 88. ([4])

 عبد الكريم سروش، نظرية القبض والبسط في الشريعة، انتشارات ايران، ص: 89.([5])

 عبد الكريم سروش، المرجع نفسه، ص: 92.([6])

 عبد الكريم سروش، المرجع نفسه، ص: 92.([7])

 عبد الكريم سروش، نظرية القبض والبسط في الشريعة، ص: 87.([8])

 عبد الكريم سروش، نظرية القبض والبسط في الشريعة، ص: 87.([9])

([10])  عبد الكريم سروش، المرجع نفسه، ص: 85.

([11])  عبد الكريم سروش، نظرية القبض والبسط في الشريعة، ص: 89

([12])  عبد الكريم سروش، المرجع نفسه، ص: 319 .

([13])  عبد الكريم سروش، المرجع نفسه، ص: 304 ـ 308 .

([14])  عبد الكريم سروش، المرجع نفسه، ص: 245-271.

([15])  عبد الكريم سروش، المرجع نفسه، ص: 247.

([16])  عبد الكريم سروش، المرجع نفسه، ص: 298.

([17])  عبد الكريم سروش، المرجع نفسه، ص: 277- 278.

([18])  عبد الكريم سروش، نظرية القبض والبسط في الشريعة، ص: 157.

([19])  عبد الكريم سروش، المرجع نفسه، ص: 112 ـ 113.

([20])  عبد الكريم سروش، المرجع نفسه، ص: 92.

([21])  عبد الكريم سروش، نظرية القبض والبسط في الشريعة، ص: 368.

([22])  عبد الكريم سروش، المرجع نفسه، ص: 38.

([23])  عبد الكريم سروش، نظرية القبض والبسط في الشريعة، ص: 54.

([24])  عبد الكريم سروش، المرجع نفسه، ص: 57.

([25])  نامة فرهنك، مجلة، العدد 3 (ربيع 1991)، ص: 7.

([26])  انتظارات دانشكاه أز حوزه”، صحيفة سلام، 16/1/1371 ه. ش.

([27])  انتظارات دانشكاه أز حوزه”، صحيفة سلام، 16/1/1371 ه. ش.

 عبد الكريم سروش، نظرية القبض والبسط في الشريعة، ص: 120.([28])

([29])  عبد الكريم سروش، هويت تاريخي واجتماعي علم، تفرج صنع، ص: 226.

([30])  عبد الكريم سروش، صناعت وقناعت، تفرج صنع، ص: 297.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.